سبق الكلام عن الحالة التي وصلات إليها جزيرة العرب قبيل مبعث رسول الله ﷺ وما بلغته من انحطاط عقدي وخلقي واجتماعي، حتى مقت الله تعالى أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم تدارك من شاء منهم برحمته إذ بعث نبيه ورسوله محمدا ﷺ رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، فهدى به من شاء هدايته فأخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبلغ رسول الله ﵊ دعوة ربه كما أمره ربه وجاهد في سبيله حق الجهاد حتى أتاه اليقين وانتشرت هذه الدعوة في العالمين، وربى عليها أصحابه ﵃ في مكة ثلاث عشر سنة ثم في المدينة فكانوا خير من حمل لواء هذه الدعوة دعوة التوحيد وبلغوها إلى الناس وجاهدوا في سبيلها وحموا حماها يقودهم رسول الله ﷺ، ومن بعده خلفاؤه الراشدون الذين أوصى ﵊ باتباع هديهم، واقتفاء أثرهم، وكذلك سائر الصحابة جاهدوا في سبيل هذه الدعوة ونشرها والدفاع عنها وحمايتها من كل شك وشرك كما علمهم رسول الله ﷺ ورباهم.
وفيما يلي سأتحدث عن المنهج الذي نهجه رسول ﷺ في دعوته إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وترسيخ هذا النوع من التوحيد في نفوس الأمة، وتحصينها من الوقوع فيما يناقضه أو يخالفه، إذ هو أول واجب
[ ٢٦٢ ]
على العبد، وأساس إيمانه وإسلامه، كما هو محور دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام.
والحديث عن ذلك فيما يلي:
أولا: بيان أن دعوته ﷺ إنما كانت تدور حول تحقيق التوحيد
تقدم الكلام عن دعوة الأنبياء والرسل وأنها كانت كلها إلى التوحيد، كما جاء بيان ذلك في القرآن الكريم، فكلما انحرف الناس عن عقيدة التوحيد واندرست معالمه، بعث الله رسولا يجدد هذه الدعوة، ويعيد الناس إلى الصراط المستقيم، ويجدد لهم ما اندرس من هذه العقيدة، التي هي أول واجب عليهم، وأساس كل عمل يعملونه طاعة لربهم، فمن أجل ذلك خلق الله الخلق، وبعث الرسل وأنزل الكتب، وبسببه قامت الخصومة بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبين أعدائهم في كل زمان ومكان، وفي سبيله جاهد الرسل وأتباعهم، وكذلك كان رسول الله محمد ﷺ فهو خاتم الأنبياء والرسل ورسالته خاتمة الرسالات، وبعثته لجميع العالمين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١.
وقال ﵊: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٢٨ من سورة سبأ. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١/٤٣٥.
[ ٢٦٣ ]
فكانت دعوته ﵊ أعظم دعوة إلى التوحيد، فالقرآن كله يدعو إلى التوحيد ويأمر به ويبين الأدلة ويضرب الأمثلة لتقريره والنهي عما يخالفه من الشرك وغيره، ويحكي أخبار أهل التوحيد من الرسل وأتباعهم وكيف كانت العاقبة لهم، وأخبار أعدائهم، وكيف كانت الدائرة عليهم، وما وعد الله أهل توحيده من ثواب ونعيم وما توعد به أعداءهم من عقاب وعذاب.
وكان رسول الله ﷺ يتلو ذلك على الناس ويبينه لهم قولا وعملا في مكة ثلاث عشرة سنة، وعشر سنوات في المدينة كلها كانت في سبيل دعوة التوحيد، باللسان والسنان، والحجة والبيان، يرسل الرسل ويأمرهم بأن يكون التوحيد أول ما يدعون إليه الناس كما بعث معاذا ﵁ إلى اليمن وقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"١.
وكان يكتب الرسائل إلى الملوك يدعوهم وأقوامهم إلى توحيد الله ويحذرهم من الشرك به سبحانه ويحملهم إثم من تبعهم على ما هم عليه.
وحين أذن الله له في الجهاد أعلن في الناس قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ٢ وفي الوقت نفسه يبين لأصحابه مكانة هذا التوحيد وفضله، وينهاهم عن كل
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ١٩٨. ٢ تقدم تخريجه ص ١٩٧.
[ ٢٦٤ ]
ما يدنسه أو يكون ذريعة إلى ما يخالفه، صيانة لهذا التوحيد وحماية له من كل ما يعارضه.
ثانيا: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك
وهذا أساس دعوةته ﵊ ومن قبله جميع المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ ١.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وكما سبق ذكره أن دعوة الرسول ﷺ كانت كلها إلى التوحيد، وتفصيل ذلك سيأتي، وفي هذا المبحث سأذكر أمثلة مما ثبت عنه ﵊ في دعوته لهذا التوحيد ونهيه وتحذيره من الشرك.
منها: قوله ﷺ: "أمرت أن أقتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله " الحديث٣.
وقوله ﵊ كما سبق ذكره في بعثه لمعاذ ﵁: "إنك تأتي قوما أهل كتاب "الحديث٤.
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة النحل. ٢ الآية ٢٥ من سورة الأنبياء. ٣ سبق تخريجه ١٩٧. ٤ سبق تخريجه ١٩٨.
[ ٢٦٥ ]
وقوله ﵊ فيما رواه معاذ ﵁ قال: "كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به"، فقلت يا رسول الله: أفلا أبشر الناس، قال: "لا تبشرهم فيتكلوا".
وما رواه عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله حرم الله عليه النار" ١.
وما رواه جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" ٢.
وما رواه ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" ٣.
وما رواه أبو هريرة ﵁ وقد كانوا مع رسول الله ﷺ في عزوة تبوك ثم ذكر من حديثه فقال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله لا يلفى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٥٧، ٥٨. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٩٤. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٨/١٧٦. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٥٥، ٥٧.
[ ٢٦٦ ]
وما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "أني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، أني أنهاكم عن ذلك" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢.
والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جدا، منها ما يأمر بالتوحيد، ومنها ما يحذر من الشرك وينهى عنه، ومنها ما يحذر من الوسائل والذرائع المفضية إلى الشرك حتى ولو لم تكن شركا، كل ذلك لتقرير هذا التوحيد وترسيخه في القلوب وصيانته من كل ما يخالفه.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١/٣٧٧، ٣٧٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٧٨.
[ ٢٦٧ ]