والجواب الثاني: أن نقول: الأدلة العقلية التي تعارض السمع غير الأدلة العقلية التي يعلم بها أن الرسول صادق، وإن كان جنس المعقول يشملها.
ونحن إذا أبطلنا ما عارض السمع إنما أبطلنا نوعًا مما يسمي معقولًا، لم نبطل كل معقول، ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول، وكان ما ذكرناه موجبًا لصحة السمع وما علم به صحته من العقل.
ولا مناقضة في ذلك، ولكن حقيقة أنه قد تعارض العقل الدال علي صدق الرسول والعقل المناقض لخبر الرسول، فقدمنا ذلك المعقول علي هذا المعقول، كما نقدم الأدلة الدالة علي صدق الرسول علي الحجج الفاسدة والقادحة في نبوات الأنبياء، وهي حجج عقلية.
بل شبهات المبطلين القادحين في النبوات قد تكون أعظم من كثير من الحجج العقلية التي يعارض بها خبر الأنبياء عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعاده، فإذا كان
[ ١ / ١٧٣ ]
تقديم الأدلة العقلية الدالة علي أنهم صادقون في قولهم: إن الله أرسلهم مقدمة علي ما يناقض ذلك من العقليات، كذلك تقديم هذه الأدلة العقلية المستلزمة لصدقهم فيما أخبروا به علي ما يناقض ذلك من العقليات، وعاد الأمر إلي تقديم جنس من المعقولات علي جنس.
وهذا متفق عليه بين العقلاء، فإن الأدلة العقلية إذا تعارضت فلا بد من تقديم بعضها علي بعض، ونحن نقول: لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان: لا عقليان ولا سمعيان، ولا سمعي وعقلي، ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما.