تمهيد
المجامع النصرانية يعرفها النصارى بأنها: هيئات شورية١ في الكنيسة تبحث في الأمور المتعلقة بالديانة النصرانية وأحوال الكنائس٢.
والمجامع النصرانية نوعان:
مجامع محلية: وهي التي تبحث في الشؤون المحلية للكنائس التي تنعقد فيها.
ومجامع مسكونية (عالمية): تبحث في العقيدة النصرانية ومواجهة بعض الأقوال التي يرى غرابتها ومخالفتها للديانة.
وأول المجامع كما يذكر سفر أعمال الرسل، كان مجمع أورشليم الذي عقد أيام الحواريين من أجل النظر في حكم إلزام غير اليهود بالشريعة الموسوية. فقرر المجتمعون هناك أنهم لا يلزمون بالختان ولا بالشرائع الموسوية، وإنما يلزمون فقط بالإمتناع عن الذبح للأصنام والزنى وأكل المخنوق والدم) . ٣
_________________
(١) ١ هكذا يزعم النصارى أنها هيئات شوريه والناظر في تلك المجامع خاصة التي بحثت في العقيدة يجد أنها تنتهي ولم يتفق المجتمعون على الأمور التي بحثت، فيكون هناك جبر وموافقة قسرية على قول من تلك الأقوال، أو إذا لم يمكن الجبر والقسر يحدث الإنقسام بأن تذهب كل مجموعة بقولها الذي جاءت به، كما سيتضح من دراسة تلك المجامع. وهذا يتنافى مع كونها هيئات شورية إلا أن يقال أنها هيئات شورية إلزامية. ٢ انظر: كتاب (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) ص٢٠٣، فقد نقل هذا عن تاريخ الأقباط لزكي شنوده، وكتاب الكنيسة المصرية لميشيل جرجس. ٣ انظر: سفر أعمال الرسل. الإصحاح الخامس عشر. ويلاحظ أن ذلك - إن صدق كاتب سفر الأعمال فيما ذكر - من أوائل الإنحراف عن شريعة عيسى ﵇ ودعوته فهم لم يذكروا دليلًا على ذلك من كلام المسيح ﵇ إنما فقط من إستحسانهم وأرائهم، وهذا ما مهد لسائر التحريفات التي تمت عن طريق المجامع فيما بعد.
[ ٢٤٩ ]
أهم المجامع المسكونية:
١- مجمع نيقية١ سنة ٣٢٥م:
كان هذا المجمع أول المجامع المسكونية وأخطرها أيضًا.
سبب انعقاده:
سبب إنعقاد هذا المجمع هو التعارض والإختلاف العقدي الموجود في الكنسية في تلك الأزمان، وذلك أنه ما إن توقف الإضهاد الواقع على النصارى من قبل الرومان بمرسوم ميلان٢. حتى ظهر على السطح ذلك الخلاف العقائدي الكبير بين طوائف النصارى، والذي كان يخفيه من قبل الحالة الإضطهادية الواقعة على جميع أصناف النصارى والذي كان من أسباب رسوخ هذه الإنحرافات العقدية كما سيتبين.
وكان أبرز وجوه الإختلاف: ذلك الخلاف والتعارض بين دعوة كنيسة الإسكندرية التي كانت تنادى بألوهية المسيح على مذهب بولس، وبين دعوة الأسقف الليبي "آريوس" في الإسكندريه أيضًا. الذي وُصِفَ بأنه عالم مثقف، وواعظ مفوه، وزاهد متقشف، وعالم بالتفسير، حيث أخذ ينادي بأن الله إله واحد غير مولود أزلي، أما الإبن فهو ليس أزليا وغير مولود
_________________
(١) ١ مدينة في آسيا الصغرى تركيا تسمى الآن " أرنيق " المنجد في الأعلام ص ٧٢١. ٢ مرسوم ميلان أصدره الأمبراطور قسطنطين والأمبراطور ليسينيوس سنة ٣١٣م ويقضي بإعطاء النصارى الحرية في الديانة وإرجاع أملاكهم المغتصبة وإقرار حرية الأديان عمومًا. انظر نص المرسوم في كتاب (تاريخ أوروبا للعصور الوسطى) ص ٥٠، تأليف د. الباز العريني.
[ ٢٥٠ ]
من الأب وأن هذا الإبن خرج من العدم مثل كل الخلائق حسب مشيئة الله وقصده١.
وشايع آريوس في دعوته العديد من الأساقفه، منهم أسقف نيقوميديه المسمى أوسابيوس وغيره.
وكان الإمبراطور "قسطنطين" في ذلك الوقت قد أبدى تعاطفًا قويًا تجاه النصارى ورفع عنهم الاضطهاد واهتم بشؤونهم٢ فهاله ما رأى من انقسام النصارى، وأدرك خطورة تلك الإنقسامات على دولته، والتي كان أخطرها ما كان بين أسقف كنيسة الإسكندرية الكسندروس وآريوس وأتباعه.
وكان الخلاف قد تطور بينهما وذلك بأن طلب أسقف الإسكندرية عقد مجمع في الإسكندرية للنظر في قضية آريوس ودعوته، فقرر ذلك المجمع قطع آريوس من الخدمه، وهذا جعل "آريوس" يخرج من الإسكندرية ويتوجه إلى آسيا حيث عقد في "بثينيه" بآسيا الصغرى مشايعوه من الأساقفة مجمعًا قُرِرَ فيه قبول آريوس وأتباعه وكتابة طلب إلى أسقف الإسكندرية برفع الحرمان الذي قرروه على "آريوس"٣.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب تاريخ الفكر المسيحي (١/٦١٩) . ٢ يرى المؤرخ هـ. فيشر: أن أهداف قسطنطين من ذلك التقريب للنصارى كانت سياسية حيث رأى أن الديانة النصرانية تنتشر على حساب الأديان الأخرى، كما أنه أراد أن يكونوا عونًا له في القضاء على إمبراطور بيزنطه ليسينيوس. وهذا ما تحقق له فيما بعد وكان قسطنطين يعتبر نفسه الكاهن الأعظم للديانة النصرانية، وهو في نفس الوقت يجمع بين عبادة الشمس والإنتساب للنصرانية، ولم يسمح بتعميده إلا وهو على فراش الموت على مذهب آريوس وذلك سنة ٣٣٧م. انظر: (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى) تأليف هـ. فيشر - ترجمة محمد زيادة ص ٦-٧. ٣ انظر: تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٢١-٦٢٢) .
[ ٢٥١ ]
فهذا ما جعل الإمبراطور "قسطنطين" يدعو إلى مجمع عام في نيقية سنة ٣٢٥م لبحث هذه القضية.
- عدد الحاضرين ومذاهبهم:
اختلف كلام النصارى في ذكر عدد المجتمعين فالبعض يرى أن عدد المجتمعين كان ٣١٨ أسقفًا فقط، وبعضهم يرى أنهم مابين ٣٠٠-٥٢٠١ ويذكر مارى سليمان في كتاب "المجدل" وكذلك إبن البطريق أن عددهم كان (٢٠٤٨) أسقفًا٢.
أما مذاهب الحاضرين فكانت متباينة تباينًا شديدًا. وكما يقول إبن البطريق بأنهم كانوا مختلفين في الآراء والأديان.
- فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلاهان من دون الله وهم البربرانية.
- ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار إنفصلت من شعلة نار فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها وهي مقالة سابليوس.
- ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب.
- ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان مخلوق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن الإبن من مريم، ويرون أن الله جوهر قديم واحد وأقنوم واحد ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية.
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٢١-٦٢٢)، وتاريخ الكنيسة - لجون لوريمر (٣/٤٢) . ٢ انظر: كتاب أخبار بطاركة المشرق من كتاب المجدل ص ١٥،وكتاب (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) ص٢١٢، وينقل هذا عن ابن البطريق من نقل زكي شنوده في تاريخ الأقباط.
[ ٢٥٢ ]
- ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة مرقيون وأصحابه.
- ومنهم من كان يقول: بألوهية الميسح، وهي مقالة بولس ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا١.
قرارات المجمع ونتيجته:
بعد أن تداول المجتمعون الآراء في ذلك المجمع خرجوا بتقرير ألوهية المسيح ﵇ ٢ وأنه ابن الله - في زعمهم - أي من ذات الله٣ وأنه مساوٍ لله
_________________
(١) ١ كتاب محاضرات في النصرانية ص١٢٤، حيث ينقل عن ابن البطريق، وكذلك نقلها زكي شنوده في كتابه "تاريخ الأقباط"،ونقلها عنه د. رؤوف شلبي في كتابه "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء" ص ٢١٢. ٢ قانون الإيمان النيقوي الذي صدر عن المجمع هو قولهم "نؤمن بإله واحد الله الآب كلى القدرة، خالق كل الأشياء، ما يرى وما لا يرى ونؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الأب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود، غير مخلوق، من ذات الجوهر مثل الآب، به خلق الكل، ما في السموات وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وعاش بين الناس، الذي تألم وفي اليوم الثالث قام، وصعد إلى السموات، ويأتي ليدين الأحياء والأموات". انظر تاريخ الكنيسة (١/٤٨) ٣ يلاحظ هنا أن نص قانون الإيمان الذي قرروه في ذلك المجمع هو النص الذي قدمه أسقف الإسكندرية القائل بألوهية المسيح، والبعض يذكر أن كلمة "أن الابن من نفس جوهر الأب" وهي التي كان يدور حولها الخلاف الكبير بين أولئك المجتمعين كانت من اقتراح الإمبراطور قسطنطين. انظر تاريخ الكنيسة (١/٤٨)، ومن المعلوم أن قسطنطين كان في ذلك الوقت لا يزال وثنيًا لم يعلن دخوله في النصرانية، وهذا يدلنا على مستوى تلك الموافقة الظاهرية التي وقعت في ذلك المجمع وأنها إنما كانت لترأس الإمبراطور ذلك المجمع وتدخله المباشر فيه. وخطورة تلك الإضافة التي ركز عليها في ذلك المجمع أنها نقلت المسيح من أن يكون بشرًا مخلوقًا إلى إله خالق وأورثت النصرانية كل الانحرافات التي حدثت بعد ذلك والجدل الطويل حول المسيح والمجمعات الكثيرة التي انعقدت حول ما تفرع عن الكلام حول المسيح وطبيعته كما جعل النصرانية تنتقل من صف الدين السماوي التوحيدي إلى صف الأديان الوضعية التي تقوم على تعدد الألهه وعبادة غير الله.
[ ٢٥٣ ]
جل وعلا، وأنه مولود منه غير مخلوق - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
كما قرروا أن هذا الإله تجسد بصورة البشر لخلاص الناس، ثم ارتفع إلى السماء بعد قيامته من الموت، كما تم لعن "آريوس" ومشايعيه وحرق كتبه.
وقد وقع كثير من المجتمعين على هذه القرارات لمناصرة قسطنطين لها، ويرى ابن البطريق أن (٣١٨) أسقفًا فقط هم الذين أظهروا هذا القول ووقعوا عليه وخالفهم بقية الأساقفة١، والبعض الآخر يرى أن الجميع وقعوا عليها ما عدا يوسابيوس أسقف نيقوميدية في قول بعضهم وشخص آخر فقد رفضا التوقيع على ذلك النص٢.
وهكذا انتصر في أول الأمر القائلون بألوهية المسيح بمساندة وتأييد الإمبراطور، حيث ينص بعض المؤرخين على ترأسه لذلك المجمع٣
ومما يدل على أن المجتمعين في نيقية لم يقبلوا ذلك القول بألوهية المسيح ولم يكن عند القائلين به حجة مقنعه أنهم كما يذكر القس "حنا الخضري" بعد ذكر الإنتصار الذي حققه مشايعوا مقولة بولس قال: "ولكن للأسف الشديد كانت الحقيقة الواقعة تختلف الإختلاف كله عن القرارات السنودسية والمجمعية. فقد رجع الأساقفة بعد مجمع نيقية إلى أبرشياتهم
_________________
(١) ١ انظر: محاضرات في النصرانية ص ١٢٤. ٢ انظر: مجموعة الشرع الكنيسي ص ٤٣، تاريخ الكنيسة ص ٤٩. ٣ انظر: "تاريخ أوروبا في العصور الوسطى" هـ. فيشر ص٨، و"تاريخ أوروبا للعصور الوسطى". د. الباز العريني ص ٧٤.
[ ٢٥٤ ]
والقسوس إلى كنائسهم وبدأ كل منهم يعلم ما كان يعلم به قبلا١ بل إن البعض تطرف في الهرطقه التي فاقت هرطقة " آريوس" نفسه. فمع أن "آريوس" وبعض أتباعه نُفُوا إلا أن الآريوسيه بنت عشها في حدائق كثيرين من الأساقفه والرعاة٢".
ولما كان قرار نيقية بألوهية المسيح فرض بقوة السلطان فإن السلطان وهو الإمبراطور رجع فيما بعد عنه وأمر بعقد مجمع صور سنة ٣٣٤م وقرر فيه إعادة "آريوس" إلى الكنيسة، وخلع "أثنا سيوس" أسقف الإسكندرية، أحد أكبر المدافعين عن عقيدة ألوهية المسيح، كما أن الإمبراطور نفسه قد عُمِّد وهو على فراش الموت على مذهب "آريوس" حيث عمده الأسقف "أوسابيوس النيقوميدي" أكبر أنصار آريوس٣.
وهكذا يتبين أن هذا المجمع الذي يعد من أخطر المجامع كان ألعوبة بيد الإمبراطور الذي كان وثنيًا ولم يكن من أهل تلك الملة وقت ترأسه ذلك المجمع، كما أن المجتمعين لم يكونوا يعتمدون على نصوص متفق عليها مقبولة لدى الجميع وإلا لتم الإذعان لمدلولها، وإنما كانوا يعتمدون على تصوراتهم أو تصورات أمثالهم من الناس فلهذا وقع الإعراض عنها بعد عودتهم إلى كنائسهم.
_________________
(١) ١ هذا يدلنا على أن المجتمعين في نيقية لم تقدم لهم أدلة مقنعة لتلك المقولة الغريبة، وهم وإن استطاعوا أن يظهروا بظهر الموافق في المجمع، فإنهم لم يستطيعوا أن يظهروا بذلك المظهر أمام أتباعهم وجماعتهم كما أنهم لم يستطيعوا أن يظهروا تلك المقولة ويشرحوها فأعرضوا عنها وعادوا لما كانوا يعرفون ويعلمون وتركوا ما يجهلون وينكرون. ٢ تاريخ الفكر المسيحي ص٦٤٣. ٣ انظر: تاريخ الفكر المسيحي (١/٦٥٠)، وتاريخ الكنيسة (٣/٥٩) .
[ ٢٥٥ ]
٢- مجمع القسطنطينيه:
دعا الإمبراطور " ثيودسيوس " سنة ٣٨١م إلى عقد مجمع القسطنطينية لمواجهة دعوات كانت منتشرة بين الكنائس.
- منها دعوة "مقدونيوس" الذي كان أسقفًا للقسطنطينية، الذي نادى بأن الروح القدس مخلوق وليس إلها.
- ودعوة "صابيليوس" الذي كان ينكر وجود ثلاثة أقانيم.
- ودعوة "أبوليناريوس" الذي كان أسقفًا على اللاذقية والشام والذي أنكر وجود نفس بشرية في المسيح.
فحضر ذلك المجمع مائة وخمسون أسقفًا. قرروا فيه ألوهية الروح القدس ولعن وطرد من خالف ذلك١ فأكتمل بذلك ثالوث النصارى.
وكما هو ظاهر فإن هذا المجمع عقد بدعوة من الإمبراطور "ثيودسيوس" الذي كان قد سن القوانين والتشريعات لمصلحة القائلين بألوهية المسيح والمثلثين من النصارى.
٣- مجمع أفسس سنة ٤٣١م
انعقد هذا المجمع لمواجهة قول " نسطور" أسقف القسطنطينية، الذي قيل عنه إنه كان يقول: بأن المسيح له طبيعتان إلهية وإنسانية بشرية٢ وأن مريم والدة
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة الشرع الكنسي ص ٢٤٦، تاريخ الكنيسة (٣/١٠٤،١١١)، النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ١٨٣. ٢ انظر: كتاب تاريخ الفكر المسيحي (٢/١٧٠)، تاريخ الكنيسة جون لوريمر (٣/٢١٥) . ويذكر البعض أن نسطور كان يرى أن المسيح لم يكن إلهًا وإنما هو إنسان مملوء من البركة والنعمة. انظر كتاب النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ١٨٤.
[ ٢٥٦ ]
الإنسان وليست والدة الإله.
فعقد المجمع في أفسس سنة ٤٣١م بحضور مائة وستين أسقفًا وقرر فيه أن المسيح إله وإنسان ذو طبيعية واحدة وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم وحكم على "نسطور" بالطرد من الكنيسة١
وبعد مجمع أفسس عُقدت مجامع عديدة كلها تبحث في طبيعة المسيح ﵇، منها:-
٤- مجمع خلقيدونيه سنة ٤٥١م:
في هذا المجمع عادوا للبحث في طبيعة المسيح وقرر المجتمعون: أن المسيح له طبيعتان إلهية وبشرية بلا اختلاط ولا تحول ولا انقسام ولا انفصال٢؟! وكان المناصرون لهذا القول هم الأساقفة الغربيين الذين لعنوا وطردوا من لا يقول بهذا القول. ولم توافقهم الكنائس الشرقية على هذا وقد أصروا على قرارهم السابق في مجمع "أفسس" بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية، وهذا من أهم الفوارق بين الكاثوليك القائلين بالطبيعتين، والأقباط والأرمن والسريان القائلين بالطبيعة الواحدة.٣
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة الشرع الكنسي ص٢٨٨، تاريخ الكنيسة جون لوريمر (٣/٢١٩)، النصرانية من التوحيد إلى التثليث ص ١٨٥. ٢ انظر إلى الجمع بين المتضادات في عقيدتهم وهو كلام يعادون عليه ويوالون، وهو هراء مفترى ليس لهم عليه أدنى دليل أو برهان عقلي أو شرعي. ٣ انظر: مجموعة الشرع الكنسي ص ٣٦٤، وتاريخ الكنيسة جون لوريمر (٣/٢٢٦-٢٣٢) .
[ ٢٥٧ ]
بعد هذا عقدت مجامع عديدة من أهمها:-
٥ - المجمع السابع سنة ٧٥٤، ٧٨٧ م
المراد بالمجمع السابع مجمعان، المجمع الأول انعقد سنة ٧٥٤م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الخامس وذلك للنظر في موضوع الصور والتماثيل وما يقدم لها من التقديس والعبادة. وخرج بقرار يلعن به كل من يصور المسيح أو أمه أو أباء الكنيسة باعتبار أنها وثنية ١.
ثم أمر الإمبراطور أن يمحى ويدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل، كما حمل على الرهبان فأغلق الأديرة وصادر أموالها، كما أرغم الرهبان على أن يتزوجوا الراهبات ٢.
_________________
(١) ١ مجموعة الشرع الكنسي ص ٧٩٥. ٢ يلاحظ أن الإمبراطور ليو الثالث والد قسطنطين الخامس هو الذي كان حمل لواء الدعوة إلى تحريم الصور والتماثيل، كما حمل على الرهبنة وأصدر مرسومًا سنة ٧٢٦م واعتبر كل ذلك من الباطل الذي دخل على النصرانية من الوثنية. ويذكر ول ديورانت: أن ليو الثالث تأثر بالتعاليم الإسلامية حيث كان ولد في منطقة قليقية، فلما تولى الإمبراطورية حمل على التماثيل والرهبنة لمخالفتها التعاليم النصرانية، وقال ديورانت ملخصًا كيفية دخول الصور والتماثيل في الديانة النصرانية: " كانت الكنيسة في أول أمرها تكره الصور والتماثيل وتعدها بقايا الوثنية ولكن انتصار المسيحية في عهد قسطنطين وما كان للبيئة والتقاليد والتماثيل اليونانية من أثر في القسطنطينية والشرق، كل هذا قد خفف من حدَّة مقاومة هذه الأفكار الوثنية، ولما أن تضاعف عدد القديسين المعبودين نشأت الحاجة إلى معرفتهم وتذكرهم، فظهرت لهم ولمريم العذراء كثيرٌ من الصور، ولم يعظم الناس الصور التي يزعمون أنها تمثل المسيح فحسب بل عظموا معها خشبة الصليب، حتى لقد أصبح الصليب في نظر ذوي العقول الساذجة طلسمًا ذا قوة سحرية عجيبة، وأطلق الشعب العنان لفطرته، فحول الآثار والصور والتماثيل المقدسة إلى معبودات يسجد الناس لها ويقبلونها، ويوقدون الشموع ويحرقون البخور أمامها، ويتوجونها بالأزهار ويطلبون المعجزات بتأثيرها الخفي، وفي البلاد التي تتبع مذهب الكنيسة اليونانية بنوع خاص كانت تُرى الصور المقدسة في كل مكان - في الكنائس والأديرة والمنازل والحوانيت، وحتى أثاث المنازل، والحلي والملابس نفسها لم تخل منها. وأخذت المدن التي تتهددها أخطار الوباء أو المجاعة أو الحرب تعتمد على قوة ما لديها من الآثار الدينية أو على ما فيها من الأولياء والقديسين بدل أن تعتمد على الجهود البشرية للنجاة من هذه الكوارث. وكم من مرة نادى آباء الكنيسة، ونادت مجالسها بأن الصور ليست آلهة، بل هي تذكير بها فحسب، ولكن الشعب لم يكن يأبه بهذه التفرقة.
[ ٢٥٨ ]
وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الخامس سنة ٧٧٥م تولى على الإمبراطورية زوجته إيريني التي كانت تؤيد الصور والتماثيل فدعت إلى مجمع عام سنة ٧٨٧م في نيقية حضره ٣٥٠ أسقفًا خرجوا بقرار: وجوب تعليق الصور والتماثيل للمسيح وأمه وقديسيهم وكذلك الملائكة، ويقدم لهم صنوف التكريم من التقديس والسجود ويستشفع بهم إلى الله في الحاجات لما لهم من المكانة والدالة على الله - تعالى الله عن قولهم - كما لعن المجمع كل من لا يكرم تلك الصور والتماثيل١.
_________________
(١) ١ ننقل هنا قرار المجمع السابع المتعلق بالصور والتماثيل لما فيه من المعاني التي تدل على عمق الانحدار الوثني الذي آل إليه أمر النصرانية، فقد قرروا: " أنه كما يرفع الصليب الكريم المحي هكذا يجب أن تعلق الصور الموقرة المقدسة المصنوعة بالدهان أو من الفسيفساء أو من مواد أخرى في كنائس الله المقدسة، وأن توضع على الأواني المكرمة، والحلل الكهنوتية، وأن ترفع وتعلق في المنازل وفي الطرق، ونعني بذلك صورة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، وصورة سيدتنا الكلية الطهارة والدة الإله وصور الملائكة المكرمين وصور كل القديسين وكل الأشخاص الأتقياء، لأنه بتكرار مشاهدتهم من رسومهم يسهل على الشعب أن يتذكر الأصل وتثار فيه الرغبة للإقتداء بسيرتهم، ويجب أن يقدم لهذه الصور الإكرام وسجود الاحترام دون العبادة المختصة بالطبيعة الإلهية دون سواها. وحسب العادة التقوية القديمة يجوز أن يقدم البخور، وتضاء الشموع أمام هذه الصور وأمام الصليب الكريم المحيي وكتاب الأناجيل وغير ذلك من الأشياء المقدسة لأن التكريم الذي يقدم للصورة إنما يقدم للأصل الذي تمثله، فالذي يكرم الصورة إنما يكرم الأصل الممثل فيها مجموعة الشرع الكنسي ص ٨٠١.
[ ٢٥٩ ]
واستمر النصارى على هذا إلى أن جاء البروتستانت فحملوا على الصور والتماثيل وحرموها وانشقوا بذلك عن بقية النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس.
٦ - المجمع الثامن سنة ٨٦٩ م
وكان سبب انعقاده الخلاف بين كنيسة القسطنطينية وكنيسة روما في الروح القدس هل انبثق من الأب فقط وهو زعم كنيسة القسطنطينية أم من الأب والإبن معًا كما هو زعم كنيسة روما؟
وقد قرر في هذا المجمع قول كنيسة روما بأن المسيح انبثق من الأب والابن معًا.
ولم يوافق على ذلك بطريرك القسطنطينية ومن كان معه وأصروا على قولهم وعقدوا لذلك مجمعًا سنة ٨٧٩م قرروا فيه أن الروح القدس انبثق من الأب وحده فانقسمت بسببه الكنيسة إلى قسمين:
١) الكنيسة الغريبة ويتزعمها البابا في روما وهم الكاثوليك.
٢) الكنيسة الشرقية ويتزعمها بطريرك القسطنطينية وهم الأرثوذكس.
٧- المجمع الثاني عشر الذي عقد سنة ١٢١٥م
وقد تقرر فيه أن العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم المسيح، وأن الكنيسة البابوية الكاثوليكية تملك حق الغفران وتمنحه لمن تشاء.
[ ٢٦٠ ]
٨- مجمع روما عام ١٧٦٩م:
والذي تقرر فيه عصمه البابا في روما.١
من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض المجامع النصرانية وقراراتها يتبين لنا ما يلي:
أولًا- أن النصارى لا يملكون أدلة صحيحة صريحة في أكثر دعاويهم لهذا اختلفوا تلك الإختلافات الخطيرة التي تمس جميع نواحي العقيدة لديهم.
ثانيًا - أن ما يستند إليه النصارى ويتحمسون له لا يعدوا أن يكون فهما خاصا يسعى أصحابه لتثبيته عن طريق تلك المجامع، ولا يخلو الأمر من الأهواء والأغراض الخاصة من حب الرئاسة وفرض السيطرة.
ثالثًا - أن المجامع لم تكن يومًا من الأيام هيئات شورية يتباحث القسس فيها الأراء ويتوصلون فيها إلى الحق بأدلته، بل كانت في الأغلب تعقد لفرض رأي أو تصور عن طريق تلك المجامع وبقوة السلطان أو قوة الكنيسة.
رابعًا- أن تلك المجامع كانت أداة بيد الأباطرة الرومان يسخرونها لرغباتهم في التوسع والسيطرة أو تحقيق أغراض سياسية.
خامسًا - أن تلك المجامع كانت من أعظم أسباب الفرقة وتثبيتها في العالم النصراني، بحيث أنهم لم يخرجوا في واحد منها متفقين، بل كلما اجتمعوا في مجمع من تلك المجامع يزداد إختلافهم وبالتالي إنقسامهم.
سادسًا - أن المجامع صاغت العقيدة وقررتها بعد خلاف طويل وهذا يدل
_________________
(١) ١ انظر: كتاب "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء" ص ٢٥٤. أضواء على المسيحية ص١١٢-١١٦
[ ٢٦١ ]
على أن العقيدة النصرانية في الإله وفي المسيح، وفي نقاط عديدة ليس لأدلتها من الوضوح ما يكفي لجعلها مسلمات وقطعية الدلالة لكل نصراني نظر في الأناجيل وعلم أقوال المسيح، وهذا أمر يجب التوقف عنده والتفكير في مهمة المسيح ماذا كانت؟ فإنه إذا لم يكن وضح وجلي تلك القضايا وأبان عنها البيان الكامل الذي لا يفتح مجالًا للاختلاف فيها وخاصة أنها من أصول الديانة وأهم العقائد، فما هي مهمته إذًا؟
هل جاء ليلقي كلامًا مبهمًا لا يعرف معناه يحار الناس فيه قرونًا؟ أم أنه تكلم بكلام واضح وجلي كما هي حقيقة مهمة الرسل إلا أن الناس حرفوا كلامه بعد ذلك وحملوه على غير محامله ونسبوا إليه ما لم يقل؟!
سابعًا - إن المجامع قررت قرارات ولعنت وحرمت من لم يقل بها، وقررت أن سبيل النجاة هو اعتقاد تلك الأقوال - وهنا سؤال يطرح نفسه ماهو حال حواري المسيح وأوائل النصارى الذين لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولم يتكلموا فيها بكلمة، كالتثليث، وطبيعة المسيح وانبثاق الروح القدس من الأب أو الأب والابن معًا إلى غير ذلك.
ثامنًا - إن المجامع قد صاغت العقيدة النصرانية بكل تفاصيلها، وذلك يدل على أن أن تلك العقيدة بتفاصيلها صنعة بشرية لم ينزلها الله تعالى على المسيح ﵇.
تاسعًا - أن المجامع النصرانية هي المصدر الحقيقي للديانة النصرانية المحرفة، لأن تلك الفهوم التي كانت تقرر وتصدر وفقها القرارات لم تكن تعتمد على نصوص قطعية واضحة، بل أحيانًا كانت تعتمد على نصوص متشابهة وكلام
[ ٢٦٢ ]
محتمل لأكثر من معنى ويكون من أقلها إحتمالًا المفهوم الذي تدعيه الكنيسة، كما في دعوى ألوهية المسيح ﵇.
وأحيانًا كانت لا تعتمد على أي نصوص موجودة لديهم وهو الأكثر، بل يكون تركيبًا ذهنيًا وهميًا، أو تصورًا خاطئًا بني على تصور خاطئ، كما في قراراتهم المتعلقة بألوهية الروح القدس، وطبيعة المسيح، وتقديس الصور والتماثيل، وعصمة البابا ونحو ذلك.
ويصدق عليهم فيما يدعونه من عقيدة ويشرعونه للناس أنهم جعلوا أنفسهم أربابًا من دون الله يحلون ويحرمون فينطبق عليهم قول الله تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ التوبة آية (٣٠ -٣١) .
[ ٢٦٣ ]