من المعلوم أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈، ويعقوب هو الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، وكان يسكن في منطقة فلسطين، متنقلًا في مناطق عدة فيها، وكان توطنها هو وأبناؤه من بعد إبراهيم الخليل ﵇ يعيشون فيها حياة البداوة. قال؟﷿ فيما حكاه من كلام يوسف ﵇: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِن قَبْلُ قَدْ جَعلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحسَنَ بِي إِذ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِنَ البَدْوِ﴾ يوسف آية (١٠٠) .
قال ابن كثير: "من البدو" أي من البادية، قال ابن جريج وغيره: "وكانوا أهل بادية وماشية " ١.
ولهذا سنبدأ في بيان تاريخ اليهود من يعقوب ﵇ ودخوله أرض مصر.
أولًا: انتقال يعقوب ﵇ بأولاده من بادية فلسطين إلى مصر:
بعد أن مكَّن الله ليوسف ﵇ في أرض مصر وصار على خزائنها، أرسل إلى أبيه وأهله جميعًا أن يأتوا إليه، فأقبل يعقوب ﵇ بأولاده وأهله جميعًا إلى مصر واستوطنوها، ويذكر اليهود في كتابهم أن عدد أنفس بني إسرائيل حين دخلوا مصر سبعون نفسًا. وكانوا شعبًا مؤمنًا بين وثنيين، فاستقلوا بناحية من الأرض أعطاهم إياها فرعون مصر، فعاشوا عيشة طيبة زمن يوسف ﵇.
ثم بعد وفاة يوسف ﵇ بزمن الله أعلم
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٢/٤٤٨) .
[ ٤٧ ]
بطوله تغيَّر الحال على بني إسرائيل وانقلب عليهم الفراعنة طغيانًا وعتوًا واستضعافًا لبني إسرائيل، فاستعبدوهم وأذلوهم، وبلغ بهم الحال ما ذكر الله ﷿ في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَونَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَونَ وَهاَمانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ القصص آية (٤-٦) .
فكان الفراعنة يقتلون الذكور ويستحيون الإناث، واستمرت هذه المحنة وهذا البلاء عليهم زمنًا طويلًا، إلى أن بعث الله ﷿ موسى ﵇، فدعا فرعون إلى الإيمان بالله، وأن يترك دعوة الناس إلى عبادة نفسه، وأن يرفع العذاب عن بني إسرائيل، ويسمح لهم بالخروج من مصر.
فأبى فرعون ذلك بغطرسة وكبر، واستمر في تعذيب بني إسرائيل كما قال ﷿: ﴿وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَومَهُ، لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَآلهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ الأعراف آية (١٢٧) .
فأخذ الله تعالى فرعون وقومه بالجدب وهلاك الزروع، وأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ولكنهم استكبروا وجحدوا، فأوحى الله إلى موسى؟؟﵇ بعد ذلك بالخروج ببني إسرائيل.
ثانيًا: خروج بني إسرائيل من مصر:
خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل ليلًا بأمر الله ﷿ له بذلك، قال؟
[ ٤٨ ]
﷿: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَكُم مُتّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِين إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُون وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُون وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْناَهُم مِن جنَّاَتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقاَمٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَائِيل فأَتَبَعُوهُم مُّشرِقِينَ فَلمَّا تَرَاءَى الْجَمْعاَنِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاّ إِنّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِْ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْر فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَعَهُ، أَجْمَعِين ثُمَ أَغْرَقْنَا الآخَرِين﴾ الشعراء الآيات (٥٢-٦٦) .
فأنجى الله ﷿ موسى ومن معه، وأهلك فرعون وجنوده.
ويذكر اليهود في كتابهم أن مدَّة مكثهم في مصر كانت أربعمائة وثلاثين عامًا ١، وكان عدد الرجال عند الخروج دون النساء والأطفال نحو ستمائة ألف رجلٍ ٢، وهذا عدا بني لاوي أيضًا الذين لم يحسبوهم.
وهو عدد مبالغ فيه جدا، إذ معنى ذلك أن عددهم كان وقت خروجهم بنسائهم وأطفالهم قرابة مليوني نسمة، وهي دعوى مبالغ فيها جدا ولا يمكن تصديقها، إذ أن ذلك يعني أنهم تضاعفوا خلال فترة بقائهم في مصر قرابة ثلاثين ألف ضعف، إذ كان عددهم وقت الدخول سبعين نفسًا، والله ﷿ قد ذكر قول فرعون ﴿إنَّ هؤلاء لشرذمةٌ قليلون﴾ ومليونا شخص لا يمكن أن يعبَّر عنهم بهذا.
_________________
(١) ١ سفر الخروج (١٢/٤٠)، وأكثر علمائهم على أن المدة المذكورة خطأ، وأن الصواب هو ٢١٥ عامًا فقط هي كل مدة بقائهم في مصر. انظر: اليهودية والمسيحية ص٧٤، اليهودية. أحمد شلبي ص٢٦١. ٢ سفر الخروج (١٢/٣٧) .
[ ٤٩ ]
كما أن تحرك مليوني شخص في ليلة واحدة مستحيل، إذا علمنا أن في هذا العدد أطفالًا ونساءً وشيوخًا. والله أعلم.
ثالثًا: ما حدث من بني إسرائيل بعد الخروج:
حدث من بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر حوادث عدة.
فمن هذه الحوادث: طلبهم من موسى أن يجعل لهم صنمًا إلهًا، وفي هذا يقول الله ﷿: ﴿وَجَاوَزنَا ببني إسرائيل البحرَ فَأتواْ علَى قَومٍ يعكُفُونَ على أصنامٍ لَّهُم قالواْ يَا موسَى اجْعَلْ لنَا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلهة قَالَ إنّكُم قَومٌ تجهَلُونَ إنَّ هَؤلاَءِ مُتبّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعمَلُونَ قَالَ أغَيرَ اللهِ أَبغِيكُم إلهًا وَهُوَ فَضَّلكُم عَلَى العَالَمِينَ﴾ الأعراف (١٣٨-١٤٠) .
ولا شك أن هذا الطلب من بني إسرائل مدعاة للعجب والاستنكار، فقد رأوا من الآيات ما فيه مقنع وكفاية لو كانوا يعقلون.
ومنها: عبادتهم للعجل:
وذلك أن موسى ﵇ لما ذهب لموعده مع ربِّه، أضل السامري بني إسرائيل، وصنع لهم عجلًا مسبوكًا من الذهب الذي استعاره بنو إسرائيل من المصريين عند خروجهم من مصر، ودعاهم إلى عبادته، فعبدوه في غياب موسى ﵇، وقد حذّرهم هارون ﵇ ونهاهم عن ذلك.
قال الله ﷿: ﴿وَلقَد قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتَنْتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُواْ أَمرِي قَالُواْ لَن نَّبرَحَ عَليهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرجِعَ إِلينَا مُوسَى﴾ طه آية (٩٠-٩١) .
[ ٥٠ ]
ولما رجع موسى ﵇ إلى قومه غضبان أسفا، أنَّبهم وأحرق العجل وذراه في اليم، ثم حكم عليهم بأن يقتل عبدة العجل أنفسهم ليتوب الله عليهم. وروي في كيفية قتلهم أن يقوم أناس منهم بالسكاكين ومن عبد العجل جلوس، فتغشاهم ظلمة فيبتدئ الواقفون بطعن الجالسين حتى تنقشع الظلمة فتكون توبة لمن مات ولمن بقي منهم١.
ومنها: نكالهم عن قتال الجبابرة:
دعا موسى؟﵇ قومه إلى قتال الجبابرة وهم قوم من الحيثانيين والفزريين والكنعانيين، وكانوا يسكنون الأرض المقدسة ٢. فأبى بنوا إسرائيل القتال وجبنوا عنه، واقترحوا على موسى ﵇ ما ذكره الله عز وجلفي قوله: ﴿قَالُواْ يا موسى إِنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعِدُونَ﴾ المائدة (٢٤)، فهناك دعا موسى ﵇ ربّه ﷿ بقوله: ﴿قال ربّ إنِّي لا أملك إلاَّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ المائدة (٢٥) . فحكم الله عليهم بالتيه بقوله: ﴿قال فإنها محرَّمةٌ عليهم أربعين سنة
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير (١/ ٨٠) . ٢ أُختلف في تحديد الأرض المقدسة: فقيل هي أريحا، وقيل هي الطور وما حوله، وقيل الشام، وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقيل هي بيت المقدس. وقال ابن جرير: لن تعدو أن تكون في الأرض التي بين الفرات وعريش مصر. انظر:تفسير ابن جرير (٦/١٧٢) تفسير ابن كثير (٢/٣٦) .
[ ٥١ ]
يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ المائدة (٢٦) فظلوا تائهين المدة التي قضي الله عليهم.
ومات في هذه الفترة موسى ﵇، وكان هارون ﵇ مات قبله أيضًا.
ويقول اليهود في كتابهم التوراة: إنه قد مات في زمن التيه كل من كان بالغًا وقت نكولهم، ولم يدخل الأرض المقدسة منهم سوى يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما فيما قيل اللذان قال الله عنهم ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب﴾ المائدة (٢٣) .
رابعًا: دخول بني إسرائيل أرض فلسطين:
بعد انقضاء المدة المحكوم على بني إسرائيل فيها بالتيه، فتح بنو إسرائيل الأرض المقدسة بقيادة يشوع بن نون ﵇.١ ويذكر اليهود أنهم دخلوها من ناحية نهر الأردن.
_________________
(١) ١ هكذا يسميه اليهود وهو المعروف عندنا بـ (يوشع بن نون) ﵇ وهو نبي من الأنبياء ويدل على نبوته حديث أبي هريرة (أن النبي (قال "إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس" أخرجه الإمام أحمد (٢/٣٢٥)، وقال ابن كثير:هو على شرط البخاري - البداية والنهاية (١/٣٣٣) وصححه الحافظ في الفتح (٢٢١)، ويدل على أن هذا النبي هو يوشع ﵇ مارواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا أن النبي ﵊ قال " غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لايتبعني رجل ملك بضع إمرأة وهو يريد أن يبني بها ، ثم قال: فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم أحبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليهم " البخاري مع الفتح (٦/٢٢٠) وقد أكد أن المقصود بهذا الحديث هو يوشع بن نون كل من ابن كثير في البداية والحافظ ابن حجر في الفتح. انظر كلامهما في الموضعين السابقين.
[ ٥٢ ]
ويقسم المؤرخون تاريخهم في فلسطين إلى ثلاثة عهود:
أ - عهد القضاة:
والمراد به أن يوشع بن نون ﵇ لما فتح الأرض المقدسة، قسم الأرض المفتوحة على أسباط بني إسرائيل، فأعطى لكل سبط قسمًا من الأرض، وجعل على كل سبط رئيسًا من كبرائهم، وجعل على جميع الأسباط قاضيًا واحدًا يحتكمون إليه فيما شجر بينهم، وهو يمثل الرئيس لجميع الأسباط، واستمر هذا الحال ببني إسرائيل قرابة أربعمائة عام فيما يذكر اليهود، وكان بينهم وبين أعدائهم حروب دائمة يكون النصر فيها لبني إسرائيل مرَّة ولأعدائهم أُخرى.
ب - عهد الملوك:
وهو العهد الذي بدأ فيه الحكم ملكيًا، وقد قص الله علينا خبر أول ملوكهم في قوله ﷿: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله﴾ البقرة (٢٤٦) .
فجعل الله ﷿ عليهم طالوت ملكًا، فقبلوه على كره منهم ويسمونه في كتابهم شاؤول.
وملك عليهم بعده داود ﵇، ثم ابنه سليمان ﵇ وكان عهدهما أزهى العهود التى مرت على بني إسرائيل على الإطلاق، وذلك لما أوتيه هذان النبيان الكريمان من العدل والحكمة مع الطاعة والعبادة لله ﷿.
ج - عهد الانقسام:
هو العهد التالي لسليمان ﵇ حيث تنازع الأمر بعده رحبعام بن
[ ٥٣ ]
سليمان ﵇ ويربعام بن نباط، فاستقل رحبعام بسبط يهوذا وسبط بنيامين، وكوَّن دولة في جنوب فلسطين عاصمتها " بيت المقدس "، وسميت دولة يهوذا نسبة إلى سبط حكامها، وهو سبط يهوذا الذي من نسله داود وسليمان ﵉ وملوك تلك الدولة.
واستقل يربعام بن نباط بالعشرة أسباط الأخرى، وكوَّن دولة في شمال فلسطين، سميَّت دولة إسرائيل وجعل عاصمتها نابلس١، وأهل هذه الدولة يسمون لدى اليهود ب "السامريين "، نسبة إلى جبلٍ هناك يسمى " شامر " اشتراه أحد ملوكهم وهو "عمري" وسماه نسبة إلى صاحبه السامرة ٢، وسميت منطقتهم " السامرة ".
ويلاحظ أن السامريين -وهم شعب دولة إسرائيل - غيّروا قبلتهم من بيت المقدس إلى جبل يسمى "جرزيم " ٣ويعتبرهم اليهود من شعب يهوذا ملاحدة وكفارًا لتغييرهم القبلة.
ثم إنَّ الدولتين كان بينهما عداء وقتال، وكان يحدث في بعض الفترات من تاريخهما توافق وتعاون، وكانت دولة إسرائيل كثيرة القلاقل والفتن وتغيَّرت الأسرة الحاكمة فيها مرارًا عديدة. أما دولة يهوذا فاستقر الحكم في سبط يهوذا في ذرية سليمان بن داود ﵇، وكانت تقع على الدولتين حروب من جيرانهم الأراميين٤،
_________________
(١) ١ انظر هذا التقسيم في: اليهودية لأحمد شلبي ص ٧٥ -٨٧. ٢ انظر: سفر الملوك الأول (١٦/٢٣ -٢٥) . ٣ وهو يقع في منطقة نابلس. انظر قاموس الكتاب المقدس ص ٢٥٨. ٤ الأراميون: إحدى الشعوب السامية التي سكنت في المنطقة الممتدة من جبال لبنان في الغرب إلى ما وراء الفرات شرقًا، ومن جبال طوروس في الشمال إلى دمشق وما وراءها جنوبًا. قاموس الكتاب المقدس ٤٢.
[ ٥٤ ]
والفلسطينيين١،والأدوميين٢ والموآبيين٣ كما أن الدولتين وقع من حكامهما وشعبيهما عبادة للأصنام في كثير من الأوقات وخاصة دولة إسرائيل واليهود السامريين ٤.
خامسًا: استيلاء الأجنبي عليهم:
استمرت دولة إسرائيل مستقلة لها سيادتها على أرضها قرابة ٢٤٤عامًا٥حيث سقطت بعدها في يد الآشوريين زمن ملكهم سرجون عام ٧٢٢ق. م تقريبًا فسبي شعبها، وأسكنهم في العراق، وأتى بأقوام من خارج تلك المنطقة وأسكنهم إياها، فاعتنقوا فيما بعد ديانة بني إسرائيل٦وبذلك تمَّ القضاء على تلك الدولة.
أما دولة يهوذا فاستمرت قرابة ٣٦٢ عامًا٧ ثم سقطت بأيدي فراعنة مصر
_________________
(١) ١ الفلسطينيون: شعوب قدمت من جزيرة كريت وقطنت فلسطين قبل مجيء بني إسرائيل إليها، وكانوا يسكنون في منطقة غزة والساحل الغربي من فلسطين. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٦٩٣. ٢ الأدوميون هم من نسل عيسو بن يعقوب ﵇ وكانوا يسكنون في المنطقة الممتدة من البحر الميت إلى خليج العقبة. قاموس الكتاب المقدس ص ٣٩. ٣ المؤابيون من الشعوب السامية التي كانت تقطن المنطقة التي يحدها من الغرب البحر الميت وتمتد إلى الشرق قليلًا قاموس الكتاب المقدس ص ٩٢٧. ٤ انظر: تاريخ هاتين الدولتين في سفر الملوك الأول - الأصحاح ١١ إلى سفر الملوك الثاني الأصحاح السابع عشر. ٥ حسب عدد سنوات حكم ملوكهما، انظر سفر الملوك الأول والثاني، وكذلك كتاب تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ١٧٨. ٦ سفر الملوك الثاني، الأصحاح ١٧. وهذا يدل على دخول شعوب أخرى في هذه الديانة فبالتالي ليس كل اليهود من بني إسرائيل. ٧ حسب عدد سنوات حكم ملوكهما، انظر سفر الملوك الأول والثاني، وكذلك كتاب تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ١٧٨.
[ ٥٥ ]
عام ٦٠٣ ق. م تقريبًا، وفرضوا عليها الجزية، وامتد حكم الفراعنة في ذلك الوقت إلى الفرات.
ثم جاء بعد ذلك حاكم بابل الكلداني بختنصر، واسترجع منطقة الشام وفلسطين، وطرد الفراعنة منها، ثم زحف مرة أخرى على دولة يهوذا التي تمردت عليه، فدمَّرها ودمَّر معبد أورشليم وساق شعبها مسبيًا إلى بابل، وهذا ما يسمَّى بالسبي البابلي، وكان في هذا نهاية تلك الدولة التي تسمى يهوذا١وذلك في حدود عام ٥٨٦ ق. م.
ثم سقطت دولة بابل في يد الفرس في عهد ملكهم "قورش " سنة ٥٣٨ ق. م. الذي سمح لليهود بالعودة إلى بيت المقدس، وبناء هيكلهم وعين عليهم حاكمًا منهم من قبله.
ومن الجدير بالذكر أن اليهود ذكروا في كتابهم أن "قورش" أرسل النداء في مملكته قائلًا "جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتًا في أورشليم التي في يهوذا " ٢ وهذا النص إذا صدق اليهود فيه يكون دليلًا على أن " قورش " كان مؤمنًا بالله.
واستمر حكم الفرس من ٥٣٨-٣٣٢ ق. م، ثم زحف على بلاد الشام وفلسطين الاسكندر المقدوني اليوناني٣ واستولى عليها، وأزال حكم الفرس
_________________
(١) ١ انظر سفر الملوك الثاني الأصحاح ٢٤. ٢ سفر عزر الأصحاح الأول (٢) . ٣ الاسكندر المقدوني اليوناني،الذي امتدّت دولته فشملت فارس والعراق والشام ومصر، واستولى على أكثر الأرض في زمنه. توفي فيما يقال ٣٢٤ ق. م. انظر المنجد في الأعلام ص ٤٣.
[ ٥٦ ]
بل استولى على بلادهم وبلاد مصر والعراق، فدخلت هذه المناطق تحت حكمهم من نهاية القرن الرابع قبل الميلاد إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد، حيث زحف بعد ذلك على البلاد القائد الروماني "بومبي" سنة ٦٤ ق. م، وأزال حكم اليونانيين عنها، فدخل اليهود تحت حكم الرومان وسيطرتهم١.
سادسًا: تشتتهم في الأرض:
في زمن سيطرة الرومان على منطقة فلسطين بُعث المسيح ﵇ وبعد رفعه وقع بلاء شديد على اليهود في فلسطين، حيث قاموا بثورات ضد الرومان، مما جعل القائد الروماني تيطس عام ٧٠م يجتهد في استئصالهم والفتك بهم وسبي أعداد كبيرة منهم وتهجيرها، ودمر بيت المقدس ومعبد اليهود، وكان هذا التدمير الثاني للهيكل٢، وقد زاد في تدمير الهيكل الحاكم الروماني أدريان سنة ١٣٥م، حيث أمر جنوده بتسوية الهيكل بالأرض، وبنى فيها معبدًا لكبير آلهة الرومان الذي يسمونه "جوبتير "وهدم كل شيءٍ في المدينة، ولم يترك فيها يهوديًا واحدًا، ثم منع اليهود من دخول المدينة، وجعل عقوبة ذلك الإعدام، ثم سمح لليهود بالمجيء إلى بيت المقدس يومًا واحدًا في السنة والوقوف على جدار بقي قائمًا من سور المعبد، وهو الجزء الغربي منه، وهو الذي يسمى " حائط المبكى٣ ".
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص ٢٩٠-٢٩٧. ٢ انظر: تاريخ بني إسرائيل محمد عزه دروزه ص ٣٨١. ٣ أبحاث في الفكر اليهودي، لحسن ظاظا ص (٣٦ - ٣٨) وقال ول ديورانت: إن الحاكم الروماني حرم عليهم الدخول إلا في يوم تلك الذكرى المؤلمة نظير جُعلٍ معين، فيأتوا إليها ليندبوا ويبكوا أمام جدران الهيكل المهدم. قصة الحضارة ٣/ص٤
[ ٥٧ ]
وبهذا تشتت اليهود في أنحاء الأرض، وسلط الله عليهم الأمم يسومونهم سوء العذاب ببغيهم وفسادهم وسوء أخلاقهم. وفي هذا يقول الله ﷿ ﴿وإذ تأذَّن ربُّك ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربَّك لَسَرِيع العِقَابِ وَإنَّهُ لغفورٌ رَّحيم﴾ الأعراف الآية (١٦٧) .
وكان من الجزاء الذي حكم الله به عليهم مع هذا العذاب المستمر إلى يوم القيامة تقطيعهم في الأرض وتشتيتهم فيها جزاء كفرهم وفسادهم. قال ﷺ؟؟: ﴿وَقطّعناهم في الأرض أممًا مِّنهم الصَّالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيِّئات لعلَّهم يرجعونَ فَخَلَفَ مِن بعدهم خلْفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيُغفر لنا وإن يأتهم عرضٌ مثلُهُ يأخذوه ألم يُؤخَذ عليهم ميثاقُ الكتاب ألاَّ يقولوا على الله إلاّ الحقَّ ودرسوا ما فيه والدَّار الآخرةُ خيرٌ للَّذين يتَّقون أفلا تعقلون﴾ الأعراف (١٦٨-١٦٩) .
فهذه الآيات الكريمة تشرح واقع اليهود. فالآية الأولى تفيد بأن الله قضى عليهم بالعذاب المستمر بأيدي الناس إلى يوم القيامة.
والآية الثانية: تفيد بتمزيقهم في الأرض، وتمزيقهم أدعى إلى أن يقع بسببه البلاء الشديد عليهم جماعة جماعة، ولا يستطيع أن ينصر بعضهم بعضًا بسببه.
وقد خلف المسلمون الرومان النصاري في القرن الأول الهجري الذي يوافق القرن السابع الميلادي على الشام وفلسطين وجميع ما كان في يد الرومان في هذه المناطق.
[ ٥٨ ]
وكان اليهود في حالة تشتت وتفرُّق في جميع أنحاء الأرض، ولم يكن يسمح وقتها لليهود بالسكنى في بيت المقدس، كما سبق بيانه، بل كان من بنود المعاهدة بين نصارى بيت المقدس وعمر بن الخطاب - ﵁ - أن لا يسمح لليهود بالسكن في بيت المقدس١. فاستمرَّ اليهود في التشتت والتمزُّق في أنحاء الأرض إلى بداية القرن العشرين.
سابعًا: تجمعهم في فلسطين في العصر الحديث:
لقد ابتدأت الفكرة لدى العالم الغربي في تجميع اليهود في دولة من أيام حملة نابليون بونابرت الفرنسي٢ عام (١٧٩٩) م حيث دعا يهود آسيا وأفريقيا للإنضمام إلى حملته من أجل بناء مدينة القدس القديمة، وقد جنَّد منهم عددًا كبيرًا في جيشه، إلاَّ أنَّ هزيمة نابليون واندحاره حالا دون ذلك.
ثم ابتدأت الفكرة تظهر على السطح مرَّة أخرى، وبدأ العديد من زعماء الغرب وكبار اليهود يهتمون بها ويؤسسون كثيرًا من الجمعيات المنادية لهذا الأمر، وابتدأ التخطيط الفعلي من إصدار" تيودور هرتزل"٣ الزعيم الصهيوني عام (١٨٩٦) م، كتابه " الدولة اليهودية"، حيث عقد مؤتمر بال في سويسرا سنة (١٨٩٧) م.
وجاء في خطاب افتتاح هذا المؤتمر: " إننا نضع حجر الأساس في بناء البيت
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الطبري (٣/٦٠٩) طبعة دار المعارف، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ٢ نابليون بونابرت امبراطور فرنسا، كان غز الشرق ١٧٩٩م. توفي سنة ١٨١٥ بعد أن عزل ونفي انظر: المنجد ص ٧٠٣. ٣ تيودور هرتزل مجري يهودي أسس الحركة الصهيونية، توفي ١٩٠٤ م. المنجد ص ٧٢٧.
[ ٥٩ ]
الذي سوف يؤوي الأمة اليهودية "، ثم اقترح برنامجًا يدعو إلى تشجيع القيام بحركة واسعة إلى فلسطين، والحصول على اعتراف دولي بشرعيَّة التوطين.
وكان من قرارات ذلك المؤتمر:
إنشاء " المنظمة الصهيونية العالمية " لتحقيق أهداف المؤتمر، والتي تولّت أيضًا إنشاء جمعيات عديدة علنية وسرِّية لتخدم هذا الهدف ١
ودرس اليهود حال المستعمرين، فوجدوا أن بريطانيا أنسب الدول لهذا الأمر التي تتفق رغبتها في وضع داء في وسط الأمة الإسلامية موالٍ للغرب٢ مع رغبة اليهود في وطن قومي لهم، وكانت أكثر البلاد العربية تحت سيطرتها، فدبروا معها المؤامرة، وأخذوا بذلك وعدًا من "بلفور" رئيس وزراء بريطانيا، ثم وزير خارجيتها عام (١٩١٧) م، أعلن فيه أن بريطانيا تمنح اليهود حق إقامة وطن
_________________
(١) ١ انظر: التاريخ اليهودي العام ص ١٩٦. المسألة اليهودية ص ١٩٨. ٢ اجتمعت الدول الاستعمارية: بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا عام (١٩٠٧) م، للبحث في عوامل البقاء لدولهم واستعمارهم، ومما خرجوا به من قرارات، ما يعرف بتقرير كامبل باترمان، ونورد نصه لأهميته حيث جاء فيه: " إن الخطر ضد الاستعمار يكمن في البحر الأبيض المتوسط فعلى الشواطئ الشرقية والجنوبية لهذا البحر شعب واحد، تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللغة وكل مقوِّمات التجمع والترابط، هذا فضلًا عن ثرواته الطبيعية ونزعته للتحرر، فلو أخذت هذه المنطقة بالوسائل الحديثة، وإمكانيات الصناعة الأوربية، وانتشر التعليم بها فستحل الضربة القاضية بالاستعمار الغربي، فيجب إذن على الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على استمرار تجزؤ هذه المنطقة وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر، وهذا يستلزم فصل الجزء الأفريقي في هذه المنطقة عن الجزء الأسيوي، وتقترح اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب يحتل الجسر الذي يربط آسيا بأفريقيا حيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوَّة صديقة للإستعمار وعدوة لسكان المنطقة".نقلًا عن تاريخ المشرق العربي ص ٤٩٣. ويتضح من هذا التقاء المصالح الغربية والأطماع اليهودية، وأنهم جميعًا كادوا الأمة الإسلامية والله غالب على أمره.
[ ٦٠ ]
قومي لهم في فلسطين، وأنها ستسعى جاهدة في تحقيق ذلك. وكان اليهود قد بدأوا الهجرة إلى فلسطين في الوقت الذي كانت فيه فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، فاستطاع اليهود بسبب الهجرة من تكوين دولة داخل دولة، وكانت الحكومة البريطانية تحميهم من بطش المسلمين، وتتعامل معهم بكل التسامح، في الوقت الذي تتعامل فيه مع المسلمين بكل شدَّة وتنكيل.
ولما ضعفت بريطانيا عن تحقيق أماني اليهود أحالت الأمر إلى الأمم المتحدة والتي تتزعمها الولايات المتحدة، التي بدورها استلمت الدور البريطاني في المنطقة، فأرسلت الأمم المتحدة لجانها إلى فلسطين، ثم قررت هذه اللجان تقسيم فلسطين بتخطيط يهودي وضغط أمريكي، فأعلن قرار التقسيم لفلسطين بين المسلمين واليهود في ٢٩/١١/١٩٤٧م.
فقررت الحكومة البريطانية بعده الانسحاب من فلسطين، تاركة البلاد لأهلها، وذلك بعد أن تأكَّدت أن اليهود قادرون على تسلم زمام الأمر، فحال خروجها في مايو عام (١٩٤٨) م، أعلن اليهود دولتهم التي اعترفت بها أمريكا بعد إحدى عشرة دقيقة، وكانت روسيا قد سبقتها بالاعتراف، ثم استطاعت هذه الدولة اليهودية أن تقوم على قدميها، وأن تخوض ضد المسلمين عدَّة حروب، مني فيها المسلمون بهزائم، بسبب بعدهم عن دينهم، وتفرقهم إلى أمم وأحزاب، وخيانة بعضهم ١ *.
_________________
(١) ١ انظر: التاريخ اليهودي العام ص ٢٥٨ وما بعدها. (*) لقد هزم العرب أمام اليهود في عام (١٩٥٦، ١٩٦٧م) هزائم منكرة.والواقع أن هذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على فساد الأنظمة العربية التي فشلت في مواجهة مجموعة من حثالة البشر وأن هذه الأنظمة لا زالت في فشلها وهزيمتها واندحارها، وهذا دليل على عدم صلاحية العلمانية والقومية والديمقراطية التي تتوزَّع إليها أكثر الأنظمة العربية، لأنها من أهم الأسباب في فشل تلك الدول في رفع العار عن المسلمين، ورد حقهم إليهم، ودحر عدوهم فعليه فالأجدر بحكام المسلمين أن يعودوا إلى الله ﷿، وإلى دينهم لعل الله أن ينصرهم فيحوزا عز الدنيا وفوز الآخرة.
[ ٦١ ]
ولا زالت هذه الدولة قائمة في قلب الأمة الإسلامية داءً سيفجر كثيرًا من الفساد والشرور، ما لم يقتلع من جذوره، فاليهود منذ أزمان بعيدة وهم داء، أينما حلوا نشروا الفساد والشحناء والعدوان بين أهل البلاد التي يحلون فيها، وقد رأت الدول الغربية أنها ستكسب مكسبين عظيمين من إقامة هذا الكيان في جسد الأمة الإسلامية:-
أحدهما: أنها تسلم من شرور اليهود وسيطرتهم، وفسادهم وتحكمهم في البلاد وثرواتها.
ثانيهما: أنها تضع في قلب الأمة الإسلامية دولة حليفة لهم، وهي في نفس الوقت علة تستنزف قوى الأمة الإسلامية، وتضع بذور الفرقة والخلاف بين أفرادها، حتى لا تقوم لها قائمة.
وهذا الوضع لا زال قائمًا، والأيام مليئة، وكل يوم يظهر الهدف واضحًا، وتظهر الشخصية اليهودية الحقيقية أكثر وأوضح، وما لم يفق المسلمون لواقعهم المرير، وينظروا لمستقبلهم بالعين المستبصرة بنور الله، المهتدية بشرعه الواثقة من نصره، فإنه لن يتغير الحال، بل ستزداد الأزمات والمصائب على العالم الإسلامي، حتى يأذن الله بأمره وتعود الأمة إلى ربها ودينها فتكون جديرة بنصر الله واستعادة مقدساتها.
ونرى أن تجمعهم هذا مقدمة لتحقيق كلام الرسول ﷺ عنهم بأن المسلمين يقتلون اليهود ١. ولعل فلسطين ستكون مقبرتهم، والله غالب على أمره، ولن
_________________
(١) ١ روى مسلم في صحيحه (٤/٢٢٣٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله. إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ". والغرقد: نوعٌ من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس.
[ ٦٢ ]
يفلح قوم سجل الله عليهم غضبه ولعنهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة، بل لعلها مؤذنة بفنائهم والقضاء على بذرتهم الخبيثة، كما نرى أنهم ما توصلوا إلى ما توصلوا إليه إلاَّ بعد أن صار المسلمون في غاية التخلف والضعف والبعد عن الدين الذي به يتوصلون إلى خير الدنيا والآخرة.
مسألة: ادعاء اليهود أن لهم حقًا تاريخيًا ودينيًا في فلسطين:
قد تقدم بيان أن بني إسرائيل هم سلالة يعقوب ﵇، وأن أول دخول لهم إلى فلسطين كان مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى ﵇ في التيه وبعد نكولهم عن القتال أول الأمر.
وقد كان في فلسطين قبل استيلاء بني إسرائيل عليها ثلاث قبائل وهم:
الفينيقيون: وسكنوها حوالى سنة (٣٠٠٠) ق. م واستوطنوا المنطقة الشمالية منها على البحر الأبيض المتوسط.
الكنعانيون: نزلوا جنوب الفينيقيين، وشغلوا المنطقة الوسطى من فلسطين سنة (٢٥٠٠) ق. م.
وهذه كانت من القبائل العربية المهاجرة من شبه الجزيرة العربية، ثم جاءت جماعات من جزيرة كريت حوالي عام (١٢٠٠) ق. م، وكانت تسمى فلستين، ونزلت بين يافا وغزَّة على البحر الأبيض المتوسط. وسمَّى الكنعانيون هولاء القوم فلسطين، وغلبت التسمية على المنطقة كلها، فأًصبحت تدعى
[ ٦٣ ]
فلسطين ١.
وحسب ما أورده اليهود في كتابهم، وما كُتب في تاريخ المنطقة، فإن هذه الشعوب استمرَّت في المنطقة، وكان بينها وبين بني إسرائيل واليهود حروب عديدة، استمرت طوال فترة وجود اليهود في تلك المنطقة.
فمن الناحية التاريخية، يتبيَّن لنا أن اليهود ليسوا أول من سكن فلسطين، بل دخلوها أو بعضها واستولوا على أجزاء منها بعد أن كانت في يد هؤلاء القوم.
أما من الناحية الدينية، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كَتَبَ الله ُ لَكُمْ وَلاَ ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾؟المائدة الآية (٢١) .
فقوله تعالى ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾
قال ابن اسحاق: "التي وهب الله لكم ".
وقال السدي: " التي أمركم الله بها ".
وقال قتادة: "أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة"٢.؟
إذًا قوله تعالى: ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾ ليس هو تمليك على رأي بعض العلماء، وعلى الرأي الآخر هو تمليك لهم بشرط أن يدخلوها. وعلى رأي البعض: هي هبة لهم. فهذا يبيِّن معنى ﴿كَتَبَ الله ُ لَكُمْ﴾، ومع هذا فليس فيه دليلٌ على أن لهم الحق في فلسطين، وذلك لأن الله ينعم على عباده المؤمنين في حال الإيمان بنعم كثيرة، وهي لهم في حال الإيمان، أما في حال الكفر فلا
_________________
(١) ١ انظر: اليهودية أحمد شلبي ص ٤١. ٢ ابن جرير (٦/١٧٣)، فتح القدير للشوكاني (٢/٢٩) .
[ ٦٤ ]
حق لهم بها. وبنوا إسرائيل حين أمرهم الله بالدخول نكلوا، فمنعهم منها، وحين استجابوا وأطاعوا منحها الله لهم.
لهذا قال ابن كثير في الآية: "التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل، إنه وراثة من آمن منكم " ١.
فعليه فهي لهم في حال إيمانهم، أما في حال كفرهم فليس لهم فيها حق. يدل على هذا قول قول الله جل وعلا: ﴿فَأَوحَى إِلَيهِم ربُّهُم لنهلِكَنَّ الظَّالمين ولنُسَكِنَنكُمُ الأَرضَ مِن بعدهِم ذَلِكَ لمن خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ إبراهيم الآية (١٤) .وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ﴾ الأنبياء الآية (١٠٥) .
وبما أن اليهود كفروا بالله وبأنبيائه، وسجل الله عليهم غضبه ولعنته، فليس لهم حق في الأرض المقدسة، بل هي من حق عباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ﴾ .
مسألة: كذب اليهود المعاصرين في ادعائهم أنهم نسل بني إسرائيل:
اليهود المعاصرون يشيعون وينشرون أنهم نسل بني إسرائيل الأوائل الذين قطنوا فلسطين، وهم في زعمهم وارثوا أولئك الاسرائيليين الأوائل الذين كانوا في فلسطين. ويجتهد اليهود في نشر دعوى نقاء العنصر اليهودي من الإختلاط بالأمم الأخرى، فهم جنس حافظ - في زعمهم - على نقاء عنصره، ولليهود في ذلك هدف خطير وحيوي بالنسبة لهم، وهو أن هذه الدعوة
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٢/٣٦) .
[ ٦٥ ]
تجعلهم في نظر النصارى أبناءً ليعقوب ومن ذريَّته، فيكونون بذلك مقصودون بالوعود الواردة في العهد القديم لبني إسرائيل، فيستدرون بذلك عطف النصارى وإحسانهم ونصرتهم، خاصة إذا علمنا أن النصارى يقدسون التوراة ويعتقدون أن ما فيها وحي من الله ﷿ كما سيأتي بيانه.
لكن الواقع يكذب اليهود في دعواهم نقاء جنسهم، وذلك أن نظرة عامة في هيآتهم وسحنتهم تدل على تباين أصولهم، ففيهم ذو السحنة الأوروبية، وذو السحنة العربية، وفيهم ذو السحنة الأفريقية.
ومع هذا التباين لا يمكن إدعاء أن أصلهم واحد، إذ لا بد من أن يكونوا قد اختلطوا بأمم أخرى أورثتهم هذا التباين في السمات.
ثم إن اليهود ذكروا في كتابهم أن كثيرًا منهم تزوَّجوا بنساء أجنبيات، وأن نساءهم أخذهن رجال أجانب١ حتى إنهم ينسبون إلى سليمان ﵇ ذلك ٢.
كما أنه ثبت تاريخيًا أن أمة كبيرة وهي شعب دولة الخزر تهوَّد في القرن الثامن الميلادي، وكان ذلك الشعب من قبل وثنيًا، وهو شعب تركي آري كان يقطن منطقة آسيا الوسطى، ودولتهم التي تسمى باسمهم دولة الخزر كانت تقع في المنطقة بين البحر الأسود وبحر قزوين، وتشغل منطقة شمال أذربيجان وأرمينية وأوكرانية وجميع منطقة جنوب آسيا إلى حدود موسكو عاصمة روسيا، وكان بحر قزوين يسمى بحر الخزر.
وقد جاء في الموسوعة اليهودية عن الخزر ما يلي:
_________________
(١) ١ انظر: سفر القضاء (٣/٥)، وانظر سفر نحميا (١٣/٢٣) . ٢ انظر: سفر الملوك الأول (١١/ ١-٣) .
[ ٦٦ ]
".. الخزر شعب تركي الأصل، تمتزج حياته وتاريخه بالبداية الأولى لتاريخ يهود روسيا.. أكرهته القبائل البدوية في السهول من جهة أخرى على توطيد أسس مملكة الخزر في معظم أجزاء روسيا الجنوبية، قبل قيام الفرانجيين سنة (٨٥٥) م بتأسيس الملكية الروسية، في هذا الوقت (٨٥٥) م كانت مملكة الخزر في أوج قوتها تخوض غمار حروب دائمة، وعند نهاية القرن الثامن تحوَّل ملك الخزر ونبلاؤه وعدد كبير من شعبه الوثنيين إلى الديانة اليهودية.. كان عدد السكان اليهود ضخمًا في جميع أنحاء مقاطعة الخزر خلال الفترة الواقعة بين القرن السابع والقرن العاشر الميلادي.. بدا عند حوالى القرن التاسع أن جميع الخزر أصبحوا يهودًا وأنهم اعتنقوا اليهودية قبل وقت قصير فقط" ١.
ثم إن هذه الدولة سقطت بعد ذلك في يد الروس، الذين احتلوها وقضوا عليها تمامًا، واستولوا على جميع أراضيها، وقد تلاشت هذه الدولة من خارطة أوربا في القرن الثالث عشر الميلادي، وتوزع شعبها على دول أوربا الشرقية والغربية، وكانت أكبر تجمعاتهم في أوربا الشرقية هنغاريا وبولندا ورومانيا والمجر وروسيا ٢.
فهذا يدل دلالة واضحة أن اليهود الذين يسمون الإشكنازيم وهم يهود أوربا لا يمتون بصلة إلى يعقوب ﵇ وذريته. ونحن المسلمين نعتقد أن إنتسابهم إلى يعقوب ﵇ أو غيره لايغير من موقفنا منهم ماداموا يهودًاومحاربين لنا ومعتدين على إخواننا، إذ أن الأنساب لاوزن لها مع الكفر، ولا حاجة إليها مع الإسلام.
_________________
(١) ١ نقلًا عن كتاب " يهود اليوم ليسوا يهودًا "ص ١٩ لمؤلفه بنيامين فريدمان. ٢ انظر: كتاب " يهود اليوم ليسوا يهودا" ص ١٩ لمؤلفه بنيامين فريدمان.
[ ٦٧ ]