الوجه الحادي عشر.
كثير مما يسمي دليلًا ليس بدليل
أن ما يسميه الناس دليلًا من العقليات والسمعيات ليس كثير منه دليلًا، وإنما يظنه الظان دليلًا.
وهذ متفق عليه بين العقلاء، فإنهم متفقون علي أن ما يسمي دليلًا من العقليات والسمعيات قد لا يكون دليلًا في نفس الأمر.
فنقول: أما المتبعون للكتاب والسنة - من الصحابة والتابعين وتابعيهم - فهم متفقون علي دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر وما يتبع ذلك، لم يتنازعوا في دلالته علي ذلك، والمتنازعون في ذلك بعدهم لم يتنازعوا في أن السمع يدل علي ذلك، وإنما تنازعوا: هل عارضه من العقل ما يدفع موجبه؟ وإلا فكلهم متفقون علي أن الكتاب والسنة مثبتان للأسماء والصفات، مثبتان لما جاءا به من أحوال الرسالة والمعاد.
والمنازعون لأهل الإثبات من نفاة الأفعال والصفات لا ينازعون في أن النصوص السمعية تدل علي الإثبات، وأنه ليس في السمع دليل ظاهر علي النفي.
[ ١ / ١٩٢ ]
فقد اتفق الناس علي دلالة السمع علي الإثبات، وإن تنازعوا في الدلالة: هل هي قطعية أو ظنية؟ .
وأما المعارضون لذلك من أهل الكلام والفلسفة فلم يتفقوا علي دليل واحد من العقليات، بل كل طائفة تقول في أدلة خصومها: إن العقل يدل علي فسادها، لا علي صحتها، فالمثبتة للصفات يقولون: إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة، كما يقول النفاة: إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة.
ومثبتة الرؤية يقولون: إنه يعلم بالعقل إمكان ذلك، كما تقول النفاة: إنه يعلم بالعقل امتناع ذلك.
والمتنازعون في الأفعال هل تقوم به؟ يقولون: إنه علم بالعقل قيام الأفعال به، وإن الخلق والإبداع والتأثير أمر وجودي قائم بالخالق المبدع الفاعل.
ثم كثير من هؤلاء يقولون: إن التسلسل إنما هو ممتنع في العلل، لا في الآثار والشروط، وخصومهم يقولون: ليس الخلق إلا المخلوق، وليس الفعل إلا المفعول، وليس الإبداع والخلق شيئًا غير نفس الفعل ونفس المفعول المنفصل عنه، وإن ذلك معلوم بالعقل، لئلا يلزم التسلسل.
وكذلك القول في العقليات المحضة كمسألة الجوهر الفرد، وتماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، ودوام الحوادث في الماضي أو المستقبل أو غير ذلك، كل هذه مسائل عقلية قد تنازع فيها العقلاء، وهذا باب واسع، فأهل العقليات من أهل النفي والإثبات كل منهم يدعي أن العقل دل علي قوله المناقض لقول الآخر، وأما السمع فدلالته متفق عليها بين العقلاء.
[ ١ / ١٩٣ ]
وإذا كان كذلك قيل: السمع دلالته معلومة متفق عليها، وما يقال إنه معارض لها من العقل ليست دلالته معلومة متفقًا عليها، بل فيها نزاع كثير، فلا يجوز أن يعارض ما دلالته معلومة باتفاق العقلاء، بما دلالته المعارضة له متنازع فيها بين العقلاء.
واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة.
وليس في ذلك - ولله الحمد - دليل صحيح في نفس الأمر، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء، ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل.
وحينئذ فنقول في: