يعتقد النصارى بالبعث الجسدي. ورد في قاموس الكتاب المقدس "تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامه الأجساد وتغيير هذه الأجساد وبقاءها إلى الأبد ".
ثم قال "ولقد عَلَّم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون"١.
كما أن النصارى يؤمنون بالنعيم الأبدي في الجنة والعذاب الأبدي في النار٢، كما جاء في إنجيل متى (٢٥/٣٤) "ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم.. ثم يقول أيضًا للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية".
إلا أنهم يزعمون أن الجنة ليس فيها أكل ولا شرب ولا نكاح ولاشيء من المتع الحسية، وإنما يعتقدون أن المتعة تكون برؤية الله فقط.
فلهذا يقول ميخائيل مينا "إن نعيم الأبرار هو عبارة عن إتصالهم بالله ورؤيتهم جلاله، ورؤية الله هي الجزاء الأعظم الفائق كل خير الذي
_________________
(١) ١ قاموس الكتاب المقدس (٧٤٨-٧٥٠) . وانظر كتاب "الملكوت" للقمص سيد اروس ص٥٢ وانظر علم اللاهوت النظامي ص١١٩٧. ٢ يصرح بعض النصارى بأن النار التي وعد بها المجرمون رمزيه، وليست حقيقية، أما العذاب فهو عندهم حقيقي انظر علم اللاهوت النظامي ص١٢١١ وكتاب الأمور المتيقنة ص ١٩٧.
[ ٣٣٤ ]
يملأ رغبة كل إنسان ويشبع شهوات نفسه، بل هو سعادته النهائية المشتهاة من كل مشاعره والتي إليه تتجه كل أشواق قلبه"١.
وإنكارهم هذا يعود إلى أنهم يرون أن الأجساد يوم القيامة ستكون أجسادًا روحانية لا تحتاج إلى الطعام والشراب، وليس فيها شهوة الجماع ولا فرق فيها بين جسد المرأة وجسد الرجل٢. ويستدلون لذلك بنصين: أحدهما في إنجيل متى (٢٢/٢٩) وفيه يقول المسيح: "لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء".
والآخر من كلام بولس في كورنثوس الأولى (١٥/٤٤) وهو يتحدث عن قيامة الأموات "يزرع جسمًا حيوانيًا ويقام جسمًا روحانيًا".
وهذا الكلام من بولس لا دليل له عليه، وهو من اختراعاته وافتراءاته العديدة٣.
أما النص المنسوب إلى المسيح فليس فيه سوى نفي الزواج، وليس فيه نفي الطعام والشراب، وقد ثبت في نصوص الأناجيل إثبات الطعام والشراب في الآخرة فقد ذكر لوقا في (٢٢/٢٩): أن المسيح قال لتلاميذه الذين يؤمنون به "وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتا لتأكلوا وتشربوا على مائدتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الإثنى عشر".
_________________
(١) ١ انظر علم اللاهوت النظامي ص١٢١٠. ٢ انظر كتاب الملكوت للقمس سيداروس ص١٠٣، ١٠٤. علم اللاهوت النظامي ص ١١٩٨. ٣ يبدو أن هذه العقيدة أتى بها بولس من اليهود، وذلك أن اليهود قالوا في التلمود: " لا مطعم في العالم الآتي، ولا مشرب، ولا عشق، ولا عمل، ولا حسد، ولا حقد، ولا شحناء، أهل الحق سيجلسون وعلى رؤوسهم التيجان وهم يمجدون في بهاء وجلال الله". انظر كنوز التلمود ص٣٣.
[ ٣٣٥ ]
وفي إنجيل متى (٢٦/٢٩) إن المسيح قال لتلاميذه بعد آخر شراب شربه معهم "وأقول لكم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي".
فهذه النصوص تعارض ذلك النص السابق الذي ينكر النعيم الحسي، وتدل على عدم صحته، لأن الحق أن أهل الجنة يتنعمون فيها نعيمًا كاملًا ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم وبينه النبي محمد ﷺ بيانًا شافيًا، وليس هناك مانع عقلي منه والله على كل شيء قدير وفضله عظيم.
[ ٣٣٦ ]