المسيح ﵇ جاء بالدين الحق من عند الله ﷿ كغيره من الأنبياء ﵈. دين سماوي يظهر فيه التوحيد وإفراد الله بالعبادة بأوضح صوره، ولكننا نراه اليوم دينًا مختلفًا طُمست فيه تمامًا معالم التوحيد، وبدلًا من أن يكون دينًا يوافق العقل والفطرة، أصبح دينًا حربًا على العقل، وعدوًا لدودًا للفكر السليم الناضج، ومضادًا للفطرة السليمة. وكان لهذا الإنحراف عوامل كثيرة أظهرته بهذا الشكل والهيئة.
ومن أهم هذه العوامل:
أ- الاضطهادات:
إن مما لاشك فيه أن الدعوات خاصة الدينية والإصلاحية تنمو وتزدهر في السلام والأمن، وتنكمش وتتقوقع في الخوف والاضطهاد، وقد يؤدي الاضطهاد المركز إلى القضاء عليها، وخاصة إذا واكب نشأتها قبل أن تنغرس جذورها في الأرض وتثبت قدمها فيها.
وإن الدارس لتاريخ المسيح ﵇ وأتباعه ودعوته يجد أن الاضطهاد واكب نشأتها واستمر قرونًا عده يشتد حينًا ويفتر حينًا آخر.
فقد كان المسيح ﵇ مطاردًا من اليهود، بل سعوا جادين إلى قتله، إلا أن الله ﷿ أنجاه منهم ورفعه إليه، ثم إن النصارى حسب كلامهم وقع عليهم اضطهاد شديد من بعده، أولًا من قبل اليهود، فقد قُتل أحد كبار النصارى ويسمى "إستفانوس"
[ ٣٤٩ ]
رجمًا١، وقُطع بعده رأس "يعقوب" ٢ مما جعل بقية الأتباع يتفرقون في البلدان وينتشرون في أرض الله خوفًا من اضطهاد بني جنسهم اليهود لهم، ثم وقعت على من بقي منهم في فلسطين نكبتان مدمرتان أولاهما عام ٧٠م وهي: فتك الوالي الروماني "تيطس" باليهود وتدميره لبيت المقدس بسبب عصيانهم وتمردهم.
والأخرى وهي أكبر من أختها: عام ١٣٥م في عهد الإمبراطور "هادريان" الذي قضى على اليهود في فلسطين ولم يبق بعده فيها إلا أقلية نصرانية واهنة مبعثرة٣.
ثم استمر اضطهاد أباطرة الرومان للنصارى قرنين آخرين، ذاق خلالهما النصارى ألوانًا شتى من الذل والاضطهاد، حتى أصبح إتهام أي رجل بالنصرانية في بعض الأحيان مبررًا قويًا لإلقائه للوحوش المفترسة والحكم عليه بالموت٤ ولم يتوقف هذا الاضطهاد إلا بتولي قسطنطين الإمبراطورية الرومانية وإصداره مرسوم ميلان سنة٣١٣م ٥، والقاضي بإعطاء النصارى الحرية الدينية وحرية الأديان عمومًا.
فكان هذا الاضطهاد من العوامل المهمة في تحريف دعوة المسيح؟ ﵇ نصرانية، لأن تثبيت العقيدة والدعوة إليها والعمل بها، يحتاج إلى وضع آمن،
_________________
(١) ١ انظر أعمال الرسل (٧/٥٤-٥٩) . ٢ أعمال الرسل (١٢/٢) . ٣ انظر تاريخ بني إسرائيل. محمد عزه دروزه ص ٣٨١ ٤ تاريخ المسيحية لحبيب سعيد (١/٥٩) . ٥ انظر ما سبق ص ٢٢١.
[ ٣٥٠ ]
بل يحتاج إلى قوة داعمة ومناصرة لترسخ العقيدة في النفوس، ويتمكن الدعاة من نشرها بين الناس، وإلا فإن عقائد الناس وعباداتهم القديمة تطغى على الدعوة الجديدة، وقد تصبغها بصبغتها، وكذلك أعداء الأديان من أصحاب الأهواء والنفعيين فإنهم يجدون أرضية مناسبة لبث أرائهم وأهوائهم في الأديان، كما أن الجهل بالدين الصحيح في كثير من الأحيان مع النية الصالحة في العمل قد تدفع الإنسان إلى استحسان أمور وادعاء أمور أنها من الدين وهي ليست منه.
فهذه الأمور وغيرها تطفو على السطح وتظهر في حالة الاضطهاد وعدم الأمن، وإذا نظرنا إلى تاريخ النصرانية نجد أنه في فترة الاضطهاد شاع بينهم ما يسمونه بـ "الهرطقة" وهي التعاليم المخالفة لما عليه النصارى، كما كثرت الكتب والرسائل المنسوبة إلى دعاة النصارى الأوائل١.
واستمر وجود تلك البدع والكتب إلى أن جاء قسطنطين وسعى إلى توحيد النصارى بدعوته إلى مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، إلا أنه وحدَّهم على إحدى تلك البدع، وهي بدعة بولس، فمما لا شك فيه أن ذلك كله كان عاملًا من العوامل التي تسببت في انحراف النصرانية عن الدين الحق الذي جاء به المسيح عيسى ﵇.
_________________
(١) ١ من هذه "الهرطقات" البدع التي انتشرت في ذلك الوقت الدوستية - الغنوسية- المارسيونية- المونتانية وسبق الإشارة إليها في تاريخ النصرانية. ومن هذه الكتب والرسائل - التي انتشرت في تلك الحقبة- إنجيل بطرس، إنجيل توما، إنجيل فيلبس، إنجيل الحق، إنجيل المصريين، ورسالة كورنثوس الثالثة، ورسالة تيطس، ورسالة اللاودكيين، ورؤيا بطرس، ورؤيا بولس، ورؤيا توما، إلى غير ذلك من الكتب العديدة. انظر كتاب تاريخ الكنيسة جون لوريمر ص١/٨٩-١٥١تاريخ المسيحية حبيب سعيد ١/٤٦-٦٢.
[ ٣٥١ ]
ب- ضياع الإنجيل وانقطاع السند:
تقدم الكلام على الأناجيل وأن الأناجيل الموجودة ليس منها شيء منسوب إلى عيسى ﵇، ولا يعرف أثر لإنجيل عيسى ﵇ كما أن النصارى لم يعتنوا بالتدوين مباشرة بعد رفع المسيح، وإنما تأخروا في التدوين مما جعل كثيرًا من الأناجيل تظهر، ولا يعرف على اليقين كاتبها، ولا من أين أخذ معلوماته١.
وهذا انحرف بدعوة المسيح ﵇ عن وجهها الصحيح، لأن أصحاب تلك الأناجيل ليسوا معصومين فوقعوا في أخطاء كثيرة، وسوء فهم، وغير ذلك من العوارض التي تعرض للبشر، مما جعل الديانة المعتمدة على مثل تلك الكتب المليئة بالأخطاء تبدو ديانة مرتبكة مختلة التركيب، كما هو حال النصرانية.
ج- بولس (شاؤول اليهودي):
هو شاؤول اليهودي أحد ألد أعداء المسيح ﵇، وأحد اليهود المتعصبين لليهودية، ولد وتربى في طرسوس التي كانت مركزًا من مراكز الفلسفة وتنوع الثقافات الوثنية في ذلك الوقت.
وانتقل بولس إلى أورشليم وتعلم الشريعة اليهودية وكان من أشد الناس تعصبًا لها، ثم لما بعث المسيح ﵇ كان من أشد الناس على ديانته وعلى أتباعها. فهو يقول عن نفسه: "سمعتم بسيرتي قبلًا في الديانة اليهودية إني
_________________
(١) ١ انظر ما سبق في الكلام على المصادر ص١٧٤ومابعدها.
[ ٣٥٢ ]
كنت اضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي"١.
ثم إن هذا الرجل زعم أنه دخل في دين المسيح، وفي هذا يقول لوقا في أعمال الرسل (٩/١): "أما شاؤول فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب فتقدم إلى رئيس الكهنة، وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناسًا من الطريق رجالًا أو نساءًا يسوقهم موثقين إلى أورشليم، وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض وسمع صوتًا قائلًا له: شاؤول شاؤول. لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد، فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن تَرْفُسَ مَنَاخِس٢، فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل، فقال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل وكان شاؤول مع التلاميذ الذين في دمشق أيامًا وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله".
وبهذه القصة التي لا دليل عليها ولا شاهد إلا دعواه، زعم أنه دخل في دين المسيح، وحين قدم نفسه للحواريين لم يقبله الحواريون أولًا لمعرفتهم بعداوته وبطشه بهم، ولكن " برنابا" توسط له عندهم فقبلوه٣.
_________________
(١) ١ رسالة بولس إلى أهل غلاطيه (١/١٣) . ٢ مناخس: جمع منخس وهو الحديدة التي تنخس بها الحيوانات والمراد أن رفس المناخس صعب ولا يعود بفائدة بل يضر. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٩٦٣. ٣ أعمال الرسل (٩/٢٦) .
[ ٣٥٣ ]
فنشط بعد قبولهم له وصار رأسًا في النصرانية، يبني الكنائس، ويطوف البلاد شرقًا وغربًا يدعو ويرسل الكتب والرسائل يبين فيها دينًا وأمرًا غريبًا عن الحواريين وعن شريعة عيسى ﵇ ١.
وبالنظر الفاحص فيما خلف بولس من رسائل يتضح للناظر فيها ملاحظات عديدة نقتصر منها على ذكر أهم مخالفاته لدعوة المسيح ﵇
١ - ادعاؤه أن المسيح ابن الله:
من الدعاوى التي أطلقها بولس هي ادعاؤه أن المسيح ﵇ ابن الله -تعالى الله عن ذلك - فمن ذلك ما ورد في سفر أعمال الرسل عن بداية دعوة بولس (٩/٢٠) قال:"وللوقت جعل -يعني بولس - يكرز في المجامع أن هذا هو ابن الله"؟؟.
ويقول بولس في رسالته إلى غلاطية (٤/٤) "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ".
فهذه الدعوى ظهرت أولًا في كلام بولس ودعوته، ثم ظهرت قوية في المجامع النصرانية، وقامت عليها الديانة كلها، وهذا كله خلاف ما صرح المسيح ﵇ به مرارًا من أنه رسول لبني إسرائيل، وأنه إنسان، وابن
_________________
(١) ١ من الملاحظ أن بولس لم يجلس إلى الحواريين ولم يتعلم منهم شيئًا، فقال في غلاطية (١/١٥) " ولكن لما سُرَّ الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحمًا ودمًا ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت إلى دمشق، ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يومًا ولكنني لم أر غيره من الرسل إلا يعقوب ". فهذه المعلومات تدل على أنه لم يتعلم من الحواريين شيئًا، فمن أين أتى بدعاويه التي ادعاها؟!.
[ ٣٥٤ ]
إنسان، وابن داود، وغيرها من الألقاب التي تؤكد أنه بشر ابن بشر، ومن ذلك قول إنجيل متى (٨/٢٠) " فقال له يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أو كار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه".
وفي إنجيل يوحنا يقول (٨/٤٠) "وأنا إنسان علمكم بالحق الذي سمعه من الله"١
فهذه النصوص قد أكد بها المسيح بشريته إلا أن بولس بعد قد أضفى على المسيح صفة "ابن الله" وأعطاها ذلك المضمون الذي أخذت به النصرانية من اعتقادهم أن المسيح إله، ابن إله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
٢- ادعاؤه أن الغاية من مجيء المسيح ﵇ هو الصلب وتكفير الخطايا:
وفي هذا يقول بولس في روميه (٣/٢٣):" إذ الجميع اخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة" ويقول في روميه أيضًا في (٥/٦) "لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ".
وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس (٥/٢١) يقول "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه".
فهذه الدعوى التي علل بها بولس حياة المسيح وموته هي التي قامت عليها
_________________
(١) ١ انظر الرد عليهم ص ٢٥٣-٢٥٦
[ ٣٥٥ ]
النصرانية بعد، ولم يكن لها في الحقيقة شيء من الصدى في حياة المسيح ولا كلامه. بل ورد عن المسيح ﵇ التصريح بأنه جاء ليدعو إلى التوبة والإنابة.
وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣) قوله" لأني لم آت لأدعوا أبرارًا بل خطاة إلى التوبة".
وفي إنجيل مرقص (١/١٢) يقول" وبعد ما أُسْلِم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
فهذا ظاهر منه أن المسيح ﵇ قد صرح بأن الهدف من رسالته هو الدعوة إلى التوبة. إلا أن بولس اخترع من عند نفسه هدفًا آخر للمسيح لم يصرح به المسيح ولم يقله وهو أنه إنما جاء ليصلب تكفيرًا للخطايا.
٣ - ادعاؤه أن دعوة المسيح ﵇ كانت عامة لجميع بني البشر
ادعى بولس أن المسيح ﵇ رسول لجميع الأمم ثم زعم لنفسه بأنه مرسل إلى جميع البشر، وفي هذا يقول في روميه (١١/١٣) "فإني أقول لكم أيها الأمم، بما أني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي ".
وفي غلاطيه (١/١٥) يقول"ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم".
وفي أفسس (٣/٨) يقول"أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم"؟
وهذه الدعوى منه تخالف ما ذكره المسيح عن نفسه وما وصى أيضا به تلاميذه حيث يقول عن نفسه في إنجيل متى (١٥/٢٤) "لم أرسل إلا إلى
[ ٣٥٦ ]
خراف بيت إسرائيل لضالة".
ووصى تلاميذه بقوله في إنجيل متى (١٠/٥) " إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".
٤ - إلغاؤه لشريعة موسى ﵇ ودعواه أن الإنسان ينجو بالإيمان المجرد بدون عمل.
ألغى بولس شريعة موسى ﵇ وفي هذا يقول في رسالته إلى رومية (٢/١٦) "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح آمنا نحن أيضًا بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي لست أبطل نعمة الله، لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذًا مات بلا سبب".
ومما يجدر ذكره أن بولس لما وسع نطاق دعوة المسيح ﵇ لتشمل جميع الناس واجه عقبة كؤود، وهي عدم قبول الوثنيين للشرائع الموسويه، وتصور أنه لا يمكن أن تنجح الدعوة بينهم مع وجود الشريعة، فقرر إلغاءها، ويذكر سفر أعمال الرسل أن هذا أولًا تم بمطالبة من بولس ودعوة منه، ثم قبله بعد ووافق عليه سائر التلاميذ، وقرروا أن لا يلزم الناس بشيئ من الأمور الواجبة عند بني إسرائيل سوى الامتناع عن الذبح للأصنام، وعن أكل الدم، والمخنوق، والإمتناع عن الزنا١.
وإلغاء بولس للعمل بشريعة موسى ﵇ خلاف ما أكده المسيح عليه
_________________
(١) ١ انظر أعمال الرسل (١٥/٢٨) .
[ ٣٥٧ ]
السلام ودعى إليه فقد ورد في إنجيل متى (٥/١٧) أنه قال ": لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإن الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يكون الكل فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات. فإني أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات".
فهذه تأكيدات واضحة من المسيح على التزام شريعة موس ﵇ وتحريم الخروج عليها. فإلغاء العمل بشريعة موسى هو في الحقيقة هدم لديانة المسيح تمامًا، لأن مما هو ظاهر من دعوة المسيح ﵇ أنه لم يأت بتعاليم جديدة تذكر، وإنما ركز تركيزًا خاصًا على التوبة والتخلص من الخطايا ١.
وهذا لا شك مع التزام الشريعة السابقة، فإذا ألغيت الشريعة بقيت دعوة المسيح ﵇ دعوة عامة للتوبة والصلاح بدون أعمال يتوصل الإنسان من خلالها إلى تهذيب نفسه وتزكيتها، وهذا ما آل إليه أمر ديانة المسيح ﵇ بسبب دعوة بولس الذي نشط بعد ذلك في بيان بطلان شريعة موسى ﵇ وَوَجْهِ إلغائها، وتكرر هذا الأمر في أغلب رسائله، وهو من أهم ما يميز دعوته، مع أنه لا يملك دليلًا واحدًا يبيح له مثل هذا العمل، الذي يعتبر كفرًا بالديانة ونقضًا لها من أساسها.
كما يعتبر بكل المعايير فشلًا في الدعوة، وليس نجاحًا كما يظن النصارى
_________________
(١) ١ انظر ص ١٤٧
[ ٣٥٨ ]
لأن النجاح في الدعوة هو أن تنجح في الدعوة إلى كامل المنهج الذي تدعو إليه بأصوله وفروعه، أما تغييره أو الاكتفاء بجزء شكلي منه فلاشك أن ذلك فشل كبير.
٥- إلغاؤه للختان:
اختتن المسيح ﵇ ١ والتزم به، لأنه من شريعة موسى فقد ذكر اليهود في كتابهم أن الله تعالى قال لإبراهيم؟ ﵇ كما في التكوين (١٧/١١) "يختن منكم كل ذكر فَتُخْتَنون في لحم غرلتكم فيكون علامة عهد بيني وبينكم وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها إنه قد نكث عهدي".
ومع هذا التأكيد على الختان، فقد ألغاه بولس من ضمن ما ألغى من شريعة موسى ﵇، وفي هذا يقول في روميه (٢/٢٨) " لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان".
هذه بعض الأمور التي يلاحظها الإنسان الذي يطلع اطلاعة سريعة على رسائل بولس التي تكونت بعد منها النصرانية، وقامت عليها وغطت تعاليمه على تعاليم المسيح ﵇ بل ألغتها وحلت محلها، كما سبق ذكره، ومن الجدير بالذكر أن أتباع المسيح الأوائل لم يقبلوا تلك الدعاوى من بولس بل ردوها وفي هذا يقول في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (١/١٥): "إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني"، وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين
_________________
(١) ١ انظر لوقا (٢/٢١) .
[ ٣٥٩ ]
عرفوا الحق ورأوا المسيح ﵇ وتتلمذوا عليه.
إلا أن تلك الدعاوى وجدت رواجًا لدى الرومان واليونان وخاصة في غرب أوربا حيث كان الغالبية وثنيين، فناسبتهم هذه المبادئ فأخذوا بها، ثم طبعها بطابع الشمول والإلزام مجمع نيقية سنة ٣٢٥م حيث قرروا فيه ألوهية المسيح ﵇، وأنه نزل ليصلب تكفيرًا لخطايا البشر كما تقدم١، فأصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط.
د- التأثر بالوثنيات والفلسفات الوثنية:
لقد نادى المسيح ﵇ بأنه لم يرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة، بل نهى أتباعه عن الذهاب إلى قرى غير اليهودية٢، إلا أن أتباعه فيما بعد خالفوا ذلك، وتوجهوا إلى الوثنيين من الرومان واليونان والفرس وغيرهم في المناطق المجاورة، والأماكن التي أمكنهم الوصول إليها، ولما كانت الديانة المسيحية تفتقر للمقومات التي تكفل لها التأثير في تلك المجتمعات، حيث كانت دعوة لبني إسرائيل خاصة، وليس لها الصبغة العالمية التي يمكن أن تتغلب بها على تلك الأديان والفلسفات. لذا فقد غُلبت وأمكن للديانات الوثنية أن تصبغها بصبغتها، بل ألغتها تمامًا، واحتلت مكانها، وأخذت مسماها، هذا أمر يتضح لكل ناظر في الديانة النصرانية المحرفة، وقد أكد علماء الأديان والتاريخ ذلك، وأن الديانة النصرانية قد إصطبغت بالصبغة الوثنية، وأنها أخذت عقيدتها وعبادتها من تلك الوثنيات فضمتها إليها ووضعت
_________________
(١) ١ انظر ما سبق ص٢٢١. ٢ انظر: إنجيل متى (١٠/٥) .
[ ٣٦٠ ]
عليها اسمها١.
ومن الأمثلة على أن النصارى قد رددوا عقائد الوثنيين الذين كانوا قبلهم ما يلى:
١- إن التثليث موجود عند الهنادكة والبوذيين قبل النصارى وفي هذا يقول "فابر" في كتابه (أصل الوثنية): "وكما نجد عند الهنود ثالوثًا مؤلفًا من برهمة وفشنو وسيفا، هكذا نجد عند البوذيين فإنهم يقولون إن بوذا إله ويقولون بأقانيمه الثلاثة ".
كما كان يوجد ذلك أيضًا لدى المصريين والفرس واليونان والرومان والأشوريين والفينيقيين والاسكندنافيين والتتر والمكسيكيين والكنديين٢.
وكذلك المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن الآلهة ثلاثة وهم (أتوم وشو وتفنوت٣" أو أوزيريس وأيزيس وهورس٤.
٢- إن الصلب - فداءً للبشر- عقيدة وثنية كانت موجودة لدى الهنادكة، وفي هذا يقول "هوك" في كتابه "رحلة هوك": "ويعتقد الهنود بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداءًا عن الناس من الخطيئة".
وقال "دوان" في كتابه "خرافات التوراة والإنجيل" ما نصه: "ويعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو والذي
_________________
(١) ١ سيأتي النقل في ذلك عن النصارى أنفسهم ص٣١٩. ٢ انظر في النقول عن هذه الديانات كتاب "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" ص (٣٥-٤٥) . ٣ انظر الرمز والاسطورة في مصر القديمة ص ٣٩. ٤ قاموس الكتاب المقدس ص ٩٠٤.
[ ٣٦١ ]
لا إبتداء ولا انتهاء له على رأيهم، تحرك حنوا كي يخلص الأرض من ثقل حملها فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه".
وقالت "مسز جمسون" في كتابها "تاريخ سيدنا من الآثار": "كان الميليتيون يمثلون الإله إنسانًا مصلوبًا مقيد اليدين والرجلين بحبل خشبه وتحت رجليه صورة حمل، والسوريون يقولون: إن تموز الإله المولود البكر من عذراء تألم من أجل الناس، ويدعونه. المخلص، والفادي، والمصلوب"١.
٣-الإعتقاد بأن إلهًا تجسد وولد من عذراء هو كذلك من عقائد الوثنيين. ففي هذا يقول "دوان" في كتابه السابق: "والهنود يقولون إن كرشنه هو ابن العذراء النقية الطاهرة ديفاكي ويدعونها والدة الإله.
ويقول المصريون: إن هورس "حورس" المخلص ولد من العذراء إيسيس "ايزيس"، وأنه المنبثق الثاني من عامون، ويقولون الابن المولود، ويصورونه إما على يدي أمه أو على حضنها"٢.
فهذه أمثلة واضحة على تأثر الديانة النصرانية بالأديان الوثنية قبلها بل إن الأديان الوثنية تغلبت على ديانة المسيح ﵇ وصبغتها بصبغتها، وقد صرح المؤرخ "هـ. فيشر"بذلك التشابه حيث قال: "غير أنه ليس ثمة شك أن اتخاذ المسيحية – فيما بعد- ديانة رسمية للبلاد - يعني الإمبراطورية الرومانية - ساعد على ازدياد صفوف المسيحيين زيادة سريعة،
_________________
(١) ١ نقلًا عن العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ص ٤٩-٥٣. ٢ نقلًا عن المرجع السابق ص٦٠-٦٦. وانظر الرمز والاسطورة في مصر القديمة ص (١٠٤-١٠٦) .
[ ٣٦٢ ]
سيما أن التحول عن الوثنية إلى المسيحية لم يكن إنتقالًا إلى جو غريب تمام الغرابة، أو شعورًا بانقلاب باغت مفاجئ، بل بدا الولوج في المسيحية عملية رفيقه في كثير من التدرج الشعوري العاطفي، إذ شابهت طقوس الديانة المسيحية وأسرارها المقدسة ما للديانة القديمة من طقوس وأسرار، كما اشتملت تعاليمها على تعاليم الأفلاطونية الحديثة، ١ يضاف إلى ذلك أن القول بوجود واسطة بين الله والناس أمر مألوف عند الفرس وأهل الأفلاطونية الحديثة٢ سواء٣".
وفي نفس الموضوع يقول "شارل جنيبر " رئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس: " إن المسيحية لم تكن تستطيع مدافعة أمام هذه النزعات والشعائر السائدة، وإذا كانت - أي النصرانية- قد انتصرت في القرن الثالث على سائر ألوان "التأليف" الديني الوثني، فذلك لأنها كانت قد تطورت هي الأخرى إلى تأليف ديني تجتمع فيه سائر العقائد الخصبة والشعائر الجوهرية النابعة من العاطفة الدينية الوثنية، قامت هي -أي النصرانية - بترتيبها، وتركيبها، وأضفت عليها الإنسجام الذي تفتقر إليه، بحيث استطاعت أن تقف مفردها أمام أشتات المعتقدات والشعائر التي يؤمن بها أعداؤها دون أن تظهر ضعفًا أو نقصًا عليها في أي من المجالات الهامة.
_________________
(١) ١ الأفلاطونية الحديثة: هي فلسفة دينيه ذهبت إلى احتواء المعتقدات السائدة والأساطير، والطقوس، وعبادات الشرق، والسحر، والكيمياء القديمة. انظر: الموسوعة الفلسفية ص٥٦. ٢ " أفلوطين " مؤسس الأفلاطونية الحديثة جعل الخلق والوجود المادي منبثقًا وصادرًا عن الأول وهو الله. "وفيلون اليهودي أكبر من تنسب إليه الأفلاطونية الحديثة قال: بفكرة الوسيط بين المبدع الأول وهو "الله" وبين الخلق. انظر: موسوعة الفلسفة (١/١٩١) . ٣ فيشر، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى ص٧-٨.
[ ٣٦٣ ]
وتمت ظاهرة التشرب هذه- وهي من الظواهر الأساسية في تاريخ المسيحية - في بطء بطيء معتمدة على الإتصال الدائب بتطور الإيمان بين جميع طبقات المجتمع الوثني، ذلك المجتمع الذي اختلفت فيه صور الإيمان باختلاف بيئاته وباختلاف العهود التي مر بها، وإنها لظاهرة تفسر لنا كيف جاء العصر الذي استطاعت فيه المسيحية أن تكسب عطفًا نشيطًا بين رحاب العالم اليوناني الروماني"١.
فهذا يكفي للدلالة على تشرب الديانة النصرانية للأديان الوثنية التي توجهت إليها، وهذا في عرف الدين الحق إنحلال وكفر بالدين الإلهي، الذي يجب أن يكون صحيح النسبة إلى الله؟؟تعالى، في أصوله وفروعه، نقيًا في عقائده وتشريعاته من خرافات البشر، واملاءات الشياطين.
ولكن كيف تشربت الديانة النصرانية الأديان الوثنية؟
إن الناظر في كبار الدعاة إلى النصرانية في العصور الأولى والذين يشار إليهم بأنهم من أعظم الناس أثرًا وتأثيرًا في الديانة النصرانية، هم فلاسفة متعمقون في الفلسفات الوثنية، وبعد تنصرهم نقلوا تلك الفلسفات معهم إلى الدين الجديد، وحاولوا أن يسدوا الثغرات التي يجدوها في الديانة النصرانية - وما أكثرها - بمزيج من الفلسفات التي كانوا عليها من قبل، ومن هؤلاء الذين كان لهم دور في ذلك:
بولس (شاؤول اليهودي) وسبق الحديث عنه.
"يوستينيوس" الذي ولد سنة ١٠٠ أو ١٠٥م فقد ولد من أبوين
_________________
(١) ١ المسيحية نشأتها وتطورها ص١٥٤-١٥٥.
[ ٣٦٤ ]
وثنيين، وتربى على الديانة الوثنية وتعلم الفلسفة الرواقية١ ثم درس فلسفة الأكاديميين٢ والفيثاغوريين٣٤.
قال عنه القس حنا الخضرى "مما لاشك فيه أن الدراسات الفلسفية الكثيرة التي درسها يوستينوس قبل تجديده ٥ تركت في تعاليمه بعض الآثار الوثنية"٦
" تاتيان السوري " المولود عام ١١٠م من عائلة وثنية درس الفلسفة في بلاد اليونان، ثم ذهب إلى روما ودرس دياناتهم وفلسفاتهم، ثم تتلمذ على يوستينوس ٧.
"أثينا غورس الأثيني": كان معاصرًا "لتاتيان السوري" كان يحب الفلسفة، وكتاباته مليئة بالإقتباسات الشعرية والفلسفية.
"ثيوفيلوس الأنطاكي": ولد من أبوين وثنيين، وكانت ثقافته يونانية وثنية، وهو أول من استعمل كلمة الثالوث في تاريخ العقيدة النصرانية٨.
_________________
(١) ١ الفلسفة الرواقيه: سميت رواقيه لأن أصحابها كانوا يجتمعون في رواق، وهي فلسفة أخلاقية، وتقول عن الله بأنه خالق كل شيء وهو منبث في هذا الكون. انظر: الموسوعة الفلسفية ص٢١٤. ٢ الأكاديمية نسبة إلى المدرسة التي أنشأها أفلاطون وسماها أكاديميًا وكانت تدرس الفلسفة اليونانية. الموسوعة الفلسفية ص٦٠. ٣ الفيثاغورية: نسبة إلى فيثاغورس اليوناني ومدرسته فلسفية وفيها مبادئ صوفية تتصل بالزهد وهم يرون تحريم أكل اللحوم ويقولون بتناسخ الأرواح. انظر: موسوعة الفلسفة (٢/٢٢٨) . ٤ تاريخ الفكر المسيحي ص١/٤٤٤. ٥ يعني قبل دخوله في النصرانية. ٦ تاريخ الفكر المسيحي ١/٤٥٣. ٧ تاريخ الفكر المسيحي ١/٤٥٤. ٨ انظر في هاتين الشخصيتين المرجع السابق ١/٤٥٩، ٤٦٢.
[ ٣٦٥ ]
"اكلميندوس الإسكندري" ولد على ما يحتمل سنة ١٥٠م في أثينا من أبوين وثنيين وكان محبًا للعلم شغوفًا به مولعًا بالبحث عنه أينما وجد، ورحل
في ذلك رحلات عديدة، إلى أن حطت به الرحال في الاسكندرية ملتقى الثقافات المتنوعة، وصار بعد أن دخل النصرانية مديرًا لمدرسة التعليم المسيحي
في الإسكندرية والتي أسسها باثنيوس الذي كان قبل دخوله النصرانية وثنيًا رواقيا.
وكان اكلميندوس الإسكندري متأثرًا جدًا بـ يوستنيوس وفلسفته فأدخل هذه الأمور في تعاليمه عن المسيح وفي هذا يقول القس حنا الخضري: مما لاشك فيه أن العلوم والفلسفات الوثنية الكثيرة التي درسها والبيئة التي نشأ فيها إكلميندس، تركت فيه أثرًا عميقًا لم يكن من السهل محوه محوًا تامًا"١.
"اغسطينوس" ولد سنة ٣٥٤م في مدينة سقسطه في الجزائر، وتوفى سنة ٤٣٠م، الذي تميزت سنوات شبابه بالصراع العقلي والأدبي فقد جذبته الفلسفة الثنائية لجماعة المانويين وصار تابعًا أمينًا للعقيدة المانوية وفلسفتها ثم ضاق بالمانوية وصار اهتمامه بالأفلاطونية الحديثة، والذي من خلالها صار يعتبر نفسه مسيحيًا، ثم خلع عنه فيما بعد حياة المجون والفساد، واستقبل الحياة النصرانية وبرز فيها إلى أن صار اسقفًا لهيبو في منطقة تونس إلى أن توفى سنة ٤٣٠م وصار من أعظم قادة الكنيسة بعد بولس، إلا أن أفكار الأفلاطونية الحديثة أثرت على تعاليمه يقول جون لوريمر: " كانت معالجة اغسطينوس للأوجه الرسمية الخاصة بالفكر اللاهوتي متأثرة بخلفيته عن الأفلاطونية الحديثة٢".
_________________
(١) ١ انظر تاريخ الفكر المسيحي (١/٥٠٧) . ٢ انظر: تاريخ الكنيسة. جون لوريمر (٣/١٨٦-٢٠٠) .
[ ٣٦٦ ]
ولا نريد أن نطيل في عرض هذا الموضوع إنما المراد الإشارة إلى أن العقائد الأجنبية التي اصطبغت بها النصرانية دخلتها عن طريق هؤلاء وأمثالهم الذين كانوا روادًا للديانة في بداية انطلاقها إلى البلدان الوثنية فقد عبرت إلى الوثنيين عن طريق هؤلاء المتشبعين بالفلسفات والوثنيات، حيث صبغوها بفهومهم ومعارفهم وعقائدهم السابقة وقدموها للناس شارحين ومدافعين ديانة مخلوطة بالفلسفة الوثنية في ثوب ديانة توحيدية سماوية.
هـ - تدخل الإمبراطور قسطنطين
الإمبراطور قسطنطين إمبراطور الدولة الرومانية هو الذي رفع الاضطهاد عن النصارى بعد أن دام ما يقارب (٣٠٠) سنه من قبل اليهود والرومان، فقرب هذا الإمبراطور النصارى إليه، ورفع الاضطهاد عنهم، فانحازوا هم إليه وقبلوا منه ذلك، ثم إنه لما رأى اختلافهم وتباين أقوالهم دعاهم إلى مجمع نيقية سنة ٣٢٥م فاجتمعوا في ذلك المجمع، ولما كان هو وثنيًا ولا علم عنده أيضًا بالمسيحية انحاز إلى ما يوافق هواه ورغبته، فنصر قول القائلين بإلوهية المسيح، وأمر بلعن وطرد من خالفهم وملاحقته. وبالفعل تم ذلك وترتب عليه القضاء على التوحيد، واندراس معالمه بعد ذلك، كما أدى ذلك إلى انتشار النصرانية المثلثة بقوة السلطان، وأولهم" قسطنطين" الذي لم يدخل في الديانة النصرانية إلا وهو على فراش الموت١.
والمجامع النصرانية:
تقدم ذكر المجامع وأهم قراراتها، فتبين لنا أن تلك المجامع هي التي كونت
_________________
(١) ١ سبق الحديث عن قسطنطين في الكلام على مجمع نيقيه.
[ ٣٦٧ ]
الديانة النصرانية، ووضعت أهم أسسها، وهي التي حاربت التوحيد عن طريق قراراتها، فأصبحت الديانة النصرانية تدين في الواقع تلك المجامع في تكوينها وفي دعوتها لمحاربة وتكفير كل من يخالف قراراتها.
[ ٣٦٨ ]