ومن هذه الأمكنة ما له خصيصة لكن لا تقتضي اتخاذها عيدًا، ولا الصلاة عندها، ونحوها من العبادات كالدعاء عندها. فمن هذه الأمكنة قبور الأنبياء والصالحين. وقد جاء عن رسول الله (أنه قال: " لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ".
وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي (فيدخل
[ ١١٠ ]
فيها ويدعو، فقال: ألا أحدثك حديثًا، عن أبي، عن جدي، عن رسول الله (أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم عليّ تبلغني حيث كنتم " أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقري فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه، وروى سعيد في سنته عن أبي سعيد مولى المهدي قال: قال رسول الله): " لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني ".
وروي أيضًا عن سهل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر، فناداني وهو في مبيت فاطمة يتعشى، فقال: هلمَّ إلى العشاء،
[ ١١١ ]
فقلت سلمت على النبي (، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله (قال: " لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر؛ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليّ - فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ".
وجه الدلالة: أن قبر رسول الله (أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى (عن اتخاذه عيدًا من المعاودة إليه، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: " ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا "، أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى في التشبيه بهم.
ثم أنه (عقب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: " وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم "، يشير بذلك (إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا، ثم إن أفضل التابعين من أهل البيت علي بن الحسين نهى عن ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره (، وبين أن قصده للدعاء ونحوه، اتخاذه عيدًا، وكذلك ابن عمه الحسين بن الحسين شيخ أهل بيته كره أن يقصد قبره الرجل للسلام عليه ونحوه، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا.
فانظر هذه السنة، كيف يخرجها أهل بيته، الذين لهم من رسول الله (قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط.