وقال البويطي صاحب الإمام الشافعي ﵁: أحذر كل متماوت، فإنه مُلُّد. " هو مُفْعِل من اللدد وهي الخصومة " قال الله تعالى: (وهو ألد الخصام) وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل: (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ولا يستخفنك أحد.
وعن محمد بن أبي عائشة قال: كان يقال لا تكن ذا وجهين وذا لسانين، تظهر للناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر.
وسأل رجل الكتاني، فقال له: أوصني، فقال له: كن كما ترى الناس " أو قل: الناس كما تكون ".
وقال المدائني: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص وهو واليه بمصر: " رفع إليّ أنك تبكي في مجلسك، فإذا جلست فكن كسائر الناس، ولا تبك "
[ ١٥٤ ]
وأخرج الحافظ أبو القاسم في تاريخه، عن محكول، عن رسول الله (أنه قال: " لا تكونوا عيّابين، ولا مداحين، ولا طعانين، ولا متماوتين ".
وأخرج أيضًا في ترجمته بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي قال: " قلت لابن المبارك: إبراهيم ابن أدهم ممن سمع؟ قال: قد سمع من الناس، ولكن له فضل في نفسه، صاحب سرائر وما رأيته يظهر تسبيحًا، ولا شيئًا من الخير، ولا أكل مع قوم طعامًا إلا كان آخر من يرفع يده عن الطعام ".
وأخرج أيضًا عن عاصم بن كليب عن أبيه، قال: لقيت عبد الرحمن الأسود وهو يمشي بجنب الحائط، فقلت له: مالك؟ فقال: أكره أن
[ ١٥٥ ]
يستقبلني إنسان فيسألني عن شيء. فقلت: لكن عمر كان شديد الوطء على الأرض له صوت جهوري.
وروى البيهقي عن ابن المبارك ﵀ قال: إنه ليعجبني من القراء كل طَلقٍ مِضحاكٍ، فأما من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس كأنه يمنّ عليك بسلامه أو بعلمه، فلا أكثر الله في القراء مثله.
وهذه الطلاقة التي أشار إليها هي التي كانت تعرف من أخلاق رسول الله (. وكانت هي الغالبة على أصحابه، وسادات المتقدمين من الأئمة الجامعين بين العلم والعمل: كسعيد بن المسيب إمام أهل المدينة وسيد التابعين في وقته مع حسومته المعروفة في أمر الله تعالى، وكعامر الشعبي من أئمة الكوفة، وابن سيرين من أئمة البصرة، والأوزاعي من أئمة الشام، والليث ابن سعد من أئمة مصر، وغيرهم ﵃. فقد عرف ذلك من وقف على أخبارهم، وهي طريقة الإمام الشافعي ﵀.
قال الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي ﵀: إذا سكن الخوف القلب أوجب الخشوع في الظاهر، ولا يملك صاحبه فتراه مطرقًا متأدبًا متذللًا. وكانوا ﵃ يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك، فكان محمد بن سيرين ﵀ يبكي الليل ويضحك بين الناس في النهار.
ولسنا نأمر العالم
[ ١٥٦ ]
بالانبساط بين العوام، فإن ذلك يؤذيهم، فقد قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب.
ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم إذا انفسح للمباح؛ فينبغي أن يلقاهم بالصمت والأدب. وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي وطأطأة الرأس ليرى بعين الزهد. وربما قيل له: " ادع لنا " فتهيأ للدعاء وكأنه مستنزل الإجابة. وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي: أنه قيل له " ادع لنا " فكره ذلك، وكان من الخائفين - ومن جملة الخوف الحرص على شدة الحياء والذل فلم يرفع رأسه إلى السماء. وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله (فقد كان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، وفيه دليل على اسحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها، وقال تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزَيّنَّاها وما لها من فروج) . وقال تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) .
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁ قال: لم يكن أصحاب رسول الله (متحدقين، ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم بشيء من
[ ١٥٧ ]
أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.
وعن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه، قال: نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى شاب نكس رأسه، فقال: يا هذا ارفع رأسك؛ فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب؛ فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقًا على نفاق.
وعن كهمس بن الحسن: أن رجلًا تنفس عند عمر كأنه يتحازن فلكزه عمر " أو قال: فلكمه ".
وقد كان السلف يسترون أحوالهم وينصحون بترك التصنع.
[ ١٥٨ ]