ولما كان بيان مراد الرسول صلي الله عليه وسلم في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي، وامتناع تقديم ذلك علي نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله، وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر، إذ كان أي دليل أقيم علي بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي القاطع ناقضه، بل يصير ذلك قدحًا في الرسول، وقدحًا فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع علي نفي الصفات أو بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء، أو نفي أمره ونهيه، أو امتناع المعاد،
[ ١ / ٢٠ ]
أو غير ذلك، لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة إلا مع بيان فساد ذلك المعارض.
وفساد ذلك المعارض قد يعلم جملة وتفصيلًا.
أما الجملة، فإنه من آمن بالله ورسوله إيمانًا تامًا، وعلم مراد الرسول قطعًا تيقن ثبوت ما أخبر به، وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس شبه السوفسطائية، كما قال تعالي ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد﴾ الشورى: ١٦.
وأما التفصيل، فبعلم فساد تلك الحجة المعارضة، وهذا الأصل نقيض الأصل الذي ذكره طائفة من الملحدين، كما ذكره الرازي في أول كتابه نهاية العقول حيث ذكر أن الاستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال لأن الاستدلال بها موقوف علي مقدمات ظنية، وعلي دفع المعارض العقلي، وإن العلم بانتقاء المعارض لا يمكن، إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقلي يناقض ما دل عليه القرآن، ولم يخطر ببال المستمع.
[ ١ / ٢١ ]
وقد بسطنا الكلام علي مازعمه هؤلاء من أن الاستدلال بالأدلة السمعية موقوف علي مقدمات ظنية، مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار والتخصيص قديمًا من نحو ثلاثين سنة، وذكرنا طرفًا من بيان فساده في الكلام على المحصل وفي فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية، وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع، وفي هذا الكتاب كلام في بيان انتقاء المعارض العقلي، وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقًا.
وقد بينا في موضع آخر أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلي التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صوف اللفظ عن ظاهره، فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر، لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن
[ ١ / ٢٢ ]
يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه، لإمكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من الظلمات إلي النور، وفرق الله به بين الحق والباطل، وبين الهدي والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين أولياء الله وأعدائه، وبين ما يستحقه الرب من الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك، حتى أوضح الله به السبيل، وأنار به الدليل، وهدى به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم.
فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا علي الباطل لا علي الحق، ولم يبين مراده، وأنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل، وأحال الناس في معرفة المراد علي ما يعلم من غير جهته بآبائهم، فقد قدح في الرسول، كما نبهنا علي ذلك في مواضع.
كيف والرسول أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس علي بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق؟ وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد.
فإن ما يقوله القائل ويفعله الفاعل لا بد فيه من قدرة وعلم وإرادة، فالعاجز عن القول أو الفعل يمتنع صدور ذلك عنه، والجاهل بما يقوله ويفعله لا يأتي بالقول المحكم والفعل المحكم، وصاحب الإرادة الفاسدة لا يقصد الهدي والنصح والصلاح، فإذا كان المتكلم عالما بالحق قاصدًا لهدى الخلق قصدًا تامًا، قادرًا علي ذلك وجب وجود مقدوره، ومحمد صلي الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق، وهو أفصح الخلق لسانًا، وأصحهم بيانًا، وهو أحرص الخلق علي هدي العباد، كما قال
[ ١ / ٢٣ ]
تعالي ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ التوبة ١٢٨، وقال ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ النحل: ٣٧، وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم، فلا بد أن يكون بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتم من بيان غيره، فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق، بل بينه من قامت الأدلة الكثيرة علي جهله ونقص علمه وعقله؟ ! وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
ولما كان ما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين والكلام والعلوم العقلية والحكمة يعلم كل من تدبره أنه مخالف لما جاء به الرسول، أو أن الرسول لم يقل مثل هذا، واعتقد من اعتقد أن ذلك من أصول الدين، وأنه يشتمل علي العلوم الكلية والمعارف الإلهية، والحكمة الحقيقية أو الفلسفة الأولية - صار كثير منهم يقول: إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين، أو لم يبين أصول الدين، ومنهم من هاب النبي، ولكن يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك، ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقي حائرًا كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم؟ ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج منهم إلي غيرها؟ .
[ ١ / ٢٤ ]
ولما كنت بالديار المصرية سألني من سألني من فضلائها عن هذه المسألة، فقالوا في سؤالهم: