كما أن التوحيد أنواع فكذلك الشرك أنواع بيّنها رسول الله ﷺ وحذّر من الوقوع فيها حماية لجناب التوحيد وحرصًا على أهله من الشرك أيا كان نوعه لأنه إما أن يخرج صاحبه من الإسلام ويحرمه نعمة التوحيد، ويورده النار وبئس المصير، وإما أن ينافي كماله فيحرم العبد تمام نعمة التوحيد، وقد ينتهي به إلى الخروج من الإسلام آخر الأمر، أو يخدش توحيده ويلوث صفاءه.
المبحث الأول: الشرك الأكبر
وهو اتخاذ الأنداد من دون الله، ودعوتهم ومحبتهم والتقرب إليهم من دون الله تعالى، وهو أعظم الذنوب، وأشد المحرمات لا يغفره الله تعالى لمن لم يتب منه توبة نصوحا، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٢.
وقال: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ١١٦ من سورة النساء. ٢ الآية ١٥١ من سورة الأنعام. ٣ الآية ٧٢ من سورة المائدة.
[ ٢٧١ ]
وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ٢.
وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار" ٣.
وعنه ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" ٤.
وهذا النوع من أنواع الشرك ينقسم إلى أقسام:
أحدها: شرك الدعاء:
كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٥.
وهذا إخبار عن حال المشركين وأنهم في حال الرخاء يدعون غير الله ويسألون غيره، فإذا نزلت بهم مصيبة لجأوا إلى الله وسألوه كشف الضر عنهم، حتى إذا كشفه عنهم واستجاب لهم وتحقق مطلبهم عادوا إلى ما
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من سورة لقمان. ٢ الآية ٤٨ من سورة النساء. ٣ تقدم تخريجه ص ٢٨٨. ٤ صحيح البخاري مع الفتح ٨/١٦٣. ٥ الآية ٦٥ من سورة العنكبوت.
[ ٢٧٢ ]
كانوا عليه من الشرك بالله والإعراض عنه، ثم خلف من بعدهم خلف أشد منهم شركا وإعراضا فهم على شركهم وعنادهم في الرخاء والشدة فهم أسوأ حالا من أسلافهم.
فهؤلاء أشركوا مع الله تعالى غيره في الدعاء الذي هو العبادة، كما يفعله مشركوا اليوم ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهو منهم براء كغلاة المتصوفة والرافضة وأضرابهم.
الثاني: شرك النية والقصد والإرادة:
ومن أدلته قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الاخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ١٥ من سورة هود. ٢ الآيات من ١٨- ٢٠ من سورة الإسراء.
[ ٢٧٣ ]
الثالث: شرك في الطاعة:
وذلك بطاعة غير الله تعالى في معصيته سبحانه، كطاعة العلماء والأمراء والسلاطين وغيرهم، إذ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" و"إنما الطاعة في المعروف ".
فمن أطاع أحدًا في تحليل ما حرم الله تعالى أو تحريم ما أحله فقد اتخذ ذلك المطاع ربا من دون الله بقدر طاعته له، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
الرابع: شرك المحبة:
بأن يصرف المحبة لغير الله تعالى مما يجب أن يكون لله، ومن أدلته قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ ٢.
وقوله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" ٣.
_________________
(١) ١ الآية ٣١ من سورة التوبة. ٢ الآية ١٦٥ من سورة البقرة. ٣ البخاري مع الفتح ١/٦٠، ومسلم بشرح النووي١/٦٦.
[ ٢٧٤ ]
فهذه أقسام الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، ويخلده في النار إذا لم يتب منه ولا يقبل الله منه عملا، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ١.
وقال مخاطبا رسوله ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
وقال بعد ذكر عدد من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ٢٣ من سورة الفرقان. ٢ الآيتان ٦٥، ٦٦ من سورة الزمر. ٣ الآية ٨٨ من سورة الأنعام.
[ ٢٧٥ ]