التوحيد أول ما يجب على العبد معرفته والإقرار به، وأول ما فرضه على عباده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾ ٢.
وقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إلا إله إلا الله وإني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ٣.
وقوله ﵊ لما بعث معاذا إلى اليمن: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة " ٤ إلى آخر الحديث.
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة النحل. ٢ الآية ١٩ من سورة محمد. ٣ تقدم تخريجه ص ١٩٧. ٤ تقدم تخريجه ص ١٩٧.
[ ١٩٦ ]
والأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم كان التوحيد أو ما دعوا إليه أممهم التي أرسلهم الله إليها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
وقص الله علينا في القرآن الكريم دعوتهم فكان أول ما قالوا لأممهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
فهو مفتاح دعوة الناس إلى ربهم، كما سبقت الأدلة على ذلك.
وهو قبل ذلك الفطرة المستقرة في النفوس في الأصل، والانحراف أمر طارئ بسبب ما يقع فيه الناس من زيغ وضلال يفسد فطرتهم، عما فطروا عليه، والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما جاءوا ليعيدوا الناس إلى ما فطرهم الله عليه من توحيده سبحانه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١.
وكما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٧٢، ١٧٣ من سورة الأعراف. ٢ الآية ٣٠ من سورة الروم.
[ ١٩٧ ]
وفي الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ١.
وفي الحديث الآخر: "خلقت عبادي حنفاء فأخذتهم الشياطين فاجتالتهم" ٢ الحديث.
قال صاحب معارج القبول: "أول واجب فرضه الله ﷿ على العبيد معرفة الرحمن، أي معرفتهم إياه بالتوحيد التي خلقهم له، وأخذ عليهم الميثاق به، ثم فطرهم شاهدين مقرين به، ثم أرسل به رسله إليهم، وأنزل به كتبه عليهم"٣.
وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها وردها إلى حالتها التي خلقت عليها، فمن استجاب لهم رجع إلى الأصل، ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة وفسادها٤".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: "وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الخليدي في كتابه: "شرح اعتقاد أهل السنة" لأبي علي الحسين بن أحد الطبري، وهذا لعله ممن أدرك أحمد وغيره، قال الخليدي في معرفة
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥١. ٢ تقدم تخريجه ص ٥٢. ٣ حافظ بن محمد حكمي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد ١/٥٣. ٤ ابن قيم الجوزية – إغاثة اللهفان ٢/١٥٨.
[ ١٩٨ ]
الله: "وهي أول الفرض الذي لا يسع المسلم جهله، ولا تنفعه الطاعة – وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا – ما لم تكن معه معرفة وتقوى، فالمسلم إذا نظر في مخلوقات الله تعالى، وما خلق من عجائبه، مثل دوران الليل والنهار، والشمس والقمر، وتفكر في نفسه، وفي مبدئه ومنتهاه فتزيد معرفته بذلك، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١.
ثم يقول: "وقال شيخ الإسلام الأنصاري: في أول "اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة ": أول ما يجب على العبد معرفة الله، لحديث معاذ لما قال له النبي ﷺ: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله – سبحانه – فأخبرهم أن افترض عليهم" الحديث رواه مسلم هكذا ورواه البخاري٢.
قال: فاعلم أن معرفة الله والإيمان به إنما يجب ويسمع، ويلزم بالبلاغ ويحصل بالتعريف.
ثم قال بعد ذلك قلت: قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس، لم يزل دهره في التباس، ضاعنا في الاعوجاج، زائغا عن المنهاج أعرفه بما عرف نفسه، وأصفه بما وصفه به نفسه"٣ اهـ
_________________
(١) ١ الآية ٢١ من سورة الذاريات. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٣/٣٢٢، وصحيح مسلم بشرح النووي ١/١٩٦. ٣ ابن تيمية، الفتاوى ٢/٢، ٣ الحاشية.
[ ١٩٩ ]
ومعرفة الله التي سلف ذكرها المقصود بها توحيده ﷾ أول ما يجب على العبد كما علم من الأدلة السابقة.
ولا شك أن هذه الفطرة مستقرة في النفوس وما يطرأ عليها مما يحدثه شياطين الجن والإنس هو الذي يزيغ بها عن جادة الحق، ومهما بلغ الإنسان في الطغيان والكفر والعناد تبقى هذه الفطرة لا يستطيع القضاء عليها مهما كابر في ذلك، وتظل دلائلها تظهر وهو يشعر أو لا يشعر، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١ وفرعون أعظم طاغية في البشر أنكر وجود الله، ودعا الناس إلى عبادته، وهدد موسى ﵇ أن اتخذ إلها غيره، قال له موسى ﵇ كما قص الله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٢.
ثم قال وهو في أحضان الموج وقد أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من سورة النمل. ٢ الآية ١٠٢ من سورة الإسراء. ٣ الآية ٩٠ من سورة يونس.
[ ٢٠٠ ]
والفطرة هي الإسلام، فطر الله عليه عباده، وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب لإزالة ما ران عليها من الباطل وتقويم ما اعوج، وحمايتها من كل فساد وانحراف، إذ الانحراف طارئ على الناسن حين تفسد فطرتهم التي فطرهم الله عليها١.
قال رسول الله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ٢.
ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ٣.
وتفسير الفطرة بالإسلام هو المعروف عند عامة السلف ﵃، لما تقدم وغيره من الأدلة الكثيرة على ذلك من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.
قال أبو هريرة: "الفطرة الإسلام" وكذلك قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة وأحمد وابن عبد البر وغيرهم٤.
_________________
(١) ١ انظر: إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية. ١/١٠٦، ١٠٧، ومنهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان للدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي ص ٣٩ وما بعدها. ٢ البخاري مع الفتح ٣/٢١٩. ٣ الآية ٣٠ من سورة الروم. ٤ انظر: مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية ٢/٣٣٣.
[ ٢٠١ ]
ومع وضوح هذه الأدلة من الكتاب والسنة، وما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم بإحسان خلف من بعدهم خلف منهم من أعرض عن نصوص الكتاب والسنة وحكم عقله، ومنهم من علمها وأولها تأويلا باطلا ناتجا عن الفهم المعوج المخالف لفهم سلف هذه الأمة.
ونتيجة لذلك فقد اختلفت أقوالهم وآراؤهم في أول واجب على المكلف اختلافا كبيرا، وأطالوا الكلام فيه.
فمنهم من قال: أول واجب على المكلف المعرفة.
ومنهم من قال: أول واجب النظر.
ومنهم من قال: القصد إلى النظر.
ومنهم من حاول الجمع بين ذلك فقال: أول واجب خطابا ومقصودا: المعرفة، وأول واجب اشتغالا وأداء: القصد إلى النظر.
وأشهر من اختلف في هذه المسألة: الأشاعرة والمعتزلة، وأصلها من المعتزلة كما نقل عن أبي جعفر السنماني – وهو من كبار الأشاعرة – قوله: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وقد خاض في هذه المسألة خلق كثير، وفرعوا عليها بعض المسائل، وأطالوا في الكلام عنها، وخرج بعضهم عن الصواب فقال: أول واجب على العبد الشك والعياذ بالله.
قال الحافظ ابن حجر﵀ – في الفتح:
"وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن
[ ٢٠٢ ]
نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها، وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال: "ركبت البحر الأعظم وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد، والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف " هذا كلامه أو معناه وعنه أنه قال عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلوا عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به.. إلى أن قال القرطبي: ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقا بالذم:
إحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب الشك، إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
ثانيهما: قول جماعة منهم: أن من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها، والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه، حتى لقد أورد على بعضهم إن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك، وجيرانك، فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل النار، وقد رد بعض من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطأ منه، فإن القائل بالمسألتين كافر شرعا، لجعله الشك في الله واجبا، ومعظم المسلمين كفار حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة وإلا فلا يوجد في الشرعيات ضروري.
[ ٢٠٣ ]
وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن إطالة النفس في هذا الموضع لما شاع بين الناس من هذه البدعة، حتى اغتر بها كثير من الأغمار، فوجب بذل النصيحة والله يهدي من يشاء "١.
والحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة – كما سلف – أن أول واجب على المكلف التوحيد ومفتاحه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهو الذي فهمه سلف الأمة رضوان الله عليهم والذين اتبعوهم بإحسان الذين رزقهم الله الفهم الصحيح والفقه في الدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ في تعليقه على كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري:
"الصواب ما ذكره المحققون من أهل العلم أو أول واجب هو شهادة ألا إله إلا الله علما وعملا، وهي أول شيء دعا إليه الرسل، وسيدهم وإمامهم نبينا محمد ﷺ، أول شيء دعا إليه أن قال لقومه: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".
ولما بعث معاذا إلى اليمن قال له: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.
ولأن التوحيد شرط لصحة جميع لعبادات كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري – الحافظ ابن حجر العسقلاني ١٣/٣٥٠. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١/٧٠.
[ ٢٠٤ ]