ونبينا - ﷺ - قد كمله الله سبحانه، ورزقه جمال الظاهر وجمال الباطن، فكان أحسن الخلق صورة، وأكملهم خلقا ﷺ.
والبحث في صفة النبي - ﷺ - الخلقية يستفيد منها المؤمن أمورا:
منها: زيادة الإيمان، فإن المسلم كلما كانت معرفته بالنبي - ﷺ - وأحواله وأوصافه وتفاصيل ما جاء به أكثر كان ذلك مدعاة ليكون إيمانه به أكمل، ومحبته له أعظم.
ومنها: أنه قد جاء في حديث أنس - ﵁ - المتفق على صحته: أن النبي - ﷺ - قال: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي، ورؤيا المؤمن جزء من
(١)
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٨ \ ٧١، ٧٢)، و[صحيح مسلم] (٤ \ ١٧٧٥) رقم الحديث (٢٢٦)
[ ٥٥ ]
ستة وأربعين جزءا من النبوة»
ومن جاء بعده ممن لم يره في حياته - ﷺ - ليس له طريق إلى معرفته إلا بصفاته، وقد جاءت مبينة بآثار صحيحة عن الصحابة ﵃.
منها: حديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: «(كان النبي - ﷺ - مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه، قال يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه: (إلى منكبيه) (١)» أخرجه البخاري.
وعن جابر بن سمرة قال: «(كان رسول الله - ﷺ - ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقبين، قال: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قال:
(٢)
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٤ \ ١٦٥)
(٢) [صحيح مسلم] (٤ \ ١٨٢٠) رقم الحديث (٢٣٣٩)
[ ٥٦ ]
قلت ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين، قال: قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب)» أخرجه مسلم.
وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «(لم يكن رسول الله - ﷺ - بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفأ تكفؤا، كأنما انحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله) (١)» أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وعنه - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - ضخم الرأس، عظيم العينين، هدب الأشفار. - قال حسن وهو أحد رجال السند: الشفار مشرب العينين بحمرة -، كث اللحية، أزهر اللون، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى
(٢)
_________________
(١) [سنن الترمذي] (٥ \ ٥٩٨) رقم الحديث (٣٦٣٧)
(٢) [مسند أحمد] (١ \ ٨٩، ١٠١)
[ ٥٧ ]
كأنما يمشي في صعد - قال حسن: تكفأ - وإذا التفت التفت جميعا)» أخرجه الإمام أحمد.
ومعنى شثن الكف: أي غليظه، قال الزمخشري في [الفائق]: وهو مدح في الرجال، لأنه أشد لعصبهم، وأصبر لهم على المراس (١)
والكراديس: هي: رؤوس العظام. وقيل: هي ملتقى كل عظمين ضخمين؛ كالركبتين والمرفقين والمنكبين، والمراد أنه - ﷺ - ضخم الأعضاء.
والمسربة: هي ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف، وفي [لسان العرب] قال سيبويه: ليست المسربة على المكان ولا المصدر، وإنما هي اسم للشعر (٢)
_________________
(١) [الفائق في غريب الحديث] للزمخشري، ط \ دار الفكر (٣ \ ٣٧٧)
(٢) [لسان العرب] لابن منظور، ط \ الدار المصرية للتأليف والترجمة (١ \ ٤٤٨)
[ ٥٨ ]
والصب: ما انحدر من الأرض. والصعد، قال في [النهاية]: (كأنما ينحط في صعد) هكذا جاء في رواية، يعني: موضعا عاليا يصعد فيه وينحط. . . إلى أن قال: والصعد - بضمتين -: جمع صعود، وهو خلاف الهبوط (١)
_________________
(١) [النهاية في غريب الحديث والأثر] لابن الأثير، ط \ دار إحياء التراث العربي (٣ \ ٣٠)
[ ٥٩ ]
فصل