الله ﷿ له صفات الكمال المطلق التي لا تشوبها شائبة نقص، ولا شك أن موسى ﵇ قد علَّم بني إسرائيل ذلك. كما أن التوراة المنزلة قد تضمنت ذلك، إلا أن بني إسرائيل قد كفروا وضلوا وانحرفوا عن دين الله ﷿ فتكونت لديهم عقيدة منحرفة جعلتهم يقولون في الله قولًا عظيمًا، ومن ذلك ما ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم من قوله ﷿ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ المائدة آية (٦٤) .
وقال ﷿ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ آل عمران آية (١٨١) .
فهذا الكفر والوقاحة من اليهود أثر من آثار تحريفهم لكتابهم حيث تضمن كتابهم المسمى " التوراة " وكذلك الكتب الملحقة به كثيرًا من الصفات التي لا يصح ولا يليق وصف الله ﷿ بها، وهي من أدل الأدلة على التحريف فمن ذلك:
١- وصفهم الله ﷿ بالتعب
يزعم اليهود في كتابهم أن الله ﷿ تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع، فقد ورد في سفر التكوين (٢/٢) ما نصه "وفرغ الله في
[ ١٠٣ ]
اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل".
وفي سفر الخروج (٣١/١٧) قالوا "لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفي اليوم السابع إستراح وتنفس"
وقد رد الله ﷿ عليهم وبين بطلان قولهم هذا في قوله ﷿ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ق (٣٨)
٢- وصفهم الله ﷿ بالجهل
وصف اليهود الله ﷿ بالجهل في عدة مواطن من كتابهم منها قولهم في قصة آدم وحواء بعد أن أكلا من الشجرة كما في سفر التكوين (٣/٨) "وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟
فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت، فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني فأكلت"
فيتضح من كلامهم هذا أن الله ﷿ لم يعلم بآدم حين أكل من الشجرة، ولم يره حين أكل. بل لم يعلم بمكانه بعد أن اختبأ في الجنة.
فهل يصح أن يقول أحد أن الله العليم بكل شيء، والذي لا يغيب عن
[ ١٠٤ ]
سمعه وبصره شيء مهما خفي ودق، يخفى عليه أمر آدم على هذه الحال التي ذكر اليهود فلاشك أن ذلك من تحريفهم.
ولو نظرنا في كلام الله ﷿ في القرآن الكريم عن هذه الحادثة لوجدنا الفرق الشاسع بين التعبيرين ودلالتهما.
ففي القرآن يقول الله ﷿ ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ؟ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ؟ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ؟ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ؟ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف الآيات ١٩-٢٣.
ففي هذا النص الكريم ما يتناسب مع كمال علم الله وكمال سمعه وبصره وأنه محيط بكل شيء، فحالما أكل آدم وزوجته من الشجرة ناداهما ربهما قائلًا ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
فلم يسأل آدم أين هو؟ ولا من أعلمه أنه عريان؟ وهل أكل من الشجرة؟ كما يزعم اليهود.
كما أن جواب آدم في القرآن الكريم هو الجواب اللائق بالنبي الكريم، حيث إعتذر مباشرة بأنه معتد في هذا الأكل وسأل الله المغفرة والرحمة، وهذا هو
[ ١٠٥ ]
اللائق بآدم العبد الصالح والنبي الكريم، لا ما ذكره اليهود من أنه ألقى باللائمة على زوجته، وحملها وحدها المسئولية.
ومن وصفهم الله ﷿ بالجهل أيضًا زعمهم أن الله ﷿ يجب أن توضع له علامة ليستدل بها عليهم حيث قالوا إن الله أمرهم قبل خروجهم من مصر أن يلطخوا أبوابهم العتبة العليا والقائمتين بالدم ويعللون ذلك بقولهم: " فان الرب يجتاز ليضرب المصريين فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب" سفر الخروج (١٢/٢٣) .
وهذا باطل فإن الله جل وعلا عالم الغيب والشهادة يقول سبحانه عن نفسه: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ سبأ آية (٣) .
٣-وصفهم الله ﷿ بالندم:
يزعم اليهود أن الله ﷿ ندم على فعله، فمن ذلك قولهم في سفر الخروج (٣٢/١٤): "فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه".
وقد كذبهم الله في ذلك فقال جل وعلا: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء آية (٢٣) .
وقال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ الفرقان آية (٧٧) .
وهل يندم إلا الغر الجاهل بالعواقب. والله ﷿ منزه عن ذلك.
[ ١٠٦ ]
وقد ورد في كتابهم أيضا ما يبين بطلان هذا الوصف وأن الله جل وعلا لا يوصف به.
جاء في سفر العدد (٢٣/١٩) "ليس الله إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم".
٤ - وصفهم الله ﷿ وتعالى وتقدس بالبكاء وذرف الدموع
وفي هذا يقولون في كتابهم أن الله قال لهم "وإن لم تسمعوا - أي كلامه وتطيعوه- فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة من أجل الكبرياء وتبكي عيني بكاءً وتذرف الدموع لأنه قد سبي قطيع الرب" سفر إرميا (١٣/١٧) .
وأيضًا قالوا بعد ذلك مثله في سفر إرميا (١٤/١٧) إن الله قال لهم "لتذرف عيناي دموعًا ليلًا ونهارًا ولا تكفا لأن العذراء بنت شعبي سحقت سحقًا عظيمًا بضربة موجعة جدًا".
فهذا كله لاشك أنه من افتراءات اليهود على الله ﷿ ووقاحتهم في كلامهم عن الله سبحانه. وهو دليل واضح على التحريف والتلاعب بكلام الله وكتب الأنبياء وفق أهوائهم لا يراعون في ذلك لله وقارًا ولا لكلامه تعظيمًا وإكبارًا سوى ما يتفق مع أمزجتهم وأهوائهم فعليهم من الله ما يستحقون.
[ ١٠٧ ]