المسيح ﵇ ١ نبي من أنبياء بني إسرائيل، دعا إلى الله ﷿، وبلغ رسالة ربه ﷿، وقد ذكر الله ﷿ هذا النبي الكريم في القرآن الكريم، وذكر دعوته في مواضع عديدة، من أشملها قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) ١ قيل سمى مسيحًا لكثرة سياحته في الأرض وقيل لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، وقيل لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ، وقيل لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن. انظر: المفردات للراغب الأصفهاني (ص٤٦٨)،تفسير ابن كثير (١/٣٢٠) والنصارى يقولون سمي مسيحًا لأنه جاء للخدمة والفداء. قاموس الكتاب المقدس ص ٨٦٠.
[ ١٦٥ ]
رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ آل عمران الآيات (٤٥-٦٠) .
هذا هو المسيح ﵇ في كلام الله ﷿ بشر خلقه الله بكلمته كما خلق من قبله آدم ﵇ بكلمته وهي قوله "كن" وجعله الله سبحانه آية حيث خلقه في بطن أمه مريم بدون أن يكون لها زوج أو يمسها بشر بل كانت رضوان الله عليها عبدة صالحة طاهرة مبرأة من الخبث والفساد.
وبين الله ﷿ لنا حقيقة دعوة المسيح ﵇ وأنه رسول دعا إلى عبادة الله ﷿ وحده لا شريك له وقد وجه دعوته لبني جنسه وهم بنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت قد انحرفوا كثيرًا عن دين موسى ﵇ إلا أن قومه كذبوه وسعوا إلى قتله فانجاه الله منهم ورفعه إلى السماء.
وإذا نظرنا إلى الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى نجد أنها صرحت بما ذكره القرآن تصريحًا واضحًا لا لبس فيه. ومن ذلك:
[ ١٦٦ ]
١- بشرية المسيح:
ذكر الله ﷿ بشرية المسيح في الآيات السابقة وقد قص لنا الرب جل وعلا خبره من لدن جدته إمرأة عمران ثم أمه ثم خبر ولادته.
وقد ذكرت جميع الأناجيل أنه ولد من مريم وأنه طرأ عليه ما يطرأ على البشر من الوجود بعد العدم والأكل والشرب والتعب والنوم والموت١. وسائر الخصال البشرية.
٢- أنه رسول الله:
وذلك في قوله ﷿ ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ المائدة آية (٧٥)
وقد صرح النصارى أن المسيح ﵇ قال لهم في مواطن كثيرة في الأناجيل بأنه رسول من عند الله، فقد ورد في إنجيل متى (١٠/٤٠) "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني".
وفي إنجيل لوقا (٤/٤٣): "فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضًا بملكوت الله لأني لهذا أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل".
ويقول لتلاميذه الذين أرسلهم إلى المدن لدعوة الناس للإيمان به وبرسالته حسب قول لوقا، (١٠/١٦): "الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني"
_________________
(١) ١ هذا ما ذكرته الأناجيل ونحن المسلمين نعتقد بأنه ﵇ لم يقتل ولم يمت كما ذكر الله ﷿ ذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ النساء آية (١٥٧-١٥٨) .
[ ١٦٧ ]
وفي إنجيل يوحنا ذكر أنه رسول من الله في مواطن كثيرة منها (٤/٣٤) "قال لهم يسوع طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني، وأتمم عمله".
وفي (١٧/٣) يذكر عن المسيح أنه قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته"١.
٣- أنه رسول إلى بني إسرائيل خاصة:
قال الله ﷿ في الآيات السابقة ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ آل عمران آية (٤٩) .
وقد ورد في إنجيل متى (١٥/٢٤) أن المسيح ﵇ لحقته امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، فقال المسيح "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ".
وكذلك في إنجيل متى (١٠/٥) أن المسيح أرسل تلاميذه إلى القرى اليهودية وقال لهم "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".
٤- أنه دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له:
قال جل وعلا عن المسيح أنه قال ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ آل عمران آية (٥١) .
وذكر متى في إنجيله (٤/١٠) عن المسيح أنه قال: "للرب
_________________
(١) ١ نُص على الرسالة في إنجيل يوحنا في المواضع التالية أيضًا (٥/٢٣، ٣٠،٣٦)، (٦/٢٩،٤٤)، (٧/١٦،٢٩)، (٨/١٨،٤٢)، (٩/٤)، (١٠/٣٦)، (١١/٤٢)، (١٢/٤٤،٤٩)، (١٤/٢٤)، (١٥/٢١)، (١٦/٥)، (١٧/١٨،٢٥)، (٢٠/٢١) .
[ ١٦٨ ]
إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".
وفي إنجيل مرقص (١٢/٢٩) أن المسيح أجاب من سأله عن أول الوصايا والواجبات بقوله: "إن أول كل الوصايا هي: إسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك".
وفي إنجيل لوقا (٤/٨) أن المسيح قال للشيطان لما طلب منه أن يسجد له: "إذهب يا شيطان إنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".
وفي إنجيل يوحنا (١٧/٣) أن المسيح قال: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته".
وكذلك قال للمرأة التي رأته بعد القيامة في كلامهم في إنجيل يوحنا (٢٠/١٧): "قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن إذهبي إلى إخوتي وقولي لهم، إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
٥- إنه متبع لشريعة موسى ﵇ ومكمل لها:
قال ﷿ ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ آل عمران آية (٥١) .
قال متى في إنجيله (٥/١٧) عن المسيح انه قال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل".
٦- أنه دعا إلى التوبة:
وهو معنى قوله ﷿ ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ
[ ١٦٩ ]
وَأَطِيعُونِ﴾ آل عمران آية (٥٠)
وقد ذكر بعض الكُتَّاب أن لب دعوة المسيح ﵇ حسب الأناجيل هو: الدعوة إلى التوبة، والأخذ بشريعة موسى ﵇ ١.
وفي هذا ورد في إنجيل متى (٩/١٣): "لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة".
وفي إنجيل مرقص (١/١٤): "وبعدما أُسِلم يوحنا٢ جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
فهذه النصوص يظهر منها واضحًا بشرية المسيح ﵇، وأنه رسول دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا يتفق تمام الإتفاق مع ما ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم عنه، ويتفق مع دعوة الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في القرآن، أو ذكرهم اليهود في كتبهم. كما يتفق ذلك مع العقل وترتاح له النفس.
وهذا بخلاف ما تدعيه الكنيسة وتزعمه من الأمور المناقضة للعقل والشرع، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك عند الحديث عن عقائد النصارى.
_________________
(١) ١ انظر المسيحية نشأتها وتطورها ص٤٩، والنصرانية والإسلام ص١٤. ٢ أي بعد أن سجن يحي ﵇ من قبل حاكم اليهود. انظر تفسير العهد الجديد ص٩١.
[ ١٧٠ ]