وهو عيسى بن مريم ابنت عمران، عبد الله ونبيه ورسوله، أحد أولي العزم من الرسل، آخر الرسل قبل نبينا محمد ﷺ، وآخر الرسل من بني إسرائيل، وأمه مريم ابنت عمران، عليها وعلى ابنها السلام، كان أبوها عالمًا كبيرًا، وصاحب صلاة بني إسرائيل، وقدكانت مريم من العابدات١، وقصتها وقصة عيسى ﵇ وولادته ودعوته قد قصها القرآن الكريم في أكثر من موضع٢.
وقد بعثه الله ﷿ إلى بني إسرائيل بعد أن انحرفوا عن منهج الله تعالى الذي جاء به موسى ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر بما جاء به موسى ﵇ من قبله من الهدى والبينات.
وقد اخترت من دعوته ﵇ عددًا من المواقف:
١- بدء دعوته ﵇
ظهرت علامات نبوته ومظاهر فضله ﵇ منذ ولادته، وجرت على يديه منذ صغره معجزات وانتشر خبره في الناس، واختاره الله تعالى
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٥٢. ٢ منها: سورة آل عمران، وسورة المائدة، وسورة مريم، والزخرف، والحديد، والصف.
[ ١٢١ ]
لرسالته، والله أعلم حيث يجعل رسالته١، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة التي اصطفاه الله لحملها، وجاء إلى بني إسرائيل وقد غيروا الشريعة التي جاء بها موسى ﵇، وحرفوا التوراة، فمنهم المكذبون المنكرون للبعث والحساب، ومنهم المنغمسون في لهوهم وملذاتهم المعرضون عن طاعة الله تعالى، فكانوا في أمس الحاجة إلى رسول من الله تعالى يعيدهم إلى جادة الصواب وينقذهم من الضلال والشرك، ويردهم إلى ما تركهم عليه موسى ﵇.
وقد بين عيسى ﵇ لبني إسرائيل دعوته التي جاء بها أول الأمر كما أخبر الله عنه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢.
بين لهم عيسى ﵇ الذي جاء به، وأهم ذلك توحيد الله ﷿ إفراده بالعبادة فهو الصراط المستقيم الذي يسير عليه الأنبياء والرسل جميعًا ويدعون الناس إليه، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء
_________________
(١) ١ انظر: نفس المصدر ٢/ ٧٢. ٢ الآيتان (٥٠ – ٥١) من سورة آل عمران.
[ ١٢٢ ]
أبناء علاة١، ليس بيني وبينه نبي" ٢.
وقال ﷿: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.
واستمر عيسى ﵇ في دعوته لبني إسرائيل، يبين لهم الحق ويدعوهم إليه، ويحذرهم العواقب الوخيمة لما هم عليه من الباطل والضلال إن لم يرجعوا عنه وكانت معارضتهم له على أشدها، وعداؤهم له ولأتباعه كذلك، والله ﷿ يؤيده بأنواع التأييد من حفظه له ولأتباعه، وإظهار المعجزات التي بهرتهم ووقفوا حائرين عاجزين أمامها، ورأوا أنها لا تصدر من مخلوق من عند نفسه.
قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ
_________________
(١) ١ أولاد العلات: الأخوة من الآباء أمهاتهم شتى. انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر ٦/ ٤٨٩. ٢ البخاري مع الفتح ٦/ ٤٧٨. ٣ الآيتان (٤٦ – ٤٧) من سورة المائدة.
[ ١٢٣ ]
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقال جل شأنه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢.
ومن المعجزات التي آتاها الله تعالى رسوله عيسى ﵇، ما طلبه أتباعه الحواريون من إنزال المائدة، وقد نصحهم عيسى بأن يعدلوا عن سؤالهم، ولكنهم أصروا على ذلك فسأل الله تعالى ذلك فاستجاب الله تعالى له٣، قال الله ﷿: ﴿إذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ
_________________
(١) ١ الآيتان (٤٨ – ٤٩) من سورة آل عمران. ٢ الآية (١١٠) من سورة المائدة. ٣ قيل: إن المائدة نزلت فعلًا. وقيل: إنها لم تنزل فقد عدل الحواريون عن طلبهم، حين عرض عليهم العذاب إن كفروا. وقيل: هي مثل ضربه الله. وكل هذه الأقوال مروية عن السلف. انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ١١٦ – ١١٨.
[ ١٢٤ ]
يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١.
ومع هذه المعجزات العظيمات والآيات البينات فقد أصر قومه على ما هم فيه من الشرك والضلال، فأعلن ﵇ في قومه: من أنصاري إلى الله فاستجاب له الحواريون وهم أنصاره، كما ثبت أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير ﵁ فقال النبي ﷺ "لكل نبي حواري، وحواري الزبير" ٢.
قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ
_________________
(١) ١ الآيات من (١١٢ – ١١٥) من سورة المائدة. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٨٠، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٥/ ١٨٨. ٣ الآيتان (٥٢ – ٥٣) من سورة آل عمران.
[ ١٢٥ ]
مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ١.
وكما فعل عيسى ﵇ فعل نبينا محمد ﷺ حين أصر كفار مكة على ما هم عليه، فقد كان يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويطلب منهم من يقبل دعوته ويؤيده حتى يبلغ رسالة ربه حيث أبتْ قريش ذلك، فأيده الله تعالى بالأنصار ﵃ جميعًا٢.
٢- عقيدة أهل الكتاب في عيسى ﵇:
بين الله ﷿ أن عيسى بن مريم ﵇ عبد من عباده اصطفاه لرسالته، وأنه كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وقص ذلك وبينه لنبينا محمد ﷺ في القرآن الكريم فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
ومما أمر الله تعالى عبده ورسوله عيسى ﵇ أن يقول لقومه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤. وهي دعوة الأنبياء
_________________
(١) ١ الآية (١٤) من سورة الصف. ٢ انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٢. ٣ الآيتان (٣٤ – ٣٥) من سورة مريم. ٤ الآية (٣٦) من سورة مريم.
[ ١٢٦ ]
والرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام، ولكنهم كانوا كما قال الله ﷿: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
ولقد ضل في عيسى بن مريم ﵇ طائفتان:
الأولى: اليهود عليهم لعنة الله تعالى عليهم الذين قالوا عنه: إنه ابن زنية، أخزاهم الله تعالى، فهو رسول الله تعالى الطاهر ابن الطاهرة مريم ﵍ التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٢. وقال عنهم: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ٣.
والطائفة الثانية: التي قابلت اليهود في الكفر هم النصارى لعنهم الله تعالى، قالوا عنه: إنه الله تعالى، ومنهم من قال: ابن الله، ومنهم من قال: ثالث ثلاثة: الأب والابن والروح القدس، وقد توعد الله تعالى الطائفتين بقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية (٣٧) من سورة مريم. ٢ الآيتان (٤٢ – ٤٣) من سورة آل عمران. ٣ الآية (١٥٦) من سورة النساء. ٤ الآية (٣٧) من سورة مريم.
[ ١٢٧ ]
وهدى الله ﷿ أهل الحق والإيمان إلى القول الحق في ذلك فقالوا: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وقد أكذب الله تعالى النصارى وأخبر عن كفرهم بما قالوه في عيسى عليه السلام١، قال ﷿: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
ثم بين سبحانه القول الحق في ذلك فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القرطبي ٦/ ٢٤٩ –٢٥٢، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٦٧، ٦٨، ودعوة الرسل للعدوي ص ٣٤٤. ٢ الآية (١٧) من سورة المائدة. ٣ الآيات (٧٢ – ٧٤) من سورة المائدة.
[ ١٢٨ ]
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَ
_________________
(١) انَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ١. ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣. وقد بيَّن رسولنا محمد ﷺ لأمته المنهج الحق والصراط المستقيم الذي ضلت عنه اليهود والنصارى في شأن عيسى ﵇، فعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله ١ الآية (١٧١) من سورة النساء. ٢ الآيات من (٧٥ – ٧٧) من سورة المائدة. ٣ الآية (٣٠) من سورة التوبة.
[ ١٢٩ ]
وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"١.
ونهى ﷺ عن مشابهة النصارى، وحذر من الوقوع مما وقعوا من الغلو في عيسى ﵇، فقال: ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"٢.
وسيأتي الكلام عن ذلك عند الحديث عن الإطراء والغلو إن شاء الله تعالى.
رفع عيسى ﵇ إلى السماء، وبطلان عقيدة الصلب
بقي عيسى ﵇ دائبًا في دعوته، مجاهدًا في سبيلها، يلاقي من بني إسرائيل الإعراض والصدود والأذى، مع ما أتاه الله من الحجج والآيات والمعجزات.
بدأ الناس يقبلون على دعوته، وأتباعه وأنصاره المؤمنون بدعوته يزيدون يومًا بعد يوم، وتحرك في نفوس اليهود مكرهم المعهود، وأخذوا يتآمرون على عيسى ﵇ لاستئصال دعوته والقضاء عليها، وعزموا على قتله، كما هو طبعهم وشأنهم مع أنبياء الله تعالى ورسله
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/ ٤١٤. ٢ البخاري مع الفتح ١/ ٤٧٨.
[ ١٣٠ ]
عليهم الصلاة والسلام، ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ١. ودخلوا عليه وهو ﵇ جالس مع بعض أصحابه ليقتلوه، فألقى الله تعالى شبهه على بعض أصحابه ورفعه إليه وأخذ اليهود ذلك الشاب وقتلوه وصلبوه ظانين أنه عيسى، وضلوا في ذلك ضلالًا بعيدًا٢.
قال الله ﷿: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ٣.
وللمفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أقوال، أرجحها، أن المراد بالوفاة هنا النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ٤. وكما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية (٨٧) من سورة البقرة. ٢ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٨٢٥. ٣ الآية (٥٥) من سورة آل عمران. ٤ الآية (٦٠) من سورة الأنعام. ٥ الآية (٤٢) من سورة الزمر.
[ ١٣١ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا قام من النوم يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ١.
وهذا يرجح القول بأن المراد بالتوفي النوم على قول من قال: إن الله أماته ساعات ثم أحياه، أو قول من قال: إن الله تعالى أماته ثلاثة أيام ثم أحياه، وغير ذلك من الأقوال٢.
وقد أكذب الله تعالى اليهود في زعمهم قتل عيسى ﵇ فقال سبحانه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٣.
فقد فضح الله تعالى كيد اليهود ومكرهم وكذبهم أنهم قتلوا عيسى، أما النصارى فمع كونهم لم يشاهدوا ذلك، فإن عامتهم قد سلموا بذلك، وضلوا فيه ضلالًا مبينًا، وصار الصليب شعار عبادتهم ورمز تعارفهم وتفاخرهم.
نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان:
سبق الكلام عن رفع عيسى ﵇ إلى السماء، وسينزل عليه
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٧/ ١٦، ومسلم بشرح النووي ١٧/ ٣٥. ٢ انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٦٦، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي ١/ ٢٤٥. ٣ الآيتان (١٥٧ – ١٥٨) من سورة النساء.
[ ١٣٢ ]
السلام في آخر الزمان، ويقيم العدل في الأرض، ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفرض الجزية، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ومنها:
ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" ١. ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلأَ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ٢.
وعن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال: "إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية٣، وأراني الله عند الكعبة في المنال رجلًا آدم٤ كأحسن ما يرى من أُدم الرجال، يضرب لمته٥ بين
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/ ٤٩٠، ومسلم بشرح النووي ٢/١٨٩. ٢ الآية (١٥٩) من سورة النساء. ٣ الحبة التي قد خرجت عن حد نبتة أخواتها فظهرت من بينها وارتفعت. وقيل: أراد الحبة الطافية على وجه الماء شبه عينه بها. النهاية لابن الأثير ٣/ ١٣٠. ٤ الأدمة البياض مع سواد المقلتين. المصدر السابق ١/ ٣٢. ٥ اللمة: من شعر الرأس دون جمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زاد فهي الجمة. انظر: المصدر السابق ٤/ ٢٧٣.
[ ١٣٣ ]
منكبيه، ورَجْل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيح بن مريم، ورأيت رجلًا وراءه قططًا١ أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن٢، وضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال" ٣.
وفي رواية البخاري: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، وإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهَوِّد٤ بين رجلين، ينظف رأسه ماءًا، أو يهرق ماءًا، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح ابن مريم، فذهبت التفت فإذا رجل أحمر حسيم جعد الرأس، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن" ٥.
وعن النواس بن سمعان ﵁ في حديث طويل عن الدجال وما يكون من أمره، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في
_________________
(١) ١ القطط: الشعر القصير المستجد. ٢ ابن قطن بن عبد العزى رجل من بني المصطلق من خزاعة هلك في الجاهلية على الصحيح. انظر: فتح الباري ١٣/ ٩٨ – ١٠٠. ٣ مسلم بشرح النووي ٢/ ٢٣٥، ٢٣٦. ٤ المشي الرويد المتأني. النهاية لابن الأثير ٤/ ٢٧٣. ٥ البخاري مع الفتح ١٣/ ٩٠.
[ ١٣٤ ]
مهروذين١، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان٢ كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه حيث انتهى طرفه، فيطلبه حيث يدركه بباب لد٣ فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قومًا قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم عن درجاتهم في الجنة" ٤. الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا نزل فيكم عيسى بن مريم وإمامكم منكم" ٥.
وهذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ تدل صراحة على أن رسول الله عيسى ﵇ سوف ينزل في آخر الزمان، ويقع منه ما أخبر عنه رسول الله ﷺ، وترد على الذين أنكروا ذلك، وقدموا عقولهم وتأويلاتهم الباطلة على سنة رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
_________________
(١) ١ تُروى بالدال المهملة والذال المعجمة، والمهملة أكثر: وهما ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران، وقيل: هما شقتان والشقة نصف الملاءة. لسان العرب مادة: (هرد) . ٢ الجمان: بضم الجيم وتخفيف الميم حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه. انظر: المصدر السابق مادة: (جمن) . ٣ بلدة قريبة من قدس. ٤ مسلم بشرح النووي ١٨/ ٦٧ – ٦٨. ٥ البخاري مع الفتح ٦/ ٤٩١.
[ ١٣٥ ]