بعد نزول الوحي عليه ﷺ بدأت شمس الهداية تسطع على البشرية تضيء لها الطريق إلى ربها، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، وقد جاء الأمر للرسول ﷺ ليبدأ هذه المسيرة العظيمة التي سار فيها الأنبياء والمرسلون من قبله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وكلهم كانوا لأممهم خاصة، أما محمد ﷺ فقد جاء للناس جميعا كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾ ٢، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال ﵊: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٤.
وجاء الأمر له من ربه ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ٥.
فبدأ ﵊ دعوته سرا يفضيها إلى من يثق في قناعته وتصديقه وقبوله لهذا الدين، فسبق إليها أولئك السابقون الذين أكرمهم
_________________
(١) ١ الآية ٢٨ من سورة سبأ. ٢ الآية ١٥٨ من سورة الأعراف. ٣ الآية ١٠٧ من سورة الأنبياء. ٤ البخاري مع الفتح من حديث جابر ﵁ ١/٤٣٥. ٥ الآيات من ١-٧ من سورة المدثر.
[ ١٥٨ ]
الله بالإيمان بهذه الرسالة، وأولهم أبو بكر الصديق، وخديجة زوجه ﷺ وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة، وبلال وغيرهم من السابقين ﵃ أجمعين، وكان رسول الله ﷺ يعلمهم الإسلام أول ما يعلمهم نبذ عبادة غير الله وإخلاص العبادة لله وحده، وفي سرية من قريش لئلا يفتنوهم عن دينه، وبدأ هذا النور يسري وسط ذلك الظلام الدامس الذي يحيط به من كل جانب.
قال ابن إسحاق: "ثم تتام الوحي إلى رسول الله ﷺ، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاء منه، قد قبله بقبوله، وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم، والنبوة أثقال ومؤنة، لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه، لما يلقون من الناس، وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله ﷾، فمضى رسول الله ﷺ على أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى "١
أ- دعوة الرسول ﷺ في مكة إلى التوحيد وموقف المشركين منها:
تقدم الكلام عن دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنها متفقة جميعا في الدعوة إلى التوحيد، بل كان أول ما دعوا إليه أممهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٢٥٦. ٢ الآية ٣٦ من سورة النحل.
[ ١٥٩ ]
وبعث الله نبيه ورسوله محمدا ﷺ خاتما للنبيين وجعل رسالته خاتمة الرسالات، فكانت الدعوة إلى التوحيد أول أمرها وأعظم مقصودها ومفتاح الدخول إليها، وعنيت به أعظم عناية، فكانت حياته ﷺ كلها دعوة إلى التوحيد وجهادا في سبيله حتى بنى تلك القاعدة المتينة الراسخة من أصحابه رض الله عنهم في مكة قبل هجرته إلى المدينة ثم في المدينة بعد الهجرة، فآمنوا بها بصدق وحملوها بجد وتلقوا كل التكاليف بعد ذلك وهم في غاية الامتثال والخضوع والمحبة والطاعة لله ورسوله ﷺ، وبذلوا أموالهم وأنفسهم رخيصة في سبيل الله حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وبلغت هذه الدعوة أرجاء المعمورة، وشهد التاريخ منهم ما لم يشهده من قبل ولن يشهده من بعد، وأتت تلك الدعوة التي أسسها رسول الله ﷺ في خلال الفترة المكية ثمارها اليانعة في المدينة، فجنى المؤمنون ثمارها إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسأذكر فيما يلي نبذة عن دعوته ﵊ في مكة وطبيعة هذه الدعوة وموقف المشركين منها.
وقد سبق الكلام بالتفصيل عما كانت عليه الحال في جزيرة العرب قبل بعثته ﷺ وتاريخ الشرك فيها، وأن جزيرة العرب وبما فيها قريش التي كانت لها ولاية البيت وضيافة الحجيج، كانت فيها صور شتى من الشرك من عبادة الأصنام والأوثان من أشجار وأحجار وعبادة الكواكب والنار، وديانة يهودية ونصرانية، مع وجود بقايا للحنفية ملة إبراهيم ﵇، وإن كانت الأصنام والأوثان تحتل المقام الأول عندهم، إلا أن جميع هذه
[ ١٦٠ ]
الأصناف كانت موجودة، وما لم يكن منها موجودا في قريش فقد كان موجودا عند غيرهم من العرب.
طبيعة الدعوة إلى التوحيد في العهد المكي:
أشرت في المبحث السابق إلى الحالة التي كان عليها المجتمع المكي خاصة والعربي عامة قبيل بعثته ﷺ ووقته، وما كان من ألوان الشرك المختلفة، وصلت بالبشرية وقتئذ إلى دركات الضلال والفساد حتى مقتها الله تعالى، كما ثبت عنه ﷺ إنه قال في إحدى خطبه: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا" ١.
وفي هذا الوسط المخيف، والمجتمع المتخبط في دياجير الظلم سطع نور الهداية للبشرية ببعثته محمد ﵊، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال والحيرة إلى الهدى والرشاد، وبدأ رسول الله ﷺ يفضي بهذا الأمر ويدعو إليه من يثق به ويتوسم فيه القبول، فآمن به نفر كان لهم فضل السبق، وأولهم أبو بكر الصديق ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وخديجة بنت خويلد، وزيد بن حارثة ﵃ أجمعين، وسارت دعوة التوحيد هذا المسار مدة ثلاثة سنوات وآمن عدد من الناس من مختلف الطبقات ولكن أكثرهم من
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ١٥٩.
[ ١٦١ ]
الضعفاء والرقيق، والقرآن ينزل على رسول الله ﷺ مبينا هذه الدعوة داعيا الناس إليها ومحذرا لهم من مخالفتها.
الجهر بالدعوة:
ثم بعد ذلك جاء الأمر لرسول الله ﷺ بإعلان هذه الدعوة لجميع الناس كما قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢ فأعلنها على الناس ودعاهم إلى عبادة الله وحده وحذرهم من عذاب الله إن هم أعرضوا، كما أورد ذلك الإمام مسلم ﵀ في صحيحه في عدة روايات منها:
ما رواه بسنده عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ على الصفا فقال: "يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم" ٣.
ما رواه بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم
_________________
(١) ١ الآية ٩٤ من سورة الحجر. ٢ الآية ٢١٤ من سورة الشعراء. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٨٠-٨١.
[ ١٦٢ ]
من الله لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" ١.
وما رواه بسنده عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو٢ قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قال انطلق نبي الله ﷺ إلى رضمة٣ من جبل فعلا أعلاها حجرا ثم نادى: "يا بني عبد مناف إني نذير إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف ياصباحاه" ٤.
وما رواه بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ورهطك منهم المخلصين﴾ ٥خرج رسول الله ﷺ حتى صعد
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٨١. ٢ قبيصة بن المخارق: هو ابن عبد الله بن شداد الهلالي أبو بشر، روى عن النبي ﷺ، وروى عنه ولده قطن قال البخاري: له صحبة. انظر الإصابة ٣/٢١٥. وزهير بن عمرو: هو الهلالي نزيل البصرة، قال البغوي: لا أعلم له إلا حديث الإنذار، انظر الإصابة ١/٥٣٦. ٣ الرضمة: واحة الرضم والرضام وهي دون الهضاب، وقيل صخور بعضها على بعض. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٨١. ٥ قال النووي ﵀ في شرحه هذا الحديث: "فظاهر هذه العبارة أن قوله: "ورهطك منهم المخلصين" كانت قرآنا أنزل ثم نسخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري". المصدر السابق ٣/٨٣.
[ ١٦٣ ]
الصفا فهتف يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه فقال: "يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب"، فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" قال: فقال أبو لهب: تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام فنزلت هذه السورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة "١
أساليب الدعوة:
بعد إعلان الدعوة إلى توحيد الله ﵎، بدأت الدعوة تأخذ موقف المواجهة مع مشركي قريش، وبدأت تقض مضاجعهم وتقلق راحتهم، فانبرى كثير منهم لمعارضتها وتلفيق التهم بأهلها، ولم يقفوا عند هذا الحد، بل امتدت أيديهم إلى المؤمنين بهذه الدعوة، ممن تحت أيديهم وغيرهم كذلك بأنواع من الأذى، وقابله أولئك المؤمنون بالصبر وقوة الإيمان ورسول الله ﷺ يصبرهم ويشد عزائمهم، والقرآن ينزل يدعو الناس إلى عبادة ربهم وحده ويبشرهم وينذرهم ويعدهم ويوعدهم ويقص عليهم أنباء الأمم الماضية ونجاة المؤمنين وهلاك الكافرين والمكذبين، مما نجده واضحا جليا في المكي من القرآن الكريم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٨٣، ٨٢.
[ ١٦٤ ]
وقد سلكت الدعوة في تلك الفترة سبلا كثيرة في الدعوة إلى التوحيد، ومنها:
لفت النظر إلى الآيات الكونية المحسوسة والتذكير بنعم الله تعالى على عباده:
وقد جاء ذلك كثيرا في آيات القرآن الكريم التي تدعو إلى النظر في آيات الله تعالى في الكون والتي تدل دلالة بينة على خالقها سبحانه وأنه المستحق للعبادة وحده، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١ وكثيرا ما تأتي تلك الآيات مذيلة بطلب التفكر والتذكر والاعتبار بألوان من الأساليب البلاغية، كما تأتي أحيانا باللوم والتوبيخ والإنكار على من لم يتعظ بذلك أو يتفكر أو يعتبر. قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ
_________________
(١) ١ الآية ٥٣ من سورة فصلت.
[ ١٦٥ ]
وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ١.
ثم يقول تعالى عقب ذلك مباشرة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآيات من ٣-١٦ من سورة النحل. ٢ الآيات من ١٧-٢٣ من سورة النمل.
[ ١٦٦ ]
فالله تعالى يذكر عباده ويلفت أنظارهم إلى ما أنعم به عليهم وسخره لهم من نعم، في السماوات والأرض والبر والبحر مما يعجزون عن عده ولا يستغنون عن شيء منه، ويدعوهم إلى التفكر والتدبر ليعلموا أن ذلك من ربهم وخالقهم الذي بجب عليهم أن يفردوه بالعبادة، إذ هو المستحق لها وحده، فكما أنه الخالق الرازق المحيي المميت وحده، فكذلك هو المعبود المتفرد بالعبادة وحده لا شريك له١.
ومن الآيات التي تذكر العباد بنعم الله عليهم وتدعوهم إلى توحيد المنعم بها سبحانه وتنكر عليهم إعراضهم عن ذلك وغفلتهم عنه، ما جاء
في سورة النمل، قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
_________________
(١) ١ انظر كتاب منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان للدكتور على ين محمد ناصر فقيهي ص ٥٧ وما بعدها.
[ ١٦٧ ]
وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ ١.
فانظر كيف يدعوهم الله في القرآن إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، ويستدل لذلك ويحتج عليهم بما يرونه ويقرون به من توحيد الربوبية، وأن أحدهما لا يكفي عن الآخر، بل هما متلازمان كل منهما يقرر الآخر ويدعو إليه، ويعيب عليهم عبوديتهم لغير الله مع إقرارهم بربوبيته.
ولو تتبعنا ما نزل في الفترة المكية في هذا الموضوع لطال الكلام، إذ السور المكية زاخرة بذلك تبين كيف كانت دعوة رسول الله ﷺ في الفترة منصبة إلى تقرير التوحيد وغرسه في قلوب الناس بألوان شتى من أساليب الدعوة، هذا الذي تقدم ذكره أحدها.
ضرب الأمثلة:
ومن الأساليب التي سلكها رسول الله ﷺ في دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى ضرب الأمثلة، وهو من الأساليب التي تقرب الحقائق إلى الأفهام فتظهرها في صورة المحسوس فيسهل فهمها وتزداد الحجة بذلك، وقد أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ أنواعا من الأمثلة في القرآن الكريم ليبلغها للناس،
_________________
(١) ١ الآيات من ٥٩-٦٦ من سورة النمل.
[ ١٦٨ ]
بيانا لهم لإقناعهم بخطأ ما هم عليه من الشرك والضلال، وأن ما يدعونه من دون الله باطل وضلال، وأنه تعالى هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه.
ومن هذه الأمثلة:
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْد ُلِلَّه ِبَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
جاء ضرب هذا المثل عقب قوله تعالى عن المشركين الذين كفروا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، ويتعلقون بالأصنام والأوثان لا تملك لنفسها ولا لهم نفعا ولا ضرا، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
ثم جاء ذكر المثل، وهذا دليل على جهلهم وضلالهم واتباعهم لأهوائهم وانظر كيف حتمت الآيتان بالشهادة عليهم بعدم العلم، فالآية الأولى ختمت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ والثانية بقوله تعالى:
_________________
(١) ١ الآية ٧٥ من سورة النحل. ٢ الآية ٧٤ من سورة النحل.
[ ١٦٩ ]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولا ريب أنهم كما قال الله عنهم لا يعلمون، أما الذين يعلمون فهم المؤمنون الموحدون لله تعالى كما قال عنهم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ١ وقال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٢.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا ﴾ الآية.
قال ابن نجيح عن مجاهد: هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا وهذا؟ ولما كان الفرق بينهما واضحا بينا لا يجهله إلا كل غبي قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣ اهـ.
ومن الأمثلة التي ضربها الله تعالى للناس وبلغها رسوله ﷺ في دعوته الناس إلى توحيد ربهم، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا
_________________
(١) ١ الآية ١٨ من سورة آل عمران. ٢ الآية ٦ من سورة سبأ. ٣ ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ٢/٥٧٨.
[ ١٧٠ ]
لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.
فالله تعالى يبين لهم عجز هذه الأصنام والأوثان التي سموها آلهة، وهي لا تملك أن تخلق أضعف المخلوقات وأحقرها، فكيف يدعونها من دون الله ويرجونها لنفع أو ضر، وهذا لأنهم ما قدروا الله حق قدره.
قال القرطبي عند تفسير هاتين الآيتين:"قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ هذا متصل بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا﴾ وإنما قال: ضرب مثل لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم.
ثم قال بعد ذلك: "وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته، وضعفه، واستقذاره وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوا من دون الله ﷿ على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان"٢.
_________________
(١) ١ الآيتان ٧٣، ٧٤ من سورة الحج. ٢ أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الرطبي – الجامع لأحكام القرآن – ١٢/٩٦-٩٧.
[ ١٧١ ]
وقد تحداهم الله تعالى وهو خالق كل شيء في قوله تعالى لهم: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ١.
ووبخهم بقوله تعلى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وبعد هذا فلا خالق إلا الله وحده فهو المستحق للعبادة وحده ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٣.
وكان رسول الله ﷺ يدعوهم إلى ذلك ويبين لهم هذه الأمثال التي ضربها الله لهم، ولكن أكثرهم كانوا كما قال الله عنهم: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
ومن الأمثلة المضروبة للدعوة إلى توحيد الله تعالى وبيان عجز الآلهة التي يدعون من دونه تعالى قوله سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة لقمان. ٢ الآية ١٧ من سورة النحل. ٣ الآية ١٠٢ من سورة الأنعام. ٤ الآية ١٧١ من سورة البقرة. ٥ الآية ٤١ من سورة العنكبوت.
[ ١٧٢ ]
وهذا مثل عظيم في غاية الوضوح يبين جهل من يتخذ من دونه آلهة ويظن أنها تغني عنه شيئا، وبمثل هذه الأمثال المضروبة يتعظ كل عاقل لبيب، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ وقد ورد عن بعض السلف أنه قال: "ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني لأني سمعت الله تعالى يقول وذكر الآية السابقة١.
وما تقدم من الأمثلة وغيرها كثير في القرآن الكريم يبين نوعا من أساليب دعوة الرسول ﷺ في مكة إلى توحيد الله تعالى حرصا على هدايتهم للحق الذي جاء به ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الغي إلى الرشاد.
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٣/٤١٤.
[ ١٧٣ ]
٣- من أساليب الدعوة إلى التوحيد في الفترة المكية:
- الدعوة إلى التوحيد، وتقرير الألوهية بالأدلة العقلية:
جاء هذا الأسلوب كثيرا في القرآن الكريم – والمكي منه خاصة – وعرض للناس أنواعا كثيرة من الأدلة والحجج القلية الدامغة، ودعاهم إلى النظر فيها وتأملها، وليتبين صواب هذه الدعوة وفساد ما هم عليه، فيمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، كبرا وعنادا، وطاعة للهوى والشيطان، كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وهم في قرارة أنفسهم وباطن أمرهم يعترفون بصدق هذه الدعوة، ونفاذ أمرها، وقوة حججها، وثبات اتباعها.
١- ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ٣٣ من سورة الأنعام. ٢ الآية ٥٠ من سورة القصص. ٣ الآية ٢٢ من سورة الأنبياء.
[ ١٧٤ ]
وهذا الدليل هو المسمى لدى علماء الكلام (بدليل التمانع) وهو سلامة الكون من الخلل، وانتظام حركاته والاستدلال بذلك أنه من إله واحد.
ومعناه: أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة متعددة لأدى ذلك إلى اختلال نظام الكون، لأنه لا بد من حصول اختلاف وتباين في إرادة إله وإله آخر غيره، فيمتنع اجتماع الإرادتين للمتضاد بينهما، كما عدم حصول إرادتهما دليل على العجز والواجب لا يكون عاجزا، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر كان الغالب هو الواجب والإله الحق، والآخر مغلوب ممكنا، والواقع يثبت صلاح الكون وانتظامه وسلامته من الخلل، وهذا دليل على وحدانية الله تعالى وبطلان ما سواه، وإنه لا معبود بحق إلا هو، وإن تعدد الآلهة يقتضي الفساد للكون ومن فيه١.
والآية دليل على توحيد الألوهية لا على توحيد الربويبة كما يقول بعض المتكلمين، ومثلها قوله تعالى في هذه الآية: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ٨٧، ٨٨، وكتاب منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان للدكتور على ناصر فقيهي ص ١٢٥-١٢٦. ٢ الآية ٩١ من سورة المؤمنون.
[ ١٧٥ ]
٢- ومن الأمثلة على الدعوة إلى التوحيد بالأدلة العقلية قوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ ١.
وهذا من الأدلة العقلية التي تدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فمن غير المقبول عقلا أن يوجدوا من غير موجِد وخالق، وكذلك من غير المقبول عقلا أن يكونوا أوجدوا أنفسهم، فالأمران مستحيلا عقلا، فتعين أن يكون هناك خالق متفرد بالربوبية على كل شيء قدير، وكما تفرد بالربوبية فمن لازم ذلك أن يتفرد بالألوهية وحده وبالأسماء الحسنى والصفات العلى، إذ ليس كمثله شيء ﷾.
قال جبير بن مطعم:"لما سمعتها – أي هذه الآية – أحسست بفؤادي قد تصدع"٢.
والأمثلة لهذه الأدلة كثيرة جدا في الكتاب والسنة النبوية، والسور المكية حافلة بذلك، كسورة الأنعام وغيرها.
- من أساليب دعوة الرسول ﷺ إلى التوحيد في مكة:
الاحتجاج عليهم بما يقرون به ويعترفون من توحيد الربوبية، وإن ذلك مستلزم لتوحيد الألوهية، وإلا فلا معنى لما يقرون به من توحيد الربوبية وقد جاء ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم ومن أشد
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٥، ٣٦ من سورة الطور. ٢ ابن تيمية – الفتاوى ١/١١.
[ ١٧٦ ]
ذلك ما جاء في سورة النحل في آيات متتالية، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
فبعد ذكر آيات ربوبيته سبحانه يعقب بذكر إلهيته في صورة سؤال لهم.
فهم يعترفون بذلك كله الذي هو من خصائص ربوبيته سبحانه، كما أخبر الله عنهم في آيات أخرى، منها قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿قُلْ
_________________
(١) ١ الآيات ٥٩-٦٤ من سورة النحل.
[ ١٧٧ ]
لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١ ولكنهم لم يعترفوا بألوهيته فلم ينفعهم ذلك.
وكما في قوله سبحانه في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢ وغير ذلك من الآيات.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد بالخلق والرزق، ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي أإله مع الله يعبد؟ وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضا أنه الخالق الرازق "٣
_________________
(١) ١ الآيات ٨٤-٨٩ من سورة المؤمنون. ٢ الآية ٢٢ من سورة يونس. ٣ الحافظ عماد الدين ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ٣/٣٦٩.
[ ١٧٨ ]
ولكنهم مع اعترافهم بربوبيته سبحانه أبى عليهم كبرهم وعنادهم أن يعبدوه وحده، مع اعترافهم أيضا بأن معبوداتهم لا تغني بنفسها شيئا، كما قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
وكما كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك "وهذا غاية العناد والضلال وضعف العقول، ولهذا نعى الله عليهم عقولهم، ووصفهم بعدم العلم، وعدم الفهم والتذكر وغير ذلك من الصفات التي يتصف بها كل من حرم نعمة توحيد الله تعالى.
هذه أهم الأساليب التي سلكها رسول الله ﷺ في دعوته إلى التوحيد في المجتمع المكي، ولو ذهبنا نستقصي هذه الأساليب لطال الحديث عن ذلك، إذ الفترة المكية كانت كلها دعوة إلى التوحيد وإقرار الألوهية لله ﷾، خلال ثلاث عشرة سنة، لم يفرض فيها شيء من الفرائض إلا الصلاة في أواخر هذه الفترة، إذ التوحيد لله تعالى وإفراده بالعبادة أساس الإسلام وقاعدته، لا يقبل من أحد عبادة قبل تحقيق ذلك، وعلى هذا اتفقت دعوة الأنبياء والرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام.
_________________
(١) ١ من الآية ٣ من سورة الزمر.
[ ١٧٩ ]
موقف المشركين في مكة من هذه الدعوة:
وقف كفار قريش موقف العداء من هذه الدعوة وصاحبها ﵊ من أول لحظة أعلن رسول الله ﷺ دعوته وبين لهم منهجه يوم وقف على الصفا ودعا قريشًا حتى اجتمعوا وبعد أن قررهم على صدقه، أعلن عليهم دعوته وقال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" طارت أول شرارة عداء من لسان عمه أبي لهب فقال له: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ واستمر – أخزاه الله – في عداوته حتى أهلكه الله شر إهلاك وزهقت نفسه الخبيثة بعد مرض نفر لأجله منه أقرب الناس إليه، وفي الآخرة عذاب شديد، وأنزل الله فيه قرآنا يتلى إلى قيام الساعة يحمل له الويل والوعيد الشديد هو وامرأته: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ١،٢.
وبدأت معه قريش في عداوتها وكيدها لهذه الدعوة وأهلها من أول خطوة من خطوات هذه الدعوة، ومارس كفار قريش للقضاء على هذه الدعوة وأهلها، أو صدهم عما هم عليه ألوانا من أساليب الأذى، وسلكوا لذلك سبلا مختلفة للوصول إلى ما أرادوا، وزاد ذلك حين رأوا
_________________
(١) ١ انظر مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٦٠. ٢ سورة المسد.
[ ١٨٠ ]
تزايد أعداد المؤمنين بهذه الدعوة وصاحبها يوما بعد يوم، واستعملوا كل وسائلهم وممارساتهم مع رسول الله ﷺ ومع المؤمنين، فلم يروا لها نتيجة تسرهم، بل زادت المؤمنين قوة وصلابة وتمسكا بإيمانهم، وصبرا على ما يلاقونه من الأذى، وأذن الله لهم بالهجرة إلى الحبشة فخرجوا إليها مرتين وآواهم النجاشي ملك الحبشة ونصرهم ورد عروض قريش وسفراءها وخيب آمالهم، فازداد أذاهم لرسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين في مكة، ومن ذلك ما فعلوه برسول الله ﷺ إذ وضعوا عليه سلى الجزور وهو ساجد كما أخرج ذلك الشيخان بسندهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "بينا النبي ﷺ ساجد وحوله ناس من قريش، جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي ﷺ، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة عليها لسلام فأخذته من ظهره ودعت على من صنع، فقال النبي ﷺ: "اللهم عليك الملأ من قريش أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف – أو أبي بن خلف – شعبة الشاك"، فرأيتهم قتلوا يوم بدر، فألقوا في بئر، غير أمية بن خلف أو أبي تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر" ١
وتآمروا على قتل رسول الله ﷺ وحاصروه وأصحابه في شعب أبي طالب وكتبوا صحيفة المقاطعة وعلقوها في الكعبة ومكث رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ على ذلك ثلاث سنوات وجدوا فيها من الشدة
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٧/١٦٥، ومسلم مع شرح النووي ١٢/٥٣.
[ ١٨١ ]
والضيق أقساه، فصبروا على ذلك، وسلط الله على صحيفة قريش الأرضة فأكلتها، وسعى بعضهم لفك هذا الحصار، وخرج رسول الله وأصحابه أكثر صبرا وأقوى عزيمة على نشر هذه العقيدة والجهاد في سبيلها١.
إلى غير ذلك من أنواع الأذى المستمر المتواصل الذي لقيه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ في سبيل دعوة التوحيد في تلك الفترة وفي ذلك المجتمع المعاند المكابر الذي صار يلاحق هذه الدعوة وأهلها ويشوه سمعتها وسمعة أهلها بين الناس، لما رأوا خطرها على أصنامهم وأوثانهم، وما قدموا لرسول الله ﷺ من عروض مادية وغيرها في سبيل صده عن دعوته وما عرضوا من مصالحة يريدون عقدها معه ﷺ حين يئسوا من قبوله أو التغلب عليه، فلم يجدوا لكل ذلك طريقا ولا مكانا عند رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، فضاعفوا من عداوتهم ومكرهم وعنادهم، فوصفوا رسول الله ﷺ مرة بأنه شاعر، ومرة بأنه ساحر، وكاهن، وتناقضوا في ذلك واضطربوا وأذوا أصحابه أشد الأذى مما لا يتسع المقام لذكره٢.
واستمر الحال على ذلك طيلة تلك الفترة المكية التي بلغت ثلاثة عشر عاما حتى أذن الله تعالى لرسوله ﷺ وأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فكانت
_________________
(١) ١ انظر: دلائل النبوة للحافظ الأصبهاني ص ٣٤٩، ٣٤٩، وص ٣٥٦-٣٦٧. ٢ انظر: السيرة لابن هشام ١/٤٢٠ وما بعدها.
[ ١٨٢ ]
نصرا من الله لدينه ورسوله وخذلانا لأعدائه، وتحولا كبيرا في تاريخ هذه الدعوة التي بعث بها خاتم المرسلين إلى الناس أجمعين.
ثمرات دعوة التوحيد في الفترة المكية:
استمرت دعوة رسول الله ﷺ في مكة قبل الهجرة ثلاث عشرة سنة كاملة كلها دعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، ونبذ ما سواه، ولم تنزل على رسول الله ﷺ تفصيلات الشريعة بل كانت هذه الفترة كلها تعالج قضية واحدة وهي قضية العقيدة والإيمان بالله تعالى، وما يتعلق بذلك من أمور هذه العقيدة وترسيخها في القلوب، ونزل أكثر القرآن الكريم في تلك الفترة في تقرير هذه الحقيقة ومعالجة هذه القضية التي هي أهم القضايا والغاية من إرسال الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
ولقد كانت هذه الفترة في مكة تربية لأولئك المؤمنين الأوائل، وتثبيتا لهذه العقيدة في قلوبهم، حتى رسخ فيها توحيد الله تعالى وحده والبراءة مما سواه، وتلك حكمة عظيمة من الحكيم الخبير آنت بعد ذلك ثمارها الطيبة بإذن ربها، ورأى الناس نتائج تلك التربية على توحيد الله التي غُرست وسُقيت في مكة وآتت أكلها طيبة على يد رسول الله ﷺ وأيدي أصحابه
_________________
(١) ١ انظر كتاب منهج القرآن في تربية المجتمع للدكتور / عبد الفتاح عاشور ص ١٤٨.
[ ١٨٣ ]
صفوة الخلق بعد الأنبياء والرسل ﵃ ثم التابعين وأتباعهم بإحسان بعد ذلك.
ومن أهم ثمرات تلك الدعوة والتربية في مكة:
أولا: تلك العناية الفائقة والتربية الفريدة التي نالتها تلك الفئة من المؤمنين الأولين، فكان لها نوع مميز من التربية على يد رسول الله ﷺ إذ رباهم هذه الفترة كلها على عقيدة التوحيد التي جعلت من أولئك المؤمنين في مكة قاعدة ثابتة راسخة انطلق منها الإسلام بعد ذلك إلى أرجاء الأرض، ولقد ظهرت الآثار الطيبة المباركة لتلك التربية المميزة على أولئك الأخيار الذين اختارهم الله تعالى لصحبه رسوله ﷺ، وضربوا أروع الأمثلة في الصبر والشجاعة والإقدام والصدق والإخلاص والنصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ في الحرب والسلم والشدة والرخاء، مما تزخر به كتب السير ويقرؤه الناس وكأنه ضرب من الخيال، ولكنه نتاج التربية على العقيدة الصحيحة التي كانت أول ما دعا إليه رسول الله ﷺ كما كانت أول ما دعا إليه إخوانه من الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، الذين اصطفاهم الله واختارهم لحمل هذه الأمانة، وأدائها إلى الناس، والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته وقد سار على هذا المنهج القويم
[ ١٨٤ ]
اتباعهم وأنصارهم في حياتهم وبعدها طاعة لله تعالى ولرسله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ ١.
وهذه سبيل الناجحين، فمن رأى السلامة في غيره كان ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢.
ثانيا: ومن ثمار هذه الدعوة إلى توحيد الله تعالى في الفترة المكية ما حصل من غرس شجرة هذه العقيدة في قلوب أولئك المؤمنين غرسا يتناسب مع قوة هذه الرسالة وعظمتها وامتدادها مدى الحياة، فهي آخر الرسالات السماوية وخاتمتها، فكان حقا أن تأخذ الدعوة إلى هذه العقيدة وتثبيتها في قلوب المؤمنين بعد إزالة ما فيها من أدران الجاهلية، كان حقا أن تأخذ أكثر من نصف عمر هذه الدعوة في حياة رسول الله ﷺ، وأن ينزل فيها أكثر القرآن الكريم، وأن تعنى بترسيخ عقيدة التوحيد الخالص في قلوب المؤمنين فأخرجتهم من الظلمات إلى النور، ومن حضيض الباطل إلى علياء الحق، ومن رعاة للغنم إلى رعاة للأمم. والله غالب على أمره.
_________________
(١) ١ الآيتان ٦٩، ٧٠ من سورة النساء. ٢ الآية ١١٥ من سورة النساء.
[ ١٨٥ ]
ثالثا: وثمرة ثالثة من أهم ثمار هذه الدعوة في مكة وهي: أن هذا التوحيد أول واجب على المكلف، ولولا ذلك لما قضى رسول الله ﷺ هذا الوقت كله وهذا الجهد كله في أول عمر هذه الدعوة في دعوة الناس إلى ذلك، ولولا ذلك لما مرت تلك الفترة في مكة لم يؤمر المؤمنون بأمر ولم يكلفوا بتكليف غير أمر التوحيد والعقيدة، إلا فريضة الصلاة في أواخر هذه الفترة١.
ولو كان غير هذا الأمر أولى بالدعوة والإصلاح منه لكان رسول الله ﷺ أسبق الناس إليه، فلقد بعث والناس في حال يرثى لها من الفساد والانحطاط الخلقي والاجتماعي والسياسي، ولوجد أنصارا كثيرين لو اتجه لإصلاح هذه المفاسد في ذلك المجتمع، ولكن ذلك لا يخرج الناس من ظلم ولا يخرج منهم رجالا تقوم عليهم رسالة للعالمين٢.
ولأهمية هذا الأمر كان أول ما دعا إليه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكان أول ما يطلب من العبد، وهو أول ما دعا رسول الله ﷺ وأمر به رسله من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كما قال ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إلا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" ٣
_________________
(١) ١ انظر: كتاب مصرع الشرك والخرافة – خالد علي الحاج ص ١٦٣. ٢ انظر: كتاب منهج القرآن في تربية المجتمع، د. عبد الفتاح عاشور ص ١٤٩. ٣ البخاري مع الفتح ١/٤٩٦، ١٩٧، ومسلم بشرح النووي ١/٢٠٦.
[ ١٨٦ ]
وكما قال ﵊ حين بعث معاذا إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم الأموال واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١.
وهذا هو سبيل الرسول ﵊ في دعوته وسبيل أتباعه من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، كما قال تعال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وهذا أمر مهم غاية الأهمية يجدر بكل داعية وطالب علم أن يعنى به أتم عناية ويحذر من مخالفته لأي سبب كان من استحسان أو اتباع هوى أو إعجاب برأي أو تقليد أو غير ذلك، وقد عقدت لذلك مبحثا من هذه الرسالة.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٣/٢٦١، ومسلم بشرح النووي ١/١٩٦، ١٩٧ واللفظ له. ٢ الآية ١٠٨ من سورة يوسف.
[ ١٨٧ ]
ب- دعوة الرسول ﷺ إلى التوحيد في المدينة:
بعد أن قضى رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة في مكة تلك الفترة في الدعوة إلى توحيد الله وسط ذلك الجو المليء بالعداوة والأذى الشديدين وقد أذن الله للصحابة في الهجرة فهاجر كثير منهم هجرتين إلى الحبشة، وخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف، فلم يجد إلا كأذى أهل مكة أو أشد، واشتدت قريش في إيذاء رسول الله ﷺ وأصحابه، فأذن الله لرسوله ﷺ وأصحابه بالهجرة إلى المدينة، وكان رسول الله ﷺ قد قابل وفدين من أهلها في العقبة بمنى في موسم الحج، وعقد معهم البيعتين الأولى والثانية، فكان الإذن بالهجرة فرجا من عند الله للرسول ﷺ وأصحابه، فبدأ الصحابة يهاجرون إلى المدينة حتى هاجر أكثرهم، ثم خرج رسول الله ﷺ مهاجرا ومعه أبو بكر الصديق ﵁.
وبهذه الهجرة النبوية الكريمة إلى المدينة تدخل الدعوة إلى توحيد الله تعالى مرحلة أخرى في إبلاغها للناس، وتمهيد السبيل لانتشارها، ووقوفها في وجه الأعداء، فلقد كان الشرك يبسط نفوذه ويُحكم سلطانه على الجزيرة العربية.
ولم تنته عداوة المشركين للمؤمنين بالهجرة والخروج من مكة، بل ازدادت فقد رأى المشركين أن رسول الله وأصحابه قد قامت لهم دولة في المدينة، فبدأت قريش ومن شايعها تحيك المؤامرات والدسائس لرسول الله ﷺ وأصحابه، بدأت منذ بدأ أصحابه في الهجرة وعزم عليه الصلاة
[ ١٨٨ ]
والسلام على الهجرة، فأحاطوا ببيته وحفظه الله منهم، ولما علموا بذلك جدوا في البحث عنه وجعلوا الجوائز لمن يأتي به، ولما نجاه الله من كيدهم واستقر في المدينة، صبوا على المستضعفين من المؤمنين الذين لم يقدروا على الهجرة إلى المدينة، ألوانا من الأذى والتنكيل، وبدأوا يفكرون في الانتقام من رسول الله ﷺ وأصحابه وهذه الدعوة في المدينة، وأذن الله تعالى لرسوله والمؤمنين بالقتال، وكان أول لقاء بين التوحيد والشرك في غزوة بدر الكبرى، التي ظهرت فيها قريش بشركها في غاية الفخر والخيلاء كما أعلنها أبو جهل – وقد أشير عليه بالعودة إلى مكة ما دامت العير قد نجت – فقال: "والله لا نرجع حتى نرد بدرا١ – وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام – فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان٢، وتسمع بنا العرب، وبسيرنا جميعا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا"٣.
_________________
(١) ١ بدر: ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء. ويقال: إنه ينسب إلى بدر بن يخلد بن النظر من كنانة. وقيل: بل هو رجل من بني صخرة سكن هذا الموضع فنسب إليه ثم غلب اسمه عليه. وكانت موسما من مواسم العرب. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ١/٣٥٧. ٢ القيان: الجواري. ٣ ابن هشام – السيرة النبوية ٢/٢٧٠.
[ ١٨٩ ]
فكانوا كما قال الله عنهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ١.
وقد كانت عزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من هجرته ﵊ في شهر رمضان أعز الله فيها جنده، وهزم أعداءه شر هزيمة، ولقنت الشرك والمشركين درسا، علموا من خلاله أن النصر والغلبة لا تنال بالخيلاء ولا قوة العدة أو كثرة العدد، ولقد أهلك الله في الغزوة صناديد الشرك والكفر الذين كانوا عقبة في سبيل هذه الدعوة يصدون الناس عنها، ويؤذون من آمن بها.
ثم تتابعت الغزوات بين التوحيد والشرك بعد ذلك فكانت عزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة ثم الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة ثم صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة إلى أن جاء الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة، فلفظ الشرك في مكة أنفاسه وعلت كلمة التوحيد، وحطمت الأصنام وطهرت منها الكعبة المشرفة بيت الله، وكان رسول الله ﷺ يحطم الأصنام التي على الكعبة وهو يتلوا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٤٧ من سورة الأنفال. ٢ الآية ٨١ من سورة الإسراء.
[ ١٩٠ ]
كما حُطِّمت الأصنام الأخرى المتفرقة في الجزيرة إذ بعث إليها رسول الله ﷺ من هدمها وحطمها أو أحرقها، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجا كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابا﴾ ١.
وتحقق وعد الله تعالى لرسوله محمد ﷺ في رؤياه، إذ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَهسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢.
ثم غزوة حنين عقب فتح مكة لقتال مشركي الطائف وهوازن وغيرهم، هذا إلى جانب الغزوات الأخرى والسرايا الكثيرة التي كان يبعثها رسول الله ﷺ من المدينة تتبع فلول المشركين وتمهد الطريق لدعوة التوحيد حتى لا يبقى في الجزيرة صوت غير صوت الإسلام ولا عقيدة سوى عقيدة التوحيد.
"ولقد كان لسقوط معقل الوثنية، وتسليم أهل مكة للجيش المنتصر، ودخولها في دين الله أثره في تلك القبائل التي وقفت متحفزة للهجوم، مستعدة للانقضاض والتي جربت قوة الإسلام، وثبات المسلمين، فإذا
_________________
(١) ١ سورة النصر. ٢ الآية ٢٧ من سورة الفتح.
[ ١٩١ ]
بالمسلمين صخرة صلبة لا تلين، لذا سارعت أكثر القبائل بالطاعة، وانضوت تحت لواء الدين الحنيف، وخاصة بعد هزيمة هوازن وثقيف، وبد أن أرهبوا جيوش الروم في تبوك، وأظهروا قوة الإسلام في كل مكان، وجاء العام التاسع، وخرج أبو بكر ﵁ يحج بالناس، وحول البيت الذي تحطمت الأصنام من حوله، اجتمع المؤمنون والمشركون: للمؤمنين شعائرهم، وللمشركين عاداتهم وقبائحهم وضلالهم، ومثل هذا التناقض يأباه الإسلام، ولابد أن يضع له حدا، بعد أن علت راية الإيمان، لذلك كان لابد أن يمنع المشركين من دخول بيت الله الحرام، وأن يعلن عليهم الحرب الدائمة، حتى يستسلموا لأمر الله، إذا لا يؤمن لهم جانب ولا يبقى لهم عهد"١.
وبعد هذا فقد آن الأوان للبراءة العامة من الشرك وأهله وإعلان ذلك على الناس جميعا، فبعد عودته ﷺ من عزوة تبوك همَّ بالحج وذكر حضور المشركين الحج بما هم عليه من شرك وضلال فبعث أبابكر الصديق على الحج.
قال ابن كثير ﵀ عند تفسير الآيات الأولى من سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الكَافِرِينَ﴾ ٢ قال: "وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ د. عبد الفتاح عاشور، منهج القرآن في تربية المجتمع ص ٦٤٠. ٢ الآيتان ١، ٢ من سورة التوبة.
[ ١٩٢ ]
لما رجع من عزوة تبوك وهم بالحج ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وإنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرا على الحج تلك السنة، ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا وأن ينادي في الناس ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له "١.
وأعلن ذلك أبو بكر الصديق ﵁ في المشركين، ثم تبعه علي ﵁ وأعلن على الناس في منى ما نزل من آيات علىرسول الله ﷺ
وهو قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢ وآيات أخرى بعدها.
أخرج البخاري ﵀ بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن
_________________
(١) ١ ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ٢/٣٣١. ٢ الآيات من ١-٣ من سورة التوبة.
[ ١٩٣ ]
عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله ﷺ بعلي بأبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في أهل مني ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان"١.
وبهذا أعلنت البراءة من المشركين في ذلك اليوم العظيم والموقف العظيم وانكسرت شوكة الشرك والمشركين وارتفعت كلمة التوحيد ورايته، وانفتح الطريق لهذه الدعوة لتصل إلى الناس تخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، واستقرت في نفوسهم هذه الدعوة وهذا الدين، وتهيأت النفوس لقبول ذلك إيمانا وطاعة لله ﵎ واتباعًا لرسوله محمد ﷺ، وهذا هو الطريق القويم للدعوة الذي ينبغي لدعاة الإسلام أن يسلكوه في دعوتهم للناس، وهي دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وإمامهم نبينا محمدصلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
"إن الدعوة إلى التوحيد الخالص أساس كل إصلاح، فمن واجب دعاة الإصلاح أن يجاهدوا في تقويم العقائد، فإن العقائد السليمة مصدر كل خير، والعقائد الزائفة منشأ كل شر"٣
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٨/٣١٧. ٢ الآية ١٠٨ من سورة يوسف. ٣ خالد محمد على الحاج، كتاب مصرع الشرك والخرافة ص ١٦٤.
[ ١٩٤ ]
وهكذا كانت دعوته ﷺ إلى التوحيد في المدينة جهادا متواصلا باللسان والسنان، دعوة إلى هذه العقيدة ونشرا لها ودفاعا عنها وحماية لها، حتى انتشرت في أرجاء الجزيرة فعلا صوت التوحيد واختفى صوت الشرك ودخل الناس في دين الله أفواجا، ووقف رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ حماة لهذه الدعوة وهذه العقيدة ورسول الله ﷺ يبين لهم فضل الله عليهم بنعمة التوحيد وما للموحدين من عظيم الأجر ورفيع الدرجات عند ربهم، ويبين لهم خطر الشرك ويحذرهم منه ويسد كل طريق يوصل إليه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ١٦٤ من سورة آل عمران. ٢ الآية ١٢٨ من سورة التوبة.
[ ١٩٥ ]