كانت الحال وقت بعثته ﷺ امتدادا لتلك الحال التي كانت تعيشها جزيرة العرب ومن حولها، والتي أشرت إليها في المبحث السابق، بل زادت على ذلك حيث استحكم الشر وتغلغل الشرك والضلال وسرى الفساد، فوثنية جائرة ظالمة تتخذ الأحجار والأشجار آلهة مع الله، تدعوها وتحتكم إليها وتتقرب لها، ودهرية زنادقة لا يعرفون غير شهواتهم وأهوائهم، لا يؤمنون بشيء غير ما يرونه في هذه الحياة الدنيا، ومسيحية ضالة تقول على الله ما لم يقله أحد، وتتخذ رهبانها أربابا من دون الله تعالى، ويهودية ماكرة، مخادعة لا تعرف غير الغدر والخيانة، والاستغراق في جمع المادة من أي طريق وبأي وسيلة تتعالى على الناس وتحتقرهم، وعباد كواكب يعتقدون فيها التأثير في الكون، وجلب النفع ودفع الضر.
وغير هذا من الشرك والكفر التي بلغ غايته ومنتهاه والناس مشتتون ممزقون بين هذه الأهواء والضلالات، كل حزب بما لديهم فرحون.
وإلى جانب هذا الضلال المبين ذلك الانحراف والفساد الخلقي والاجتماعي من القتل والنهب والسلب وارتكاب الفواحش والمنكرات وشرب الخمور ووأد البنات وغير ذلك من الفساد الذي استحقوا به مقت الله وغضبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "اعلم أن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل، وقد مقت١
_________________
(١) ١ المقت: أشد البغض.
[ ١٥١ ]
أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبيل مبعثه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل وإما منسوخ، ودين دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإما أمي من عربي وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه، وظن أنه ينفعه: من نجم أو وثن أو قبر أو تمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد، وغاية البارع منهم علما عملا، أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه عليهم حقه بباطله١.
وأخرج الإمام مسلم ﵀ في صحيحه بسنده عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته وذكرها وفيها: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليكم كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا" ٢ ثم ذكر بقية الخطبة.
ولقد كانت تلك الفترة التي سبقت بعثة محمد ﷺ فترة اختلطت فيها العقائد والأهواء والتبس الدين الحق على الناس، فتاهوا في الضلال وغرقوا في بحور الجهل، وبلغت مشاكل الناس حدا عجزت أماه كل الثقافات والعادات والأعراف عن حلها، وأصبحوا في أمس الحاجة إلى من ينقذهم
_________________
(١) ١ ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ١/٦٣ ت د. ناصر عبد الكريم العقل. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/١٩٧-١٩٨.
[ ١٥٢ ]
من هذا الهلاك الذي يحبط بهم ويأخذ بأيديهم إلى سبيل النجاة بعد ما أخذ منهم الباطل كل مأخذ، فأينما يممت وجدت الضلال والجهل ضاربًا أطنابه، والناس سكارى يتخبطون في ذلك الظلام الحالك، الذي خيم عليهم، فهم أحوج ما يكونون إلى نور يهتدون به إلى السبيل القديم الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور.
وهذه سنة الله في خلقه إذ يسبق الفرج استحكام الضيق والكرب، ويسبق النور حلكة الظلام، ويسبق النصر شدة تبلغ بالقلوب الحناجر، وكلما اشتد الأول كان للثاني قوته ووقعه وقيمته، وبينما الناس يتجرعون هذا كله، إذ الفرج والنور والنصر يطل عليهم ببعثة محمد ﷺ.
قال الشيخ محمد خليل هراس:"وبينما البشر على حالتهم هذه قد غرقوا في بحر لجي من الظلمات المتراكمة إذا بالنور المحمدي يشرق من مكة فيملأ الكون هدى وضياءً، سطع نور خاتم الرسل والأنبياء ﷺ لينقذ البشر من هذا الجحيم الذي أججوه لأنفسهم ثم ألفوا العذاب فيه، ويقيهم من التردي في مجاهل الانحطاط البشري البهيمي، ويرشدهم إلى السبيل السوي للحياة يهديهم سبل السلام بإذن الله تعالى ويوضح لهم أسباب السعادة كاملة دنيا وأخرى "١.
وشب رسول الله ﷺ وعاش عمره ما قبل الأربعين في قومه مشهورا بينهم بالصدق والأمانة، لم يصبه شيء من دنس الجاهلية التي كان يغرق
_________________
(١) ١ محمد خليل الهراس – دعوة التوحيد ص ٢٦٢.
[ ١٥٣ ]
فيها قومه، وأولها الإشراك بالله تعالى، ثم تزوج بتلك المرأة المشهورة بمكانتها وعفافها – خديجة بنت خويلد – ﵂، فكانت له نعم المعاون والنصير١.
وقبيل الأربعين من عمره زاد انتشار خبر بعثته وصارت حديث علماء أهل الكتاب، فيما يجدونه في كتبهم، وكثير من العرب الذين يسمعون ذلك منهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ ٢ ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٣ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ ٤.
كما أخذ الله الميثاق على النبيين من قبله إن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وأن يأخذوا هذا الميثاق على أممهم، قال تعالى:
_________________
(١) ١ في هذا المبحث انظر المراجع الآتية: السيرة لابن هشام ١/٢٤٩-٢٥٤، والبداية والنهاية لابن كثير ١/٢٨٤، ٢/٣، ٤، ودلائل النبوة لأبي نعيم ١/٢٧٥، ونور اليقين / محمد الخضري ص ٢٥-٢٧. ٢ الآية ١٥٧ من سورة الأعراف. ٣ الآية ٦ من سورة الصف. ٤ الآية ٢٩ من سورة الفتح.
[ ١٥٤ ]
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
قال ابن عباس ﵄: "ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهي حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق، لئن بعث الله محمدا وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه "٢.
فيتضح مما سبق أن البشارة بمحمد ﷺ كانت على ألسنة الأنبياء والرسل جميع، وقد كان من دعاء خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ كما قص الله ذلك في القرآن الكريم فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ وكانت بعثته ﷺ حين بلغ من العمر أربعين سنة، وكان أول ما بدئ من ذلك الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء والبعد عن الناس، فكان يذهب إلى غار حراء خارج مكة وينقطع فيه الأيام والليالي يعبد الله على دين إبراهيم، ثم يعود إلى زوجه خديجة ويتزود لمدة أخرى ويعود إلى خلوته، حتى كان
_________________
(١) ١ الآية ٩١ من سورة آل عمران. ٢ ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ١/٣٧٨. ٣ الآية ١٢٩ من سورة البقرة.
[ ١٥٥ ]
ذلك اليوم الذي أشرق فيه النور وبزع فجر الحق على العالمين، وهم في تلك الظلمة الحالكة والحيرة المتناهي، فجاءه رسول الله إلى أنبيائه ورسله، أمين الملائكة، جبريل ﵇ مرسل من ربه إلى محمد ﷺ ليلقى عليه أول أنوار هذه الرسالة التي بها نجاة الناس وفلاحهم وسعادتهم.
ولنسمع كيف تصف عائشة ﵂ بدء نزول الوحي عليه ﷺ فيما أخرجه الإمام البخاري ﵀ بسنده عنها ﵂ أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه – وهو التعبد – الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: "اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: "زملوني"٢، فزملوه حتى
_________________
(١) ١ الآيات من ١-٥ من سورة العلق. ٢ التزميل: الإخفاء واللف في الثوب، وتزمل تلفف. انظر القاموس المحيط٣/٤٠١.
[ ١٥٦ ]
ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: - وأخبرها الخبر- "لقد خشيت على نفسي"، فقالت خديجة: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدا- إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني١، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، ياليتني فيها حذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: "أو مخرجي هم؟ " فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا" ٢.
_________________
(١) ١ وفي رواية أخرى للبخاري: يكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية. ٢ البخاري مع الفتح ١/٢٢.
[ ١٥٧ ]