واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب الكراهة في الصلاة في المقبرة ليس إلا كونها مظنة النجاسة، ونجاسة الأرض مانع من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم تكن. وليس ذلك كل المقصود بالنهي، وإنما المقصود الأكبر بالنهي إنما هو مظنة اتخاذها أوثانًا.
كما ورد عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه من بعده من الناس.
[ ١١٦ ]
وقد نص النبي (على العلة بقوله: " اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد " ويقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، ولا تجلسوا عليها " الحديث المتقدم. وأخبر (أن الكفار " كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة " فجمع (بين التماثيل وبين القبور. وأيضًا فإن الّلات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك يلت السويق بالسمن ويطعمه للحاج، فلما مات عكفوا على قبره. وقد ذكروا أيضًا أن ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا، قوم صالحون كانوا بين آدم ونوح ﵉، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أتباعهم: لو صورنا صورهم. فلما مات الأتباع، وجاء بعدهم قوم آخرون، أتاهم إبليس، فقال: إنما كان أولئك يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر. فعبدوهم. وذكر ذلك محمد بن جرير الطبري بسنده. وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع (هي التي
[ ١١٧ ]
أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه. ولهذا تجد أقوامًا كثيرة من الضالين يتضرعون عند قبر الصالحين، ويخشعون، ويتذللون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله المساجد، بل ولا في الاسحار بين يدي الله تعالى، ويرجون من الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال.
فهذه المفسدة هي التي حسم النبي (مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة ولا ذلك المكان سدًا للذريعة إلى تلك المفسدة التي من أجلها عبدت الأوثان. فأما إن قصد الإنسان الصلاة عندها، أو الدعاء لنفسه في مهماته وحوائجه متبركًا بها راجيًا للإجابة عندها، فهذا عين المحادّة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه وشرعه، وابتداع دين لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين المتبعين آثاره وسننه.
فإن قصد القبور للدعاء رجاء الإجابة فمنهي عنه، وهو إلى التحريم أقرب. والصحابة ﵃ - وقد أجدبوا مراتٍ - ودهمتهم نوائب بعد موته (، فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي (وهو أكرم الخلق على الله ﷿، بل خرج فيهم سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس عم النبي (إلى المصلى فاستسقى به، ولم يستسقوا عند قبر النبي (.
فاقتد أيها المسلم إن كنت عبد الله بسلفك الصالح، وتحقق التوحيد الخالص؛ فلا تعبد إلا الله، ولا تشرك بربك أحدًا،
[ ١١٨ ]
كما أمر الله تعالى بقوله: (فإياي فاعبدون)، وقال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) . فلا تعبد إلا إياه ولا تدْعُ إلا هو، ولا تستعن إلا به، فإنه لا مانع ولا معطي ولا مضارّ ولا نافع إلا هو ﷾، لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب.
[ ١١٩ ]