كان لتوحيد الألوهية والعبادة الاهتمام الأول في العناية والحماية، فهو الذي كان ينكره المشركون ويردّون دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه، ويعجبون منها، كما قال الله تعالى حكاية عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الالِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
ولهذا فقد بين رسول الله ﷺ هذا التوحيد أتم بيان ودعا إليه أعظم دعوة، وجلُّ القرآن الكريم نزل ليقرر هذا النوع من التوحيد ويدعو إليه، وجاهد رسول الله ﷺ في ذلك أعظم جهاد، وقام في حمايته وصيانة حماه حتى أتاه اليقين، بل إنه وهو في الرمق الأخير، وهو يعالج نزع الروح يبين لأمته أهمية هذا التوحيد، كما ربى أصحابه ﵃ على ذلك ليكونوا جنودا وحماة لهذا التوحيد ويسلّموا هذه الأمانة إلى من بعدهم صافية نقية، وقد كانوا كذلك ﵃ وأرضاهم.
وفيما يلي بعض الأمثلة من حماية رسول الله ﷺ لهذا النوع من التوحيد وبيانه والنهي عن كل ما يضاده من شرك أو بدعة أو يكون وسيلة وذريعة إلى ذلك وإن لم يكن في نفسه شركا.
_________________
(١) ١ الآية ٥ من سورة ص.
[ ٢٨٧ ]
أولا: النهي عن الغلو والإطراء
الغلو أصل كل شر وبلاء في الدين، فهو أصل الشرك والانحراف الذي صار طريق كل هالك وسبيل كل ضال، والإطراء باب من أبوابه ووسيلة من أعظم وسائله، فالغلو هو الذي كان سببا في وقوع الشرك في الأرض بعد أن لم يكن، ثم صار بعد أساس كل شرك يقع في كل زمان ومكان،
فهو سبب كفر النصارى، وشركهم الذين قال الله عنهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١.
ولهذا حذر الرسول ﷺ أمته من ذلك، ومن كل وسيلة قد توصل إليه خوفا على أمته وحماية لجناب التوحيد، فنهاهم عن الغلو في الدين وحذرهم منه، وعن إطرائه أو تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه، لئلا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم، فكان سبب هلاكهم، فذم التنطع وحذر منه وهو أول سهم من سهام الغلو، فقال ﷺ: "هلك المتنطعون" ٢ قالها ثلاثا.
وكان ﷺ لا يحب المتعمقين، فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين".
_________________
(١) ١ الآية ١٧١ من سورة النساء. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/٢٢٠.
[ ٢٨٨ ]
فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال أقبل بهم يوما ثم يوما، ثم أراد الهلاك، فقال: "لو تأخر لزدتكم"، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا"١.
وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم ﷺ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٢.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا واعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"٣.
وقال أنس ﵁:"كنا عند عمر ﵁ فسمعته يقول: نهينا عن التكلف".
وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفهما، من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا"٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٤/٢٠٦. ٢ الآية ٨٦ من سورة ص. ٣ ابن قيم الجوزية مدارج السالكين ٣/٤٣٦. ٤ الآجري – الشريعة ١/٤٨.
[ ٢٨٩ ]
وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول:"سُنتْ لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا"١.
وقال ﷺ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" ٢.
فأخبر أن الغالين يحرفون ما جاء به، والمبطلين، ينتحلون بباطلهم غير ما كان غير ما كان عليه، والجاهلون يتأولونه على غير تأويله، وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة، فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأبياء مثله من هؤلاء٣.
وحذر ﵊ من الغلو فقال: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" ٤، وسد الذرائع الموصلة إليه، فنهى عن الإطراء وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ٥.
_________________
(١) ١ انظر إغاثة اللهفان ١/١٥٩. ٢ الكامل لابن عدي ١/١٥٢،١٥٣، من طرق كثيرة ضعيفة كما ذكر ذلك الدارقطني وأبو نعيم، ويمكن أن يتقوى بتعدد الطرق. ٣ ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان ١/١٥٩. ٤ مسند الإمام أحمد ١/٢١٥، وغيره، حديث صحيح. ٥ تقدم تخريجه ص ٢٨٩.
[ ٢٩٠ ]
فقد كان الإطراء والغلو سببا لكفر النصارى وقولهم في عيسى ﵇ غير الحق.
وأخبر عن هلاك المتنطعين فقال: "هلك المتنطعون" ١.
وأنكر على أصحابه المبالغة في المدح والثناء عليه خوفا عليهم من مجاوزة الحد إلى النهي عنه، وحماية لعقيدة التوحيد من أن يمسها دنس واحتياطا في الحفاظ عليها حتى من الأمور التي قد لا تكون في الواقع شركا أو بدعة، روى عبد الله بن الشخير ﵁ قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله ﵎"، قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" ٢.
وروى أنس ﵁: أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿" ٣.
فالنبي ﷺ لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام، وأرشد أمته إلى ترك ذلك نصحا لهم وحماية لمقام التوحيد أن يدخله ما يفسده، أو يضعفه من الشرك ووسائله٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٣٣٤/٢٠٥٥. ٢ مسند الإمام أحمد ٤/٢٤، ٢٥، حديث صحيح. ٣ مسند الإمام أحمد ٣/١٥٣، حديث صحيح. ٤ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تيسير العزيز الحميد ص ٧٣٢، ٧٣٣.
[ ٢٩١ ]
والنهي عن الغلو عام في كل أمر من أمور الدين وأول ذلك أمر العقيدة التي هي أساس الدين وأصله.
والنهي عن الإطراء ومجاوزة الحد في شخصه ﵊، وغيره من باب أولى أيا كان ذلك الغير ملكا أو نبيا أو صالحا أو غير ذلك، وما أكثر من استزلهم الشيطان فوقعوا فيما نهى الله عنه ورسوله ﷺ، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، وأضلهم عن الهدى بدعوى المحبة والوسيلة، والتقرب إلى الله تعالى، حتى صدق على كثير منهم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيات من ١٠٣-١٠٥ من سورة الكهف. ٢ من الآية ٣٠ من سورة الأعراف. ٣ الآية ٣٧ من سورة الزخرف.
[ ٢٩٢ ]
وإنما المحبة الصحيحة والوسيلة الصالحة في اقتفاء أثر رسوله ﷺ وصحابته والتابعين لهم بإحسان والسير على طريقهم الذي هو صراط الله المستقيم كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وكما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.
وقال بعد ذكر عدد من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ٣١ من سورة آل عمران. ٢ الآية ٢١ من سورة الأحزاب. ٣ الآية ٩٠ من سورة الأنعام.
[ ٢٩٣ ]
ثانيا: زيارة القبور والنهي عن اتخاذها مساجد:
وهذا الموضوع له أهمية عظيمة نظرا لما له من الأثر المباشر في عقيدة التوحيد قديما وحديثا، وما حصل بسببه من الفتن التي أدت بكثير من أهلها إلى الشرك بالله ﷾، ولهذا فقد كان له أهميته العظيمة، ومن أهم ما اهتم به رسول الله ﷺ، فبيّن الهدى فيه وأمر به، وحذر من الانحراف عنه وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة وفتن عظيمة.
والكلام عن هذا الموضوع الهام يتلخص في عدة أمور:
الأمر الأول: الحكمة من زيارة القبور
لقد بيّن ﵊ الحكمة التي من أجلها شرعت زيارة القبور وهي أمران:
أحدهما: تذكر الآخرة، والاعتبار بحال أهل القبور وما سينتهي إليه كل إنسان كما قال ﷺ: "فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت" ١.
فقد بيّن ﵊ الغاية من زيارة القبور وأنها تذكر بالآخرة، وما ينبغي للزائر أن يكون قصده من زيارته للقبور، وهذه حكمة عظيمة تبعث في نفس المؤمن الاستعداد للموت والدار الآخرة، وتحذر من الغفلة والاغترار بالدنيا، وهذه حكمة عظيمة لو عقلها المسلمون.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٧/٤٦.
[ ٢٩٤ ]
ثانيهما: من الحكمة في زيارة القبور: الدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه، وهذه حكمة أخرى من زيارة القبور، وهي حق للميت على الحي، إذ الميت قد انقطع عمله، وهو في أمس الحاجة وأشدها إلى من يدعو الله له بالمغفرة والرحمة.
فالزائر للقبور على الوجه المشروع تتحقق له هذه الحكمة، ويجمع بين خيرين له وللميت، فله بتذكر الآخرة والاستعداد لها، ونيل ثواب الزيارة وأجرها، وللميت بما حصل له من الاستغفار والدعاء.
هذا هو الذي شرعه رسول الله ﷺ في زيارة القبور والحكمة منها.
ولكن المشركين عكسوا ذلك فجعلوا الزيارة لدعاء الميت والتوسل به وليس للدعاء له فيعود الزائر مأزورا لا مأجورا، فيجمع بين شرين، ويحرم الميت من حصول الدعاء له بسبب مخالفة هدي رسول الله ﷺ وسنته١.
الأمر الثاني: الزيارة الشرعية
بين رسول الله ﷺ كيفية الزيارة الشرعية للقبور بقوله وعمله، وعلمها أصحابه وعملوا بها كما علمهم ﵊، فعن أم المؤمنين عائشة ﵂: أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ فقال: "إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم"، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم
_________________
(١) ١ انظر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية ١/١٩٨-١٩٩.
[ ٢٩٥ ]
لاحقون" ١.
وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع الغرقد" ٢.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى عن زيارة القبور أول الأمر سدا للذريعة، ثم أذن فيها حين تمكن التوحيد في القلوب، وبين الزيارة المشروعة وأمر بها، ونهى عن كل ما يخالفها وحذر منه أشد التحذير.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزورها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" ٤.
وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:" كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا" ٥.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٧/٤٤. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٧/٤٠، ٤١. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٧/٤٦. ٤ تقدم تخريجه ص٣١٦. ٥ مسند الإمام أحمد ١/٤٥٢، ٥/٣٦١. وقد أخرج الشافعي في الأم عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا" وإسناده صحيح. انظر الأم ١/٢٧٨. والهجر: هو الفحش، يقال: أهجر في منطقة يهجر اهجارا إذا أفحش. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٥/٢٤٥.
[ ٢٩٦ ]
فقد بين ﷺ الزيارة الشرعية قولًا وعملًا أتم بيان، وأتبعه على ذلك أصحابه ﵃ في حياته وبعد مماته.
فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى صلاة الجنازة، فهذه الزيارة الشرعية١.
فالحي محتاج إلى اتباع السنة، والحصول على الأجر والثواب، وتذكر الآخرة، والميت محتاج أمس الحاجة إلى من يدعو له ويستغفر أو يترحم عليه، وتحقيق هاتين المصلحتين كانت هدف الشارع من مشروعية زيارة القبور، وما خرج عن ذلك فهو ابتداع لا اتباع وشرك أو ذريعة له.
فهذه الزيارة الشرعية المستفادة من الأحاديث النبوية، وعليها درج الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، إنما فيها التذكر بالقبور والاعتبار بأهلها والدعاء لهم والترحم عليهم، وسؤال الله العفو عنهم، فمن ادعى فيها غير هذا طولب بالبرهان، وأنى له ذلك، ومن أين يطلبه، بل كذب
_________________
(١) ١ ابن تيمية – الفتاوى ١/٢٣٦. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٥/٢٤٥.
[ ٢٩٧ ]
وافترى، وقفا ما ليس له به علم، بل إن العلوم الشرعية دالة على ضلاله وجهله.
الأمر الثالث: الزيارة غير الشرعية
وهي إما شركية كزيارة المشركين للقبور لدعاء الموتى وسؤالهم الحوائج من دون الله ﷿، واعتقاد أنهم يقدرون على ذلك.
وأما بدعية مفضية إلى الشرك كتحري الدعاء عند القبور واعتقاد أنه افضل منه في مكان آخر، أو أن التوسل بهم إلى الله ﵎ يقتضي الإجابة.
وكلا الزيارتين باطلتان مخالفتان لما شرعه رسول الله ﷺ في زيارة القبور، وما سار عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃، كما تقدم من الأحاديث الصريحة الصحيحة.
إذ الناس في هذا الباب – أعني زيارة القبور – ثلاثة أقسام: قوم يزورون١ الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزيارة الشرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم وهؤلاء المشركون في الألوهية والمحبة، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٢، وهؤلاء المشركون في الربوبية٣.
_________________
(١) ١ حافظ بن أحمد حكمي – معارج القبول ١/٤٧٩. ٢ مسند الإمام أحمد ٢/٢٤٦. وهو حديث صحيح. ٣ تقي الدين المقريزي – تجريد التوحيد المفيد ص ١٩-٢٠.
[ ٢٩٨ ]
وهذه الزيارة هي التي فتحت أبواب الشرك والبدع على المسلمين، إذ جعل أهلها القبور مقصدا لمن أراد الدعاء وطلب الحاجات وتفريج الكربات، وعظموها أشد من تعظيم بيوت الله تعالى فيعطونها من التعظيم والاحترام والخشوع والخضوع ما لا يفعلون بعضه في المساجد التي هي مكان العبادة والصلاة وذكر الله وسؤاله، فبذلك سعوا إلى عمارة القبور والمشاهد والبناء عليها واسراجها والدعوة إليها، وخراب المساجد وهجرها، وتقليل مكانتها وعظمتها في نفوس المسلمين.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده، من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره١.
والذين هذا حالهم في زيارتهم للقبور قد تنكبوا الصواب، وغفلوا عن الرشد، وكان أولى لهم من زيارة قبور من يعتقدون صلاحهم للتوسل كان أولى لهم أن يقتدوا بهم في أعمالهم ويتبعوا سبيلهم، يخافون من الله كما يخافون، ويرجون رحمته كما كانوا يرجون. قال الله جل شأنه:
_________________
(١) ١ ابن قيم الجوزية – إغاثة اللهفان ١/١٩٧.
[ ٢٩٩ ]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ١.
وقبلها قوله ﷾: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهؤلاء الفضلاء من الأئمة إنما ينبغي محبتهم واتباعهم، وإحياء ما أحيوه من الدين، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونحو ذلك.
وأما اتخاذ قبورهم أعيادا، فهو مما حرمه الله ورسوله، واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين، وهو اتخاذها عيدا –كما تقدم – ولا أعلم بين المسلمين، أهل العلم في ذلك خلافا، ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين، الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة.
وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب انمحي ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حرامًا، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان"٣.
_________________
(١) ١ الآية ٥٧ من سورة الإسراء. ٢ الآية ٥٦ من سورة الإسراء. ٣ ابن تيمية – اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٣٢ تحقيق د. ناصر العقل.
[ ٣٠٠ ]
ولقد كان حرص رسول الله ﷺ في هذا الباب شديدا، فبين المشروع من ذلك بيانًا واضحًا جليًا وأمر به وحث عليه، وحذر مما يخالفه أو يكون وسيلة وذريعة إليه أشد التحذير، إذ هو سبب كل شر، وأصل كل شرك في الأرض منذ ظهر الشرك أول ما ظهر في قوم نوح ﵇.
الرابع: بعض ما ورد عن رسول الله ﷺ في التحذير والنهي عن ذلك:
فمن ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ وأم حبيبة ﵂ ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجد، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ١ متفق عليه.
ولهما أيضا عنها ﵂ قالت: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا٢.
وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/٥٣١، ومسلم بشرح النووي ١/٣٧٥. ٢ البخاري مع الفتح ١/٥٣٢، ومسلم بشرح النووي ١/٣٧٧.
[ ٣٠١ ]
من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ١.
واتخاذ القبور مساجد يشمل ثلاثة معاني:
الأول: السجود إليها واستقبالها عند الصلاة والدعاء
فقد كانوا يسجدون لها تعظيما، ويتوجهون إليها في صلاتهم، فلذلك لعنهم رسول الله ﷺ، ونهى أمته عن مشابهتهم بعمل مثل هذه الأعمال كما جاء في الأحاديث السابقة وكما في حديث أبي مرثد الفنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" ٢.
الثاني: بناء المساجد على القبور وقصد الصلاة فيها
وهذا يشمل بناء المساجد على القبور أو إدخال القبور في المساجد، فالعلة الموجودة للنهي قائمة على كلا المعنيين، وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى ذلك في بابين:
أحدهما: باب ما يكره من اتخاذ القبور، وأورد تحته حديث عائشة ﵂ المتقدم، والذي فيه لعن رسول الله ﷺ لليهود والنصارى، وأثرا عما حدث لامرأة الحسن بن الحسن بن عليّ ﵄ ونصه: "لما مات الحسن بن الحسن بن عليّ ﵃ ضربت امرأته
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٢٨٩. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٦٢.
[ ٣٠٢ ]
قبة على قبره سنة، ثم رُفعت، فسمعوا صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا".
والآخر: باب بناء المسجد على القبر، وأورد فيه حديث عائشة ﵂ فيما رأته أم سلمة وأم حبيبة ﵄ في أرض الحبشة، وقد تقدم نصه.
وفي شرح حديث عائشة ﵂ في الباب الأول أورد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قول الكرماني: "مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم"١.
الثالث: من معاني اتخاذ القبور مساجد: الصلاة على القبور والسجود عليها: كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها" ٢.
والأحاديث الواردة في النهي عن ذلك تشمل هذه المعاني الثلاثة لأنها جميعا مما ورد النهي عنه، وهي إما شرك أو ذريعة إليه.
وتخصيص قبور الأنبياء في كثير من الأحاديث، لأن اتخاذها مساجد وقصد الصلاة والدعاء عندها أكثر من غيره، وتعلق الناس بها أعظم. ومن الأحاديث في التحذير من ذلك إضافة إلى ما سبق:
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري ٣/٢٠٠، ٢٠١، ٢٠٨. ٢ مسند أبي يعلى ٢/٦٦، وإسناده صحيح.
[ ٣٠٣ ]
حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١. وقد استجاب الله دعاء رسوله محمد ﷺ وحمى قبره من أن يتخذ عيدا أو وثنا، فما هذه الحماية التي يسخر الله لها من شاء إلا استجابة له ﵊، قال ابن القيم الجوزية في النونية:
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. فقوله ﵊: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" معناه: بعدم الصلاة وقراءة القرآن والدعاء فيها، وهذا حث منه ﷺ على إعطاء البيوت قسطا من نوافل العبادات لما في ذلك من الحكم والمنافع العظيمة، ومفهوم هذا القول منه ﷺ أن القبور يجب أن تكون خالية من هذه الأمور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٢١. ٢ مسند الإمام أحمد ٢/٣٦٧ وهو حديث صحيح.
[ ٣٠٤ ]
من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة"١
وعن ابن عمر ﵄ مر فوعا: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا" ٢. وعن أبي هريرة ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه" ٣.
وهان الحديثان يدلان على ما دل عليه الحديث الأول من النهي عن تشبيه البيوت بالمقابر في عدم الصلاة والدعاء وقراء القرآن فيها، والحث على تخصيص شيء من النوافل في البيوت، وذلك يتضمن – كم سبق ذكره – النهي عن فعل شيء من ذلك عند القبور.
وعن عبد الله بن مسعود ﷺ أن رسول الله قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
وعن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه بناء" ٥.
ومن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة
_________________
(١) ١ ابن تيمية – اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٥٧ت د. ناصر العقل. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١/٥٢٨، وصحيح مسلم بشرح النووي ٦/٦٧. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٦٨. ٤ مسند أحمد بن حنبل ١/٤٣٥. ٥ مسلم بشرح النووي ٢/ ٦٦٧.
[ ٣٠٥ ]
مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ١.
وهذه الأحاديث وغيرها كثير كلها تنهى وتحذر أشد التحذير من الغلو في القبور والتوسل بأهلها، واتخاذها مساجد ومجاوزة الحد المشروع في تعظيمها وتخصيصها بالدعاء، واعتقاد أفضلية شيء من العبادة عندها، واتخاذها أعيادا ورفعها والبناء عليها وتجصيصها واتخاذ السرج عليها، وشد الرحال لزيارتها- عدا ما ورد في الحديث السابق- وكل ما خرج عن الحدّ الشرعي الثابت عن رسول الله ﷺ، كل ذلك كان حرصا منه ﵊ على عقيدة التوحيد لتبقى طاهرة صافية نقية، وسد كل طرق الشرك أو ذرائعه حتى ولو لم تكن شركا في نفسها، لئلا يمس جانب هذه العقيدة دنس من الشرك، أو بدعة، وعلى الأخص ما يتعلق بالقبور وأهلها فقد اهتم به أعظم اهتمام حتى في اللحظات الأخيرة من حياته ﵊، وفي وقت النزع والاحتضار لأن هذا الباب هو الذي دخل منه الشرك على الناس على مدار التاريخ وأخطر معول يهدم بناء التوحيد الذي بناه الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام بوحي من ربهم جل شأنه وتعالى ذكره، وتوحيد العبادة على وجه الخصوص وهو التوحيد الذي كان أول ما دعا غليه الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام أممهم وقامت بينهم الخصومة فيه بل وقد يفضي غلو بعض الناس في القبور وأهلها إلى الإخلال بتوحيد الربوبية والعياذ بالله تعالى.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٣/٦٣، ومسلم بشرح النووي ٩/١٦٧، ١٦٨.
[ ٣٠٦ ]
وكما حذر رسول الله ﷺ ونهى عن الشرك وذرائعه في هذا الباب الخطير بين الطريق المشروع ووضحه ودعا إليه الناس جميعا، وسار عليه هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ورباهم حماة لهذه العقيدة مجاهدين في سبيلها، ودعاة إليها، على ذلك المنهج القويم والصراط المستقيم الذين أنزله ربهم ﵎، وبينه رسوله ﷺ.
"فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه ولا دعا به، ولا دعا عنده ولا استشفى به، ولا استسقى به ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه١.
بل الثابت ضد ذلك أنهم كانوا ينهون عن اقل من ذلك، كما ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله: وكما أنكر ﵁ على أنس صلاته عند القبر، وقال له: "القبر، القبر"٢.
_________________
(١) ١ ابن قيم الجوزية – إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/٢٠٤. ٢ البخاري مع الفتح ١/٥٢٣.
[ ٣٠٧ ]
وكما فعل الصحابة ﵃ بقبر دانيال لما فتحوا تستر١، إذا حفروا قبورا متفرقة ودفنوه ليلا في إحداها وسووا القبور جميعا لئلا يعرفه الناس٢.
وهذه ثمرة تربية رسول الله ﷺ لهؤلاء الأخيار الذين كانوا جنودا أقوياء لهذه العقيدة، وحراسا أوفياء لها، يحبون ويعظمون ما أحبه الله ورسله وعظمه ويكرهون ويحرمون ما كرهه الله ورسوله وحرمه.
وإنما دين الله تعالى تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له، وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء لله، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ تستر: بضم التاء الأولى وفتح الثالثة وبينهما سين ساكنة: مدينة بالإقليم خوزستان فتحها أبو موسى الأشعري ﵁ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/٢٩. ٢ انظر كتاب اقتضاء الصراط المسقيم ١/٦٨٠ ت د. ناصر العقل، وإغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية ١/٢٠٣. ٣ الآية من سورة الجن. ٤ الآية ٢٩ من سورة الأعراف.
[ ٣٠٨ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ والأبصار لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ١٨ من سورة التوبة. ٢ الآيات من ٣٦- ٣٨ من سورة النور.
[ ٣٠٩ ]
ثالثا: التبرك:
وهو اعتقاد البركة في شيء من الأشياء والتماسها منه سواء كان ذلك الشيء شخصا، أو غيره من شجر وحجر، وبقعة، وقبر وغير ذلك.
وهو باب خطير، دخلت منه على الإسلام والمسلمين شرور كثيرة لبست ثوب الحق والخير والاتباع، فزلت أقدام كثير من الناس، ووقع في الشرك كثير منهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولفقت لذلك الأكاذيب وزوّرت في ذلك أحاديث نسبت إلى رسول الله ﷺ كذبا وبهتانا، ونسجت الأقاويل والأباطيل، وعزيت إلى كثير من سلف الأمة وعلمائها زورا وضلالا، كما كان المشركون من الأمم السابقة يعكفون على قبور الأنبياء والصالحين ويتخذونها أعيادا ويعتقدون فيها جلب البركة والنفع ودفع الضر، وسرى ذلك في هذه الأمة مصدقا لقوله ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضبٍّ لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " ١.
وقوله ﵊ في حديث أبي واقد الليثي ﵁ الآتي ذكره "الله أكبر إنها السنن".
"ولقد عمت البلوى بذلك وطمت في كل زمان ومكان حتى في هذه الأمة، لاسيما في زماننا هذا، ما من قبر ولا بقعة يذكر لها شيء من الفضائل، ولو كذبا، إلا وقد اعتادوا الاختلاف إليها والتبرك بها حتى
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/٤٩٥، ومسلم بشرح النووي ١٦/٢١٩، ٢٢٠.
[ ٣١٠ ]
جعلوا لها أوقاتا معلومة يفوت عيدهم بفواتها، ويرون من أعظم الخسارات أن يفوت الرجل ذلك العيد المعلوم، وآل بهم الأمر إلى أن صنفوا في أحكام حجهم إليها كتبا سموها مناسك حج المشاهد، ومن أخل بشيء منها فهو عندهم أعظم جرمًا ممن أخلَّ بشيء من مناسك الحجّ إلى بيت الله الحرام، وجعلوا لها طوافا معلوما، كالطواف بالبيت الحرام، وشرعوا تقبيلها كما يقبل الحجر الأسود حتى قالوا: إن زحمت فاستلم بمحجن أن أو أشر إليه، قياسا على فعل النبي ﷺ بالحجر الأسود، وشرعوا لها نذروا من المواشي والنقود، ووقفوا عليها الوقوف من العقارات والحرث وغيرها، وغير ذلك من شرائعهم الشيطانية، وقواعدهم الوثنية"١.
وكما حرص رسول الله ﷺ على بيان الطريق المشروع فيما يتعلق بالقبور، وحذر من مخالفته واهتم بذلك أعظم اهتمام، كذلك كان ﵊ في أمر التبرك وارتباطه بالقبور واضح جلي، إذ هو هدف كثير ممن يقصد القبور والمشاهد ويتمسح بها ويتحرى الصلاة عندها.
روى أبو واقد الليثي ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين، ونحن حديثوا عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها – ذات أنواط – فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ: "الله أكبر، إنها
_________________
(١) ١ حافظ حكمي – معارج القبول ١/٤٧٥-٤٧٦.
[ ٣١١ ]
السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم" ١.
فقد شبه ﵊ قول أصحابه – اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط – بقول بني إسرائيل لموسى ﵊ بعد خروجهم من البحر، وقد مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم فطلبوا من موسى ﵊ أن يجعل لهم آلهة مثل أولئك كما قال الله ﷿: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
"فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد بقعة يرجوا الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ٤/٤٧٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٢٣٥. ٢ الآيات ١٣٨- ١٤٠ من سورة الأعراف.
[ ٣١٢ ]
ماء أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو يدعوا عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا.
وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به ويقال: إنها تقبل النذر، كما يقال بعض الضالين، فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم"١.
وقد لا يكون الدافع أو الأمر شركا، ولا يقصد به ذلك ولكن الشيطان ما يلبث أن يزين للناس تلك المخالفة ويحببها إلى قلوبهم، وإن لم يجد لها أهلا في جيل وجد في الجيل الآخر، حتى يصل بأهلها إلى الشرك بالله تعالى، ثم يتبرأ منهم كما أخبر الله عنه، ولأجل ذلك كان رسول الله ﷺ شديد الحرص على حماية هذه العقيدة، وسد كل ثغرة مهما كانت صغيرة لئلا تكون مدخلا للشيطان وهو يعلم ﵊ أن الصحابة ﵃، لم يقصدوا بطلبهم ذات أنواط أن يفعلوا شركًا بعد أن أنعم الله عليهم بنعمة التوحيد، ولم يقصدوا ما قصد غيرهم، بل ظنوا ذلك أمرا محبوبا أرادوا التقرب به، وهم أجل من أن يقصدوا مخالفته ﷺ، ولكنه مع ذلك استعظم طلبهم ذلك وشبهه بطلب بني إسرائيل من
_________________
(١) ١ ابن تيمية – اقتضاء الصراط المستقيم تحقيق د. ناصر العقل ٢/٦٤٤.
[ ٣١٣ ]
موسى ﵊، وسمى تعظيم هذه الشجرة والعكوف عندها تألها، خوفا عليهم من الشرك، وحماية لجناب العقيدة وسدا لكل أبواب الشرك وذرائعه. "فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعائه، والدعاء عنده، فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون. قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها"١.
فاعتقاد حصول البركة من غير الله تعالى من قبر أو صنم أو شجرة، أو غيرها شرك حذر منه رسول الله ﷺ، وكذا تحري الدعاء في هذه الأماكن لأجل القبول والبركة.
والتبرك بآثار الصالحين، واعتقاد ذلك فيهم، لم يفعله أصحاب رسول الله ﷺ ولا التابعون لهم بإحسان، وهم القدوة والأسوة، إلا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم مع الرسول ﷺ وحده دون غيره في حياته ﵊، فإن لرسول الله ﷺ في حياته خصائص لم يشاركه فيها غيره، وهو المقطوع ﵊، وهذا هو التبرك المشروع، ولم يعرف عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يفعلون ذلك مع غيره
_________________
(١) ١ ابن قيم الجوزية – إغاثة اللهفان ١/٢٠٥.
[ ٣١٤ ]
﵊، مهما كان فضله ومنزلته، وهم خير الأمة وأفضل الناس بعد الأنبياء والرسل، وأشدهم تمسكا، وخيرهم إيمانا وأحسنهم وأصفاهم عقيدة، ولو كان ذلك خيرا لكانوا اسبق الناس إليه وأحرصهم عليه رضوان الله تعالى عليهم، بشهادة رسول الله ﷺ الذي رباهم وعلمهم كل خير وحذرهم من كل شر، فكان يرشدهم ويوجههم ويبين لهم كما بين لهم عند ما طلبوا منه ذات أنواط وظنوا ذلك حسنا.
فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسنا، من النبي ﷺ حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فكيف لا يخفى على من هو دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة، مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة، بل عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربوبية، فأكثروا فعله، واتخذوه قربة١. ومن الناس من يترك عمل الصالحات ويتعلق بالآثار والأشخاص معتقدا البركة فيهم، ويفوت عمره في طلب ذلك، وإنما البركة والخير كل الخير في الإيمان الصادق والعمل الصالح والعلم الصحيح من كتاب الله تعالى والسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – فتح المجيد ص ١١٤.
[ ٣١٥ ]
رابعا: الرقى والتمائم:
والمقصود بالرقى غير المشروع منها وهي التي تسمى العزائم، التي يعتقدون فيها دفع الآفات والحفظ من المكروهات، وهي المقصود في قول الرسول ﷺ كما رواه ابن مسعود ﵁: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ١.
أما ما كان منها من المشروع والمأثور من رسول الله ﷺ فلا يدخل في ذلك، لما جاء في الحديث عن عوف بن مالك ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا" ٢.
والرقى المشروعة هي التي توفرت فيها شروط ثلاثة:
الأول: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته.
الثاني: أن تكون باللسان العربي وبمعان معروفة.
الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله ﷿.
أما التمائم: فهي جمع تميمة وهي: ما يعلق عادة على الصبيان من خرز أو عظام أو جلد أو نحو ذلك لاعتقاد دفع العين عنهم، وقد نهي عنها رسول الله ﷺ لما فيها من شرك، أو ذريعة إليه.
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد بن حنبل ١/٣٨١. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٨٧.
[ ٣١٦ ]
أما التولة: بكسر التاء وفتح الواو فهي ما يصنع بزعم أنه يحبب المرأة إلى زوجها١، كما فسر ذلك ابن مسعود ﵁ قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: "شيء تصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن".
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: "التولة بكسر التاء وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر"٢.
ومن ذلك ما يعلق على الإبل من قلائد ونحوها باعتقاد أنه ترد عنها العين، كما جاء في الحديث عن أبي بشير الأنصاري ﵁ كان مع رسول الله في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا: "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت" ٣.
وهذه الأحاديث وغيرها التي تنهى عن هذه الأمور، التي فيها توكل على غير الله تعالى، واعتقاد جلب نفع أو دفع ضر من دونه ﷿، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ١/٢٠٠. ٢ انظر: تيسير العزيز الحميد ص ١٦٩. ٣ صحيح البخاري مع الفتح ٦/١٤١ ومسلم بشرح النووي ١٤/٩٥. ٤ الآية ١٠٧ من سورة يونس.
[ ٣١٧ ]
ويقول جل شأنه: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
ويقول ﷻ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٢.
وأمر سبحانه رسوله محمدا ﷺ بأن يقول لمن توكل والتجأ إلى غيره من دونه لجلب نفع أو دفع ضر ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٣.
ولما لهذه من الكثرة والانتشار بين الناس قديما وحديثا، وما يعتقد أن تفضي إليه من مخالفة لعقيدة التوحيد، ومنافاة لصحة التوكل على الله ﷿ واعتقاد في غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه، فقد حرص رسول الله ﷺ على حماية التوحيد من مثل الأمور التي قد يتساهل فيها المرء مع خطورتها.
_________________
(١) ١ الآية ١٠٦ من سورة يونس. ٢ الآيتان ١٧، ١٨ من سورة الأنعام. ٣ الآية ٥٦ من سورة الإسراء.
[ ٣١٨ ]
فمن تعلق بالله، وأنزل حوائجه به، والتجأ إليه، وفوض أمره إليه، كفاه وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن على رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ ١،٢.
_________________
(١) ١ من الآية ٣ من سورة الطلاق. ٢ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – فتح المجيد ص ١٠٥.
[ ٣١٩ ]
خامسا: الاستسقاء بالأنواء:
ومعناه نسبة السقيا ونزول المطر إلى الأنواء، والأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر، وسميت بذلك: لأنه إذا سقط الساقط منها ناء الطالع بالمشرق أي: نهض، وهي ثمان وعشرين منزلة كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ١.
وقد كان العرب في الجاهلية يزعمون أنه مع سقوط منزلة وظهور أخرى من منازل القمر يكون مطرا، وينسبون ذلك إليها فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.
"فإنهم يعتقدون أن لمطالع الكواكب ومغاربها وسيرها، وانتقالها واقترانها وافتراقها تأثيرا في هبوب الرياح وسكونها، وفي مجيء المطر وتأخره، وفي رخص الأسعار وغلائها، وغير ذلك، فإذا وقع شيء من الحوادث نسبوه إلى النجوم فقالوا: هذا بنوء عطارد أو المشتري أو المريخ أو كذا أو كذا٢.
"ورد الله تعالى عليهم، وأكذبهم بما أنزله على رسول الله ﷺ. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُوَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
_________________
(١) ١ الآية ٣٩ من سورة يس. ٢ انظر تيسير العزيز الحميد ص ٤٥١.
[ ٣٢٠ ]
إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيم هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢،٣.
وقد حرص الرسول ﷺ أن يبين لأمته ما كان عليه أهل الجاهلية من شرك وضلال، وأمرهم بالحذر من ذلك والبعد عنه، وأهم ذلك وأعظمه ما كان متعلقا بأمور الاعتقاد، ومن ذلك ما كان شائعا في الجاهلية من نسبة نزول المطر إلى النجوم ومطالعها ومغاربها، وبين ﵊ ما في ذلك من الشرك المنافي للتوحيد، كما جاء في حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية
_________________
(١) ١ الآيات ٤٨-٥٠ من سورة الروم. ٢ الآيتان ١٠، ١١ من سورة لقمان. ٣ حافظ حكمي – معارج القبول ٢/ ٣٨٢، ٣٨٣.
[ ٣٢١ ]
لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة".
وقال: "والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" ١.
فبين ﵊ أن مما سيكون في هذه الأمة وهو من أمر الجاهلية وعمل أهلها أمورا منها الاستسقاء بالنجوم، وحذر منه لكونه من أمر الجاهلية وشركها الذي كانت عليه، وكونه من أمر الجاهلية كاف في النهي والزجر عنه.
كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ٢.
وهذا يقتضي تجنب ما كان من أمور الجاهلية وخصالها المخالفة لهدي الإسلام وشرعه.
"وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية، وفعلهم فهو مذموم، في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله ﷾: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى﴾ ٣، فإن في ذلك ذما للتبرج، وذما
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٦٤٤. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٣/١٦٣، وصحيح مسلم بشرح النووي ١/٩٩. ٣ الآية ٣٣ من سورة الأحزاب.
[ ٣٢٢ ]
لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة"١.
وهذا من معجزاته ﵊، وحرصه على حماية هذه العقيدة، وحراستها من كل شرك أو ذريعة إليه.
وعن زيد بن خالد٢ ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب" ٣.
وهذا الحديث القدسي العظيم يخبر به رسول الله ﷺ عن ربه ﷿ أن من الناس من ينسب نعمه ﷾ إلى غيره، ويضيف أفعاله إلى سواه، وهو تعالى المنعم وحده الذي يجب أن تنسب إليه وحده جميع النعم، ونسبتها إلى غيره شرك به جل شأنه، فهو المتفرد بالرزق، المستحق أن تنسب إليه النعم ويفرد بالشكر عليها وحده لا شريك له.
_________________
(١) ١ ابن تيمية اقتضاء الصراط المستقيم ١/٢٠٥، ٢٠٦، تحقيق د. ناصر العقل. ٢ زيد بن خالد: هو الجهني، مختلف في كنيته صحابي جليل روى عن رسول الله ﷺ وعثمان وأبي طلحة وعائشة، كان معه لواء جهينة يوم الفتح. مات سنة ٧٨هـ. انظر الإصابة ١/٥٤٧. ٣ صحيح البخاري مع الفتح ٢/٥٢٢، وصحيح مسلم بشرح النووي ١/٨٣، ٨٤.
[ ٣٢٣ ]
وهذا البيان من رسول الله حماية منه لجناب التوحيد وحرصا على أمته من الشرك، ومنه ما كان يعتاده أهل الجاهلية من نسبة المطر إلى النجوم والأنواء، وإن كان فيهم من يقر بأن ذلك من الله تعالى كما قال
سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ بمعنى حديث زيد بن خالد الذي تقدم آنفا وفيه: وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢،٣ فبين في هذا الحديث أن سبب نزول هذه الكريمات من كتاب الله تعالى نسبتهم المطر إلى الأنواء والنجوم، وأقسم بها سبحانه، فالمقسم به مواقع النجوم وجواب القسم ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ولعل في ذلك إشارة إلى حكمة إلهية عظيمة وهي أن الله قد جعل لهم النجوم ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، كما جاء
_________________
(١) ١ الآية ٦٣ من سورة العنكبوت. ٢ الآيات من ٧٥- ٨٢ من سورة الواقعة. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٨٤.
[ ٣٢٤ ]
ذلك صراحة في آيات أخرى، وجعل القرآن هداية لهم كذلك من ظلمات الكفر والشرك والضلال. والله أعلم.
والحديث عن الاستقاء بالنجوم والأنواء يدفع إلى الكلام عن التنجيم وما جاء فيه عن رسول الله ﷺ:
فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما واد" ١.
فهذا الحديث يبين أن التنجيم نوع من أنواع السحر الذي عده رسول الله ﷺ من الموبقات في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات "، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٢.
وهناك أحاديث أخرى في التحذير من ذلك حرصا منه ﵊ على حماية التوحيد وسلامته من دنس الشرك ووسائله وطرقه.
وقد نزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ يبين الحكمة من خلق النجوم. قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا
_________________
(١) ١ مختصر أبي داود للحافظ المنذري ٥/٣٧١، حديث صحيح. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٥/٣٩٣، وصحيح مسلم بشرح النووي ١/٩٢.
[ ٣٢٥ ]
لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ١.
وقال ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٢.
فهذه ثلاث حكم جعلها الله ﷾ في خلق النجوم فهي زينة للسماء، ورجوم ترجم بها الشياطين عند استراقهم السمع، ووسيلة للاهتداء في ظلمات البر والبحر.
قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وكلف ما لا علم له به"٣.
والتنجيم الذي يدخل تحت هذا النهي والوعيد ما كان فيه ادعاء علم الغيب وربط الأشياء وتأثيرها بالتنجيم، أما ما يحتاج إليه مما يدرك بالمشاهدة كمعرفة ظل الشمس، وجهة القبلة، ونحو ذلك، فلا يدخل تحت النهي.
وقد رخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
_________________
(١) ١ الآية ٥ من سورة الملك. ٢ الآية ٩٧ من سورة الأنعام. ٣ سليمان بن عبد الله بن محمد عبد الوها تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص٤٤٢.
[ ٣٢٦ ]
وروى ابن المنذر عن مجاهد "أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر".
وقال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة، والطرق، جائز عند الجمهور"١.
_________________
(١) ١ انظر كتاب بيان فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب – ت محمد ابن ناصر العجمي ص ٢٦.
[ ٣٢٧ ]
سادسا: الذبح لغير الله تعالى:
وهذا من عمل الجاهلية، وأهل الشرك في كل زمان ومكان، وهو شرك أكبر يخرج صاحبه من ملة الإسلام إلى الكفر.
وقد أمر الله جل شأنه رسوله محمدا ﷺ أن يعلن على المشركين: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وهذه هي درجة الكمال في العبودية لله تعالى لا شريك له، والولاء الخالص له ﷾، وهي مفاصلة كاملة عما عليه أهل الجاهلية. قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية:"يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢. أي: اخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى"٣.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٦١، ١٦٢ من سورة الأنعام. ٢ الآية ٢ من سورة الكوثر. ٣ الحافظ ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٩٨.
[ ٣٢٨ ]
وقد حقق رسول الله ﷺ ما أمره به ربه ﵎ حقق ذلك قولا وعملا وعلم ذلك أمته، وشدد في النهي عن مخالفته كما في حديث عليّ ﵁:"حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض" ١.
واللعن معناه: الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى. وهذا دليل على خطورة هذه الأمور التي نهى عنها رسول الله ﷺ وأعظمها خطرا الذبح لغير الله ﷿، من الأصنام والأولياء والسادة والكهان والسحرة والمنجمين، أو الأشجار والكواكب، وجميع ما أهل به لغير الله تعالى، وكل ما كانت الجاهلية تفعله من هذا الأمر، كالفرع والعتيرة٢ونحوهما، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا فرع ولا عتيرة" ٣،٤.
قال الشوكاني ﵀ عند تفسير قوله ﷿: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه﴾: "والمراد هنا ما ذكر عليه اسم غير الله، كاللات والعزى، إذا كان
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٤١. ٢ الفرعة والفرع: أول ما تلد الناقة، كانوا يذبحونه لآلهتهم. انظر النهاية في غريب الحديث ٣/٤٣٥. ٣ العتيرة: وجمعها عتائر، وهي الشاة تذبح في رجب، وكان أهل الجاهلية ينذرون ذلك لأصنامهم. انظر النهاية ٣/ ١٧٨. ٤ صحيح البخاري مع الفتح ٩/٥٩٦، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٣/١٣٥.
[ ٣٢٩ ]
الذابح وثنيا، والنار إذا كان الذابح مجوسيا، ولا خلاف في تحريم هذا وأمثاله ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه مما أهل به لغير الله، ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن"١.
وقال القرطبي ﵀ في تفسير الآية السالفة الذكر:"أي: ذكر غير اسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسي، والوثني، والمعطل، فالوثني يذبح للوثن، والمجوسي للنار، والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه"٢. فالذبح لله تعالى تقربا إليه سبحانه من أفضل وأعظم القربات، كما أن الذبح لغيره تقربا من أعظم الذنوب والآثام، إذ هو الشرك الأكبر المخرج من الملة الذي لا يغفره الله تعالى لمن مات عليه ولم يتب، كما قال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ ٣.
وقال ﵎: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٤.
وسواء أكان المتقرب به كبيرا أو صغيرا عظيما أو حقيرا، فإن المقصود عمل القلب، ولهذا حرص الرسول ﷺ أن يبين ذلك لأمته، ليحترسوا منه
_________________
(١) ١ محمد بن عليّ الشوكاني – فتح القدير ١/ ١٧٠. ٢ القرطبي – الجامع لأحكام القرآن ٢/٢٢٣. ٣ الآية ٤٨ من سورة النساء. ٤ الآية من سورة المائدة.
[ ٣٣٠ ]
كما روى طارق١ بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب"، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة" ٢.
ففي هذا الحديث بين رسول الله ﷺ أمورا عظمية منها:
١- أن صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى شرك، وإن كانت تلك العبادة يسيرة في نظر فاعلها.
٢- أن أعظم مقصود الشيطان وأوليائه أن يقبل العبد شركهم ذلك، إذ المقصود عمل القلب.
٣- شدة خطر الشرك، وإنه محبط لعمل صاحبه، ومورد له إلى النار.
٤- عظمة منزلة التوحيد في قلوب المؤمنين، حتى ولو قدموا حياتهم في سبيله.
_________________
(١) ١ طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبو عبد الله صحابي جليل مات سنة ٨٢هـ. انظر الإصابة ٢/٢١١، ٢١٢. ٢ كتاب الزهد للإمام أحمد ص ١٥، ١٦. والحلية لأبي نعيم ١/٢٠٣ عن طارق بن شهاب عن سلمان موقوفا بسند صحيح.
[ ٣٣١ ]
٢- شدة حرص الرسول ﷺ على أمته وما من الله به عليها من نعمة التوحيد، وحمايته ﵊ لهذا التوحيد من كل شرك أو ذريعة إليه.
ومن حرصه ﷺ وحمايته لجناب التوحيد، أنه كان يعلم أصحابه لا يفعلوا شيئا من القربات لله تعالى في مكان كان يتقرب فيه لغير الله ﷿، أو يعتاده المشركون في أعمالهم الجاهلية، سدا لذريعة الشرك ووسائله والتذكير بأهله وأعمالهم، وإن كان العمل في نفسه ليس شركا.
فقد جاء في الحديث عن ثابت١ بن الضحاك ﵁ قال: "نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة٢ فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٣.
فقد سأل رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي نذر أن يذبح لله في ذلك المكان سأله تلك الأسئلة، سدا للذريعة، وخوفا من مشابهة المشركين أيا
_________________
(١) ١ هو ابن خليفة بن ثعلبة الأنصاري الأشهلي شهد بدرا، وبيعة الرضوان، وفي سنة موته خلاف، انظر الإصابة ١/١٩٥. ٢ بُوانة: بضم الباء: هضبة من وراء ينبع. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/١٦٤. ٣ مسند الإمام أحمد ٥/٣٥٣، ٣٥٦، حديث صحيح. مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري ٤/٣٨٢، حديث صحيح.
[ ٣٣٢ ]
كانت تلك المشابهة، ولو كانت تلك الأوثان أو الأعياد قد زالت واندثرت، كل ذلك حماية منه ﵊ لحمى التوحيد أن يصل إليه شرك، أو مشابهة لأهله، ولذلك لما علم بخلوّ ذلك المكان من هذه الأمور قال للرجل "أوف بنذرك" ثم عقب على ذلك بقوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم وكل أوثانهم معصية لله من وجوه:
أحدها: أن قوله: "أوف بنذرك" تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء: وجود المنذر خاليا من هذين الوصفين، فيكون الوصفان مانعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به.
الثاني: أنه عقب ذلك بقوله: "لا وفاء لنذر في معصية الله" ولولا اندراج الصورة المسؤول عنها في هذا اللفظ العام، وإلا لم يكن في الكلام ارتباط.
والمنذور في نفسه – وإن لم يكن معصية- لكن لما سأله النبي ﷺ عن الصورتين قال له: "فأوف بنذرك" يعني: حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح هناك، فكان جوابه ﷺ فيه أمر بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهى عنه عند وجود هذا، وأصل الوفاء بالنذر معلوم، فبين ما لا وفاء فيه.
واللفظ العام إذا ورد على سبب، فلابد أن يكون السبب مندرجا فيه.
[ ٣٣٣ ]
الثالث: أنه لو كان الذبح في موضع العيد جائزا لسوغ النبي ﷺ للناذر الوفاء به، كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف، أن تضرب به، بل لأوجب الوفاء به، إذ كان الذبح بالمكان المنذور واجبا، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيا عنه، فكيف بالموافقة في نفس العيد، بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟.
إلى أن قال ﵀: "فإن كان من أجل تخصيص البقعة – وهو الظاهر – فإنما نهى عن تخصيص البقعة لأجل كونها موضع عيدهم، ولهذا لما خلت من ذلك أذن في الذبح فيها، وقصد التخصيص باق، فعلم: أن المحذور تخصيص بقعة عيدهم، وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورا، فكيف نفس عيدهم؟.
هذا كما أنه لما كرهها لكونها موضع شركهم بعبادة الأوثان كان ذلك أدل على النهي عن الشرك وعبادة الأوثان ثم قال ﵀: "فليس بعد حرصه ﷺ على أمته ونصحه لهم غاية – بأبي هو وأمي – وكل ذلك من فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون "١.
_________________
(١) ١ ابن تيمية – اقتضاء الصراط المستقيم ت د. ناصر العقل ١/٤٤٠، ٤٤٥.
[ ٣٣٤ ]
سابعا: السحر والكهانة:
السحر والكهانة من أشد الأخطار على عقيدة التوحيد، وأكثرها انتشارا بين الناس، وتلبيسا عليهم وتغريرا بهم، أدت بكثير منهم إلى الشرك من حيث يشعر أولا يشعر، والخطر فيهما لا يقتصر على الساحر والكاهن وحدهما فكفرهما وشركهما معلوم، ولكن ذلك يصل إلى كل من يأتيهما، وكل من يصدقهما، ومثلهم العرافون، فالكل تجمع بينهم الولاية للشياطين يطيعونهم من دون الله تعالى وتخدمهم الشياطين في بعض ما يريدون، فيلبسون على الناس، ويكذبون ويحتالون عليهم، ويدعون بذلك الولاية والكرامة وعلم الغيب، وينخدع بهم ضعفاء العقول وناقصو الإيمان، إذ يلبسون عليهم في دينهم، ويفتنونهم في عقيدتهم.
وشرهم وخطرهم عظيم قديمًا وحديثًا، ولذلك فقد شدد رسول الله ﷺ في التحذير منهم بإتيانهم أو تصديقهم أو تعلم شيء مما يعملون.
من ذلك: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله والسحر " الحديث١.
وكل الأحاديث التي وردت في عدد الكبائر وبيانها كان منها السحر.
وعن بجالة بن عبده قالَ: "كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر"٢.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٤٩. ٢ مسند الإمام أحمد ١/١٩٠،١٩١، أبو عبيد – كتاب الأموال ص ٣٥.
[ ٣٣٥ ]
وعن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما" ١. أي لا ثواب له عليها.
وعن معاوية بن الحكم السلمي٢ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان. قال: "فلا تأتوا الكهان" قال: قلت: كنا نتطير. قال: "ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى كاهنا – قال موسى في حديثه -: فصدقه بما يقول أو أتى امرأة – قال مسدد: امرأته حائضا أو أتى امرأة – قال مسدد: يعنى امرأته في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ" ٤.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسو الله ﷺ: "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ"٥.
والسحر:
رقى وعزائم وعقد يفعلها السحرة تؤثر في القلوب وفي الأبدان بمرض
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١٤/٢٢٧، ومسند الإمام أحمد ٤/٦٨، ٥/٣٨٠. ٢ معاوية بن الحكم السلمي، سكن المدينة، قال البخاري: له صحبة ويعد في أهل الحجاز. انظر الإصابة ٣/٤١١. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ١٤/٢٢٣. ٤ مسند الإمام أحمد ٢/٤٠٨ حديث صحيح. ٥ مسند الإمام أحمد ٢/٤٢٩، الحاكم – المستدرك ١/٨.
[ ٣٣٦ ]
أو قتل أو تفريق بين المرء وزوجه، وغير ذلك، كما أخبر الله عن ذلك في كتابه الكريم فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه﴾ ١ ويقع ضرره بمشيئة الله ﷿: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢.
والسحر حقيقة، وقد أمر الله بالاستعاذة من أهله إذ يقول ﷿: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ٣ والنفاثات هن: السواحر.
والسحر أنواع كثيرة ليس هذا مقام الحديث عنها، وكلها شرك وكفر بالله ﵎ كما قال ﷾: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٤.
قال أبو بكر ابن العربي ﵀: "وما كفر سليمان قط ولا سحر، ولكن الشياطين كفروا بسحرهم، وأنهم يعلمون الناس، ومعتقد السحر كافر، وقائله كفر، ومعلمه كافر، ويعلمون الناس ما أنزل على الملكين
_________________
(١) ١ الآية ١٠٢ من سورة البقرة. ٢ الآية ١٠٢ من سورة البقرة. ٣ سورة الفلق. ٤ الآية ١٠٢ من سورة البقرة.
[ ٣٣٧ ]
ببابل هاروت وماروت، وما كان الملكان يعلمان أحدا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ ١"٢.
وقد ذم الله ﷿ السحر وأهله في كتابه الكريم، وبين بطلان عملهم، وأنهم لا خلاق لهم في الآخرة وجاء ذلك في آيات كثيرة من كتابه منها:
قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤.
وقوله ﵎: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية ١٠٢ من سورة البقرة. ٢ أبو بكر ابن العربي – أحكام القرآن ١/٢٨. ٣ الآية ١٠٢ من سورة البقرة. ٤ الآية ٨١ من سورة يونس. ٥ الآية ٦٩ من سورة طه.
[ ٣٣٨ ]
أما الكاهن:
فهو الذي يخبر عن المغيبات، يأخذها عن مسترق السمع من الشياطين يصدقونه مرة ويكذبون معها مائة كذبة كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض – ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه – فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قال لنا يوم كذا أو كذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء" ١.
والعراف:
أعم من الكاهن إذ يشمله ويشمل المنجم والرمال ونحوهم، والعرافة من السحر.
قال الإمام أحمد ﵀: "العرافة طرف من السحر، والسحر أخبث"٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٨/٥٣٧. ٢ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – فتح المجيد ٢٥٦.
[ ٣٣٩ ]
وهم جميعا تجمعهم ولاية الشيطان، وادعاء علم الغيب، واستخدام الشياطين وادعاء أنهم أولياء الله وإن ما يعملونه كرامة، والحق بأنهم أولياء الشيطان وعملهم كذب وشعوذة، يلبسون به على جهلة المسلمين.
"ولا ريب أن من ادعى الولاية، واستدل بأخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن، إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن التقي، إما بدعاء، أو أعمال صالحة، لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها، بخلاف من يدعي أنه ولي ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن هذه الأمور قد تحصل بما ذكرنا من الأسباب، وإن كانت أسبابا محرمة كاذبة في الغالب، ولهذا قال النبي ﷺ في وصف الكهان: "فيكذبون معها مائة كذبة" فبين أنهم يصدقون مرة، ويكذبون مائة، وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه، لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ١ وليس هذا من شأن الأولياء، فإن من شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها وخوفهم من ربهم، فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أننا أولياء، وإنا نعلم الغيب"٢.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٢ من سورة النجم. ٢ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – فتح المجيد ص ٢٥٦-٢٥٧.
[ ٣٤٠ ]
والكلام عن السحر والكهانة والعرافة وأهلها طويل يحتاج أكثر من هذا وليس هذا مقام التفصيل في ذلك، والقصد بيان خطر ذلك على عقيدة التوحيد قديما وحديثا، واغترار كثير من الناس بما يلبسونه عليهم ليوقعوهم به في الشرك والكفر والضلال، فيفسدون على الناس توحيدهم ويصرفونهم عن عبادته ﷾ إلى عبادة الجن والشياطين وغيرهم والتعلق بهم من دون الله تعالى.
وبيان حرص الرسول ﷺ على أمته وعقيدتها وتحذيره أشد التحذير من هذه الأمور وأهلها، حفاظا على هذه العقيدة وحماية لها من الشرك وأهله.
[ ٣٤١ ]
ثامنا: الشفاعة:
الشفاعة من أهم الوسائل التي اتخذها المشركون قديما وحديثا طريق للعبادة، فكانت سببا في وقوعهم في الشرك، وهم يظنون أنهم بذلك قد أصابوا الحق، وسلكوا الصراط المستقيم في اتخاذهم هذه الوسائل والوسائط، ورأوا أن هذا هو الذي يليق مع الله، والطريق الصحيح الذي يوصل إليه.
وهم في حقيقة الأمر قد أخطأوا الطريق، وفاتهم الصواب، وظنوا بربهم ظن السوء، وهو الذي أمرهم بإفراده بالعبادة وإخلاصها له وحده سبحانه لا شريك له.
قال جل شأنه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١.
وقال ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ١٨ من سورة يونس. ٢ الآية ٢٢ من سورة سبأ. ٣ من الآية ٣ من سورة الزمر.
[ ٣٤٢ ]
فهذه الآيات الكريمات تبين ما عليه المشركون من اتخاذ الشفعاء من دون الله تعالى، فيدعونهم ويتوجهون إليهم من دون الله ﷿، ويرون أن ذلك هو الطريق الصحيح للعبادة، وقد أخبر الله تعالى عن عملهم ذلك أنه شرك، وذمهم، وذم فعلهم، فذلك دعوة غيره من دونه سبحانه، وهذا هو عين الشرك١.
وقد بعث الله تعالى رسوله محمدا ﷺ والمشركون على ذلك، فدعاهم إلى التوحيد الخالص لله تعالى، وترك ما هم عليه من اتخاذ الشفعاء والأنداد من دونه سبحانه بدعوى أنها تقربهم إلى الله، ونزلت عليه الآيات الكثيرة التي تبين بطلان هؤلاء الشفعاء وشفاعتهم بكل صورها، وأنه ليس لأحد من العباد ولي ولا شفيع من دون الله ﷿، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: بيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص ٢٧٣-٢٧٤. ٢ الآية ٤ من سورة السجدة. ٣ الآيتان ١٢، ١٣ من سورة الروم.
[ ٣٤٣ ]
وقال ﷿: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وآيات أخرى كثيرة تنفي كل شفاعة فيها شرك بالله تعالى، وتبطل ما يدعيه المشركون من اتخاذ الشفعاء، وآيات أخرى تبين أن الشفاعة كلها لله تعالى وحده لا شريك له، يعطيها لمن يشاء ويرضى كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢.
وقال جل شأنه: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٤.
وقال ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٥.
وقال ﷿: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية ٨٦ من سورة الزخرف. ٢ الآية ٤٤ من سورة الزمر. ٣ الآية ٢٣ من سورة سبأ. ٤ الآية ١٠٩ من سورة طه. ٥ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٦ الآية ٢٦ من سورة النجم.
[ ٣٤٤ ]
فنزلت هذه الآيات على رسول الله ﷺ ليبين أن الشفاعة لله يأذن فيها لمن رضي عنه، كما بينت الآيات السابقة بطلان دعوى المشركين واعتقادهم في شفعائهم وشركائهم.
فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة والمشاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا من بعد إذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع له، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه، ويتباعد من سخطه، هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٤٤ من سورة الزمر. ٢ الآية ١٨ من سورة يونس.
[ ٣٤٥ ]
فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له "١.
والرسول ﷺ بين ذلك لأمته وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم الذي يصلهم بربهم دون شفعاء ولا وسائط، وهو طريق التوحيد الخالص لله ﷿ وإفراده سبحانه بالعبادة دون ما سواه، أما الشفاعة المثبتة التي أثبتها القرآن الكريم وبينها رسول الله ﷺ فلها شرطان:
أولهما: الإذن من الله تعالى للشافع. قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢.
وثانيهما: الرضا عن المشفوع له: قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣.
وقد جمع هذين الشرطين قوله ﷿: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٤.
وهذه الشفاعة خص الله تعالى بها أهل توحيده وعبادته تفضلا منه وكرما، فهذه خاصة بهم لأنهم لم يتخذوا من دون الله وليا ولا شفيعا،
_________________
(١) ١ ابن قيم الجوزية – إغاثة اللهفان ١/٢٢٢. ٢ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٣ الآية ٢٨ من سورة الأنبياء. ٤ الآية ٢٦ من سورة النجم.
[ ٣٤٦ ]
وقد رضي الله قولهم وعملهم كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال ﵊: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ١.
وأول الشافعين رسول الله ﷺ إمام الموحدين وخاتم المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين والذي اختصه الله تعالى وأكرمه بشفاعات عظيمة في ذلك اليوم تفضلا وتكريما منه سبحانه لرسوله محمد ﷺ ورحمة بأمته ﵊ كما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل نبي دعوة مستجابة، وأني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا" ٢.
فله ﵊ الشفاعة العظمى يوم القيامة والتي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي كما بين أنها لأهل التوحيد من أمته.
وهو الذي يشفع في دخول المؤمنين الجنة، وفي إخراج عصاة الموحدين من النار، وله شفاعة في عمه أبي طالب.
وهذا من كريم فضل الله تعالى على خاتم رسله محمد ﷺ نسأل الله أن يرزقنا صدق الاتباع له في الدنيا، وأن يسعدنا بشفاعته في الآخرة.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤١٨، ومسند الإمام أحمد ٢/٣٠٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٤٧، ومسلم بشرح النووي ٣/٧٤.
[ ٣٤٧ ]
والشفاعة إنما تكون وتنفع أهل التوحيد، أما غيرهم فهم كما قال ﷿: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١.
قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى عن الكلام عن حديث أبي هريرة السابق: "تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أوليائهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع، ومن جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذ وليا أو شفيعا أن يشفع له وينفعه عند الله، كما يكون خواص الولاة والملوك تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عند أحد إلا بإذنه في الشفاعة، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله"٢.
وهذا الحرص الشديد من رسول الله ﷺ في أمر الشفاعة، حماية لعقيدة التوحيد من كل شرك أو ذريعة إليه، أو تشبه بأهله، إذ الشفاعة- كما سبق ذكره – كانت من أول الأسباب التي أوقعت المشركين في الشرك بالله ﷿ وذلك باتخاذهم الشفعاء، واعتقادهم أن عبادة الله تعالى لا تتم إلا عن طريقهم وبواسطتهم، فبين ﵊ الطريق القويم، الموافق لتوحيد الله تعالى في هذه الشفاعة لئلا تقع أمته في شيء من ذلك،
_________________
(١) ١ الآية ٤٨ من سورة المدثر. ٢ ابن قيم الجوزية مدارج السالكين ١/٣٤١.
[ ٣٤٨ ]
وليعلموا أن الشفاعة لله جميعا بإذن فيها لمن يشاء ممن يرضى قوله وعمله، لا كما يفعله المشركون ويعتقدونه.
"وسر ذلك: أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم وأمرهم، ولا سيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه، فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه ظنا أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له، ويمتنع عليه، فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج، وبهذا القياس عبدت الأصنام واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي١.
_________________
(١) ١ ابن قيم الجوزية – إغاثة اللفهان ١/٢٢١.
[ ٣٤٩ ]
تاسعا: التوسل:
معنى التوسل:
التوسل والتوسيل في اللغة واحد، يقال: وسَّل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسَّل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل.
والواسل: الراغب إلى الله. قال الشاعر:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كل ذي دين إلى الله واسل١
وهو في الشرع: التقرب إلى الله تعالى بالإيمان به وطاعته ﷾ والإيمان برسوله ﷺ وطاعته.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢.
وقال جل شأنه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣.
"فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغي إليه، وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي: ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات، فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما
_________________
(١) ١ انظر الصحاح – إسماعيل الجوهري ٥/١٨٤١. ٢ الآية ٣٥ من سورة المائدة. ٣ الآيتان ٥٦،٥٧ من سورة الإسراء.
[ ٣٥٠ ]
ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول، فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك "١.
وهذا التوسل أصل الدين ومطلوب من كل أحد، جاء الأمر به من الله ﷿ في الآية الكريمة السابقة، وهو الطريق الصحيح الذي يصل العبد بربه، قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير قوله ﷿: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: "قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس أي: القُربة وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهو الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه"٢.
والتوسل بهذا المعنى هو التوسل الصحيح الذي علمه رسول الله ﷺ أصحابه وهو تعليم لجميع الأمة، وهو شامل لأنواع كثيرة بينها ﵊ أتم بيان وليس هذا مقام التفصيل في ذلك.
_________________
(١) ١ ابن تيمية – قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٤٨. ٢ ابن كثير – تفسير القرآن العظيم ٢/٥٢.
[ ٣٥١ ]
أما التوسل به ﵊ الذي أقره وكان الصحابة ﵃ يفعلونه فهو إما التوسل بالإيمان به وطاعته أو بدعائه وشفاعته ﵊ وكلا الأمرين جائز بإجماع المسلمين كما قال عمر ﵁: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"١، أي بدعائه. أما التوسل بذاته ﷺ والإقسام به على الله تعالى فهذا هو التوسل الممنوع ولم يفعله أحد من الصحابة ﵃ في حياة الرسول ﷺ ولا بعد مماته، فإذا كان التوسل بهذا الوجه ممنوع مع رسول الله ﷺ فمع غيره من باب أولى.
روى أبو هريرة ﵁ أنه لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص فقال: "يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلاها" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٢/٤٩٤. ٢ أي سأصلها، والعرب تستعمل لفظ البلل لمعنى الوصل، واليبس لمعنى القطيعة، انظر النهاية لابن الأثير ١/١٥٣.
[ ٣٥٢ ]
وفي رواية عنه: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية – عمة رسول الله – لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" ١.
وعنه ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم الغلول٢ فعظمه وعظم أمره ثم قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بغير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٨/٥٠١. ٢ الغلول: بضم الغين واللام وهو الخيانة في المغنم سمى بذلك لأن آخذه يغله أي يخفيه. انظر النهاية لابن الأثير ٣/٣٨٠.
[ ٣٥٣ ]
رقبته رقاع تخفق١ فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة٢ فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت٣ فيقول: يا رسو الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا فقد أبلغتك" ٤.
فقوله ﵊ لا أملك لك شيئا: أي من المغفرة لأن الشفاعة أمرها إليه فهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥ فلا عذر بعد الإبلاغ منه ﷺ.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله" ٦.
وهذا تعليم منه ﵊ لأمته وحماية منه لجانب التوحيد، فقد أنكر على أصحابه ﵃ قولهم ذلك، وإن كان في شيء يقدر عليه في حياته ﷺ فيكف إذا كان في شيء لا يقدر عليه إلا الله، أو كان بعد وفاته ﵊.
يقول صاحب فتح المجيد: "كره ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك، وأدبا وتواضعا لربه، وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال
_________________
(١) ١ والمراد بالرقاع ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع. انظر النهاية ٢/٢٥١. ٢ الحمحمة: صوت الفرس عند العلف وهو دون الصهيل. انظر النهاية١/٤٣٦. ٣ ما لا روح فيه من المال والمقصود به هنا الذهب والفضة. انظر النهاية٣/٥٢. ٤ البخاري مع الفتح ٦/١٨٥، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٢١٦ واللفظ له. ٥ الآية ٤ من سورة الممتحنة. ٦ رواه الطبراني في المعجم الكبير كما في مجمع الزوائد ١٠/١٥٩، والحديث ضعيف.
[ ٣٥٤ ]
والأفعال، فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته، فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله ﷿ "١.
وأما شفاعته ودعاؤه ﷺ في حياته ويوم القيامة فهي نافعة لأهل التوحيد من أمته، كما سبق في سؤال أبي هريرة ﵁ رسول الله ﷺ: من أسعد الناس بشفاعتك؟
وكان الصحابة يطلبون منه ﵊ الدعاء فيدعو، ويوجههم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
ولم يكن ﷺ يطلب منهم أن يدعوه، أو يدعوا الملائكة أو الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولا غيرهم أو يستشفعوا بهم، بل كان ينهاهم عن ذلك ولا يقر أحدا فعل ذلك منهم، ويبين لهم الطريق القويم والسبيل الحق الذي يصلهم بربهم وقد رضيه وشرعه لهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وعلم أنه لم يكن النبي ﷺ، بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرع للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ولا يستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله، ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله أن يغفر لي،
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – فتح المجيد ص ١٤٩.
[ ٣٥٥ ]
أو يهديني أن ينصرني، أو يعافيني، ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي، أو نقص رزق، أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك أنا جارك، أو: أنت تجير من يستجير، أو أنت خير معاذ يستعاذ به، ولا يكتب ورقة يعلقها عند القبور إلى أن قال: ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي ﷺ عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته، أو يشكو ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين، وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ﷺ ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول نشكو إليك جدب الزمان، أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أو يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين"١.
ولم يقتصر رسول الله ﷺ في تعليمه أمته ألتوحيد، وتحذيرها من الشرك، وحمايته حمى التوحيد، لم يقتصر على بيان الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، والتحذير منه وحده، بل بين ﵊ ما دون ذلك من الشرك الأصغر ووسائله، كما لم يقتصر التحذير من الشرك على ما
_________________
(١) ١ ابن تيمية – الفتاوى ١/١٦٠-١٦٢.
[ ٣٥٦ ]
يقع في الأعمال فحسب، بل شمل مع ذلك ما كان في الأقوال أو المقاصد والنيات، حرصا منه ﷺ على حماية هذه العقيدة، وسلامتها من كل خلل أيا كان نوعه، كما أنه ﷺ قد حذر من أمور ليست في نفسها شركا ولكنها قد تؤدي إليه أو إلى شيء من وسائله.
والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:
النهي عن الحلف بغير الله تعالى:
وهو من الشرك الأصغر – إن لم يعتقد الحالف مساواة المحلوف به لله ﷿، وهو وإن سمي شركا أصغر فهو أكبر من الكبائر وأشد، لا يخرج من الملة، وقد يحبط العمل إذا زاد.
روى عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أدرك عمر ابن الخطاب ﵁ يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" ٢.
وعنه ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من كان حالفا فلا
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٢/٣٤،٨٦،وأخرجه الترمذي ١/٢٩٠، وأبو داود برقم (٢٣٢٥١) وهو حديث صحيح، انظر إرواء الغليل للألباني حديث (٢٥٦١) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١١/٥٣٠، وصحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٢٦٦، ١٢٦٧.
[ ٣٥٧ ]
يحلف إلا بالله" وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "فلا تحلفوا بآبائكم" ١.
وعن بريد ﵁ مرفوعا: "من حلف بالأمانة فليس منا" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" ٣.
فهذه الأحاديث وغيرها يبين فيها رسول الله ﷺ أن الحلف بغير الله شرك، وينهى عنه ﵊، وبين أنه لا يجوز أن يحلف ِغلا بالله تعالى أو صفة من صفاته، لأن الحلف تعظيم، والمسلم لا يجوز له أن يعظم غير الله ﷿.
وبين ﵊ لمن وقع في شيء من ذلك ماذا يفعل وذلك بأن يقول: لا إله إلا الله، وتلك حكمة عظيمة، فالمخالف أخل بتوحيده فكانت كفارته أن يتذكر حكمة التوحيد الذي أخل به، وينطق بها ليتذكر عظمة الله واستحقاقه أن يفرد وحده بالعبادة ولوازمها، ومن ذلك تعظيمه ﷾.
ولذلك فقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لأن أحلف بالله كاذبا، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا"٤.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص. ٢ مسند الإمام أحمد ٥/٣٥٢، وسنن أبي داود حديث (٣٢٥٣) وهو حديث صحيح انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني حديث (٩٤) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح ٨/٦١١، وصحيح مسلم بشرح النووي ١١/١٠٦. ٤ أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٨/٤٦٩، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/٧٩، والطبراني في المعجم الكبير ٩/١٨٣، وإسناده صحيح موقوفا.
[ ٣٥٨ ]
"وإنما رجح ابن مسعود ﵁ الحلف كاذبا على الحلف بغيره صادقا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، ذكره شيخ الإسلام١، وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقا أعظم من اليمين الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهي: ارتكاب أقل الشرين ضررا إذا كان لابد من أحدهما٢.
ومما ينبغي أن يعلم أن الحالف لو اعتقد أن ما حلف به أعظم من الله ﷿ أو مثله، فإن ذلك شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام نعوذ بالله من ذلك، وهذا هو شرك الجاهلية الأولى، الذي كانوا يعظمون معبوداتهم من دون الله ويحلفون بها، والذي يفعله بعض عباد القبور أعظم إذ يخشى أن يحلف بشيخه كذبا، ولا يخشى من الله ذلك.
فالذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقا أو كاذبا، فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبا.
_________________
(١) ١ يريد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولعله يشير إلى ما جاء في الفتاوى ٢/٢٠٤، من قوله: "قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا، وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكفر"اهـ. ٢ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب – تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٤، ٥٩٥.
[ ٣٥٩ ]
فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله.
"وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ١ فما كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته أو تربته فهو أكبر شركا منهم٢.
ومن الأمثلة أيضا نهيه ﷺ عن الألفاظ التي فيها شرك أو تحتمل الشرك ولو لم يقصد ذلك قائلها، حماية منه لجناب التوحيد، ومنها:
النهي عن قول ما شاء الله وشئت:
عن قتيلة٣ ﵂ أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: "إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبةِ، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت" ٤.
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من سورة النحل. ٢ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٣، ٥٩٤. ٣ قتيلة: هي بنت صيفي الجهنية، ويقال الأنصارية من المهاجرات الأرامل، قيل ليس لها غير هذا الحديث انظر الإصابة ٤/٣٧٨. ٤ الإمام أحمد – المسند ٤/٣٧١، ٣٧٢، النسائي – السنن ٧/٦، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي والحافظ في الإصابة ٤/٣٨٩.
[ ٣٦٠ ]
فقد سمى ذلك اليهودي هذه الألفاظ شركا، وكانوا يعرفون ذلك، وأقره رسول الله ﷺ، وأمر أصحابه ﵃ باستعمال الألفاظ الصحيحة البعيدة عن الشرك أو مشابهته.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلا أتى النبي ﷺ فكلمه في بعض الأمر، فقال: ما شاء الله وشئت، فقال النبي ﷺ: "أجعلتني لله ندا، ما شاء الله وحده" ١.
فقد أنكر ﷺ على الرجل هذه التسوية، وبين له كيف ينبغي أن يقول، وصحح له ما قاله خوفا من الشرك وألفاظه وحماية لعقيدة التوحيد من كل ما يخل بها مهما كان قصد قائله.
وعن الطفيل – أخي عائشة ﵂ لأمها – قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ١/٢١٤، حديث صحيح، وأخرجه ابن ماجة (٢١١٧) وغيره.
[ ٣٦١ ]
أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" ١.
فقد أقره الرسول ﷺ، وأمر أصحابه ﵃ باللفظ الصحيح الموافق لعقيدة التوحيد، ونهاهم عما كانوا يقولون من ألفاظ فيها مخالفة لذلك حماية لهذه العقيدة، وسدا لكل ذريعة تخل بها أيا كان نوعها، أو قصد فاعلها.
النهي عن قول عبدي وأمتي:
وهذا اللفظ نهى عنه رسول الله ﷺ، لما فيه من اشتراك في اللفظ، احتراسا من الشرك ولو في الفظ، وأدبا مع الله تعالى، وابتعادا بالمؤمن عن الشرك وما يشابهه، من ألفاظ وإن لم تكن في نفسها شركا.
حاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل: أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" ٢.
ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ، فنهاهم عن ذلك تعظيما لله تعالى، وأدبا وبعدا عن الشرك، وتحقيقا للتوحيد، وأرشدهم إلى أن يقولوا: "فتاي وفتاتي وغلامي" وهذا من باب حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، فقد بلغ ﷺ أمته كل ما فيه نفع لهم، ونهاهم
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ٥/٣٩٣، حديث صحيح. ٢ البخاري مع الفتح ٥/١٧٧، ومسلم بشرح النووي ٤/١٧٦٤، ١٧٦٥.
[ ٣٦٢ ]
عن كل ما فيه نقص في الدين، فلا خير إلا دلهم عليه وأوله تحقيق التوحيد، ولا شر إلا حذرهم منه، وأوله ما يقرب من الشرك لفظا وإن لم يقصد به١.
فإرشاده ﵊ بأن يقولوا: سيدي ومولاي، وفتاي وفتاتي وغلامي من باب سد ذرائع الشرك ووسائله اللفظية وإن لم يقصد القائل بها شركا.
النهي عن قول "لو":
المقصود بها التي تقال ندما وأسفا وجزعا، لما في ذلك من عدم الرضى والتسليم بما قدره الله ﷿ وقضاه، فالمؤمن مأمور بالتسليم والرضى لأقدار الله، والصبر على بلائه، وفي ذلك خير له، وقول (لو) يتنافى مع ذلك المطلوب من المؤمن، مع ما قد يصاحبها من نوع اعتراض على أقدار الله تعالى وأحكامه.
ولذلك فقد نهى عنها رسول الله ﷺ، حماية للتوحيد أن يمسه ما يقدح فيه ِأو يكون ذريعة إلى ذلك ولو رآه الناس يسيرا.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فقل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" ٢.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – فتح المجيد ص ٤١٢. ٢ مسلم بشرح النووي ١٦/٢١٥.
[ ٣٦٣ ]
فقد أمر ﵊ وحث على الحرص على ما ينفع المسلم مستعينا بالله تعالى، ثم نهاه عما يفتح عمل الشيطان، ويؤدي إلى التسخط وعدم الرضى بأقدار الله تعالى، ويؤثر في سلامة التوحيد، وإخلاصه لله ﷿، ثم بين ما يقوله المرء إذا وقع له شيء من البلاء من الألفاظ الموافقة للحق والمتفقة مع التوحيد الصحيح، والدالة على تسليم المؤمن ورضاه بما قدره ربه وقضاه.
وقد ذم الله تعالى أصحاب هذه المقولة في كتابه الكريم فقال جل شأنه: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ١.
وقال ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٢.
والذين قالوا ذلك هم المنافقون قالوه في عزوة أحد لما نزل بهم من خوف وجزع، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع قول معتب ابن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب"٣.
_________________
(١) ١ من الآية ١٥٤ من سورة آل عمران. ٢ الآية ١٦٨ من سورة آل عمران. ٣ ابن كثير – التفسير ١/٤١٨.
[ ٣٦٤ ]
التحذير من الرياء:
لم يقف حرض رسول الله ﷺ على حماية جناب التوحيد، من الشرك وذرائعه في الأقوال والأفعال فحسب كما تقدمت الأمثلة على ذلك فيما سبق بل كان حرص رسول الله ﷺ كذلك على المقاصد والنيات أن تكون خالصة لله ﷾ وحمايتها من كل ما يصرفها عنه من شرك أو بدعة أو شبهة أو ذريعة للشرك، إذ النية أساس صحة العمل أو بطلانه، وأمرها عظيم، فهي سر بين العبد وبين ربه، كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ١.
ومن الأمثلة على حرصه ﵊ على سلامة النيات وخلوها لله ﷿:
عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "قال الله تعالى:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ٢.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/٩،١٣٥. ٢ مسلم بشرح النووي ٤/٢٢٨٩.
[ ٣٦٥ ]
وعن محمود بن لبيد١ ﵁ قال: خرج النبي ﷺ فقال: "أيها الناس، إياكم وشرك السرائر"، قالوا: يا رسول الله: وما شرك السرائر؟ قال: "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا، لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر" ٢.
وعن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه فقال: "الرياء" ٣.
هذه الأحاديث وغيرها تبين خطر الرياء على الأعمال، فهو ينقص ثواب العمل، وقد يحبطه حسب نية فاعله، وقد سماه رسول الله ﷺ الشرك الأصغر، وحذر منه أمته تحذيرا شديدا حماية لحمى التوحيد، من الشرك أيا كان نوعه، وحرصا على سلامة قول المؤمن وعمله ونيته وقصده من كل ما لا يحبه الله تعالى وأول ذلك الشرك به جل شأنه.
"وإذا كان هذا الشرك الأصغر مخوفا على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم، وقوة إيمانهم فيكف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصا إذا عُرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم
_________________
(١) ١ محمدو بن لبيد: بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري، قال البخاري: له صحبة، وأكثر روايته عن الصحابة. انظر الإصابة للحافظ بن حجر ٣/٣٦٧. ٢ سنن البيهقي ٢/٢٩٠، ٢٩١، وحسنه الذهبي في المهذب ٢/٢٦١. ٣ مسند الإمام أحمد ٥/٤٢٨، ٤٢٩، وشرح السنة للبغوي ١٤/٣٢٣، ٤٢٣. وهو حديث حسن.
[ ٣٦٦ ]
لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله١.
فإذا كان الباعث على العمل ابتغاء ما عند الله تعالى، وسلم من الرياء فهو العمل الصحيح المقبول عند الله ﷿، وإن كان القصد والنية بالعمل إرادة غير الله ﷿ فذلك نفاق اعتقادي قد يخرج صاحبه من الإسلام.
قال ﷿: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ ٣.
أما إذا كان الباعث على العمل ابتغاء وجه الله تعالى وطلب ما عند من الأجر والثواب، ثم دخل عليه الرياء، فهو الذي سماه رسو الله ﷺ الشرك الأصغر، وبينه ﵊ بقوله: "يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه" كما تقدم، فهذا لا يخرج من الملة،
_________________
(١) ١ عبد العزيز بن حسن آل الشيخ – فتح المجيد ص ٦٣. ٢ الآية ٢٦٤ من سورة البقرة. ٣ الآية ٣٨ من سورة النساء.
[ ٣٦٧ ]
ولكنه ينقص من ثواب العمل وقبوله، وقد يزيد فيحبط العمل، نعوذ بالله من ذلك.
وقد يعمل المسلم العمل خالصا لوجه الله تعالى، ثم يحصل له الثناء الجميل والذكر الطيب من الناس، لم يطلبه ولم يقصده بعمله، فليس ذلك من الرياء بل خير من الله وفضل منه سبحانه١، كما في حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، يحمده الناس عليه فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٢.
إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
وهو أن ينوي بعمله الصالح، عرضا دنيويا، ويكون ذلك قصده الباعث على ذلك العمل، وهو أخطر من الرياء، فالرياء قد يعرض للعمل ثم يزول بالمجاهدة إما إرادة الإنسان الدنيا بعمله فهي الباعث له على عمله الملازمة له في ذلك العمل وكلاهما خطر عظيم وداء ووبال.
"وقد يظن بعض الناس أن هذا الباب داخل في الرياء، وأن هذا مجرد تكرير فأخطأ، بل المراد بهذا أن يعمل الإنسان عملا صالحا يريد به الدنيا، كالذي يجاهد للقطيفة والخميلة ونحو ذلك، ولهذا سماه النبي ﷺ عبدا لذلك، بخلا ف المرائي، فإنه يعمل ليراه الناس ويعظموه. والذي يعمل لأجل الدراهم والقطيفة ونحو ذلك أعقل من المرائي، لأن ذلك عمل لدنيا
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص ٥٣١، ومعارج القبول ٢/٤٥٤. ٢ مسلم بشرح النووي ٤/٢٠٣٤.
[ ٣٦٨ ]
يصيبها، والمرائي عمل لأجل المدح والجلالة في أعين الناس، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه"١.
ولخطورة هذا الأمر على عقيدة التوحيد فقد حذر منه رسول الله ﷺ أشد التحذير في أحاديث كثيرة، فهو بتعلق بنية العبد وقصده لا يعلم ذلك منه إلا الله وحده.
ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا اتنقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة في الحراسة، وإن كان في الساقة في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" ٢.
وهذا دعاء من رسول الله ﷺ جاء بصيغة الخبر الماضي الذي يدل على تحقيق الوقوع، ولا ريب أن من كانت الدنيا ومتاعها الزائل قصده ونيته، وهدفه وغايته، فإنه خاسر هالك في الدنيا والآخرة، وقد سماه ﵊ – عبدا – وهو الاسم والوصف المناسب له، إذ لو كان عبدا لله تعالى لطلب ذلك منه ﷾ وهو الله الذي له الخلق والأمر
_________________
(١) ١ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٤-٥٣٥. ٢ البخاري مع الفتح ٦/٨١.
[ ٣٦٩ ]
سبحانه، ليستعين بها على طاعته وعبادته وحده، ورضي بما اختاره الله له ورضيه، ولكنه قطع تعلقه بربه، وتعلق بغيره من أعراض الدنيا وحطامها الفاني، حتى كان كما أخبر عنه رسول الله ﷺ: "إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط".
"فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها، وربما صار مستعبدا معتمدا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله ﷺ: "تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة" وهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، فهذا الذي "استكمل الإيمان" ١.
وهذا الحرص الشديد من رسول الله ﷺ والتحذير من هذه الأمور، ودعاؤه ﵊ على من هذا حاله، نظرا لما لها من عظيم الخطر على حمى التوحيد، ولشدة الرغبة والمحبة لهذه الأشياء التي جبل الناس على حبها، والحرص عليها، حتى صارت لكثير منهم هدفا وقصدا استحق بسببه دعاء رسول الله ﷺ كما سبق في الحديث، إذ وصفهم
_________________
(١) ١ ابن تيمية – العبودية ص ٢٧.
[ ٣٧٠ ]
بعبوديتهم لغير الله تعالى، تحذيرا من الشرك ووسائله وطرقه، وحماية لجناب التوحيد، وحرصا على أهله.
هذه بعض الأمثلة على بيان رسول الله ﷺ لتوحيد العبادة وبيان ما يضاده وينافيه وحمايته ﷺ لهذا النوع من التوحيد، الذي هو لب التوحيد والغاية التي لأجلها خلق الله الناس وبعث فيهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل فيهم الكتب، وهو حق الله ﷿ على عباده وأول فرض على المكلف، وأول ما دعا إليه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أممهم.
لذا كان جديرا أن يكون له هذا الاهتمام من رسول الله ﷺ والبيان الواضح والحماية العظيمة من كل ما يضاده أو يدنسه ويشوبه من شرك أو بدعة أو شك أو شهوة أو شبهة، فحقق ﵊ هذا التوحيد، وحسم عنهم مواد الشرك، وربى أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين على ذلك، فكانوا بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام خير من عرف توحيد الله تعالى ودعا إليه وحماه، ومن بعدهم التابعون ومن تبعهم بإحسان في كل زمان ومكان.
[ ٣٧١ ]