أن محمدا رسول الله ﷺ
أيها الأخوة في الله، قد بينا فيما سبق حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله، التي من عمل بها والتزم بها ظاهرا وباطنا فهو الصادق في شهادته، ومن خالفها فإنه على خطر عظيم.
والمخالف لهذه الشهادة أقسام:
فقسم: لا يؤمن برسالة محمد - ﷺ - وينكرها جملة وتفصيلا، تكذيبا أو عنادا، كحال المشركين.
وقسم: يؤمن برسالة النبي محمد - ﷺ - لكن ينكر عمومها، ويقول: إنها خاصة بالعرب، كحال طوائف من أهل الكتاب.
ويقال لهؤلاء وأولئك: يقول الله - ﷿ - لرسوله - ﷺ -:
[ ٩٢ ]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ويقول - ﷾ -: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) ويقول - سبحانه -: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣)
وليس مقصودنا في هذه الكلمة استقصاء الرد على هؤلاء وغيرهم من الطوائف، فإن علماء الإسلام وأئمتهم قد أجادوا في ذلك، وصنفوا فيها المصنفات، فمن أراد الاستزادة فعليه مراجعة المطولات.
وقسم: يشهدون أن محمدا رسول الله، وينتسبون للإسلام، لكنهم خالفوا حقيقة هذه الشهادة بأنواع ومراتب من المخالفات، بعضها أعظم من بعض.
_________________
(١) سورة سبأ الآية ٢٨
(٢) سورة الأعراف الآية ١٥٨
(٣) سورة الأنعام الآية ٣٣
[ ٩٣ ]
فقسم منهم: بالغ في الغلو فيه - ﷺ -، وجعله نورا أزليا ينتقل في الأنبياء، حتى جاء - ﷺ -، ومنهم من يزعم أنه مظهر يتجلى الله فيهن والعياذ بالله.
فالأول: قول الغلاة الشيعة والباطنية، وأيضا غلاة الصوفية.
والثاني: هو قول أهل وحدة الوجود.
وكل هذه أقوال كفرية لا تصدر عن قلب مؤمن، وإنما يزخرف فيها القول، وتلبس لباس الإسلام؛ تمويها على العوام. وإلا فهي مضاهاة لقول من سبق من الأمم الكافرة، مثل اعتقاد النصارى في المسيح، وأنه إله في صورة إنسان.
والرسول - ﷺ - إنما هو بشر، وعبد من عباد الله، اصطفاه الله وشرفه بأن كان خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، وبشريته تنفي ما زعم فيه من المزاعم الباطلة التي ذكرت سابقا وما شابهها.
[ ٩٤ ]
يقول الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٢) وقال - ﷺ -: «إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون (٣)»
وغير ذلك من الأدلة والنصوص الدالة قطعا على بشرية محمد - ﷺ -، وأن الله - سبحانه - إنما ميزه بالرسالة والنبوة، أما الغلو فيه ورفعه فوق منزلته فهذا مخالف لحقيقة رسالته، ومخالف لـ (شهادة أن محمدا رسول الله) .
_________________
(١) سورة الكهف الآية ١١٠
(٢) سورة الإسراء الآية ٩٣
(٣) [صحيح البخاري] (١ \ ١٥٠. ١٠٤)، و[صحيح مسلم] (١ \ ٤٠٢) رقم الحديث (٥٧٢) (٩٢)
[ ٩٥ ]
وقسم منهم: غلا فيه أيضا، بأن صرف له - ﷺ - أنواعا من العبادة، مثل: الدعاء، والخشوع، والصلاة إلى قبره، ونحو ذلك مما هو من خالص حق الله ﷿.
وقد حذر النبي - ﷺ - أمته من ذلك، وشدد فيه، وأبدأ فيه وأعاد، بل قبل ذلك القرآن الكريم، فإن الله - سبحانه - خص الدعاء والخضوع والصلاة ونحوها من العبادات به سبحانه.
ويقول - ﷿ -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١)
ويقول - سبحانه - واصفا أفضل عباده: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٢)
_________________
(١) سورة غافر الآية ٦٠
(٢) سورة الأنبياء الآية ٩٠
[ ٩٦ ]
وقال - سبحانه - لرسوله - ﷺ -: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) وقال أيضا - ﷿ - آمرا نبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)
وقال - ﷺ - في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب - ﵁ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله (٣)» أخرجاه.
وفي [الصحيحين] أيضا عن عائشة - ﵂ - قالت: «لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "؛
(٤)
_________________
(١) سورة الكوثر الآية ٢
(٢) سورة الأنعام الآية ١٦٢
(٣) [صحيح البخاري] (٤ \ ١٤٢)
(٤) [صحيح مسلم] (١ \ ٣٧٦) رقم الحديث (٥٢٩)
[ ٩٧ ]
يحذر ما صنعوا قالت عائشة - ﵂ -: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا»
ونهيه - ﷺ -، وتشديده في اتخاذ القبور مساجد بالصلاة لله عندها، وإخباره بلعن من فعل ذلك، مع أنه لم يعبدها ولم يدعها، وإنما ذلك ذريعة لعبادتها والشرك بها، فكيف بمن عبدها، وتوجه إليها، ونذر لها، وطاف بها، وذبح لها، ودعا أهلها، وطلب منهم النفع والضر.
قال القرطبي - ﵀ -: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي - ﷺ - فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة لقبره - ﷺ -، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة - إذا كان مستقبل المصلين - فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر
[ ٩٨ ]
الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. اهـ (١)
وبهذا يتبين أن الله - سبحانه - قد صان قبره - ﷺ - إجابة لدعائه - ﷺ -: «اللهم لا تجعل قبر وثنا يعبد (٢)» وأن من توجه إليه إنما هو في الحقيقة قاصد لما قام في قلبه أنه قبر النبي - ﷺ -، وإلا فقبره - ﷺ - لا يمكن استقباله ولا الوصول إليه.
بل هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله تعالى -: إن الوصول إلى قبره - ﷺ - غير مقدور ولا مأمور ا. هـ. وذلك بعد إحاطته بثلاثة جدران.
_________________
(١) [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم] للإمام القرطبي، ط \ دار ابن كثير (٢ \ ١٢٨)
(٢) [موطأ الإمام مالك] رواية يحيى بن يحيى الليثي، عن عطاء بن يسار مرسلا ص (٤١٤)
[ ٩٩ ]
وقسم: غلوا فيه - ﷺ -، وزعموا أنه يعلم الغيب ويعلم أحوالهم وما هم عليه، بل وصل بعضهم أن زعم أنه يشاهده ويجتمع به يقظة لا مناما.
وهذا تكذيب لكتاب الله وكفر بالله - ﷿ -، يقول - سبحانه -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) ويقول - ﷿ -: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٣)
ويقول - ﷾ - آمرا نبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٤)
_________________
(١) سورة النمل الآية ٦٥
(٢) سورة هود الآية ١٢٣
(٣) سورة الرعد الآية ٩
(٤) سورة الأنعام الآية ٥٠
[ ١٠٠ ]
ويقول - ﷿ - آمرا نبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)
وأما أدلة وفاته - ﷺ - فكثيرة:
منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢) وقوله - ﷿ - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣) ومنها قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٤) وفي حديث عائشة في قصة وفاته - ﷺ -، وفي آخرها قال - ﷺ -: «في الرفيق الأعلى (٥)» ثم فاضت روحه - ﷺ.
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٨٨
(٢) سورة الزمر الآية ٣٠
(٣) سورة الأنبياء الآية ٣٤
(٤) سورة آل عمران الآية ١٨٥
(٥) [صحيح البخاري] (٥ \ ١٣٨، ١٣٩) و(٧ \ ١٩٢)
[ ١٠١ ]
وقسم من الناس: جفا في حق النبي المصطفى - ﷺ -، وسنته الصحيحة، فأخذوا ينكرون طائفة من أحاديث النبي - ﷺ -، تارة بدعوى أن العقل لا يقبلها، فلما تعارض فهم عقولهم مع ما صح سنده من سنة المصطفى - ﷺ - نبذوا السنة وراء ظهورهم؛ تقديما منهم للعقل على النقل، وما علموا أن العقل الصريح لا يمكن أن يعارض النقل الصحيح، ومتى توهم هذا التعارض فإن المتهم في ذلك عقل من توهم التعارض، وإلا فالنص الصحيح مقدم بكل حال.
وهذا القسم من الناس ضال مبطل، مخالف لمقتضى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ.
وقد تقدم بيان الأدلة في ذلك، ونقل قول الشافعي - ﵀ -: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
وتارة يرد السنة بدافع الهوى وغلبة الشهوات، وقد كثير هذا في الأزمان المتأخرة، حتى صار ينطق في الأمور
[ ١٠٢ ]
الشرعية بتحليل أو تحريم من ليس أهلا لها، وهذا من أعظم الجرم.
يقول الله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)
هذا وإن من الناس من خالف حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله بما هو دون الكفر، وإن كان خطيرا يجب الحذر منه.
فمن ذلك: الحلف بالنبي - ﷺ - وهذا شرك أصغر، وذريعة للشرك الأكبر.
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٣٦
(٢) سورة الأعراف الآية ٣٣
[ ١٠٣ ]
يقول - ﷺ -: «من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك (١)» وفي الحديث الآخر: «لا تحلفوا بآبائكم (٢)»
وقسم من الناس: خالف حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله بالابتداع في الدين، وكل بدعة أحدثت فهي مخالفة لحقيقة شهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن من حقيقتها ألا يعبد إلا الله إلا بما شرع - ﷺ -، فإذا تقرب العبد لله بالبدع فقد خالف مدلول الشهادة.
_________________
(١) [سنن أبي داود] (٣ \ ٥٧٠) رقم الحديث (٣٢٥١)، و[سنن الترمذي] (٤ \ ١١٠) رقم الحديث (١٥٣٥) واللفظ له
(٢) [صحيح البخاري] (٤ \ ٢٣٥)، و[صحيح مسلم] (٣ \ ١٢٦٧) رقم الحديث (١٦٤٦) من حديث ابن عمر ﵄
[ ١٠٤ ]
فصل