إن الاحتكاك بين النبي ﷺ والمسلمين وبين اليهود في المدينة بحكم وجود اليهود بها كشف كثيرًا من أخلاقهم وسماتهم.
وقد فصَّل لنا الله جل وعلا في كتابه الكريم أخلاقهم الظاهرة والخفية، ومقاصدهم في الأعمال والأقوال، فيستطيع الناظر في القرآن أن يدرك حقيقة اليهود حق الإدراك، ويفهم نفسياتهم وما جبلوا عليه من فساد وانحراف عن الخلق القويم والصراط المستقيم.
ومما وصف الله به اليهود:
أولًا: الكذب:
الكذب من أقبح الصفات التي يتصف بها بعض الناس وعنوان الخسة والدناءة، وفساد الطوية وهو المطية لكل انحراف.
وقد تعمّقت هذه الخصلة في اليهود وباءوا بأدنى مراتبها، وأبعدها فسادًا وهو الكذب على الله ﷿ الذي لا يخفى عليه خافية.
قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ النساء آية (٥٠) .
كما سجّل القرآن عليهم موقفًا آخر وهو لا يقل عن هذا الموقف قباحة وهو تكذيبهم الصادقين وهم الرسل ووصمهم لهم بالكذب.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؟ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا
[ ١٥٣ ]
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ آل عمران آية (١٨٤) .
ومن كذب على الله وكذب على الرسل فالكذب على الناس من أهون الأعمال لديه
ومما سجل من كذبهم قوله تعالى عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ النساء آية (٥١) .
ثانيًا: الحسد:
الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير. وهو من صفات اليهود فهم يحسدون الناس لا لشيء إلا كراهة أن يؤتى الله من فضله أحدًا غيرهم.
وفي وصفهم بهذا يقول جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ النساء آية (٥٤) .
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ البقرة آية (١٠٩) .
ثالثًا: حب الدنيا:
إن حب الدنيا كما ورد في بعض الآثار " رأس كل خطيئة " واليهود حازوا من هذه الخصلة النصيب الأوفى، فكذبوا على الله لحبهم الدنيا، وجبنوا عن القتال لحبهم الدنيا، وأضلوا الناس عن دين الله حبًا في الدنيا، وخانوا العهد والميثاق حبًا في الدنيا وتمسكًا بنعيمها الزائل، أخذوا بالسحر وتركوا الوحي حبًا في الدنيا.
[ ١٥٤ ]
وفي هذا يقول الله تعالى عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ البقرة آية (٧٩) .
وحبهم للدنيا جعلهم يأكلون الربا ويأكلون أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك من جرائمهم وتحايلهم على الأوامر والنواهي، حرصًا منهم على متاع الدنيا الزائل.
رابعًا: البخل:
مع أن اليهود أهل المال إلاّ أنهم بخلاء به، وهذا دليل على أنهم يعبدون المال ولم يجمعوه لينفقوا منه، وإنما حبًا فيه فقط، وإضافة إلى البخل به فهم يأمرون الناس بالبخل.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ النساء آية (٣٧) .
خامسًا: الخيانة:
الخيانة من طبائع اليهود الملازمة لهم، والخيانة تكون في كل ما يؤتمن عليه الإنسان من مال وعرض ودين وعهد وغير ذلك، وقد خان اليهود أمانتهم في الأموال.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ آل عمران آية (٧٥) .
أما الدين فقد بدَّلوه وغيَّروه، وأما العهود والمواثيق فقد نقضوها سواء مع الله أو مع غيره.
لهذا وصفهم الله بالخيانة فقال: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ
[ ١٥٥ ]
مِنْهُمْ﴾ المائدة آية (١٣) . وهو وصف متحقق فيهم إلى هذا الزمن وما بعده.
سادسًا: الإفساد في الأرض:
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ الإسراء آية (٤) .
والواقع أن الفساد والإفساد لا يصدر إلاَّ عن نفوس أغرقت في الشر وحقدت على الغير حتى ساءها صلاح الغير واستقامة أمره فيدفعها ذلك إلى الإفساد.
وهذا وصف من أبرز صفات اليهود في الحاضر والماضي، ولا تجد في الغالب في هذا الوقت وما قبله نحلة فاسدة أو مذهبًا منحرفًا إلا ولليهود فيه اليد الطولى١. هذه بعض الأخلاق التي ذكرها القرآن الكريم عن اليهود تبيينًا وتحذيرًا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
_________________
(١) ١ انظر: الشخصية اليهودية من خلال القرآن، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي ص ١٩٣ - ٢٥٤، بنو إسرائيل في القرآن الكريم، د. محمد عبد السلام محمد ص ٢٦٥ - ٢٧١.
[ ١٥٦ ]