قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِ أُمَّة رَسُولًا﴾ النحل (٣٦) .
وقال ﷿ أيضا: ﴿وَإِن مِنْ أُمَّة إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِير﴾ فاطر (٢٤) .
قال ابن كثير -﵀- عند الآية الأولى: "وبعث في كل أمة أي من كل قرن وطائفة رسولًا ثم قال فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح؟؟﵇؟١.
فهذا فيه دلالة واضحة على أن البشر ماانفكوا عن رسل يدعونهم إلى الله ويشرعون لهم الشرائع التي يتعبدون الله بها، كلما اندرست معالم التوحيد، وانطمست أنواره في نفوسهم.
وذلك يعني أن التجمعات البشرية لم تخل من دين تدين به وتضبط كثيرًا من نواحي حياتها وِفْقَه.
وهذا ما أكده أيضًا علم الآثار والبحوث الاجتماعية في التجمعات البشرية، إذ يصرح كثير من ذوي هذه الاختصاصات: "أن الجماعات البشرية القديمة والحديثة، المتحضرة وغير المتحضرة كان لها دين تدين به.
قال هنرى برجسون٢: لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٢/٥٢٢) . ٢ هو فيلسوف يهودي الأصل وشاع أنه اعتنق النصرانية في أخريات حياته ولكن فلسفته كلها تدل على أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا ذا دين مطلقا، وإنما كان دهريًا يرى الحياة قوة مندفعة تخبط خبط عشواء توفي ١٩٤١م انظر حاشية الدين ص ١٤٣.موسوعة الفلسفة ص ٩٦
[ ٢٤ ]
علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد جماعة بغير ديانة " ١.
فهذه الدلالات المؤكدة، والحقيقة التي لا تقبل الجدل في أن النزعة الدينية متعمقة في الإنسان ومغروزة فيه تجعل الباحث والناظر في ذلك يتساءل عن الباعث على هذا التدين ما هو؟ مع أن الدين ليس من الماديات، ولا من الشهوات التي تتعلق بها النفوس، بل الدين له تبعات ولوازم تجعل الإنسان في كثير من الأحيان يبذل دمه من أجله فضلا عن ماله ووقته وعواطفه، ويتحكم الدين في كثير من تصرفات الإنسان وعلاقاته.
فلهذا كثر في بيان الباعث على التدين القيل والقال، والاستنتاجات، والتخمينات.
وإليك بعض هذه الأقوال وهي كلها لغير المسلمين:
قال بعضهم: إن الدافع إلى التدين الخوف من الطبيعة حوله بما فيها من برق، ورعد، وزلازل، وبراكين، وحيوانات متوحشة، جعلت الإنسان في الأزمان القديمة وهو الضعيف الذي لا حول له ولا طول مع هذه الأحوال المتغيرة حوله يبحث عن قوة غيبية لها سيطرة وتأثير في هذه الطبيعة حوله، ولها قدرة على حمايته وحفظه، فألهَّ وعبد ما يرى أنه أقوى وأقدر على حمايته من المخلوقات التي حوله كالشمس والقمر والبحر ونحو ذلك ٢.
وقال بعضهم وهو ماكس موللر٣: أن العقل هو الباعث على التدين،
_________________
(١) ١ نقلا عن كتاب "الدين" د/ محمد دراز ص٨٣ وانظر الإنسان في ظل الأديان د/ محمد نجيب ص٢٥. اليهود وراء كل جريمه وليم كار ص٣٧ ترجمة خير الله طلفاح. ٢ هذا قول الانجليزي جيفونس في كتابه " المدخل إلى تاريخ الديانات" نقلا عن كتاب الدين د. محمد دراز ص١٢٥. ٣ مستشرق ألماني من علماء اللغات ومن الدارسين المتعمقين في دراسة الأساطير والأديان توفي ١٩٠٠م. الأعلام٥/١٤٥
[ ٢٥ ]
وذلك أن العقل ميزة الإنسان عن الحيوان، وهو باعث على النظر والتفكر في هذه المخلوقات، والإعجاب بها، وتعظيمها، ومن هنا أخذ العقل يفكر فيما وراء الطبيعة، وأداه عقله مع اللغة المستخدمة في الحديث عن الجمادات١ إلى صبغها بصبغة الأحياء ذوات الأرواح، مما جعله يتعبد لها ويتخذها إلها ٢.
وهناك قول ثالث في الباعث قال به دوركايم الفرنسي٣ وهو أن الحاجة الإجتماعية هي الباعث على التدين، وذلك أن المجتمعات البشرية تحتاج إلى نظم وقوانين تحفظ الحقوق وتصون الحرمات، ويؤدي كل إنسان واجبه بمراقبة داخلية، مما جعل بعض الأفذاذ وذوي القيادة يتولد في أذهانهم الدين، ويبثونه في جماعتهم، فتقبله الجماعة لحاجتها لذلك٤.
هذه الأقوال يظهر منها واضحًا إدعاء أن الدين مصدره الإنسان، وأن باعثه أمر من الأمور المتعلقة بالطبيعة حول الإنسان، أو دوافع داخلية في الإنسان.
ولا تحتاج هذه الأقوال إلى كثير عناء في إبطالها وردها، إذ أن هذه البواعث المذكورة كثيرًا ما تكون غير موجودة، ومع ذلك يكون التدين ظاهرًا واضحًا يصدم دعاة الإلحاد ويهدم تخرصاتهم.
ولا يعدو ما ذكر هنا من باعث التدين أن يكون تخرصا وفرضًا باطلًا، إذ أن
الحديث عن باعث التدين يحتاج إلى سبر أغوار النفس البشرية، ودراسة
_________________
(١) ١ المراد أن اللغة يعبر بها عن بعض الجمادات، وكأن لها إرادة وفيها روح كقولهم النهر يجري والشمس تطلع والمطر ينهمر ونحو ذلك. ٢ انظر "الدين" ص١١٤- كتاب "الله ﷻ" للعقاد ص١٧. ٣ هو أميل دور كايم عالم إجتماع فرنسي توفى ١٩١٧م. انظر المنجد في الاعلام ص٢٩٠ ٤ انظر "الدين" ص١٥٠ وكذلك كتاب الإنسان في ظل الأديان ص٣٩.
[ ٢٦ ]
تاريخية متعمقة، تشمل الإنسان الأول، وتسير معه سيرًا متأنيًا، كاشفة عن مشاعره وأحاسيسه وتقلباتها حسب الظروف والأحوال التي تحيط به، إذ أن الدين له أوقات يظهر بها ويتضح جليًا في حياة الإنسان، وهي أوقات الأزمات والمخاوف التي يقع فيها الإنسان. كما أن له أوقاتًا يكمن فيها ولا يظهر، وهي أوقات الرخاء والغنى، إذ يقع الإنسان فيها فريسة سهلة للغفلة والبعد عن الدين.
كما أن الباحث يجب أن يكون في حال بحثه خاليا من المؤثرات البيئية والدينية والثقافية، وذلك من أجل أن يكون حكمه على الظواهر التي يقع عليها سليما من المؤثرات الخارجية وأنَّى للباحث أن يتخلص من ذلك١.
فهذه الأمور تجعل الوصول إلى باعث التدين الحقيقي من الصعوبة والعسر ما لا يتمكن منه الإنسان.
ونحن المسلمين نعتقد أن الباعث على التدين: هو الفطرة، ونعتمد في ذلك على الوحي الإلهي والنور الرباني، فإن القرآن والسنة نصا على أن الإنسان مفطور على الإقرار بالخالق والعبودية له والبراءة من الشرك٢.
يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلكَ الدِينُ الْقَيِم وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الروم (٢٠) .
وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
_________________
(١) ١ انظر في الرد على هذه التخرصات كتاب الدين ص١١٤-١٦٤. ٢ أكثر السلف على أن المراد بالفطرة الإسلام. انظر فتح الباري (٣/٢٤٨) .
[ ٢٧ ]
عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِكُمْ قَالُوا بلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِيَن أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِيَة مِن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكَنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون﴾ الأعراف (١٧٢) .
فهذه الآية تشهد للآية قبلها، وتبين أن الله جعل ذلك في فطر بني آدم، وأنه أخرجهم من أصلاب أبائهم وأخذ عليهم بذلك العهد والميثاق.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس؟﵁ عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا "لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك ولا أدخلك النار فأبيت إلا الشرك" ١.
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعا قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم؟﵇ بنعمان - يعني عرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِكُمْ قَالُوا بلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَاَمَةِ إِنَّا كُنَا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ الآية٢.
ومن الأدلة الدالة على أن الإنسان مفطور على الدين الحق حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء"٣.
_________________
(١) ١ خ الانبياء (٤/١٠٦) م. المنافقين (٤/٢١٦٠) . ٢ حم (١/٢٧٢) وذكر ابن كثير في تفسيره (٢/٢٤١) روايات عديدة في هذا المعنى ورجح وقفها على ابن عباس ﵄. ٣ أخرجه خ الجنائز ب٩٢ - انظر فتح الباري (٣/٢٤٦) .
[ ٢٨ ]
وحديث عياض بن حمار المجاشعى ﵁ أن رسول الله؟ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا الحديث"١.
فهذه الأدلة صريحة في بيان أن الإنسان مفطور على الإقرار بالخالق، والعبودية له وهذا هو التدين وذلك باعثه -ومن أصدق من الله حديثا-.
كما دلت هذه الأدلة أيضًا على أمرين:
أحدهما: أن هذه الفطرة والإقرار بالخالق إلهًا وربًا، قابلة للتأثر والتغير والإنحراف بفعل مؤثرات خارجية، ولذلك نعتقد بأن السبب في وجود الوثنيات السابقة في الأمم البائدة، واللاحقة في الأمم القديمة والحاضرة هو هذه المؤثرات التي وردت في هذه النصوص.
ثانيهما: أن المؤثرات التي تؤدي إلى انحراف الفطرة عن وجهتها الصحيحة على ضوء هذه الأدلة ثلاثة وهي:
١- الشياطين: وهي المؤثر الخارجي الأصلي والأول في هذا الأمر كما دل على ذلك حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ المتقدم.
٢- الأبوان ويقوم المجتمع بدور الأبوين في حال فقدهما: وهذا المؤثر هو أقوى المؤثرات، وأخطرها لشدة التصاق الأولاد بآبائهم وقوة تأثيرهم عليهم. وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم.
_________________
(١) ١ أخرجه م. الجنة (٤/٢١٩٧) حم (٤/١٦٢) .
[ ٢٩ ]
وقد قدمت الشياطين على الآباء لأن الشياطين هي المؤثر الخارجي الأول في انحراف الآباء أنفسهم.
٣- الغفلة: وهي المؤثر الثالث في انحراف هذه الفطرة كما دلت على ذلك آية سورة الأعراف.
ولسائل أن يسأل: ما هي فائدة الفطرة وهي على هذه الحال من الضعف١ حيث تتأثر بهذه المؤثرات الخارجية التي تؤدي إلى انحرافها، ولا يكاد الإنسان ينفك عن واحد من هذه المؤثرات والصوارف، أو كلها؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن حكمة الله اقتضت جعل الفطرة بهذه الحال ليتحقق الغرض من ابتلاء الإنسان بالخير والشر ومن ثم جزاؤه على عمله، إذ لو كانت الفطرة قوية لا تتأثر بشيء لما وقع الكفر والإنحراف في بني آدم، بل صاروا غير قابلين للكفر فلا يتحقق الإبتلاء، ولله الحكمة البالغة.
ومع ذلك فإن لهذه الفطرة فوائد عديدة منها:
أولًا: أن هذه الفطرة غرزت في النفس البشرية التدين والتعبد لله تعالى، فإذا لم يهتد الإنسان إلى الله ﷿ فإنه يُعبد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام
_________________
(١) ١ يلاحظ أن الإنسان مفطور على أشياء كثيرة جدًا منها ما ذكره الله ﷿ في قوله ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ آل عمران آيه (١٤) ومنها أنه مجبول على حب الطعام الطيب والماء العذب، والنفرة من الطعوم والروائح الخبيثة، وحب من أحسن إليه، وكره من أساء إليه وأشياء عديدة، وهي فطرة قوية ليس من السهل تغييرها أو تبديلها وذلك لأنه لا يتعلق بها إبتلاء أو امتحان بل يتعلق بها أمور عديدة منها أن بها قوام الإنسان وصلاح معاشه وحياته.
[ ٣٠ ]
الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثًا ليسد به جوعته.
وهذا ما يفسر لنا وجود التدين عند عموم البشر وقد يكون الدين والمعبود في كثير من الأحيان باطلًا.
ثانيًا: أن هذه الفطرة جعلت في جبلة الإنسان قبول العبودية والانسجام مع لوازمها، وهذا من الأمور المهمة للإنسان، لأن كل ما لا يتفق مع الفطرة فإن النفس تنفر منه ولا تستجيب لمتطلباته.
ثالثًا: أن هذه الفطرة مرجحة للحق، فإذا تعرف الإنسان على دينين حق وباطل، فإن الفطرة تميز بينهما وتميل إلى الحق بل يقع ذلك في قرارة النفس ويتيقن القلب منه، فإما أن يعلن ذلك ويلتزم به، أو لا يستجيب له بسبب هوى، أو خوف، أو إلف وتقليد ونحو ذلك من الصوارف عن الحق. كما قال ﷿ عن فرعون وقومه ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًا﴾ النمل آيه (١٤) .
رابعًا: أن هذه الفطرة تهب للمهتدي يقينا بالحق الذي هو عليه وإن لم يكن عنده من الأدلة النظرية ما يهبه هذا اليقين، وهذا يفسر لنا -والله اعلم- عدم ترك المسلم لدينه رغبة عنه وما ذلك إلا لتناسبه مع فطرته، فيعطيه ذلك يقينا بأنه الحق، وكذلك من اهتدى إلى الإسلام من ذوي الأديان الأخرى الباطلة، فإنه يتمسك به تمسك الغريق بحبل النجاة، وما ذلك إلا لتيقنه من أن هذا الدين هو الحق، لتناسبه وانسجامه مع الفطرة. والله اعلم.
[ ٣١ ]