المسيح ﵇ من بني إسرائيل، وكان ملتزمًا بما كان من الشريعة قبله، وفي هذا يذكر صاحب إنجيل متى (٥/١٧) أن المسيح قال للجموع شارحًا دعوته "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل".
إلا أن النصارى بعد المسيح بدلوا وغيروا ديانته في العقيدة والشريعة فألغى "بولس" الناموس أو شريعة موسى، وأبطل العمل بها، بل إعتبر العمل بها لا ينجى الإنسان بل يهيئه للعنه. وفي هذا يقول في رسالته لأهل غلاطية (٢/١٦) "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما".
وفي (٣/١٠) يقول: "لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به".
لهذا إنقطعت صلة النصارى بالعبادات والشرائع الموجودة في العهد القديم. وصارت عندهم عبادات وشعائر مختلفة نذكر منها.
[ ٣٣٩ ]
أولًا: العبادات:
أ- الصلاة:
وهي سبع صلوات في اليوم والليلة، وليس لها كيفية محدودة وإنما هي دعاء. ويختارونه في الغالب من الأدعية المنسوبة للمسيح ﵇، أو الأدعية المنسوبة إلى داود ﵇، كما ذكروها في المزامير من العهد القديم. وللصلاة عندهم شرطان فقط وهما:
١- أن تقدم الصلاة باسم المسيح لأنه الواسطة عندهم- وهذا أصرح ما يكون في عبادتهم له.
٢- أن يتقدم الصلاة الإيمان الكامل بالتثليث وغيره من العقيدة.
والصلاة أنواع: منها صلاة فردية سرية، وصلاة عائلية في البيت، ومنها الصلاة العامة في الكنيسة، وأهمها صلاة يوم الأحد حيث يقرأ الكاهن عليهم شيئًا من المزامير أومن غيرها من الكتاب المقدس، والجميع وقوف يستمعون، وعند نهاية كل مقطع يؤمنون١.
ومما يجدر ملاحظته هنا أن النصارى يوردون عن المسيح أنه حض على الصلاة فقد ذكر متى في (٦/٥) "ومتى صليت فلا تكن كالمرائين وأما أنت فمتى صليت فادخل مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك في الخفاء".
ولكن لم يرد عن المسيح ﵇ بيان لكيفية الصلاة - والذي يظهر أن المسيح ﵇ كان يصلي مثل صلاة بني إسرائيل، وحواريوه كانوا
_________________
(١) ١ انظر: دستور الكنيسة الإنجيلية بمصر ص٤٠-٤١ في العبادات المسيحية ص١٦-١٧.وحقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص٢٠٠
[ ٣٤٠ ]
يعرفون الصلاة لأنهم من بني إسرائيل فلهذا لم يعرفهم المسيح ﵇ كيفيه الصلاة.
ومما يلاحظ أن المسيح حين صلى كان يقع على وجهه على الأرض كما يقول متى في (٢٦/٣٩) "ثم تقدم (المسيح) قليلًا وخر على وجهه وكان يصلي".
فهذا يفهم منه أن المسيح كان يسجد في صلاته، وهو ما لا يفعله النصارى، وهذا يدلنا على أن النصارى لا يعرفون كيف كان يصلي المسيح على التفصيل وإنما أخذوا من أمره بالصلاة المعنى العام وهو الدعاء والتزموه بدون دليل صحيح.
ب- الصوم:
وهو الإمتناع عن الطعام حتى بعد منتصف النهار، ثم تناول طعام خال من الدسم عند البعض، والبعض منهم يرى أن الصوم امتناع عن الأكل والشرب من الصباح إلى المساء، وهم يصومون يوم الأربعاء لأنه يوم المشاورة على موت المسيح عندهم ويوم الجمعة لأنه صلب عندهم فيه المسيح، وصوم الميلاد وعدد أيامه ٤٣ يومًا تنتهي بعيد الميلاد، وأيامًا أخرى غيرها وضعوها لمناسبات خاصة تختلف من كنيسة إلى كنيسة. وبعضهم يرى أنه لا يوجد صيام دوري على النصراني بل يصوم الإنسان وقت الحاجة للصيام، ويَعْتِبر كل صيام محدد بدعة غير مشروعه١.
وما سبق أن قلناه في الصلاة نقوله في الصوم، فإن المسيح حض على الصوم
_________________
(١) ١ انظر: حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص٢١٦، العبادات المسيحية ص٢٤.
[ ٣٤١ ]
عمومًا ولم يحدد فيه كيفية ولازمانًا ولا شيئًا من ذلك، فتأوله كل جماعة منهم على ما أرادوا بدون أن يكون هناك أي دليل يعتمد عليه من قبل المسيح.
وهذا كله لأن النصارى فصلوا بين العبادة الواردة في العهد القديم والعبادة في العهد الجديد، فحرم عليهم بولس العمل بشيء من تعاليم الناموس (التوراة) كما سبق بيانه - فصارت ديانتهم دعوة عامه ليس فيها تفصيل لشيء من العبادات.
[ ٣٤٢ ]
ثانيًا: الشعائر عند النصارى:
أ- التعميد:
هو مفتاح الدخول في النصرانية، فمن لم يعمد فليس نصرانيًا عندهم ولو كان من أبوين نصرانيين، ويمكن أن يعمد الشخص وهو طفل أو في أي وقت من حياته، كما يمكن تعميده وهو على فراش الموت، ومرادهم بالتعميد أن يكون الإنسان طاهرًا مبرءًا من الذنوب.
وطريقته عندهم رش الماء على الجبهة، أو غمس أي جزء من الجسم في الماء، أو غمس الشخص كله في الماء، ولا يكون إلا في الكنيسة وعلى يد كاهن١.
ب - العشاء الرباني أو القربان المقدس:
هو قطع من الخبز مع كأس من الخمر، يتناوله النصارى في الكنيسة رمزا وتذكارا لصلب المسيح عندهم.
وعند الكاثوليك من النصارى أن من أكل هذا الخبز وشرب الخمر فقد أكل لحم المسيح، وشرب دمه، لأنه عندهم يتحول حقيقة إلى لحم المسيح ودمه.
بينما يرى غير الكاثوليك أن هذا رمز لما حل بالمسيح، أو أن المسيح يحضر روحيًا هذا العشاء، وليس له وقت محدد، وإنما يرون ممارسته مرارًا عديدة في العام، ويجب أن يبلغ الناس عنه قبل موعده بأسبوعين على الأقل -وهاتان الفريضتان الأخيرتان هما أهم شعائر النصارى إذ هما فقط الذي ورد
_________________
(١) ١ دستور الكنيسة الانجيلية ص٥١، حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص٢٤٠. وانظر علم اللاهوت لنظامي ص١٠٧٤.
[ ٣٤٣ ]
عن المسيح في زعمهم الأمر بهما١.
ج- الإعتراف للقسس وصكوك الغفران:
التوبة عند النصارى لا تتم إلا بالاعتراف بالذنوب والخطايا أمام القس أو الكاهن في الكنيسة، ثم يمسحه هذا الكاهن فتغفر ذنوبه٢.
ثم إن ذلك تطور حيث قُرر في المجمع الثاني عشر سنة ١٢١٥م أن الكنيسة الكاثوليكية تملك حق الغفران للذنوب وتمنحه لمن تشاء.
فاستغلت الكنيسة والقسس هذا الأمر، وطبعوا صكوك الغفران، وباعوها وربحوا من ورائها أموالًا طائلة، وهذه الصكوك يغفر فيها جميع الذنوب السابقة واللاحقة وتخلص صاحبها من جميع التبعات والحقوق التي في ذمته ٣.
وهذا وصمة عار في جبين النصارى، ومظهر من مظاهر تلاعبهم وعبثهم، لأن من المعلوم أن الإنسان لا يتجاوز ويتسامح عما لا يملك فكيف يسقط الكاهن أو القسيس حقوق الآخرين التي في ذمة الإنسان، وأكبر منها وأعظم الذنوب التي يرتكبها الإنسان مخالفًا بها أمر الله ومتعديًا حدوده فمغفرتها حق لله ﷿ وحده.
فهل الله جل وعلا عاجز عن تولي ذلك؟ أم أنه غائب لا يدري؟ أم أن البابوات والقسس أعلم منه بخلقه؟ أم هم أرحم منه بخلقه؟
_________________
(١) ١ دستور الكنيسة الانجيلية ص٥٣، حقائق أساسية ص٢٥٠. ٢ انظر: العبادة المسيحية ص٨٨،١١٥. ٣ انظر: تاريخ الكنيسة. جون لوريمر (٤/٣٧-٣٩) .
[ ٣٤٤ ]
لاشك أن كل ذلك غير حاصل، وإنما هو جرأة على الله وتعد على حقوقه جل وعلا، واستعباد لخلقه، وتأليه لأنفسهم وتعظيم، ومما لاشك فيه أن أعظم رجاء للإنسان وأمل هو أن يغفر الله له ذنوبه ويتجاوز عن سيآته وخطاياه، فإذا جعل البابوات والقسس هذا الأمر بأيديهم فإنهم يحولون بذلك بين الخلق وربهم ويحجبونهم عنه فلا يسألونه، ولا يرجونه وتصبح آمالهم معلقة بأمثالهم من الناس في الخطيئة والجهل والنقص.
وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول عنهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التوبة آية (٣١) .
ثم يقول جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ التوبة آية (٣٤) .
د - الزواج عند النصارى:
الزواج عند النصارى جائز عندهم ما عدا القسس والرهبان اقتداءًا في زعمهم بالمسيح ﵇ الذي لم يتزوج.
وعندهم أن الذي يستطيع أن يضبط نفسه عن الزنا فالأفضل أن لا يتزوج، ولا يجوز عندهم الزواج بأكثر من واحدة، ولا طلاق عندهم إلا في حالة الزنا عند الأرثوذكس وإذا طلق أحدهما الآخر فلا يتزوج مرة أخرى. ويجوز الطلاق عندهم في حالة اختلاف الدين بين الرجل والمرأة إذا لم يتم التوافق بينهما.
هـ - حمل الصليب وتقديسه:
النصارى يرمزون بالصليب الذي يحملونه والذي لا تكاد تجد نصراني إلاّ
[ ٣٤٥ ]
وهو يحمله، إلى صلب المسيح ﵇ عندهم.
ويزعمون أن حمله يشعرهم بإنكار النفس واقتفاء أثر المسيح في هذا الإنكار والسير وراء مخلصهم وفاديهم ١. ولا يوجد لدى النصارى دليل على حمل الصليب فضلًا عن تقديسه، كما أنه لا يعرف متى صار الصليب مقدسًا، حيث لا يوجد له أي ذكر لدى المتقدمين من النصارى، ولا يعرف من الذي دعى إلى حمله على التحقيق، وإنما هو أمر استحسنوه ودرجوا عليه في زمن متأخر حتى صار من أظهر شعائرهم.
وـ تقديس يوم الأحد:
من المعلوم أن المسيح ﵇ من بني إسرائيل، وبنو إسرائيل يعظمون يوم السبت ويقدسونه، فكان المسيح ﵇ على ذلك، إلا أن النصارى فيما بعد بوقت طويل تركوا السبت وأخذوا يعظمون الأحد رغبة منهم في مخالفة اليهود الذين يكنون لهم العداء والبغض. وهذا يعد من النصارى تحريف وتغيير لدين المسيح ﵇ بما يوافق أهواءهم بدون أن يكون عندهم دليل على ذلك.
_________________
(١) ١ انظر في الموضعين: محاضرات في النصرانية (١١٠-١١٧)، والمسيحية أحمد شلبي ص ١٧١-١٧٥، ٢٣٥، ٢٣٦.
[ ٣٤٦ ]