لقد بشر المسيح؟ ﵇ بنبينا محمد ﷺ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الصف (٦) .
وقد جدَّ النصارى، ومن قبلهم اليهود في حذف هذه البشارات من كتبهم أو صرفها عن وجهها، ويزعمون أنه لا يوجد في كتبهم إشارة إلى النبي ﷺ وإن وجد شيء صرفه النصارى إلى عيسى بن مريم وصرفه اليهود إلى المسيح الذي ينتظرونه، وهي في الواقع لا تنطبق إلا على نبي هذه الأمة سيدنا محمد ﷺ وأمته، وقد بقي من هذه البشارات الشيء الكثير مع تحريفهم لكتبهم، وقد ذكر منها الشيخ "رحمة الله الهندي" في كتابه "إظهار الحق" ثماني عشرة بشارة، منها إحدى عشرة بشارة في العهد القديم، وسبع بشارات في العهد الجديد، فنذكر بعضًا من تلك البشارات مما ورد في العهدين القديم، والجديد.
البشارة الأولى:
ورد في سفر التثنية (١٨/١٧): "قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
هذا الكلام لا ينطبق إلا على النبي محمد ﷺ لأنه قال "من وسط
[ ٣٨٩ ]
إخوتهم" وإخوتهم هم أبناء إسماعيل ﵇ لأنه أخو إسحاق الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل حيث هما ابنا إبراهيم ﵇.
وأيضًا قال (مثلك) ومعلوم أن اليهود يرون أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى حيث قالوا في سفر التثنية (٣٤/١٠): "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى، الذي عرفه الرب وجهًا لوجه" وفي النسخة السامرية من التوراة هكذا "ولا يقوم أيضًا نبي في إسرائيل مثل موسى الذي ناجاه الله شفاها".
واليهود يزعمون أن هذه البشارة لنبي لم يأت بعد، وإن زعم بعضهم أن المراد بها يشوع بن نون، فهذا غير صحيح لأنه ليس مثل موسى، ويزعم النصارى أن المراد بها عيسى ﵇ ١، وهي في الواقع لا تصدق عليه بأي وجه لأنه:-
أولًا: من بني إسرائيل وليس من إخوتهم.
ثانيًا: هو ليس مثل موسى ﵇، فإنه تابع له، كما أنه عند النصارى إله، وابن إله، فلو أقروا بأنه مثل موسى لهدموا ديانتهم وما هم عليه.
أما النبي ﷺ فتصدق عليه من جميع الوجوه، فإنه من إخوتهم، وهو مثل موسى ﵇ نبي رسول، وأتى بشريعة جديدة، وحارب المشركين، كما فعل موسى ﵇.
_________________
(١) ١ انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٨٦١.
[ ٣٩٠ ]
ثم إنه قال: "أجعل كلامي في فمه"، فهذا كناية عن القرآن المحفوظ في الصدور، الذي تلقاه النبي محمد ﷺ مشافهة من جبريل ﵇، وحفظه في قلبه، وتلاه بعد لأمته من فمه ﵊، حيث كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب ﵊.
ثم إن الله جل وعلا أتم وعده للنبي ﷺ أن الذين لا يطيعونه فإن الله سيطالبهم، وقد طالبهم، فانتقم من أعدائه المشركين واليهود ثم ممن عداهم من الأمم. وهذا لم يكن لنبي غيره؟، وعيسى ﵇ لم ينتقم الله من أعدائه، بل كان أعداؤه في مكان المنتصر فأرادوا قتله إلا أن الله جل وعلا أنجاه منهم، وفي زعم النصارى أنهم قبضوا عليه وأهانوه وصلبوه١.
البشارة الثانية:
جاء في سفر التثنية (٣٣/١): "وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم".
فمجيء الرب من سيناء معناه إعطاء موسى ﵇ التوراة، وقوله: "أشرق من سعير" التبشير بالمسيح ﵇ لأن ساعير جبل في أرض يهوذا في فلسطين
_________________
(١) ١ انظر: إظهار الحق (٤/١١١٦، البشارة بني الإسلام في التوراة والإنجيل ١/٢١٨.
[ ٣٩١ ]
١، وقوله: "وتلألأ من جبل فاران" المراد به التبشير بالنبي محمد ﷺ لأن فاران جبل من جبال مكة، وقد سموه بكتابهم بهذا الاسم فقالوا عن إسماعيل ﵇ في سفر التكوين (٢١/٢١): "سكن برية فاران وأخذت له أمه إمرأه من أرض مصر" وإسماعيل ﵇ لم يسكن إلا مكة٢.
البشارة الثالثة:
جاء في سفر (حجى) (٢/٧) - أن حجي وهو أحد أنبيائهم - أخبر بني إسرائيل بعد تدمير الهيكل وسبيهم إلى بابل وعودتهم مرة أخرى بما قال الله له معزيًا لهم "لأنه هكذا قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات، والأرض، والبحر، واليابسة، وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجدًا، قال رب الجنود: ولي الذهب يقول رب الجنود: مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود: وفي هذا المكان أعطى السلام يقول رب الجنود".
فقوله هنا: "مشتهى كل الأمم" ترجمة بالمعنى لكلمة "حمدا" بالعبري، كما يقول البرفسور عبد الأحد داود والتي لازالت مكتوبة بالعبري بهذا اللفظ والتي تعني المشتهى، والشهية، والشائق، وأن هذه الكلمة "حمدًا" بالعبري يوازيها بالعربي "أحمد" فتكون نصا صريحًا،
وكذلك قوله بعد "وفي هذا المكان أعطي السلام" والسلام والإسلام
_________________
(١) ١ انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٤٦٧. ٢ انظر: إظهار الحق (٤/١١٣٤)، البشارات بنبي الإسلام (١/٢٦٠) .
[ ٣٩٢ ]
شيء واحد، وقد جاء السلام إلى بيت المقدس برحلة النبي ﵊ إليه في الإسراء، ثم بفتحه في عهد عمر؟ رضي الله عنه١.
ثم إن ما تعلق بعد ذلك من الأحداث بمجئ "حمدا" لا تنطبق إلا على نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فبعد خراب بيت المقدس سنة ٧٠م لم يعدله مجد إلا على يد المسلمين، وهو مجد أعظم من مجده السابق، وما أحدثه الإسلام في الأرض بأن زلزل الدول وأهلك الله جل وعلا على يد المسلمين أهل الذهب القياصرة، وأهل الفضة الفرس، وصارت أموالهم تنفق في سبيل الله، كل هذا لم يفعله أحد من اليهود ولم يفعله المسيح ﵇، ولم يتحقق إلا على يد نبي الإسلام محمد ﵊ وأصحابه رضوان الله عليهم وأتباعهم.
البشارة الرابعة:
ورد في إنجيل يوحنا (١٦/٧): "لكني أقول لكم الحق أنه من الخير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم "المعزى" ولكن إن ذهبت أرسله لكم، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة ثم قال:"إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية ذاك يمجدني لأنه يأخذ ممالي ويخبركم".
_________________
(١) ١ محمد في الكتاب المقدس ص ٥٠-٥١، وصاحب الكتاب البروفسور عبد الأحد داود كان من القسس لطائفة الروم الكاثوليك الكلدانين قبل إسلامه.
[ ٣٩٣ ]
فقوله "المعزى" المراد به الذي أجد به عزاءًا، وهذا لا ينطبق إلا على النبي ﷺ حيث هو الذي يجد عيسى ﵇ به العزاء لأنه يبين الحق ويظهر الله على يديه الدين الذي لم يتمكن المسيح ﵇ من إظهاره.
ثم إن الذي ذكر مكان هذا اللفظة وهي "المعزى" في الترجمات الأخرى عدا العربية هي لفظة "الفارقليط" اليونانية وقد بدَّله المترجمون في النسخ العربية إلى "المعزى" لأن معنى "الفارقليط" هو المعزى، ولكن الذي بينه "الشيخ رحمة الله الهندي" وغيره أن "الفارقليط" هو تحريف لكلمة "بيرقليط" التي تعني محمد أو أحمد، ولحسد النصارى وبغيهم حرفوا هذه الكلمة التي هي نص في اسم النبي ﷺ في لغة اليونان، مع العلم أن النص اليوناني لإنجيل يوحنا أقل ما يقال فيه أنه ترجمة لما نطق به المسيح، لأن المسيح ﵇ كان يتكلم الأرامية، وليس اليونانية، كما أن الواقع أن "المعزى" لا ينطبق إلا على النبي ﷺ لأنه لا معزى بعد المسيح إلا النبي محمد ﷺ ١، كما أن كل بشارة بأحد وردت على لسان المسيح ﵇ إنما تنصرف باللزوم إلى نبينا محمد ﷺ لأنه ليس بينهما نبي، وليس بعد نبينا محمد ﷺ نبي.
بهذا يتضح أن الله؟؟ ﷿ قد أقام الحجة على اليهود والنصارى بما بين أيديهم يقرأونه ويرونه، لو كانوا يبصرون.
_________________
(١) ١ النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية (١٣٨-١٤٥)، إظهار الحق (٤/١١٨٥)، محمد في الكتاب المقدس ص ٢١٩.
[ ٣٩٤ ]
الخاتمة
هذا ما تيسر جمعه في هذه الدراسة عن تلك الديانتين اليهودية والنصرانية وقد تبين لنا من خلال ذلك عظيم ما جناه البشر بتحريف دين الله؟ ﷿ المنزل فاستبدل اليهود الدين السماوي الهادي للحق والرشاد بدين عنصري يفيض جرأة ووقاحة على الله ﷿، وطعنًا وتنقصًا لأنبيائه ورسله، وحقدًا وتربصًا بالبشرية جمعاء.
كما حرف النصارى الدين الذي أنزل على المسيح ﵇ وغيروه من ديانة سهلة المعالم استوعبها عوام الناس وبسطاؤهم إلى ديانة معقدة مرتبكة لا تكاد تحيط منها بوجه، بل إن على كل من أراد الإيمان بها وقبولها عندهم أن يلغي عقله ويوقن أنه لا يمكن أن يؤمن إذا أراد أن يفهم، وأنه كلما تعمق فيها وحاول فهمها كلما استغلقت عليه وزادت حيرته واضطرابه، وما ذلك إلا لأنها خليط عجيب من أغلب الأفكار التي كانت سائدة في ذلك العصر والعصور التي تلت رفع المسيح ﵇.
فيتبين لنا من هذا عظيم رحمة الله ولطفه بالبشرية بإرسال الرحمة المهداة نبينا محمد ﷺ بهذا الدين العظيم، وهو "الإسلام" الذي هو الحنيفية السمحة، دين إبراهيم الخليل ودين سائر الأنبياء ﵈، وقد حقق الله ﷿ على يدي هذا النبي الكريم ما لم يكن تحقق على يد نبي قبله، فحفظ الله ﷿ له دينه ونشره في أصقاع الأرض وأظهره على الدين كله، وهدى به من كتب له السعادة وأعرض عنه من كتب عليه الشقاء.
وفي الختام. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يأخذ بيد المسلمين
[ ٣٩٧ ]
ويردهم إلى دينهم ردًا جميلًا، حتى يقوموا بواجبهم تجاه جحافل البشرية الضائعة الحائرة، فينقذونها من مهاوي الضلال التي مافتئ الشيطان وحزبه من أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين والشيوعيين والقوميين وغيرهم، يسوقونها إلى جحيم الدنيا وجحيم الآخرة.
كما نسأله أن يستعملنا جل وعلا في طاعته، وأن يجعل لنا شرف نصرة دينه وإعلاء كلمته وإعزاز أمة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، إنه سميع قريب مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وفرغ من مراجعته وإضافة بعض التعليقات عليه في الطبعة الرابعة
في منتصف شعبان١٤٢١هـ
بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
وكتبه: سعود بن عبد العزيز الخلف
غفر الله له ولوالديه وأهله وذريته
ولإخوانه، ولمشايخه
وللمسلمين أجمعين
[ ٣٩٨ ]