ومن البدع التي ظهرت وانتشرت واستشرت في المجتمعات الإسلامية، وخصوصا في أيام شهر ربيع الأول - بدعة المولد النبوي، ولما كانت البلوى قد عمت بها في هذه الأزمان، رأينا أن نعرض لها بشيء من التفصيل، فنقول وبالله التوفيق:
إن الأصل في هذا الدين الذي دلت عليه الدلائل القطعية من الكتاب والسنة: أن لا يعبد إلا الله، وألا يعبد الله إلا بما شرع - سبحانه - في كتابه، وفي سنة رسوله - ﷺ -، ومن هنا قال أهل العلم: إن العبادات توقيفية، بمعنى: أن المسلم لا يتقرب إلى الله إلا بما شرعه - ﷾ -، وبينته سنة رسوله - ﷺ -، أما من قصد التقرب إلى الله بأعمال ظنها حسنة في عقله أو أخذها عن غيره وإن كان معظما من العلماء أو من غيرهم - فهذا عمله مردود مبتدع وإن
[ ١٠٥ ]
قصد الخير؛ لذا جاء عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: (وكم من مريد للخير لن يصبه) . قاله لأقوام يسبحون ويكبرون ويهللون ويحمدون، ويعدون ذلك بالحصى، ولما نهاهم قالوا: (ما أردنا إلا الخير)
وهنا أصل أيضا متقرر معلوم عند علماء الإسلام، وهو أنه عند حدوث التنازع يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، فما وجدناه فيه أخذنا به وعلمنا به، وما لم نجده لم نتقرب إلى الله به.
يقول الله - ﷿ - ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) ويقول - سبحانه - أيضا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)
_________________
(١) سورة النساء الآية ٥٩
(٢) سورة الحشر الآية ٧
[ ١٠٦ ]
ويقول - ﷺ - في حديث عائشة - ﵂ - الذي عده أهل العلم ميزان العمل الظاهر - يقول - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)»
إذا تقرر هذا - وهو بحمد الله متقرر عند علماء الإسلام - نرجع إلى مسألة المولد النبوي، فنقول: لما كان بعض العلماء المتأخرين قد استحسنها، وقد شنع فيها غيرهم من العلماء والمحققين وذكروا بدعيتها، فكانت عندنا من مسائل التنازع، فهنا نرجع إلى الأصل في مسائل التنازع، ألا وهو الرد إلى كتاب الله،
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٨ \ ١٥٦) معلقا، و[صحيح مسلم] (٣ \ ١٣٤٣، ١٣٤٤) رقم الحديث (١٧١٨) (١٨)
(٢) صحيح البخاري الصلح (٢٦٩٧)، صحيح مسلم الأقضية (١٧١٨)، سنن أبو داود السنة (٤٦٠٦)، سنن ابن ماجه المقدمة (١٤)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٢٥٦) .
[ ١٠٧ ]
وإلى سنة رسوله - ﷺ -، ونحن إذا رجعنا لكتاب الله لم نجد لهذه المسألة أصلا يعتمد عليه، وبتتبع سيرته وسنته - ﷺ - لم ينقل لنا أنه أمر بالاحتفال بمولده، أو أنه احتفل - ﷺ - بمولده، أو أن أحدا احتفل بمولده في عهده - ﷺ - فأقره، مع أنه - ﷺ - قد عاش ثلاثا وستين سنة، وقد صحبه وآمن به رجال هم أشد الناس محبة له وتوقيرا وتعظيما وفهما لمراد الله والرسول، بل بذلوا أرواحهم دفاعا عنه - ﷺ - وذبا عن دينه - ﷺ -، وحرصوا على متابعته في كل صغيرة وكبيرة، ونقلوا لنا سنته - ﷺ - ولم يخلوا بشيء منها، حتى نقلوا لنا اضطراب لحيته في الصلاة إذا استفتح، فلا يمكن أن يكون الاحتفال بالمولد قد عمل في زمنه - ﷺ -، ولم ينقل مع تعاقب السنين وتوافر الهمم والدواعي لنقله.
ثم نظرنا أفضل القرون بعده - ﷺ - وأحب الناس إليه وهم أصحابه، فلم ينقل عنهم ناقل أنهم احتفلوا بمولده - ﷺ - لا أبو بكر الصديق - ﵁ -، ولا عمر الفاروق
[ ١٠٨ ]
- ﵁ -، ولا عثمان ذو النورين - ﵁ -، ولا على بن أبي طالب صهر النبي - ﷺ - وابن عمه وأبو سبطيه - ﵃ -، ولا غيرهم من الصحابة - ﵃ -، بل ولا التابعين ومن تبعهم بإحسان لا في المائة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، مع قيام المقتضي - الذي يذكره أهل العصر الآن - وانتفاء المانع الحسي من ذلك.
فعلم انهم إنما تركوه لقيام المانع الشرعي وهو أنه أمر لم يشرعه الله ولا رسوله - ﷺ -، ولا هو مما يحبه الله ويرضاه ولا مما يقرب إليه زلفى، بل هو بدعة حادثة تتابع على تركها أفضل البشر - ﷺ -، وأفضل القرون - ﵃ -، وأفضل علماء الأمة علماء الصدر الأول من الإسلام، وفي هذا الدليل العظيم والأصل الأصيل مقنع لمن فتح الله على قلبه وأنار بصيرته ورزقه التوفيق والهدى والسداد.
وهذا الذي ذكرناه من أن السلف لم يفعلوا هذا
[ ١٠٩ ]
المولد اتفق عليه علماء المسلمين ممن يرى إقامة المولد ومن لا يراه.
والاحتفال بالمولد إنما حدث في القرن الرابع على يد بني عبيد القداح الذين يسمون بـ (بالفاطميين)، وهؤلاء القوم قد بان لعلماء الإسلام ضلالهم وأنهم من الإسماعيلية الباطنية، ولهم مقالات وأفعال كفرية فضلا عن البدع والمنكرات، فليسوا أهلا للاقتداء والتأسي.
ثم إن الله - ﷾ - قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة فقال - سبحانه -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)
وإحداث مثل هذه الموالد فيه استدراك على الله، وأن الدين لم يكمل حتى جاء في القرون المتأخرة من زاد فيه، ولا شك أن هذا تكذيب لظاهر القرآن واستدراك على الملك العلام، نعوذ بالله من الخذلان.
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٣
[ ١١٠ ]
ثم إن رسول الله - ﷺ - قال في الحديث الصحيح عنه - ﷺ -: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم (١)»
ولا شك أن نبينا محمدا - ﷺ - هو خاتم الأنبياء، وأفضلهم وسيدهم وأنصحهم لأمته وأوضحهم بيانا وأفصحهم لسانا، فلو كان الاحتفال بالمولد خيرا وقربة لبادر - ﷺ - لبيانه لأمته ولدلهم عليه وحثهم، فلما لم ينقل ذلك علمنا قطعا أنه لا خير فيه، فضلا عن كونه قربة لله سبحانه.
ثم أيضا يقال لمن أراد الاحتفال بالمولد النبوي: في أي يوم تحتفل؟ وذلك لأن أهل السير قد اختلفوا في مولده ﷺ.
فمنهم من قال: في رمضان، ومنهم من قال: في ثامن ربيع الأول، ومنهم من قال: إنه في ثاني عشر ربيع
_________________
(١) [صحيح مسلم] (٣ \ ١٣٧٢، ١٣٧٣) رقم الحديث (١٨٤٤)
[ ١١١ ]
الأول، وقيل غير ذلك. فكيف يتم لكم الاحتفال؟ أم هل ترى ولادته قد تكررت؟
إن الاضطراب في تحديد تاريخ ولادته التي هي مبنى الاحتفال عند من يحتفل به دال أنه ليس من الشرع في شيء، إذ لو كان مشروعا لاعتنى المسلمون بضبطه وبيانه شأنه شأن مسائل الشرع والقرب الأخرى.
ثم أيضا يقال: هب أن مولده - ﷺ - في ربيع الأول، فإن وفاته - ﷺ - كانت أيضا في شهر ربيع الأول، أي في نفس الشهر فليس الفرح بمولده بأولى من الحزن على وفاته - ﷺ -، وهذا ما لم يقل به أحد من قبل.
هذا وإن هذه المسألة واضحة بحمد الله لمن أمعن النظر ودققه وبحث ومحص، ولم يكن ديدنه التقليد دون دليل، وإن هذه المسألة مما لبس بها إبليس لإغواء بني آدم وإضلالهم.
وقد وجد في هذه الموالد من المفاسد ما يظهر معه
[ ١١٢ ]
جليا أنها تلبيس إبليس، وذلك من أمور:
منها: اعتقاد التقرب إلى الله بهذا الاحتفال، وقد قدمنا أن الأصل في القربات التوقيف والدليل، ولا دليل هنا.
ومنها: ما يحصل فيها من منكرات عظيمة، منكرات عقدية، ومنكرات أخلاقية:
فمن المنكرات العقدية - وهي أخطرها -: ما يحدث فيها من المدائح التي قد جاء في بعضها الغلو فيه - ﷺ - حتى أوصلوه لمرتبة الألوهية وصرفوا الدعاء له، يقول البوصيري في بردته:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
نعوذ بالله من الخذلان، فأين رب السماوات والأرض؟ أين الرحيم الرحمن؟ إذا صرف للرسول - ﷺ - اللياذ وخصه بذلك في حال الشدة.
ويقول أيضا في مبالغة أخرى وغلو زائد:
[ ١١٣ ]
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
ولا شك أن هذا محض حق الله، وقد صرفه للرسول - ﷺ -، دفعه لذلك الغلو الزائد وإرجاف إبليس وجنده الذين ينشطون في مثل هذه المواطن. وهذا من الشرك الذي أخبر الله أنه لا يغفره، نسأل الله السلامة والعافية.
ومما يحدث في الموالد: المنكرات الأخلاقية، وما يحدث فيها من اختلاط الرجال بالنساء، بل ورقصهن معهم والسهر الطويل على ذلك، حتى أضحت مرتعا للفساق والبطالين ومناخا مناسبا لهم.
ومنها: ما قام به البعض من الإنكار على من لم يعمل هذه الموالد، بل وصل ببعضهم الأمر حتى كفروهم وكفروا من ينكرها.
ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم وتزيينه لهم وإشراب قلوبهم هذه البدعة المنكرة، والعياذ بالله.
[ ١١٤ ]
فابتدعوا بدعة، وعملوا بها ثم كفروا من لم يتابعهم، ومن أنكر عليهم نصحا لهم ليردوهم إلى دين الله القويم، وهذا من شؤم البدع والمعاصي؛ إذ لا تزال بصاحبها حتى ترديه، والعياذ بالله.
هذا وربما استدل بعض من يقيم هذه الاحتفالات بأدلة يظنها حقا وهي في الحقيقة سراب بقيعة، وهي دائرة بين نص صحيح غير صريح بل ومحرف عن موضعه ونص ضعيف لا تقوم به حجة.
فمن ذلك ما استدل به بعضهم من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١) قال: إن الفرح به مطلوب بأمر القرآن وذكر الآية، ثم قال: فالله أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي - ﷺ - أعظم الرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) هكذا قال
_________________
(١) سورة يونس الآية ٥٨
(٢) سورة الأنبياء الآية ١٠٧
[ ١١٥ ]
واستدل.
فنقول وبالله التوفيق والسداد:
أولا: هذا الاستدلال بالآية لم يسبقه إليه السلف، ولا قالوا به، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وإحداث أمر لم يعهده السلف مردود على صاحبه، ومدار تفاسير السلف لهذه الآية وأقوالهم فيها على أن فضل الله ورحمته يراد بها الإسلام والسنة، كما بين ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية) .
ثم يقال أيضا لهذا المستدل: إنك فسرت الرحمة هنا والفرح بها بالمولد النبوي والفرح به، وعضدت ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وهذه الآية في إرساله لا في مولده وبين مولده وإرساله ما يقارب الأربعين عاما. وهكذا جميع النصوص التي فيها وصف النبي - ﷺ - بالرحمة، إنما يوصف بها بعد
_________________
(١) سورة الأنبياء الآية ١٠٧
[ ١١٦ ]
البعثة والإرسال والنبوة، ولم يثبت فيما نعلم وصف مولده بالرحمة، فلا يتم له الاستدلال بالآية.
وربما استدل بعضهم بما أخرجه البيهقي عن أنس - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - عق عن نفسه»، فخرج السيوطي على هذا الحديث عمل المولد.
ويجاب عن هذا: بأن الحديث ضعيف أنكره أهل العلم بالحديث، قال مالك - ﵀ - لما سئل عن هذا الحديث: (أرأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين لم يعق عنهم في الجاهلية، أعقوا عن أنفسهم في الإسلام؟ ! هذه الأباطيل) والحديث فيه عبد الله بن محرر وهو ضعيف، قال
[ ١١٧ ]
عبد الرزاق - ﵀ - بعد أن ذكر الحديث في [مصنفه]: (إنما تركوا ابن محرر لهذا الحديث)، ذكر ذلك ابن القيم في [تحفة المودود]
وفي [مسائل أبي داود]: أن أحمد - ﵀ - حدث بهذا الحديث قال: هذا منكر، وضعف عبد الله بن محرر.
بل قال البيهقي - ﵀ - راوي الحديث: روى عبد الله بن محرر في عقيقة النبي - ﷺ - عن نفسه حديثا منكرا، ذكر الحديث بإسناده ثم قال: قال عبد الرزاق: إنما تركوا عبد الله بن محرر لحال هذا الحديث. وقد روي من وجه آخر عن قتادة، ومن وجه آخر عن أنس، وليس بشيء. ا. هـ
[ ١١٨ ]
وكذلك حكم النووي - ﵀ - على الحديث بالبطلان، وبهذا يتبين سقوط الاستدلال به لما عرفت من حاله.
ولهم استدلالات أخرى كلها لا تقوم بها حجة، وإنما هي كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (١)
وما هي إلا اتباعا للمتشابه الذي أخبر - سبحانه -: أن اتباعه هو طريق أهل الزيغ.
وبهذا يتضح لك أيها الموفق: أن هذه الاحتفالات والأعياد بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، وأنها مضاهاة لما عليه النصارى الضالين من تكثير الأعياد والاحتفالات، وما ذاك إلا لقلة الدين وضعف العلم.
وقد أخبرنا - ﷺ - بذلك حيث قال: «لتتبعن سنن من كان
(٢)
_________________
(١) سورة النجم الآية ٢٣
(٢) [مسند الإمام أحمد] (٢ \ ٥١١) واللفظ له، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، و[صحيح البخاري] (٨ \ ١٥١) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -
[ ١١٩ ]
قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»
نسأل الله لنا ولسائر المسلمين التوفيق والسداد، والهداية لطريق الحق والرشاد.
[ ١٢٠ ]