وقال بعضهم: ينبغي أن لا يشغل المرء قلبه بالتزويج، فإنه يشغله عن الله، فيرى هذا أن الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله. وليس هذا كذلك، والله ﷾ قد منَّ على الخلق بقوله: (خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) .
وفي الحديث الصحيح، عن جابر ﵁ أن النبي (قال: " هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك "، أي هلا تزوجت بكرًا لما أخبره أنه تزوج ثيبًا، وما كان يدله على ما يقطع أنسه بالله.
أما ترى
[ ١٦٣ ]
أنه (كان ينبسط إلى نسائه ويسابق زوجته عائشة، أكان هذا خارجًا عن الأنس بالله؟ هذه جهالات بالعلم.
وبعضهم يقول: الذي يريد الولد أحمق، فلا نال الدنيا ولا الآخرة، إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه، وإذا أراد أن يتعبد شغله أيضًا - غلط عظيم لأنه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الخلق اتصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها، حثّ الله تعالى الآدمي على ذلك، تارة من حيث الطبع بإيقاد نار الشهوة، وتارة من باب الشرع بقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم)، وقول الرسول): " تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط ".
وقد طلب الأنبياء الأولاد، وتسبب الصالحون إلى وجودهم. ورب جماع حدث منه ولد صالح كالشافعي وأحمد كانا خيرًا من عبادة ألف سنة. وقد جاء الخبر بإثابة الجماع بقوله ﷺ: " وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ".
وكذلك الأجر والثواب في النفقة على الزوجة والأولاد، وقد يموت له ولد فيبقى له ذخرًا وأجرًا كما قال): " إذا مات ولد العبد يقول
[ ١٦٤ ]
الله تعالى للملائكة قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم فيقول الله تعالى: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع " أي قال الحمد لله أنا لله وإنا إليه راجعون "، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد ".
وإما أن يخلفه بعده فيلحقه بركة دعائه كما في الصحيح أن رسول الله (قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". فمن أعرض عن طلب الأولاد خالف السنة، وعُدِم هذا الفضل والثواب الجزيل.
[ ١٦٥ ]