أن يقال: نخن نسلم أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق ولا بينوا أنه ليس بجسم.
وهذا قول محققي طوائف النفاة وأئمتهم، فإنهم يعلمون ويقولون: إن النفي لم يعتمد فيه علي طريقة مأخوذة عن الأنبياء وإن الأنبياء لم يدلوا علي ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا، ويقولون: إن كلام الأنبياء إنما يدل علي الإثبات إما نصًا وإما ظاهرًا.
لكن قالوا: إذا كان العقل دل علي النفي لم يمكنا إبطال مدلول العقل.
[ ١ / ١٠٣ ]
ثم يقول المتكلمون من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم الذين قالوا: إنما يمكن إثبات الصانع وصدق رسله بهذه الطريق، ويقولون: إنه لا يمكن العلم بحدوث العالم وإثبات الصانع، والعلم بأنه قادر حي عالم، وأنه يجوز أن يرسل الرسل ويصدق الأنبياء بالمعجزات إلا بهذه الطريق - كما يذكر ذلك أئمتهم وحذاقهم، حتى متأخروهم كأبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، والقاضي أبي يعلي، وغيرهم - فإذا علمنا مع ذلك أن الأنبياء لم يدعوا الناس بها لزم ما قلناه من أن الرسول أحال الناس في معرفة الله علي العقل، وإذا علموا ذلك فحينئذ هم في نصوص الأنبياء إما أن يسلكوا مسلك التأويل، ويكون القصد بإنزال المتشابه تكليفهم استخراج طريق التأويلات، وإما أن يسلكوا مسلك التفويض، ويكون المقصود إنزال ألفاظ يتعبدون بتلاوتها وإن لم يفهم أحد معانيها.
ويقول ملاحدة الفلاسفة والباطنية ونحوهم: المقصود خطاب الجمهور بما يتخيلون به أن الرب جسم عظيم، وأن المعاد فيه لذات جسمانية، وإن كان هذا لا حقيقة له، ثم إما أن يقال إن الأنبياء لم يعلموا ذلك، وإما أن يقال: علموه ولم يبينوه بل أظهروا خلاف الحق للمصلحة.
قيل في الجواب: أما من سلك المسلك الأول فجوابه من وجوه: