على أن من قال لا إله إلا الله لا يجوز قتاله ولا قتله.
فالجواب: أما قوله ﷺ: " إن الشيطان يئس أن يعبده
_________________
(١) = وأبو داود في سننه – كتاب الجهاد- ٣/١٠١-١٠٢، والنسائي في سننه – كتاب تحريم الدم- ٧/٧٥-٧٦، وأبو نعيم في الحلية٨/١٧٣، والبيهقي في سننه- كتاب الصلاة٢/٣، والبغوي في شرح السنة ١/٦٩، والخطيب في التاريخ١٠/٤٦٤. الثاني: عن ميمون بن سياه عن أنس به مرفوعا، أخرجه البخاري في صحيحه- كتاب الصلاة-١/٤٩٦،والبيهقي في سننه – كتاب الصلاة – ٢/٣، ورواه النسائي موقوفا على أنس ٧/٨٦. الثالث: عن معمر عن الزهري عن أنس ﵁ عن أبي بكر به وفيه قصة الردة. أخرجه النسائي ٧/٨٦،والدارقطني ٢/٨٩. ٦ – أما حديث معاذ بن جبل فأخرجه أحمد ٥/٢٤٦، والطبراني في الكبير٢/٦٣ مطولا، وابن ماجة مختصرا في سننه – المقدمة- ١/٢٨. كلهم من طريق شهر بن حوشب ثنا عبد الرحمن بن غنم عن معاذ..به. ٧ – أما حديث أوس بن أبي أوس حذيفة فله عنه طريقان: الأول: عن شعبة عن النعمان بن سالم قال سمعت أوسا يقول الحديث. وفيه قصة. أخرجه أحمد٤/٨، وأبو داود الطيالسي ١/٢٦- المنحة- والنسائي في سننه – كتاب تحريم الدم – ٧/٨٠، والدارمي في سننه٢/١٣٧. الثاني: عن عمرو بن أوس عن أبيه به أخرجه أحمد ٤/٨-٩، والنسائي في سننه٧/٨١. ٨ – وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه النسائي في سننه – كتاب تحريم الدم- ٧/٧٩، والبزار – كشف الأستار- ١/١٥ كلاهما من طريق سماك عن النعمان به.
(٢) وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني في الكبير ١١/٢٠٠ عن عطاء بن أبي رباح عنه به. ١٠ – وأما حديث جرير بن عبد الله فأخرجه الطبراني من طريقين: الأول: عن قيس بن حازم عن جرير به ٢/٣٤٧. الثاني: عن إبراهيم بن جرير عن أبيه.. به٢/٣٨٠. ١١ – أما حديث سهل بن سعد فأخرجه الطبراني في الكبير٦/١٦١.
[ ٣٢ ]
المصلون في جزيرة العرب" فيقال:
أولا: من المعلوم بالضرورة أن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ يدعوا إلى التوحيد – وهو توحيد الألوهية- وينهى عن الشرك وهو عبادة غير الله. وأما الشرك بالربوبية فمن المعلوم بنصوص الكتاب أن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ وقاتلهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن شركهم هو في توحيد العبادة، وهو توحيد الألوهية الذي هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، فعبدوا من عبدوه من دون الله ليشفعوا لهم عنده في نصرهم ورزقهم وغير ذلك كما قال تعالى أخبارا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر٣]، ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس:١٨] فبعث الله رسوله محمدا ﷺ ينهاهم عن هذا الشرك ويدعوهم إلى توحيد العبادة وهذه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وهذا الأصل هو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
فإذا تبين أن هذا هو أصل الأصول، علمنا يقينا أن الله سبحانه لا يترك هذا الأمر ملتبسا بل لابد أن يكون بينا واضحا لا لبس فيه ولا اشتباه؛ لأنه أصل الدين، ومعرفته فرض على كل مسلم مكلف ولا يجوز فيه التقليد.
وحقيقة ذلك أن الشرك هو عبادة غير الله تعالى. والعبادة هي الطاعة بفعل ما أمر الله به ورسوله من واجب ومندوب، فمن أخلص ذلك لله فهو الموحد، ومن جعل شيئا من العبادة لغير الله فهو مشرك. قال تعالى:
[ ٣٣ ]
﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] أي في العبادة. وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الكهف:١١٠] .
فإذا علم الإنسان حقيقة الشرك عرف يقينا أن الشرك وقع في الجزيرة كثيرا عند مشاهد وقبور يمنا وحجازا، من دعاء الأموات والغائبين، والاستغاثة بهم وسؤال الحاجات، وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، وكذلك الذبح للجن والاستغاثة بهم. وهذا أمر معلوم بالتواتر عند من شاهد ذلك، فإذا تحقق الإنسان ذلك علم أن قوله ﷺ: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" ليس فيه معارضة لهذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول، وليس فيه دلالة على استحالة وجود الشرك في أرض جزيرة (١) العرب.
فمن استدل بهذا الحديث على استحالة وجود الشرك في أرض العرب يقال له بين لنا الشرك الذي حرمه الله وأخبر أنه لا يغفره، فإن فسره بالشرك في توحيد الربوبية، فنصوص القرآن تبطل قوله؛ لأنه سبحانه أخبر عن المشركين أنهم يقرون بتوحيد الربوبية كما في قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] والآيات في ذلك كثيرة.
وإن فسر الشرك ببعض أنواع العبادة دون بعض، فهو مكابر ويخاف على مثله أن يكون من الذين في قلوبهم زيغ، يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، مع أنه ليس في الحديث حجة لهم ولا شبهة، وإنما معنى الحديث: أنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر.
_________________
(١) لفظ (جزيرة) ليس في المطبوعة.
[ ٣٤ ]
قال ابن رجب على الحديث: المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة كلها على الشرك الأكبر. وأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] قال ابن عباس ﵄: يعني يئسوا أن تراجعوا دينهم (١) – وكذا قال عطاء والسدي ومقاتل- قال: وعلى هذا يرد الحديث الصحيح: " إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" (٢) .ا. هـ. فأشار إلى أن (٣) معنى الحديث يوافق لمعنى الآية، وإن معنى الحديث أنه يئس أن يرجع المسلمون عن دينهم إلى الكفر. قال غير واحد من المفسرين: إن المشركين كانوا يطمعون في عودة المسلمين إلى دينهم. فلما قوي الإسلام وانتشر يئسوا من رجوعهم عن الإسلام إلى الكفر، وهذا معنى إياس الشيطان لما رأى من ظهور الإسلام وانتشاره وتمكنه من القلوب ورسوخه فيها، وعلى هذا فلا يدل الحديث: أن الشيطان يئس من وجود شرك في جزيرة العرب أبد الآبدين.
ويدل لما ذكرنا ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة رنّ إبليس رنّة اجتمع إليه جنوده فقال: ايئسوا أن تردوا أمة محمد إلى الشرك بعد يومكم هذا، ولكن افتنوهم فافشوا فيهم النوح (٤) .
_________________
(١) انظر تفسير الطبري ٦/٧٨.
(٢) لفظ ابن كثير في تفسيره (وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح) ٢/١٢.
(٣) حرف (أن) سقط من المخطوطة.
(٤) لم أجده في مسند أحمد- بعد بذل الجهد في تحصيله- وأخرج هذا الأثر الطبراني في الكبير١٢/١١ قال ﵀ حدثنا عبدان بن أحمد ثنا عمرو بن العباس الرزي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فذكره- وهذا إسناد ضعيف، جعفر بن أبي المغيرة القمي نقل ابن شاهين في الثقات ص ٥٥ عن أحمد توثيقه. وبيض له ابن أبي حاتم في الجرح =
[ ٣٥ ]
وأيضا ففي الحديث نسبة اليأس (١) إلى الشيطان مبنيا للفاعل لم يقل (أيس) بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس (٢) من عبادته في أرض العرب إياسا مستمرا فإنما ذلك ظن منه وتخمين، لا عن علم لأنه لا يعلم الغيب، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن:٢٦] فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤] أي من خير وشر، وهذا من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله.
وقال النبي ﷺ: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا
_________________
(١) = والتعديل ٢/٤٩٠، وسكت عليه البخاري في التاريخ٢/٢٠٠ وقال ابن مندة ليس بالقوي في سعيد بن جبير. وقال الحافظ: صدوق يهم. وقال الذهبي في الميزان: صدوق. قلت: وهذا أصح من قول الحافظ ﵀ إلا في سعيد بن جبير فإن روايته عنه ليست بالقوية كما قاله ابن مندة. وهذا الأثر منها. ويعقوب القمي هو ابن عبد الله. قال النسائي ليس به بأس ووثقه الطبراني وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وبيض له ابن أبي حاتم٦/٢٥٢، وسكت عليه البخاري في التاريخ٦/٣٦٢ وروى له في صحيحه أربعة عشر حديثا، وقال الحافظ: صدوق ربما وهم. وعبدان بن أحمد هو الإمام الحافظ عبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي قال الذهبي: له غلط ووهم يسير وهو صدوق (التذكرة ٢/٦٨٩) . تنبيهان: الأول: وقع في نسخة الطبراني المطبوعة في العراق: "عمر بن العباس الرازي" وهو خطأ صوابه: "عمرو- بفتح العين – ابن العباس الرزي" والتصويب من تهذيب الكمال وغيره. الثاني: ذكر ابن حجر في التهذيب٢/١٠٨ أن ابن حبان نقل في كتابه الثقات عن أحمد بن حنبل أنه وثق جعفر بن أبي المغيرة، ولم أجد هذا في الثقات لابن حبان- المطبوعة-٦/١٣٤ ولكن ابن شاهين نقل في الثقات له عن أحمد توثيقه، والله أعلم.
(٢) في المخطوطة (الإياس) .
(٣) في المخطوطة (أيس) .
[ ٣٦ ]
الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله" (١) . وكانت الشياطين والجن (٢) في زمن سليمان بن داود ﵉ يدعون علم الغيب فلما مات سليمان لم يعلموا بموته إلا بعد سنة (٣) وهم في تلك السنة دائبون في
_________________
(١) صحيح وروى عن عدة من الصحابة منهم ابن عمر وبريدة وأبو هريرة وغيرهم: ١ – أما حديث ابن عمر فله عنه طرق: الأول: عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ فذكره. أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/٢٤-٥٢-٥٨، والبخاري في صحيحه-كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجي المطر إلا الله ٢/٥٢٤- وفي كتاب التوحيد١٣/٣٦١- وفي التفسير٨/٣٧٥، وابن جرير الطبري في تفسيره٢١/٨٨، والبغوي في شرح السنة١/٤٢٢. الطريق الثاني: عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله ﷺ به أخرجه الإمام أحمد ٢/١٢٢، والبخاري في صحيحه- كتاب التفسير٨/٢٩١، والبغوي في تفسيره٦/٤٧٦. الثالث: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ يقول فذكره. أخرجه الطبراني في الكبير١٢/٣٢٤. الرابع: عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه يحدث عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " أوتيت مفاتح كل شيء إلا الخمس " الحديث أخرجه أحمد ٢/٨٥، والطبراني في الكبير١٢/٣٦٠. ٢ – أما حديث بريدة فأخرجه أحمد ٥/٣٥٣- قال ابن كثير ٣/٤٥٣ وهو صحيح الإسناد. ٣ – أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري – في صحيحه – كتاب التفسير ٨/٥١٣،ومسلم في صحيحه – كتاب الإيمان (٥) كلاهما من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة به وفيه قصة جبريل المشهورة- وأخرجه الطبراني من طريقه مختصرا ٢١/٨٩.
(٢) كلمة (الجن) سقطت من المطبوعة.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري ٢٢/٧٤، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير٣/٥٢٩ عن ابن عباس مرفوعا وسنده ضعيف. قال ابن كثير في رفعه غرابة ونكارة والأقرب أن يكون موقوفا ا. هـ. وهو قول ابن مسعود وقتادة وعطاء وابن زيد.
[ ٣٧ ]
التسخير والأعمال الشاقة، فلما علموا بموته تبين لهم أنهم لا يعلمون الغيب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (١) فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] .
ونبينا ﷺ أخبر: "أنه يجاء برجال من أمته يوم القيامة فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار فيقول: أصحابي أصحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (٢) . فكيف يقال إن الشيطان يعلم ما تستمر عليه الأمة
_________________
(١) في المطبوعة والمخطوطة (إلى قوله) وهو خطأ.
(٢) حديث متواتر ورد عن جماعات من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس وأنس وحذيفة وابن مسعود وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر وسهل بن سعد وأبو سعيد الخدري وغيرهم: ١ – أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في صحيحه١١/٤٦٤ من طريق سعيد بن المسيب عنه ومن طريق عطاء بن يسار وأخرجه مسلم في صحيحه- كتاب الطهارة- ١/٢١٧ من طريق أبي حازم عنه، ومن طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة به. وأخرجه في الفضائل- من طريق محمد بن زياد عنه. ٢ – أما حديث ابن عباس فأخرجه الإمام أحمد في مسنده١/٢٥٣،والبخاري في صحيحه- كتاب التفسير- ٨/٤٣٧ كلاهما من طريق سعيد بن جبير عنه به. ٣ – أما حديث أنس فأخرجه الإمام أحمد ٣/١٠٢- ومسلم في صحيحه- كتاب الفضائل- ٤/١٨٠١- وفي كتاب الصلاة- ١/٣٠٠، كلاهما من طريق المختار بن فلفل عنه به، وأخرجه الإمام أحمد٣/٢٨١، والبخاري في صحيحه١١/٤٦٤، ومسلم في صحيحه (٤/١٨٠٠) كلهم من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: حدثنا أنس أن النبي ﷺ قال فذكره. ٤ – أما حديث حذيفة فأخرجه الإمام ٥/٣٨٨-٣٩٣-٤٠٠ من طريق أبي وائل عن حذيفة عن رسول الله ﷺ به، وأخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الطهارة- ١/٢١٧ من طريق ربعي بن حراش عن حذيفة..به.
[ ٣٨ ]
من خير وشر وكفر وإسلام، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله، ومن يطلعه عليه من رسله.
فتبين بما ذكرنا أنه لا دلالة في الحديث على استحالة وقوع الشرك في جزيرة العرب.
ويوضح ذلك أن أكثر العرب ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان، وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره، ومن أطاع الشيطان في نوع من أنواع الكفر فقد عبده، لا تختص عبادة الشيطان بنوع (١) من الشرك لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية [يس:٦٠] أي لا تطيعوه، فعبادته طاعته. يوضح ذلك تفسير النبي ﷺ لقوله تعالى:
_________________
(١) =٥–أما حديث ابن مسعود فأخرجه الإمام أحمد ٥/٣٩٣،والبخاري في صحيحه- كتاب الرقاق-١١/٤٦٣، وفي الفتن ١٣/٣، ومسلم في صحيحه – كتاب الفضائل- ٤/١٧٩٦ كلهم من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ.. فذكره. ٦ – وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم في صحيحه (٤/١٧٩٤) من طريق ابن أبي مليكة قال سمعت عائشة تقول سمعت.. الحديث.
(٢) وأما حديث أسماء فأخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الفتن- ١٣/٣، وكتاب الرقاق١١/٤٦٦ ومسلم في صحيحه- كتاب الفضائل – ٤/١٧٩٤ كلاهما من طريق ابن أبي مليكة عنها به. ٨ – أما حديث سهل بن سعد فأخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الرقاق- ١١/٤٦٤، ومسلم في صحيحه – كتاب الفضائل – ٤/١٧٩٣ كلاهما من طريق أبي حازم عنه. ٩ – وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/٢٨، والبخاري في صحيحه – كتاب الزهد-١١/٤٦٤، ومسلم في صحيحه – كتاب الفضائل- ٤/١٧٩٣ كلهم من طريق النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري به.
(٣) سقطت من المخطوطة.
[ ٣٩ ]
﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] إنه (١) طاعتهم في التحريم والتحليل (٢) فسمى ذلك الله شركا
_________________
(١) في المطبوعة (أن) .
(٢) أخرجه الترمذي في سننه – كتاب التفسير- ٥/٢٧٨،وابن جرير الطبري في تفسيره١٠/١١٤،والطبراني في الكبير١٧/٩٢، والبيهقي في سننه- كتاب آداب القاضي- ١٠/١١٦ كلهم من طريق عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه. هذا لفظ الترمذي. وهذا إسناد ضعيف علته غطيف بن أعين وقيل غضيف ضعفه الدارقطني وغيره- وبه أعل الترمذي هذا الحديث فقال عقبة: "هذا حديث غريب (١) لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث"ا. هـ. وعبد السلام بن حرب ثقة إمام حافظ إلا أن له مناكير (٢) . والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور٤/١٧٤ لابن سعد (٣) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه. وعزاه ابن كثير في تفسيره٢/٣٤٨ للإمام أحمد ولم أجده في المسند والله أعلم. وللحديث شاهد من حديث حذيفة موقوفا أخرجه – كما في الدر المنثور ٤/١٧٤-
(٣) كذا في النسخة المصرية- وفي بعض النسخ (حسن غريب) ونقل السيوطي في الدر عن الترمذي تحسينه.
(٤) فائدة:-نقل السخاوي في فتح المغيث (١/٣٤٧-ط السلفية بالمدينة) عن ابن دقيق العيد أنه قال في الإلمام:- قولهم "روى مناكير" لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال عنه:- منكر الحديث، لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة، كيف وقد قال أحمد في "محمد بن إبراهيم التيمي ":- يروي أحاديث منكرة. وهو ممن اتفق عليه الشيخان، وإليه المرجع في حديث إنما الأعمال بالنيات. اهـ.
(٥) لم أجده في المطبوعة من الطبقات- ثم رأيت العلامة الشيخ أحمد شاكر قال ذلك في حاشيته على الطبري.
[ ٤٠ ]
وعبادتهم منهم للأحبار والرهبان.
وأيضا فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى" (١)، وقال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" (٢)، وهو صنم كان لهم في الجاهلية بعث النبي
_________________
(١) = عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه كلهم من طريق أبي البختري سعيد بن فيروز قال سأل رجل حذيفة ﵁ فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ﴾ الآية. أكانوا يعبدونهم قال: لا ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه. وأخرجه من هذا الطريق ابن جرير في تفسيره١٠/١١٤-١١٥ وإسناده ضعيف للانقطاع بين أبي البختري وحذيفة فإن أبا البختري لم يسمع من حذيفة إنما أرسل عنه كما في تهذيب الكمال للمزي وجامع التحصيل. ثم عزا السيوطي في الدر أثر حذيفة هذا إلى أبي الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان- والذي يظهر من صنيع السيوطي أنه من طريق آخر غير طريق البختري- هذا ولم يتيسر لي الوقوف على إسناديهما – وسأرجى باقي الكلام على هذا الحديث في رسالة الثانية إن شاء الله. وقد حسن شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية هذا الحديث كما في كتابه (الإيمان) ص٦٤ وعلى معنى هذا الحديث جمهور المفسرين. والله أعلم.
(٢) الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه بلفظ: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" – كتاب الفتن وأشراط الساعة- عن عائشة ﵂ مرفوعا (٤/٢٢٣٠) . وأخرجه ابن عدي في الكامل (٧/٢٥١٧) من طريق أبي معشر نجيح السندي عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ فذكره بلفظ المؤلف. وسنده ضعيف جدا علته محمد بن الحسن بن محمد النقاش شيخ ابن عدي اتهم بالكذب وكان من المقرئين وله تفسير أتى فيه بالطامات والفضائح. قال أبو القاسم اللالكائي تفسير النقاش أشقاء الصدور وليس بشفاء الصدور، وأبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعفه القطان وابن المديني وابن معين والدارقطني وغيرهم وقال البخاري: منكر الحديث وكذا قال الساجي.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده٢/٢٧١، والبخاري في صحيحه – كتاب الفتن – باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان١٣/٧٦، ومسلم في صحيحه – كتاب الفتن وأشراط الساعة- ٤/٢٩٠٦ كلهم من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة.
[ ٤١ ]
ﷺ لهدمه (١) جرير بن عبد الله (٢) . فتبين أن عبادة الشيطان وجدت بعد موت النبي ﷺ في جزيرة العرب، وتوجد إلى (٣) آخر الزمان بهذه النصوص الثابتة، وقال النبي ﷺ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قال: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" (٤) .
وقال: "لتأخذن (٥) هذه الأمة مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع" قالوا يا رسول الله: فارس والروم؟ قال: "ومن الناس إلا أولئك" (٦) . فأخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تفعل كما فعلت
_________________
(١) في المخطوطة (لهدمها) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/٣٦٠، ٣٦٢، ٣٦٥، والبخاري في صحيحه٦/١٥٤، ١٦١، ١٨٩-٧/١٣١-٨/٧٠-١٠/٥٠٤-١١/١٣٦، ومسلم في صحيحه- كتاب فضائل الصحابة ٤/١٩٢٥ وفيه قصة هدم جرير لذي الخلصة بطولها.
(٣) ليست في المطبوعة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده٣/٨٤-٨٩، والبخاري في صحيحه- كتاب أحاديث الأنبياء- باب ما ذكر عن بني إسرائيل٦/٤٩٥ وفي كتاب الاعتصام- باب قول النبي ﷺ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم.." ١٣/٣٠٠، ومسلم في صحيحه- كتاب العلم ٤/٢٠٥٤ كلهم من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ فذكره. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده٢/٣٢٧و٤٥٠و٥١١ من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم بن أبي أسيد عن جده (١) كلهم عن أبي هريرة به. وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به (٢/١٣٢٢) .
(٥) في المخطوطة" ولتأخذن".
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه- كتاب الاعتصام- باب قول النبي ﷺ: " لتتبعن سنن
(٧) ولم يسمع من أبي هريرة.
[ ٤٢ ]
الأمم قبلها: اليهود والنصارى وفارس والروم، وأن هذه الأمة لا تقصر عما فعلته الأمم قبلها، وقال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (١) . نسأل الله أن يجعلنا منهم بفضله ورحمته وكرمه (٢) .
_________________
(١) = من كان قبلكم" ١٣/٣٠٠ من طريق المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ بلفظ: " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها.." الحديث.
(٢) حديث متواتر ورد عن جماعات من الصحابة وقد جمعت طرقه في رسالة أسميتها "الرايات المشهورة في جمع طرق حديث لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة".
(٣) كلمة (وكرمه) ليست في المخطوطة.
[ ٤٣ ]