لنبي الهدى والرحمة ﷺ واتباعهم له
كان أبو بكر الصديق - ﵁ - من أكثر الناس نصرة للنبي - ﷺ - وأشدهم به إيمانا، وكانت له مواقف كثيرة مشهودة، تدل على شدة المحبة وعظيم الإيمان:
فمنها: ما جاء في [الرياض النضرة في مناقب العشرة] لأبي جعفر أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري:
وعن أم سلمة - ﵂ - قالت: «كان أبو بكر خدنا للنبي - ﷺ -، وصفيا له، فلما بعث - ﷺ - انطلق رجال من قريش على أبي بكر، فقالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك هذا قد جن، قال أبو بكر: وما شأنه؟ قالوا: هو ذاك في المسجد يدعو إلى توحيد إله واحد، ويزعم أنه نبي، فقال أبو بكر: وقال ذاك؟ قالوا: نعم، هو ذاك في المسجد.
(١)
_________________
(١) [الرياض النضرة في مناقب العشرة] الإمام أبي جعفر الطبري، تحقيق \ عيسى عبد الله محمد مانع الحميري، ط \ دار الغرب الإسلامي - بيروت، عام ١٩٩٦م الطبعة الأولى (١ \ ٤١٥)
[ ٨١ ]
يقول: فأقبل أبو بكر إلى النبي - ﷺ - فطرق عليه الباب، فاستخرجه، فلما ظهر له، قال له أبو بكر: يا أبا القاسم، ما الذي بلغني عنك؟ قال: " وما بلغك عني يا أبا بكر؟ ! " قال: بلغني أنك تدعو لتوحيد الله، وزعمك أنك رسول الله، فقال النبي - ﷺ -: " نعم يا أبا بكر، إن ربي - ﷿ - جعلني بشيرا ونذيرا، وجعلني دعوة إبراهيم، وأرسلني إلى الناس جميعا ". قال له أبو بكر: والله ما جربت عليك كذبا، وإنك لخليق بالرسالة؛ لعظم أمانتك، وصلتك لرحمك، وحسن فعالك، مد يدك، فأنا أبايعك، فمد رسول الله - ﷺ - يده، فبايعه أبو بكر وصدقه وأقر أن ما جاء به الحق، فوالله ما تلعثم أبو بكر حيث دعاه رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام» اهـ.
[ ٨٢ ]
وأخرج الحاكم في [مستدركه] من حديث عائشة - ﵂ - قال: «لما أسري بالنبي - ﷺ - إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر - ﵁ -، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أوقال ذلك؟ ! قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أوتصدقه إنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ ! قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر الصديق (١)» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وحديث عائشة - ﵂ - قالت: «لقل يوم كان
(٢)
_________________
(١) [المستدرك على الصحيحين] الإمام الحاكم، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند، عام ١٣٣٤هـ (٣ \ ٦٢)
(٢) [صحيح البخاري] (٣ \ ٢٣، ٢٤)
[ ٨٣ ]
يأتي على النبي - ﷺ - إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا، فخبر به أبو بكر، فقال: ما جاءنا النبي - ﷺ - في هذه الساعة إلا لأمر حديث، فلما دخل عليه، قال لأبي بكر: " أخرج من عندك " قال: يا رسول الله، إنما هي ابنتاي - يعني عائشة وأسماء - قال: أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج، قال: الصحبة يا رسول الله، قال: " الصحبة ". قال: يا رسول الله، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما، قال: أخذتها بالثمن»
وفي بعض الروايات: قالت عائشة - ﵂ -: " فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ " (١)
_________________
(١) [السيرة النبوية] لابن إسحاق، ط \ دار الجيل، المحقق د \ طه عبد الرؤوف سعد (٣ \ ١١)
[ ٨٤ ]
وهي في [مسند إسحاق بن راهويه] بزيادة: (لقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح) بعد قول النبي - ﷺ -: «نعم، الصحبة (١)»
وأثناء الهجرة وفي الطريق جلس النبي - ﷺ - وأبو بكر - ﵁ - في غار ثور، وقريش قد أرسلت الطلب ليحضروهم، وجعلت الجوائز لمن يأتي بالنبي - ﷺ -، وبينما هم في الغار، وإذ بالطلب حولهم، حتى إن أحدهم لو نظر أسفل منه لرآهم، «فقال أبو بكر للنبي - ﷺ -: والله لو رأى أحدهم موضع قدميه لأبصرنا، فقال له النبي - ﷺ -: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما (٢)» .
وفي ذلك أنزل الله قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يقول الله - سبحانه -: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)
_________________
(١) مسند إسحاق بن راهويه] ط \ دار الإيمان - المدينة المنورة، عام ١٤١٢ هـ (٢ \ ٥٨٤)
(٢) صحيح البخاري المناقب (٣٦٥٣)، صحيح مسلم فضائل الصحابة (٢٣٨١)، سنن الترمذي تفسير القرآن (٣٠٩٦)، مسند أحمد (١/٤) .
(٣) سورة التوبة الآية ٤٠
[ ٨٥ ]
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: خطب النبي - ﷺ - فقال: «إن الله - سبحانه - خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله " فبكى أبو بكر - ﵁ -، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله - ﷺ - هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: " يا أبا بكر، لا تبك، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا
(١)
_________________
(١) [صحيح البخاري] (١ \ ١١٩، ١٢٠) و(٤ \ ١٩٠، ١٩١)
[ ٨٦ ]
سد، إلا باب أبي بكر»
وأخرج البيهقي في كتابه [الاعتقاد] بسنده: أن أبا هريرة قال: والذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال: الثانية، ثم الثالثة، ثم قيل له: مه، يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي - ﷺ -، وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا أبا بكر، رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة، فقال: والذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله - ﷺ - ما رددت جيشا وجهه رسول الله - ﷺ -، ولا حللت لواء عقده رسول الله - ﷺ -، فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن
[ ٨٧ ]
لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم، وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام
ومن ذلك حديث رفاعة بن رافع - ﵁ - قال: «قام أبو بكر الصديق على المنبر، ثم بكى، فقال: قام رسول الله - ﷺ - عام الأول على المنبر، ثم بكى، فقال: اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية (١)» . أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه عن أبي بكر ﵁
ومن المواقف: ما جاء في حديث أنس بن مالك - رضي
_________________
(١) [سنن الترمذي] (٥ \ ٥٥٧) رقم الحديث (٣٥٥٨)، وجاء عند أحمد ﵀ من طريق أخرى رجال إسنادها ثقات
[ ٨٨ ]
الله عنه - قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه: الفضيخ، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا، إذ جاء رجل، فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل (١)
وفي حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه ". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها، رجاء أن أدعى لها، قال: فدعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: امش ولا تلفت حتى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئا ثم وقف، ولم يلتفت، فصرخ، يا رسول الله
(٢)
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٥ \ ١٨٩) واللفظ له، و[صحيح مسلم] (٣ \ ١٥٧٠، ١٥٧١) رقم الحديث (١٩٨٠)
(٢) [صحيح البخاري] (٤ \ ٢٠٧)، و[صحيح مسلم] (٤ \ ١٨٧١، ١٨٧٢) رقم الحديث (٢٤٠٥) واللفظ له
[ ٨٩ ]
على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» أخرجه بهذا اللفظ مسلم، وأصله في البخاري.
وفي حديث خروج النبي - ﷺ - زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه في حديث طويل، وفيه: أن عروة بن مسعود الثقفي - ﵁ - وكان إذ ذاك مشركا - لما رجع إلى قريش قال لهم: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا
[ ٩٠ ]
أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له» . . . الحديث، أخرجه البخاري في صحيحه (١)
هذه بعض الصور الجليلة الدالة على عظيم محبة الصحابة - ﵃ - للنبي - ﷺ -، وحرصهم على اتباع أوامره والتسليم له.
ووراء هذه المواقف المذكورة - مما طوينا ذكره طلبا للاختصار - مواقف أخرى عظيمة، قد حفلت بها دواوين السنة، وازدانت بها كتب التواريخ والسيرة، وهؤلاء هم السلف الصالح الذي يجب علينا اتباعهم، واقتفاء آثارهم في معرفتهم لحق النبي - ﷺ - وعملهم بسنته.
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٣ \ ١٧٨ - ١٨٤)
[ ٩١ ]
فصل