مُصطَلحَات الصّوفية
إن للصوفية مصطلحات تعبّر عنها ألفاظ وكلمات وتراكب، ولها معان خاصة ومطالب مخصوصة غير ما يدّل عليه ظاهر الألفاظ والكلمات أو تتضمّن هذه الكلمات والألفاظ على مدلولاتها الأصلية ولكن لها معان أعمق وأكثر من مفهومها ومدلولها الظاهر بداهة ولأول وهلة فإنها لم توضع إلا لنوع معيّن وقسم خاص من المفاهيم والمقاصد الغير المتبادر إليها الذهن، ولكل قوم ما اصطلحوا عليه، فلا يدرك أبعادها، ولا يفهم مطالبها إلا من كان له معرفة وإلمام، وعلم وإدراك بمصطلحات القوم وبما اختاروا لها من الكلمات والألفاظ هي كالألفاظ، والكلمات كالكلمات ولكن لا يفهم منها شيئًا مع معرفته باللغة التي استعملت فيها تلك الألفاظ والكلمات، وإتقانه إياها، ويستغرب ويتعجب ويضل في متاهاتها، ويتحيّر في مسالكها وصحاريها وبراريها، وما أصدق ما قاله السمعاني في هذا الخصوص نفسه كما ينقل عنه الإمام الذهبي أنه قال:
" كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح ديّن خيّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، تفقّه على المخرّمي، وصحب الشيخ حمادًا الدباس، وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له، مضينًا لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درسًا ما فهمت منه شيئًا، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا لإلفهم كلامه وعبارته " (١).
فلم يفهم منه شيئًا لأنه لم يكن له علم بمصطلحات القوم ومدلولات كلماتهم، وفي مثل ذلك قال من قال:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء القوم غير نسائها
وقد أقرّ بذلك صوفي قديم نقلا عن الشبلي أنه أنشد:
_________________
(١) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج ٢٠ ص ٤٤١.
[ ٢٩٨ ]
علم التصوف علم لا نفاد له علم سنيّ سماوي ربوبيّ
فيه الفوائد لأرباب يعرفها أهل الجزالة والصنع الخصوصي (١).
وكثيرًا ما يمر على القارئ ألفاظ لها معناها الظاهر والعادي، لكن القوم يستعملونها كاصطلاح خاص تعبيرًا عن فلسفة مخصوصة وعقيدة مميّزة يؤمنون بها ويعتقدون فيها فهو لعدم معرفته لا يدرك حقيقتها فلا يصل إلى الفهم الصحيح والمعنى الحقيقي الذي يجعله مطلعًا على مذهب القوم ومشربهم، فأردنا في هذا الباب أن نذكر بعض المصطلحات التي عليها تدور رحى التصوف، وقد كثر استعمالها في كتابنا ولا بدّ لمن أراد التعرف لمذهب أهل التصوف من أن يعرفها والمفاهيم التي وضعت لأجلها، وآنذاك يصل إلى الكنه والمغذي والمقصود والمطلوب.
ولقد كثر استعمال مصطلحات " الحقيقة المحمدية " و" القطب " و" الأبدال " و" الأوتاد " وغيرها فهذه قد مرّ بيانها في كتابنا " التصوف: المنشأ والمصادر " تحت عناوين مختلفة، فلا فائدة لتكرار ما ذكر هناك، ونذكر الأشياء التي بقى توضيحها وكشف مفاهيمها ومدلولاتها، وقد كثر ورودها في كتابنا وكتب الصوفية، فمنها:
" الغيبة "، وهي عندهم: " أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها " (٢).
ويقول القشيري والكمشخانوي:
" هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق بما يرد عليه، ثم قد يغيب عن غيره فقط، وقد يغيب عن غيره وعن نفسه أيضًا إذا عظم الوارد " (٣).
وينشد الكمشخانوي:
_________________
(١) التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر محمد الكلاباذي ص ١٠٦ ط مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة ١٩٨٠م.
(٢) التعرف لمذهب أهل التصوف ص ١٤٠.
(٣) الرسالة القشيرية ج ١ ص ٢٣٢، أيضًا جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص ٢٥٤.
[ ٢٩٩ ]
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ويفرح بالتيه الدنيّ وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع الله واقفًا خليًّا عن التذكار للجن والأنس (١).
ويقول الهجويري:
" المراد من الغيبة غيبة القلب عما دون الحق إلى حدّ أن يغيب عن نفسه، حتى أنه بغيبته عن نفسه لا يرى نفسه " (٢).
وبمثل ذلك قال الطوسي (٣).
وينقل الدكتور عبد الحليم محمود عن سيده أحمد الدردير أنه قال مبينًا حالة غيبته عن نفسه:
" حتى لو تكلّم الناس وأنا معهم بكلام وخاطبوني به لا أدري ما قالوا، وهم لا يعلمون مني هذا الحال، لأني صورتي الظاهرية صورة العاقل الصاحي، وهذا أمر عجيب لا يعرفه إلاّ من ذاقه " (٤).
فمعنى الغيبة عند الصوفية هو أن يغيب الإنسان عن فكرة وذهنه ووجوده لا يدري ما يقع في الكون ولا يفهم كلام الناس، فظاهره معهم، وباطنه غائب عنهم، وهذا مقام سنيّ عندهم يحوزه كبار أوليائهم ومشايخهم، فيحكون عن ذي النون المصري أنه:
" بعث إنسانًا من أصحابه إلى أبي يزيد، لينقل إليه صفة أبي يزيد. فلما جاء الرجل إلى بسطام سأل عن دار أبي يزيد: ماذا تريد؟ فقال: أريد أبا يزيد.
فقال: من أبو يزيد؟ وأين أبو يزيد؟ أنا في طلب أبي يزيد.
فخرج الرجل، وقال: هذا مجنون.
ورجع الرجل إلى ذي النون فأخبره بما شاهد، فبكى ذو النون وقال، أخي أبو يزيد
_________________
(١) جامع الأصول في الأولياء لأحمد الكمشخانوي ص ١٢٥.
(٢) كشف المحجوب للهجويري ص ٤٨٩.
(٣) أنظر كتاب اللمع للطوسي ص ٤١٦.
(٤) سيدي أحمد الدردير للدكتور عبد الحليم محمود ص ٧٧ ط دار الكتب الحديثة القاهرة.
[ ٣٠٠ ]
ذهب في الذاهبين إلى الله (١).
ومثل ذلك حكى ابن عجيبة عن الشبلي أنه قال له رجل: أين الشبلي؟
قال: مات، لا ﵀ (٢).
فهذه هي الغيبة الصوفية، يقولون: أن الإنسان ليستغرق في ذكر الله تعالى ومحبته حتى أنه ينسى نفسه، والمعلوم شرعًا وعقلًا أن ذكر الله ﷿ لا يستجلب هذا النوع من الجنون والهذيان، بل يثمر الراحة والاطئنان والسكينة ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (٣).
فنسيان الكون والنفس وذهاب العقل والفهم أمر مذموم، وليس شيئًا محمودًا حتى يكون من ثمرات ذكر الله تعالى ومحبته، بل أنها أذواق شيطانية لا تقرها الشريعة الإسلامية.
هذا ويذكر القشيري صوفيًا غاب فكره وذهنه وعقله وفهمه، وهو أبو علي الدقاق، فيحكي عن أبي نصر المؤذن بنيسابور أنه قال:
" كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق بنيسابور، وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيرًا، فأثر في قلبي كلامه، فخرجت إلى الحج تلك السنة، وتركت الحانوت والحرفة، وكان الأستاذ أبو علي ﵀ خرج إلى الحج أيضًا في تلك السنة، وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأواظب على القراءة في مجلسه، فرأيته يومًا في البادية: تطهر ونسي قمقمة كانت بيده، فحملتها، فلما عاد إلى رحلة وضعتها عنده، فقال: جزاك الله خيرًا. حيث حملت هذا.
ثم نظر إليَ طويلًا كأنه لم يرني قطَ، وقال:
رأيتك مرة. فمن أنت؟
فقلت: المستغاث بالله، صحبتك مدة، وخرجت من مسكني ومالي بسببك،
_________________
(١) الرسالة القشيرية ج ١ ص ٢٣٤، ٢٣٥، كشف المحجوب للهجويري ص ٤٩٠، إيقاظ الهمم لابن عجيبة ص ٣٠٨، مشارق أنوار القلوب للدباغ ص ١٠٣، ترصيع الجواهر المكية ص ٤٢.
(٢) إيقاظ الهمم لابن عجيبة الحسني ص ٣٠٨ ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة.
(٣) سورة الرعد الآية ٢٨.
[ ٣٠١ ]
وتقطعت في المفازة بك، والساعة تقول: رأيتك مرة " (١).
وذلك لأنه كان غائبًا عن نفسه:
وحكى عن أبي عقال أنه " دخل عليه بعض الفقراء فقال له: سلام عليكم.
فقال له أبو عقال: وعليكم السلام، فقال الرجل: أنا فلان فقال أبو عقال:
أنت فلان، كيف أنت؟ وكيف حالك؟ وغاب عن حالته.
قال هذا الرجل، فقلت له: سلام عليكم.
فقال: وعليكم السلام، وكأنه لم يرني قط.
ففعلت مثل هذا غير مرة، فعلمت أن الرجل غائب فتركته، وخرجت من عنده (٢).
وحكاية أخرى حكاها كل من القشيري وابن الملقن وعماد الدين الأموي، وتبيَن حقيقة هذا المصطلح، فينقلون عن الجنيد أنه:
" كان قاعدًا، وعنده أمرأته، فدخل عليه الشبلي، فأرادت أمرأته أن تستتر، فقال لها الجنيد: لا خبر للشبلي عنك، فاقعدي.
فلم يزل يكلَمه الجنيد، حتى بكى الشبلي، فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته: أستتري، فقد أفاق الشبلي من غيبته (٣).
هذا بالنسبة لغيبة الصوفي عن ذهنه وفكره ووجوده، وأما غيبته هو عن الخلق ووصوله إلى الله كما يدَعون، فيروي الأموي " أن الحسن ﵀ أختفى عند حبيب العجمي من الحجاج، فسعى به، فدخل عليه الشرط، فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا إن الحسن عندك فقال: هل ترون شيئًا؟
ففتشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه، لأنه كان عند الله فلم يروه " (٤).
فهذه هي أقاويل المتصوفة في " الغيبة " إحدى مصطلحاتهم.
_________________
(١) الرسالة القشيرية ج ١ ص ٢٣٤.
(٢) أيضًا ص ٢٢١.
(٣) أنظر الرسالة القشيرية ج ١ ص ٢٣٣، أيضًا طبقات الأولياء لابن الملقن ٢١١، أيضًا حياة القلوب لعماد الدين الأموي ج ٢ ص ٢٧٣ بهامش قوت القلوب لأبي طالب المكي ط دار صادر بيروت.
(٤) حياة القلوب لعماد الدين الأموي ج ٢ ص ٦٩ بهامش قوت القلوب.
[ ٣٠٢ ]
ومثلها " السكر " كما يقولون: " السكر هو أن يغيب الإنسان عن تمييز الأشياء " (١).
ويقول شهاب الدين يحيى السهروردي المقتول: " السكر سانح قدسي للنفس يؤدي إلى إبطال النظام عن الحركات " (٢).
ويذكره المنوفي الحسيني بقوله:
" السكر غيبة بوارد شهود الخلق " (٣).
ويقول: روزبهان:
" السكر هو كثرة شرب أقداح حسن التجلَي " (٤).
ويقول الطوسي: " السكر معناها قريب من معنى الغيبة غير أن السكر أقوى من الغيبة " (٥).
وقريبًا من معنى اصطلاح الغيبة والسكر " المحو " كما يقول الكمشخانوي:
" إذا غلب عليه (الصوفي) المحو فلا علم ولا عقل فهم ولا حسّ كما روى مسندًا أن أبا عقال المغربي أقام بمكة أربع سنين ولم يأكل ولم يشرب إلى أن مات، وكان يسلَم عليه خاص أصحابه فلم يعرَفه نفسه، ثم يغيب عنه الشيخ حتى لو عاوده بالكلام لم يعرفه الشيخ، ومنهم من يعود إلى حال أداء الفرض فقط " (٦).
ومثل ذلك ذكروا عن أبي عبد الله التروغندي أنه " ما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة، يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته، فلم كذلك إلى أن مات " (٧).
ومنها " الصولة ": وهي أن لا يرى أحد إلا الله (٨).
_________________
(١) التعرف إلأى مذهب اهل التصوف للكلاباذي ص ١٣٨.
(٢) كلمة التصوف للسهروردي ضمن رسالة أز شيخ إشراق فصل في شرح بعض مصطلحات الصوفية ص ١٢٥ ط مؤسسة انتشارات إسلامي لاهور باكستان.
(٣) جمهرة الأولياء لأبي الفيض المنوفي الحسيني ج ١ ص ٣٠٤.
(٤) شرح الحجب والأستار لروزبهان ص ١٩.
(٥) كتاب اللمع للطوسي ص ٤١٦.
(٦) جامع الأصول في الأولياء للكمشخانوي ص ١٢٦.
(٧) الرسالة القشيرية ج ١ ص ٣٢١.
(٨) حياة القلوب لعماد الدين الأموي ج ٢ ص ٢٧٤.
[ ٣٠٣ ]
وأما " الحضور " و" الصحو " فهما: " رجوع الصوفي إلى الإحساس بعد غيبة عقله وإحساسه " (١).
ويذكر الهجويري أن داود ﵇ رأى أمرأة أوريا في حالة السكر فيقول:
" وقع نظر داود ﵇ على ما لم يكن ينبغي له أن ينظر إليه أي على أمرأة أوريا وكان ذلك في حالة السكر، أما نظر المصطفى ﷺ إلى أمرأة زيد فكانت تلك النظرة في محل الصحوة " (٢).
ومن المصطلحات الصوفية " الجمع " وهو: " شهود الحق بلا خلق، وجمع الجمع شهود الخلق قائمًا بالحق، ويسمى الفرق بعد الجمع " (٣).
ويصرح القشيري " جمع الجمع: الإستهلاك بالكلية، وفناء الإحساس بما سوى الله ﷿ عند غلبات الحقيقة. . . فالعبد يطالع نفسه في هذه الحالة في تصريف الحق سبحانه، يشهد مبدئ ذاته وعينه بقدرته، ومجري أفعاله وأحواله عليه بعلمه ومشيئته " (٤).
ويقول روزبهان: " الجمع هو ظهور التجلي في الروح " (٥).
وقد جمع هذه المصطلحات الصوفية كلها عطاء الله الأسكندري في حمه حيث قال:
" وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق، وفني عن الأسباب بشهود مسبَب الأسباب، فهو عبد مواجه بالحقيقة، ظاهر عليه سناها، سالك للطريقة، قد استولى على مداها، غير أنه غريق الأنوار، مطموس الآثار، قد غاب سكره على صحوه،
_________________
(١) أنظر اللمع للطوسي ص ٤١٦، كشف المحجوب ص ٤٩٠، جامع الأصول ص ٢٢٩، كلمة التصوف للسهروردي ص ١٢٥، جمهرة ص ٣٠٥.
(٢) كشف المحجوب للهجويري ص ٤١٤ ط دار النهضة العربية بيروت.
(٣) اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق القاشاني من صوفية القرن الثامن الهجري ص ٤١ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨١م، أيضًا متممات جامع الأصول في الأولياء ص ٨٠، أيضًا جمهرة الأولياء للمنوفي الحسيني ص ٣٠٢.
(٤) الرسالة القشيرية ج ١ ص ٢٢٥، ٢٢٦.
(٥) شرح الحجب والأستار لروزبهان.
[ ٣٠٤ ]
وجمعه على فرقه، وفناؤه على بقائه، وغيبته على حضوره " (١).
ويشرح النفزي الرندي هذه العبارة بقوله:
" هذا هو حال الخاصة من أرباب الحقائق، وهم الذين غابوا عن (شهود) الخلق بشهود الملك الحق، فلم يقع لهم شعور بهم، ولا التفات إليهم، وفنوا عن الأسباب برؤية مسبب الأسباب، فلم يروا لها فعلًا ولا جَعْلًا، فهم مُواجهون بحقيقة الحق ظاهر عليهم سناها، أي: نورها وضياؤها، سالكون طريقة الحق، قد استولوا على مداها، أي: وصلوا إلى غايتها ومنتهاها، إلاّ أنهم غرقوا في بحار أنوار التوحيد، مطموس عليهم آثار الوسايط والعبيد، أي: مغلق عليهم رؤية ذلك والشعور به قد غلب سكرهم، وهو: عدم إحساسهم بالأغيار، على صحوحهم، وهو: وجود إحساسهم بها، وجمعُهم، وهو ثبوتُ وجود الحق فردًا، على فرقهم وهو ثبوت وجود الخلق، وفنائهم، وهو: استهلاكهم في شهود الحق على بقائهم وهو شعورهم بالخلق، وغيبتهم وهو ذهاب أحوال الخلق عن نظرهم على حضورهم مع الخلق.
ومعاني هذه الألفاظ، كما تراها، متقاربة، وهي ألفاظ تداولها الصوفية المحققون بينهم وعبّروها بها في كتبهم، ووضعوها على معان اختصوا بفهمها، ليتعرّف بعضهم من بعض ما يتخاطبون به، ولهم ألفاظ كثيرة غيرها " (٢).
ولعلّ معنى اصطلاح " الجمع " يتضح أكثر بنصّ الهجويري حيث يقول:
" الجمع هو أن يصير كل المحبّ كل المحبوب. . . وهو أن يكون العبد في الحكم والهًا ومدهوشًا ويكون حكمه حكم المجانين. . .
ويقول واحد من المشايخ ﵀: جاء درويش إلى مكة وأقام سنة في مشاهدة الكعبة، فلم يطعم ولم يشرب ولم ينم ولم يذهب للطهارة، لا جتماع همّته برؤية البيت، لأن الله تعالى قد أضافه إلى نفسه فصار غذاء جسده ومشرب روحه. . .
_________________
(١) الحكم العطائية لتاج الدين بن عطاء الأسكندري ص ٢٠٨ ضمن غيث المواهب العلية.
(٢) غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ٢ ص ٢٠٨، ٢٠٩ بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ط مطبعة السعادة القاهرة ١٣٨٠هـ.
[ ٣٠٥ ]
ومثل جمع همه المجنون في ليلى لأنه حينما لم يكن يراها كان كل العالم وكل الموجودات عنده صورة ليلى " (١).
وكثيرًا ما يذكر الصوفية عند بيان مصطلحاتهم العشق الغزلي والحب الطبيعي، ويشبهون الله ﷿ بمعشوق مجازي ويحملون وصفه ﷾ على ليلى وغيرها، ثم يحاولون ربط العلاقة بين الحبين، سنذكر هذا المبدأ مفصلًا في هذا الباب إن شاء الله.
وعلى كلّ فإن الصوفية تكلّموا وراء ستار هذه المصطلحات والكلمات في موضوعات لا تمتّ إلأى الإسلام بصلة، وأعتقدوا بالحلول والاتحاد، والوصول والاتصال. وقد استغرب المسلمون عقائدهم وأفكارهم هذه.
فما يدّل على اعتقاد الصوفية بحلول ذات الله تعالى في العبد اصطلاحهم " الفناء "، وهو من أهمّ المصطلحات التي يقوم عليها مذهبهم وتتأسس عليها ديانتهم. والفناء عند المتصوفة: فناء ذات العبد في ذات الرب، فتزول الصفات البشرية في هذا المقام، وتبقى الصفات الإلهية، وتفنى جهة العبد البشرية في الجهة الربانية فيكون العبد والرب شيئًا واحدًا - والعياذ بالله -.
فيصرح داود بن محمود القيصري:
" المراد من الفناء فناء جهة العبد البشرية في الجهة الربانية إذ لكل عبد جهة من الحضرة الإلهية. . . وهذا الفناء موجب لأن يتعين العبد بتعينات حقانية وصفات ربانية " (٢).
ويقول النفزي الرندي:
" فناء الذات: أي لا موجود على الإطلاق إلا لله تعالى، وأنشدوا في ذلك:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء " (٣).
_________________
(١) كشف المحجوب للهجويري ص ٤٩٨، ٤٩٩.
(٢) مقدمة شرح الفصوص للقيصري مخطوط نقلًا عن ملحقات ختم الأولياء للحكيم الترمذي ص ٤٩١ ط بيروت.
(٣) غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية للنفزي الرندي ج ١ ص ٩٩.
[ ٣٠٦ ]
ويعتبر فريد الدين العطار فناء السالك في الله كفناء القطرة في البحر (١).
ويقول ابن الدباغ:
" وأعلم أن المحب ما لم يصل إلى مقام الاتحاد لا تنقطع الحجب التي بينه وبين محبوبه، فإنها كثيرة لكن بعضها ألطف وأشدّ نورانية من بعض، وكلّما كشف له منها حجاب تاقت النفس إلى كشف ما بعده حتى تزول جميعها عند الاتحاد " (٢).
ويصرح أيضًا عقيدة اتصال الصوفي بالله تعالى، بقوله:
" وأعلم أن كل من أحب ذاتًا ما محبة كاملة خالصة، وأراد الاتصال بتلك الذات لا يمكنه ذلك إلا بخلع ما سواها وترك الإحساس به، فإذا صحّ له هذا مع صحة التوجه فقد وصل إلى مطلوب من الاتصال، ولا مانع من الاتصال بالحق مع حصول معرفته إلا بالشعور بما سواه، ومن تجرّد عن بدنه واطّرحه ناحية وفني عن شعوره بذلك فقد اتصل بالحق، لأن بدن الإنسان أقرب العالم المحسوس إليه، فإذا فني عنه فقد فني عن العالم كله، وهذا هو الوصول، ومن صار له هذا الانسلاخ ملكة بحيث يفعله متى شاء فهو الواصل على الحقيقة لتمكنه من مقام شهود الحق " (٣).
ويقولون: أن الله يتجلّى على العبد في هذا المقام، كما يذكر ذلك السهروردي في عوارفه بقوله:
" أما الفناء الباطن فهو محو آثار الوجود عند لمعان نور الشهود، يكون في تجلّي الذات، وهو أكمل أقسام اليقين في الدنيا " (٤).
وقال: " قد يكون التجلّي بطريق الأفعال، وقد يكون بطريق الصفات، وقد يكون بطريق الذات " (٥).
ويكتب ظهير الدين القادري: " الفناء هو أن يطالع الحق سرّ وليه بأدنى تجلّ،
_________________
(١) أنظر منطق الطير لفريد الدين العطار المقالة الرابعة والأربعون ص ٤٠٤ ط دار الأندلس بيروت.
(٢) مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ص ٦٨ تحقيق المستشرق هـ. ريتر ط دار صادر بيروت ١٣٧٩هـ.
(٣) مشارق أنوار القلوب للدباغ ص ٩٤.
(٤) عوارف المعارف للسهروردي ص ١٥٤.
(٥) أيضًا ٥٢٦.
[ ٣٠٧ ]
فيتلاشى الكون ويفنى الولي تحت تلك الإشارة " (١).
ويقول ابن عجيبة:
" إن القلوب إذا صفت الأكدار والأغيار، وملئت بالأنوار والأسرار لا يتجلّى فيها إلا الحق " (٢).
وينقل الشعراني عن أبي المواهب الشاذلي أنه كان يقول:
" إذا ما تجلّى الحق من غيب ذاته تلاشى وجود الغير حقًا بلا شكّ " (٣).
ويقول المنوفي الحسيني شارحًا " الصدق ":
" هو الفناء في الحق بالتجلّي الذاتي " (٤).
ويبين القاشاني معنى التجلّي الشهودي بقوله:
" هو ظهور الوجود المسمى بإسم النور وهو ظهور الحق بصور أسمائه في الأكوان التي هي صورها، وذلك الظهور هو النفس الرحماني الذي يوجد به الكل ّ " (٥).
ويقول مصطفى ابن الحسين الصادقي بأن العارف يذكر الله تعالى ويصقل قلبه " حتى صار بحيث إذا تجلّى له المحبوب لم ير في تلك المرآة إلا وجهه الكريم وهو قد اضمحلّ بجنب ذاك الجمال، وانمحق تحت أنوار الجلال، ولم يبق منه أثر ولا خبر بل استولى عليه الربّ سبحانه، فصار سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر ويده التي بها يبطش، فتجلّى الحق سبحانه حينئذ بذاته لذاته، وكان محبًا لذاته بذاته جاز إطلاق إسم المحبوب على ذلك العبد " (٦).
ويقول الوزير لسان الدين بن لخطيب: (أي النفس)
" فإذا جازت هذا المقام وهو فناء، وعدم منها الخلق بالكلية، وتجلّى لها الحق
_________________
(١) الفتح المبين لظهير الدين القادري ص ٣٨ ط المطبعة الخيرية مصر ١٣٠٦ هـ.
(٢) إيقاظ الهمم لابن عجيبة الحسني ص ٢٧.
(٣) الطبقات الكبرى للشعراني ج ٢ ص ٧١.
(٤) جمهرة الأولياء للمنوفي الحسيني ج ١ ص ٣٠٥.
(٥) اصطلاحات الصوفية للقاشاني ص ١٥٦.
(٦) المنهج الموصول إلى الطريقة الأنهج لمصطفى بن الحسين الصادقي مخطوط ص ٨، ٩.
[ ٣٠٨ ]
فشهدته موصوفًا بالصفة التي تليق به، فحينئذ يصح الوصول " (١).
وإليكم الآن ما قاله الجيلي عبد الكريم موضحًا معنى التجلي:
" التجلي الصوري ظهوره في مخلوقاته على اقتضاه القانون الخلقي التشبيهي " (٢).
وأصرح من ذلك ماقاله في مقام آخر:
" إن االعبد إذا أراد الحق ﷾ أن يتجلّى عليه بإسم أو صفة، فإنه يفنى العبد فناء يعدمه عن نفسه، ويسلبه عن وجوده، فإذا طمس النور العبدي وفني الروح الخلقي أقام الحق ﷾ في الهيكل العبدي " (٣).
ويقول: " الإنسان الكامل هو مظهره الأكمل وجلاه ألأفضل " (٤).
فليشاهد القارئ كيف أبدل الصوفية الحلول بكلمة " التجلي "، والحق أن التجلي الصوفي ليس إلا الحلول المسيحي.
ويستغرب الباحث حينما يجد الصوفية يبّرؤن أنفسهم عن الاعتقاد بالحلول، ومع هذه التصريحات والتوضيحات التي لا تترك مجالًا للريب والشك في هذا الخصوص.
ومقام الفناء - على حد تعبيرهم - هو الذي ادعى فيه كثير من مشايخ الصوفية الحلول والاتحاد حسب روايات المتصوفية كما نقلوا عن أبي يزيد البسطامي أنه كان يقول:
" سبحاني ما أعظم شأني " (٥).
فيقولون: أن قائل هذه الكلمة ليس أبا يزيد بل الله ﷾ هو الذي قال بها كما صرح بذلك القشيري في رسالته حيث قال:
" قال أبو يزيد: سبحاني، ما قال إلا الحق " (٦).
_________________
(١) روضة التعريف للسان الدين بن الخطيب ص ٤٦٤ ط دار الفكر العربي.
(٢) الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ج ١ ص ٤٩ ط مصطفى البابي الطبعة الرابعة ١٤٠٢ هـ.
(٣) أيضًا ص ٦٧.
(٤) أيضًا ج ٢ ص ١٧.
(٥) قوت القلوب لأبي طالب المكي ج ٢ ص ٧٥، رسالة ترتيب السلوك للقشيري ص ٧٣، فوائح الجمال لنجم الدين الكبري ص ٣٦، درر الغواص للشعراني ص ٨٥، إيقاظ الهمم لابن عجيبة ص ٢٠٤، جمهرة الأولياء ج ١ ص ٢٣٤.
(٦) ترتيب السلوك للقشيري ص ٧٣ من مجموعة الرسائل القشيرية ط إسلام آباد باكستان.
[ ٣٠٩ ]
ويقول نجم الدين الكبري:
" تتجلّى سبحات وجهه الكريم ويجري على لسان السيار (الصوفي) بحكم الاضطرار: سبحاني سبحاني ما أعظم شأني " (١).
لماذا هذا التستر وراء كلمة " التجلي " ولم يصرحون ويقولون " تحلّ " وما التجلّي غير الحلول باختلاف لفظي والمعنى واحد.
ونقل عن البسطامي أيضًا الهجويري يرى أنه كان يومًا في الصومعة، فجاءه رجل وقال:
هل أبو يزيد في البيت؟
فقال: هل في البيت إلا الله (٢).
ونقلوا عنه أنه قال:
" ما في الجبة غير الله " (٣).
وذكر الوزير لسان الدين عنه أيضًا أنه قال:
" قال لي الحق: يا أبا يزيد، كل هؤلاء خلقي إلا أنت، أنت أنا، وأنا أنت " (٤).
وقال أيضًا: " رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك.
فقلت: زيّني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وأرفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا " (٥).
فهذا النص صريح في معناه، جليّ في محتواه، يدلّ على اتحاد اللاهوت بالناسوت، فالعجب ممن يؤولون مثل هذه النصوص يتأويلات سخيفة لتبرئة ساحة المتصوفة ويسمونها شطحات ويقولون: " لاعبرة بها لأن حكم أصحابها المغميّ عليهم " (٦).
مع أن هذه العبارات ومثلها تقضي خروج أصحابها عن الدين، وأنها ضلال عن قصد السبيل، ونتيجة للاشتغال بالفلسفات الاشراقية وغيرها وإلاّ فلم لم تصدر
_________________
(١) فوائح الجمال لنجم الدين الكبري ص ٥٥.
(٢) كشف المحجوب للهجويري ص ٤٩٩.
(٣) أنظر جمهرة الأولياء ع للمنوفي الحسيني ص ٢٣٤.
(٤) روضة التعريف بالحب الشريف للوزير لسان الدين بن الخطيب ص ٣٥٣.
(٥) أنظر كتاب اللمع للطوسي ص ٤٦١.
(٦) أنظر حياة القلوب لعماد الدين الأموي ج ٢ص ٣٧٣ بهامش قوت القلوب.
[ ٣١٠ ]
هذه العبارات من الصحابة ﵃ أجمعين وهم أعبد الناس وأخشاهم لله.
وإن الله يحفظ وليه من التفوه بهذه الكلمات الكفرية، والشيطان هو الذي يتكلّم على ألسنتهم ويستولي على أذهانهم وقلوبهم. أعاذ الله جميع المسلمين من ذلك.
هذا وقد نقل الفيتوري عن أبي راوي الفحل أنه كان يقول:
" لا إله غيري، ولا معبود سواي إلى أن سمع به علماء أفريقية فأنكروا عليه، وأفتوا بتكفيره ففرّ منهم " (١).
ومن المعلوم أن أقوال الصوفية هذه ناتجة عن فكرة الفناء، فالصوفية يدّعون الألوهية لاعتقادهم بالحلول والاتحاد عند وصولهم إلى الله وفنائهم فيه حسب ما يزعمون.
فيقول الوزير لسان الدين بن الخطيب:
" ثم يفنى بعد ذلك الفناء الثاني. . . وكثير من الطوائف تدعي الحلول والاتحاد والكل متفقون على أنه لا يبقى في ذلك المقام إلا الله " (٢).
وينقل الشعراني عن أبي مدين المغربي أنه كان يقول:
" إذا ظهر الحق لم يبق معه غيره " (٣).
ويقول محمد القونوي:
" الإنسان الكامل مجلى تام للحق، يظهر الحق به من حيث ذاته " (٤).
وينسبون إلى الجيلاني أنه قال:
" قال لي الله: يا غوث الأعظم، ما ظهرت في شيء كظهوري في الإنسان " (٥).
وأما أمر الحلاج وأقواله وأشعاره في هذا الخصوص فهي معروفة مشهورة نذكر بعضًا منها ونعرض عن الباقي لأننا نريد أن نفرد له ولأمثاله من ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والرومي وغيرهم كتابًا مستقلًا إن شاء الله، فمنها
_________________
(١) الوصية الكبرى لعبد السلام الفيتوري ص ٨١.
(٢) روضة التعريف للوزير لسان الدين ص ٥١١.
(٣) طبقات الشعراني ج ١ ص ١٥٤.
(٤) رسالة النصوص لمحمد القونوي ص ٤٢.
(٥) مقدمة مقصود المؤمنون لبايزيد الأنصاري تقديم الصوفي الدكتور مير ولي خان ص ١٠٦ ط مجمع البحوث الإسلامية إسلام آباد باكسنان ١٣٩٦هـ.
[ ٣١١ ]
أنه سئل:
من أنت؟
قال: أنا الحق (١).
ومن أشعاره المشهورة:
" سبحان من أظهر ناسوته سرّ سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهراَ في صورة الأكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه كلحظة الحاجب بالحاجب " (٢).
وأيضًا:
" رأيت ربي بعين قلبي فقلت: من أنت؟ قال: أنت
ففي بقائي ولا بقائي وفي فنائي وجدت أنت
أشار سري إليك حتى فنيت عني ودمت أنت " (٣).
ومما يدلّ على جرأة المتصوفة على الكذب ونسبه القول إلى غير قائله أن ابن عجيبه الحسني نسب في إيقاظه نفس هذه الأبيات التي قالها الحلاج، نسبها إلى علي بن أبي طالب ﵁ حيث قال:
" ومما ينسب لسيدنا علي كرم الله وجهه:
رأيت ربي بعين قلبي. . . إلخ " (٤).
ويقول الحلاج أيضًا:
فأنا الحق حق للحق حق لا بس ذاته فما ثمّ فرق (٥).
ومن أبياته المشهورة كذلك:
" أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
روحه روحي وروحي روحه من رأى روحين حلّت بدنا " (٦).
_________________
(١) أنظر مكاشفة القلوب للغزالي ص ٢٦ ط الشعب القاهرة، أيضًا عوارف المعارف للسهروردي ٧٩.
(٢) ديوان الحلاج الطبعة الثانية بغداد ١٤٠٤ هـ.
(٣) ديوان الحلاج ص ٣٧.
(٤) أنظر إيقاظ الهمم لابن عجيبة ص ٥٨، ٥٩.
(٥) أيضًا ص ٦٧.
(٦) أيضًا ص ٧٧، ٧٨.
[ ٣١٢ ]
هذا بالنسبة للحلول والاتحاد، والوصول والاتصال، الذي يسمونه بوحدة الشهود أيضًا.
وأما " وحدة الوجود " فسنذكر عقيدة الصوفية هذه بالتفصيل إن شاء الله عند ذكر ابن عربي وأفكاره في الكتاب المستقبل إن شاء الله، ولكننا نذكر هنا ملخصًا وإجمالًا.
فيعتقد كثير من الصوفية بأنه ليس هناك فرق بين الله وخلقه إلا أن الله تعالى كلّ، والخلق جزؤه، وأن الله متجلّ في كل شيء من الكون حتى الكلاب والخنازير، فالكل مظاهره، وما في الوجود إلا الله، فهو الظاهر في الكون، والكون مظهره.
فيقول ابن عربي:
" فلا مظهر له إلا نحن، ولا ظهور لنا إلا به، فبه عرفنا أنفسنا وعرفناه، وبنا تحقق عين ما يستحق الإله:
فلولاه لما كنا ولولا نحن ما كانا
فإن قلنا بأنا " هو" يكون الحق إيانا
فبدانا وأخفاه وأبداه وأخفانا
فكان الحق أكوانا وكنا نحن أعيانا
فيظهرنا لنظهر سرارًا ثم أعلانا
ويقول أيضًا:
" فالكل أسماء الله، أسماء أفعاله أو صفاته أو ذاته، فما في الوجود إلا الله، والأعيان معدومة في عين ما ظهر فيها " (١).
ويقول:
" فكل ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. فمن حيث هوية الحق هو وجوده ةمن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات، فكما لا يزول عنه باختلاف الصور إسم الظل كذلك لا يزول باختلاف الصور إسم العالم أو إسم سوى الحق " (٢).
_________________
(١) أيضًا ص ٥٣.
(٢) فصوص الحكم لابن عربي ص ١٠٣ ط دار الكتاب العربي بيروت.
[ ٣١٣ ]
وأيضًا " أسماؤنا أسماء الله تعالى إذ إليه الافتقار بلا شك، وأعياننا في نفس الأمر ظله لا غيره " (١).
ويقول:
" يا محجوب لم لم تروجه الحق في كل شيء، في ظلمة ونور، مركب بسيط وولطيف وكثيف " (٢).
ونصوص أخرى كثيرة له لم نذكرها تجنبًا عن الإطالة ز
هذا ويقول حيدر الآملي:
" ليس في الوجود سوى الله " (٣).
ونقل روزبهان بقلي شيرازي عن الشبلي أنه قال:
" ليس هناك غير الله " (٤).
ونقل ابن عجيبة الحسني عن ابن وفا أنه قال:
" جميع العالمين له ظلال " (٥).
ويقول: " ولا شيء في الكون سواه " (٦).
وأيضًا: " فهل في الوجود أحد سوى الملك الحق " (٧).
ويقول ابن عطاء الأسكندري:
" كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء إذ هو المتجلي فيها بمحاسن صفاته وأسمائه " (٨).
ويقول النفزي الرندي:
" لا موجود سوى الله تعالى على التحقيق، وإن وجود ما سواه إنما هو وهم مجرّد " (٩).
_________________
(١) أيضًا ص ١٠٦.
(٢) ذخائر الأعلاق لابن عجيبة ص ٧٨ ط مطبعة السعادة القاهرة.
(٣) كتاب نص النصوص لحدير الآملي مخطوط نقلا عن ملحقات ختم الأولياء ع ص ٥٠٦ ط بيروت.
(٤) شرح شطحيات ص ٢٧٨ ط طهران ١٣٦٠ هـ.
(٥) إيقاظ الهمم لابن عجيبة ص ٢٥٤.
(٦) أيضًا ص ٢٧٢.
(٧) إيقاظ الهمم ص ٥٦.
(٨) الحكم العطائية لابن عطاء الله الأسكندري متن غيث المواهب العلية ج ١ ص ١٠٠.
(٩) غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج ١ ص ٣٢٣.
[ ٣١٤ ]
والوزير لسان الدين بن الخطيب يذكر وحدة الوجود بقوله:
" قال بعض كبارنا: أن الحق عين ما ظهر، وعين ما بطن، ويرون (أي الصوفية) أن وقوع التعدد في تلك الحقيقة، ووجود الإثنينية وهم، باعتبار حضرات الحس بمنزلة صور الظلال، والصدا، وصور المرائي (جمع مرآة)، وأن كل ما سوى عين القدم إذا استتبع فهو عدم، كان الله ولا شيء معه " (١).
وأيضًا " فإذا سقطت الأوهام صار مجموع العالم بأسره وما فيه واحدًا، وذلك الواحد هو الحق، وإنما العبد مؤلف من طرفي حق وباطل، فإذا سقط الباطل وهو اللازم بالأوهام لم يبق إلا الحق. . . فالكل واحد، وإن كان متفرقًا، فسبحان من هو الكل ولا شيء سواه " (٢).
ويشرح فلسفة وحدة الوجود بايزيد الأنصاري قائلًا:
" إن الموجودات واحدة مع ذات المعبود. . . قال الشاعر:
ها أنا أم أنت هذان الإلهان
حاشاك حاشاك عن إثبات الاثنين
لإاين ذاتك حيث كنت أرى
قد بان ذاتي حيث لا أنا
كما قيل: من أثبت الله نفى النفس، ومن أثبت النفس نفى الله. . . والموحّد لا يشرك وجود مع ذات المعبود حتى لا يصير مشركًا (٣).
فالشرك عندهم إثبات الأثنين إذ لا إثنينية عندهم.
وبذلك قال فخر الدين العراقي المتوفى ٦٨٨ هـ:
" أأنت أم أنا هذا العين في العين حاشاي حاشاي من إثبات إثنين " (٤).
ويقول أيضًا:
_________________
(١) روضة التعريف للوزير لسان الدين بن الخطيب ص ٤٩٩.
(٢) أيضًا ص ٦٠٣.
(٣) مقصود المؤمنين لبايزيد الأنصاري ص ٢٣٥ وما بعد ط مجمع البحوث الإسلامية إسلام آباد باكستان.
(٤) لمعات ص ٥٦ الطبعة الأولى انتشارات مولى إيران.
[ ٣١٥ ]
" وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت أعددت المرايا تعددًا " (١).
يعني لا وجود سوى وجه الله والعالم كله عكس لذات الله ووجهه.
ويقول النسفي:
" إن الله هو الموجود حقيقة، والعالم كله خيال ووهم " (٢).
ويقول الصوفي الشيعي محمد كاظم عصار: " أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله، وأن الحق تعالى أوجد العبادة في العباد، فهو في الحقيقة يعتبر معبودًا وعابدًا وموجدًا للعبادة، وحامدًا وخالقًا للحمد ومحمودًا " (٣).
ويقول محمد القونوي:
" إن الوسائط السببية ليست غير تعيّنات الحق في المراتب الإلهية والكونية على إختلاف ضروبها. . . من حيث أن ظاهر الحق مجلي لباطنه " (٤).
ويقول: " إن الله هو عين الظاهر وعين المظهر " (٥).
وأما ابن الفارض فيقول:
" لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلّت
كلانا مصلّ ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل ركعتي " (٦).
وأيضاَ:
" فبي موقفي لا، بل إليّ توجهي كذلك صلاتي لي، ومني كعبتي " (٧).
_________________
(١) أيضا ص ٥٠.
(٢) زبدة الحقائق للنسفي ص ٨٢ ط كتابخانه طهوري إيران ١٤٠٥هـ هجري قمري.
(٣) رسالة وحدة الوجود لمحمد كاظم عصار ضمن ثلاث رسائل في الحكمة الإسلامية ترجمة صلاح الصادي ص ١٦ ط المطبعة المرتضوية إيران.
(٤) رسالة النصوص لمحمد القونوي ص ٣٧ ط نشردانشكا هي إيران ١٣٦٢ هجري قمري.
(٥) أيضًا ً ص ٥٧.
(٦) نقلًا عن مصرع التصوف للبقاعي المتوفى ٨٨٥ هـ. تحقيق عبد الرحمن الوكيل ص ٦٤ ط دار الكتب العلمية بيروت.
(٧) أنزر مصرع التصوف للعلامة البقاعي ص ٧٣.
[ ٣١٦ ]
وأيضًا:
" إليّ رسولًا كنت مني مرسلًا وذاتي بآياتي عليّ أستدلّت " (١).
يعني أنه هو المرسل، والرسول، والمرسل إليه.
فالحاصل أن الصوفية يعتقدون أن العالم كله ظل وعكس لذات الله تعالى، فهل في الوجود إلا الله، والإنس والجن، والشجر والحجر، والدود والدواب، والطيور والسباع، والكلاب والخنازير صور مختلفة للتجلي الإلهي، فكل شيء من العالمين إله عند الصوفية، وعلى ذلك نقل الطوسي عن أبي حمزة الصوفي أنه كان إذا سمع صوتًا مثل هبوب الرياح وخرير الماء وصياح الطيور فكان يصيح ويقول: لبيك (٢).
ونقل عن أبي الحسين النوري أنه سمع نباح الكلاب فقال: لبيك وسعديك (٣).
وأما تجلّيه ﷾ وظهوره في القرود والخنازير - عياذًا بالله من نقل الكفر الصوفي البواح - فهو كما ذكر ابن عجيبة الحسني حيث نقل عن الششتري أنه قال:
" محبوبي قد عمّ الوجود، وقد ظهر في بيض وسود، وفي النصارى مع اليهود، وفي الخنازير مع القرود، وفي الحروف مع النقط، أفهمني قط، أفهمني قط " (٤).
ونقل البقاعي عن بعض أهل العلم أنه " رأى شخصًا ممن ينتحل هذه المقالة القبيحة بثغر الأسكندرية، وأن ذلك الشخص قال له: أن الله تعالى هو عين كل شيء، فمرّ بهما حمار، فقال: وهذا الحمار؟
فقال: (أي الصوفي): وهذا الحمار.
فقال: وروث الحمار؟
فقال: وروث الحمار. نسأل الله السلامة والتوفيق " (٥).
ويقول عبد الرحمن الوكيل محقق " مصرع التصوف ":
_________________
(١) كتاب اللمع للطوسي ص ٤٩٥.
(٢) أيضًا ص ٤٩٢.
(٣) إيقاظ الهمم لابن عجيبة الحسني ص ٥٥.
(٤) مصرع التصوف لبرهان الدين البقاعي ص ١٢٣.
(٥) هامش مصرع التصوف للوكيل ص ١٢٣.
[ ٣١٧ ]
" ذكر الإمام ابن تيمية الصدوق مثل هذه القصة، فقال: مرّ شيخان منهم التلمساني والشيرازي على كلب أجرب ميت بالطريق عند دار الطعم، فقال الشيرازي للتلمساني: هذا (وأشار إلأى جثة الكلب الأجرب) أيضًا هو ذات الله؟
فقال: وهل ثمّ شيء خارج عنها؟ نعم: الجميع ذاته.
وليس هذا بمستغرب ممن يدينون بأن الله ﷾ عين كل شيء، فالروث شيء، وحسب الصوفية أن تكون هذه بعض أربابهم وآلهتهم " (١).
وقال في مقدمة كتاب " مصرع التصوف ":
" إن الصوفية ينشدون " وما الكلب والخنزير إلا إلهنا " (٢).
هذا وإن الصوفية يعتقدون أن الشيطان أيضًا صورة لذات الله، تجلّت الذات الإلهية فيه، كما ذكر ذلك بايزيد الأنصاري:
" فالشيطان صورة تجلّى فيها بصفة الإضلال والإغواء " (٣).
وبناء على هذه المعتقدات الكفرية الضالة وهذه الأباطيل الشركية الزائغة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " كفر القائلين بالاتحاد أعظم من كفر النصارى ".
وقبل أن نتكلم عن الفكرة الباطلة الأخرى، فكرة وحدة الأديان نريد أن نبحث فكرة خبيثة نتجت عن " وحدة الوجود "، وهي: أن الصوفية قد عشقوا الصور الجميلة لاعتقادهم أنها مظاهر الحق، فتصوف وحدة الوجود دعوة إلى خلاعة ماجنة وإلى حبّ الشهوات الرذيلة، حيث جعلوا العشق الطبيعي سلّمًا للحب الإلهي، وحاكوا في كتبهم الحكايات الغزلية والأساطير العشقية، وجعلوا مجنون ليلى قدوة لهم في حبّهم لله تعالى.
فيقول ابن عربي: " الجمال محبوب لذاته، فالعالم كله محب لله وجمال صنعه، سار في خلقه،
_________________
(١) مقدمة كتاب مصرع التصوف ص ٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) مقصود المؤمنين لبايزيد الأنصاري ص ٢٤٤.
[ ٣١٨ ]
والعالم مظاهره، فحبّ العالم بعضه بعضًا من حب الله نفسه، فإن الحب صفة الموجود وما في الوجود إلا الله، والجلال والجمال لله. . . فلا محب ولا محبوب إلا الله ﷿، فما في الوجود إلا الحضرة الإلهية، وهي ذاته وصفاته، وأفعاله " (١).
ويصرح في فصوصه: " فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهي " (٢).
فحب الصور الجميلة من النساء وغيرهن هو حب لله، لأن الله الظاهر فيهما.
ويقول: " فما أحب الله إلا الله، والعبد لا يتصف بالحب، إذ لا حكم له فيه، فإنه ما أحبه منه سواه، الظاهر فيه، وهو الظاهر " (٣).
وأيضًا: " إن الحسن معشوقٌ لذاته في كل شيء ظهر " (٤).
وجعلوا الحب السفلي سلّمًا للحب الإلهي كما صرّح بذلك الوزير لسان الدين بن الخطيب بقوله:
" عشق الحادث للحادث ربما كان سلّمًا للحب الحقيقي الوصل للسعادة " (٥).
وصرح أيضًا ابن الدباغ حيث ذكر:
" وقد قلتما لي ليس في الأرض جنة أما هذه فوق الركائب حورها
يقول خليلي والظباء سوانح أهذا الذي تهوى فقلت نظيرها
لئن شابهت أجيادها وعيونها لقد خالفت أعجازها وصدورها
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة توسلّت قبّلتك تغورها
فقد صحّ أن الجمال الظاهر هو المعنى اللائح على الهياكل الإنسانية التي في غاية كمال الشكل وتمام الهيئة.
وأما الجمال الباطن فهو ما تفيده الأنوار القدسية الإلهية إذا أشرقت على العقول الزكية من الإتصاف بأنواع العلوم الدينية وأسرار المعارف الربانية المؤدية إلى المحبة
_________________
(١) الفتوحات المكية لابن عربي ج ٢ ص ١١٤.
(٢) فصوص الحكم لابن عربي ص ٢١٨.
(٣) الفتوحات المكية ج ٢ ص ١١١.
(٤) ذخائر الأعلاق لابن عربي ص ٣٨.
(٥) روضة التعريف بالحب الشريف للوزير لسان الدين ص ٢٩٢.
[ ٣١٩ ]
الحقيقية، ولا يدرك هذا الجمال إلا المعقول التي هي غاية الصفاء المستنيرة من أنوار الله التي تكون سببًا لحصول محبة الحق " (١).
ويقول:
" النظر إلى الجمال عبادة إذا قصد بالتعليق به الوصول إلى خالقه إذ لا يستدلّ على علم الصانع وقدرته إلا بإتقان صنعته وأحكامها. . . وكيف لا يكون النظر إلأى الجمال بهذا الاعتبار عبادة والناظر إليه مطالع لفاطره وواهبه، ومستدلّ به على جماله الذي لا ينبغي إلا له، إذ لا يعطي الجمال إلا من هو أجمل منه، ولا نسبة بين الجمالين كما لا نسبة بين المجاز والحقيقة والفعل والفاعل، بل لا يسمى الجمال المبدع جمالًا إلا من حيث النظر إلى موجده، وأما بالنظر إلى ذاته فهو مجاز محض.
والنظر إلى الواهب هو المقصود، وهذا موصل إليه ودالّ عليه (٢).
فانظر إلى القوم كيف يدعون إلى معصية الله ورسوله بالحث على النظر إلى النساء الجميلة، بدليل أن النظر إلأى جمالهن يوصل إلى محبة الله ودال على حبّه إذ أنه هو خالق ذاك الجمال، وأن خالقه أجمل منه.
فأين قول الله ﷿، الذي أمر فيه المؤمنين ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٣).
ولكن حب الشهوات قد استعبد الصوفية وذهب بهم إلى أنهم كذبوا على رسول الله ﷺ أنه قال:
" النظر إلى الوجه الحسن عبادة " (٤).
وفي ذلك يقول عبد الرحمن الوكيل:
" النساء عند الصوفية هنّ أجمل تعينات الذات الإلهية. . . ودائمًا ترى الصوفية
_________________
(١) مشارق أنوار القلوب لابن الدباغ ص ٤٧، ٤٨ ط دار صادر بيروت ١٣٧٩ هـ.
(٢) أيضًا ص ١٢٠.
(٣) سورة النور الآية ٣٠.
(٤) مشارق أنوار القلوب ص ١١٦.
[ ٣٢٠ ]
يلهجون بذكر النساء، ويرونهن أكمل وأجمل وأتم تعينات الذات الإلهية ومجاليها، وهذا يجعلك تؤمن بأن هناك في أعماق التصوف حيوانًا ضاريًا يستعبده الشبق والغلمة الداعرة، ويستعلن دائمًا بالصريخ الملتهب عما يزلزله من رجفات الشهوات العارمة، وينزو بعربدته على كل مقدسات الدين ومحارم الفضيلة، وتؤمن كذلك أن من مقومات التصوف عبادة المرأة، وتعرف عن يقين لماذا يبحث الصوفية عن درويشات يسلكن معهم طريق القوم " (١).
وأما الاستدلال من أبيات مجنون وأقواله وحكاياته فكما ذكر الوزير لسان الدين في مسألة عبادة الله لا خوفًا ولا رجاءً، يستدل على كون المحبة هي الأصل، لا الخوف والرجاء، من أشعار مجنون يذكرها في روضته:
لو قيل لمجنون ليلى أوصلها
تريد أم الدنيا وما في طواياها
لقال: غبار من تراب نعالها
أحبّ إلى نفسي وأشفى لبلواها (٢).
يذكر لسان الدين هذه الأبيات الغزلية ثم يبني عليها قاعدته في الحب بذات الله مستدلًا منها ومن الفلسفة التي ذكرت فيها.
هذا ونقل الشعراني عن الشبلي أنه كان يقول:
" قيل لمجنون بني عامر: أتحبّ ليلى؟
قال: لا.
قيل: ولم؟
قال: لأن المحبة ذريعة للوصلة، وقد سقطت الذريعة، فليلى أن، وأنا ليلى " (٣).
فذكر هذه الحكاية واستدل منها على اتصال الصوفي بذات الله ﷾.
ويدعم الطوسي قول من قال: " أنا أنت وأنت أنا " بحب مجنون ليلى، فيقول:
" أما قول القائل " أنا أنت وأنت أنا " فمعناه الإشارة إلى ما أشار إلأيه الشبلي، ﵀ حيث قال في مجلسه: يا قوم، هذا مجنون بني عامر كان إذا سئل عن ليلى، فكان يقول: أنا
_________________
(١) هامش مصرع التصوف ص ١٤١، ١٤٢.
(٢) روضة التعريف بالحب الشريف ص ٤٢٨.
(٣) طبقات الشعراني ج ١ ص ١٠٤.
[ ٣٢١ ]
ليلى، فكان يغيب بليلى عن ليلى حتى يبقى بمشهد ليلى، ويغيبه عن كل معنى سوى ليلى، ويشهد الأشياء كلها بليلى " (١).
وابن عربي يذكر أنواع الحب وكيفياته، فيقول:
" كان قيس ليلى في هذا المقام، حيث كان يصيح: ليلى، ليلى، في كل ما يكلّم به فإنه كان يتخيّل أنه فقيد لها، ولم يكن. وإنما قرب الصورة المتخيّلة أفرطت في القرب فلم يشاهدها، فكان يطلبها طلب الفائدة، ألا تراه حين جاءته من خارج فلم تطابق صورتها الظاهرة الصورة الباطنة المتخيّلة، التي مسكها في خياله منها، فرآها كأنها مزاحمة لتلك الصورة فخاف فقدها، فقال لها: إليك عني، فأنا حبّك شغلني عنك، يريد أ، تلك الصورة هي عين الحب، فبقي يطلبها: ليلى، ليلى " (٢).
يذكر هذا النص ثم يقارن بين الحب الطبيعي والحب الإلهي ويربط العلاقة بينهما.
وروى الشعراني عن أبي الحسين الشيراوي أنه كان يقول:
" رؤى مجنون بني عامر في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي وجعلني حجة على المحبين " (٣).
وإليكم الآن ما قاله الجيلي شارحًا " العشق " ومستدلًا منه على الفناء الإصطلاح الصوفي، فيقول:
" إذا طفح الودّ حتى أفنى المحب والمحبوب سمي عشقًا، وفي هذا المقام يرى العاشق معشوقة فلا يعرفه ولا يصيح إليه، كما روي عن مجنون ليلى أنها مرّت به ذات يوم فدعته إليها لتحدثه، فقال لها: دعيني فإني مشغولٌ بليلى عنك، وهذا آخر مقامات الوصول والقرب فيه ينكر العارف معروفه، فلا يبقى عارف ولا معروف، ولا عاشق ولا معشوق، ولا يبقى إلا العشق وحده، والعشق هو الذات المحض الصرف الذي لا يدخل تحت رسم ولا نعت ولا وصف، فهو أغنى العشق في إبتداء ظهوره يفنى العاشق حتى لا يبقى له إسم ولا رسم ولا نعت ولا وصف، فإذا امتحن العاشق وانطمس أخذ العشق في
_________________
(١) كتاب اللمع للطوسي ص ٤٣٧.
(٢) الفتوحات المكية لابن عربي ج ٢ ص ١١١.
(٣) طبقات الشعراني ج ١ ص ١٢٠.
[ ٣٢٢ ]
فناء المعشوق والعاشق، فلا يزال يفنى منه الإسم ثم الوصف ثم الذات فلا يبقى عاشق ولا معشوق، فحينئذ يظهر العاشق بالصورتين ويتصف بالصفتين، فيسمى بالعاشق ويسمى بالمعشوق " (١).
هذا ويستدل الطوسي وابن الدباغ على فناء العبد في محبة الله من حكاية عاشق ومعشوق أنهما:
" ركبا سفينة فزلّت قدم أحدهما من أعلى السفينة فسقط في البحر، فلما رآه صاحبه لم يتمالك أن سقط معه، فلما إلى السفينة قال الأول منهما لصاحبه: أنا سقطت دون قصد وأنت لماذا سقطت؟
فقال له: ظننت أنني أنت، وغبت عن نفسي فسقطت.
كلّما مسك شيء مسنّي فإذا أنت أنا في كل حال " (٢).
وذكروا هذه الحكاية كدليل على الحلول الصوفي والفناء في الذات الإلهي، وكبرهان على القاعدة الصوفية " تقوى المحبة بحسب قوتها حتى لا يفهم المحبّ أن بينه وبين محبوبه فرقًا أصلًا كما قيل:
أفنيتني بك عني يا غاية المتني
أدينيتني منك حتى ظننت أنك أني " (٣).
ويقيس ابن الدباغ محبة الله على محبة الأشخاص، ويحمل وصفة على وصف العباد حيث يقول:
" إن المحب إذا تحقق في مقام وجد الموجود، وظهرت عليه آثار الشهود، يشهد محبوبة في سائر الذوات، وصفاته مع سائر الصفات، فلا يرى الوجود سواها ولا يراها سواه:
_________________
(١) الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ج ١ ص ٨٠، ٨١ ط مصطفى البابي الطبعة الرابعة.
(٢) كتاب اللمع للطوسي ص ٤٣٧، أيضًا مشارق أنوار القلوب لابن الدباغ ص ٩.
(٣) مشارق أنوار القلوب للدباغ ص ٨.
[ ٣٢٣ ]
وطارحني غنج اللحاظ معانيًا
أغار عليها أن تلمّ بمسمعي
فكرّرت طرفي في الوجود بأسره
فلم أر فيه غير معناك مقنعي
وطالعت في سرّ الهوى فإذا التي
أطوف عليها في معالمها معي " (١).
ويذكر في موضع آخر من كتابه قاعدة من قواعد الحب ثم يستدل عليها من حكايات غزلية عشقية، فيقول:
" سئل سري السقطي: هل يجد المحب طعم الألم؟
فقال: لا، قيل: وإن ضرب بالسيف؟
قال: وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة على ضربه.
وحكى أن بعض الشطّار ضرب مائة سوطًا فما تألم بذلك، ثم ضرب بعد ذلك سوطًا واحدًا فتألم وصاح، فسئل عن ذلك فقال: العين التي كنت أضرب من أجلها كانت معي ناظرة إليّ فلم أجد للضرب ألمًا، فلما غابت عني رجعت إلى جسمي فوجد الألم.
وكذلك أيضًا حكي أن بشر بن الحارث قال: رأيت شخصًا ببغداد قد ضرب ألف سوط ولم يتكلم، فلما حمل إلى السجن تبعته فسألته عن سكوته، فقال: معشوقي الذي كنت أضرب من أجله كان حذائي ينظر إليّ، قلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر؟
قال: فزعق زعقة وخرّ ميتًا " (٢).
وكذلك عماد الدين الأموي يبين أصلًا من أصول المحبة ثم يدعمها بحكاية غزلية، فيقول:
" وأصل حال المحب أن يقطع تشوقه عن كل شيء سوى محبوبه، فمن نظر إلى سواء فهو محجوب من مولاه.
يحكى أن بعض الناس رأى امرأة جميلة فاشتغل قلبه بها فقال لها: كلي بك مشغول، فقالت: إن كان كلّك بكلي مشغول، فكلي لك مبذول، لكن لي أخت لو رأيت حسنها وجمالها لم تذكرني، فقال: أين هي؟
فقالت: وراءك، فالتفت وراءه فلطمته لطمة وقالت: يا كذاب، لو كنت صادقًا فيما قلت لم يلتفت إلى غيري " (٣).
_________________
(١) مشارق ص ٣٧.
(٢) نفس المصدر ص ٧٥.
(٣) حياة القلوب لعماد الدين الأموي ج ٢ ص ١١٩.
[ ٣٢٤ ]
وأما نجم الدين الكبري فيذكر العشق نقلًا عن الجنيد أنه سئل عن العشق، فقال: " لا أدري ما هو، ولكن رأيت رجلًا أعمى عشق صبيًا، وكان الصبي لا ينقاد له، فقال الأعمى: يا حبيبي، أيش تريد مني؟
قال الصبي: روحك، ففارق روحه في الحال " (١).
ثم يقول:
" وقد يفنى العاشق في العشق، فيكون العاشق هو العشق، ثم يفنى العشق في المعشوق، عشقت جارية بقرية على ساحل نيل مصر، فبقيت أيامًا لا آكل ولا أشرب إلا ما شاء الله، حتى كثرت نار العشق فكنت أتنفّس نيرانًا، فتتلقى الناران ما بيني وبين السماء، فما كنت أدري من ثمة أين تلتحقان. فعملت أن ذلك شاهدي في السماء " (٢).
فهكذا أعتقد الصوفية أن الله يتجلّى في الصور الجميلة من النساء والصبيان، فالعشق بهنَّ هو العشق بذات الله تعالى، وعلى ذلك لا يستحيون من ذكر وقائعهم التي مضت بهم من العشق بالجواري والصبيان.
فهذا هو الحب الذي قالوا عنه:
" الحب حج ثان " (٣).
ونقلوا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال:
" لو ولّيت حساب الخلق يوم القيامة لم أعذب أحدًا من العشاق لأنهم لا اختيار لهم في عشقهم " (٤).
وأخيرًا نذكر من ابن الفارض أبياته الخليعة المشهورة حيث ينشد:
ففي النشأة الأولى تراءت (أي الذات الإلهية) لآدم
ففي مرة لبني وأخرى بثينة
بمظهر حواء قبل حكم الأمومة
وآوانه تدعي بعزة عزت
وتظهر للعشاق في كل مظهر
ولَلسْنَ سواها، لا وَلا كُّنَّ غيرها
من اللبس في أشكال بديعة
وما إن لها في حسنها من شريكة (٥).
_________________
(١) فوائح الجمال وفواتح الجلال لنجم الدين الكبرى ص ٣٧، ٣٨ ط ألمانيا بتحقيق المستشرق فريتز مائر.
(٢) أيضًا ص ٣٩.
(٣) أنظر روضة التعريف بالحب الشريف للوزير لسان الدين ط دار الفكر العربي.
(٤) أيضًا ص ٤١٥.
(٥) مصرع التصوف ص ١٠١ ط دار الكتب العلمية بيروت.
[ ٣٢٥ ]
ثم يعلّق عليها الوكيل بقوله:
يفتري سلطان الزنادقة أن الذات الإلهية - أتم وأجمل ما تتجلّى - في صورة النساء الجميلات، ويفتري أنها تجلّت في صورة ليلى وبثينة وعزة، وقد رمز بهنّ عن كل أمرأة جميلة عاشقة معشوقة، ولما كان من طبيعة هذا الرب الصوفي العشق، كان لا بد له من التجلّي في صور عشاق ليعشق، ويعشق، فتجلّى في صور قيس وجميل وكثير عشاق أولئك الغانيات.
وقد رمز بهم عن كل فتى اختبله الحب وتيمته الصبابة.
قم يفتري أيضًا الزعم بأن العاشق ليس غير العشيقة، بل هو هي، فالرب الصوفي عشق وعاشق وعشيقة (١).
وأما وحدة الأديان فيؤمن بها الصوفية نتيجة إيمانهم بوحدة الوجود، فيقولون: إن الله هو الظاهر في كل شيء، والشيء يطلق على الصنم أيضًا فكل من عبد شجرًا أو حجرًا، حيوانًا أو إنسانًا، كوكباّ أو ملكًا، فهو في الحقيقة يعبد الله، وهذا هو معنى " لا إله إلا الله " عندهم كما يقول عبد الكريم الجيلي:
" لا إله إلا أنا: يعني الإلهية المعبودة ليست إلا أنا، فأنا الظاهر في تلك الأوثان والأفلاك والطبائع، وفي كل ما يعبده أهل كل ملّة ونحلة، فما تلك الآلهة إلا أنا، ولهذا أثبت لهم لفظة الآلهة، وتسمية لهم بهذه اللفظة من جهة ما هم عليه في الحقيقة تسمية حقيقة لا مجازية، ولا كما يزعم أهل الظاهر أن الحق إنما أراد بذلك من حيث أنهم سموهم آلهة، لا من حيث أنهم في أنفسهم لهم هذه التسمية، وهذا غلط منهم وافتراء على الحق، لأن هذه الأشياء كلها بل جميع ما في الوجود له من جهة ذات الله تعالى في الحقيقة هذه التسمية تسمية حقيقة، لا كما يزعم المقلد من أهل الحجاب أنها تسمية مجازية، ولو كان كذلك لكان الكلام أن تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي تعبدونها ليست بآلهة، وأن لا إله إلا الله أنا فأعبدوني، لكنه إنما أراد الحق أن يبين لهم أن تلك
_________________
(١) هامش المصرع ص ١٠١.
[ ٣٢٦ ]
الآلهة مظاهر، وأن حكم الألوهية فيهم حقيقة وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلا هو، فقال (لا إله إلا أنا) أي ما ثم ما يطلق عليه إسم الإله إلا وهو أنا، فما في العالم ما يعبد غيري، وكيف يعبدون غيري وأنا خلقتهم ليعبدوني ولا يكون إلا ما خلقتهم له، قال ﵊ في هذا المقام " كل ميسر لما خلق له " أي لعبادة الحق لأن الحق تعالى قال (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقال تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) فنبه الحق نبيه موسى ﵇ على أن أهل تلك الإلهة إنما عبدوا الله تعالى، ولكن من جهة ذلك المظهر، فطلب من موسى أن يعبده من جهة جميع المظاهر فقال (لا إله إلا أنا) أي ما ثم إلا أنا، وكل ما أطلقتموه عليه إسم الإله فهو أنا " (١).
ويقول العطار:
" ليس في عين الإنسان إلا شيء واحد، حيث لا وجود هنا للكعبة والدير " (٢).
ويقول الشعراني:
" إعلم أن الموحد سعيه بأي وجه كان توحيده (٣) وإن لم يكن مؤمنًا بكتاب ولا رسول ويدخل الجنة.
وأما ابن عربي فأمره مشهور، وقد ذكر في كتبه نصوصًا عديدة، وأنشد أبياتًا كثيرة تدلّ على أنه يؤمن بوحدة الأديان، فعبادة الأصنام والأوثان عنده هي عبادة الله تعالى، والدير لديه كالكعبة، الكنيسة كالمسجد، لتنوع التجليات الإلهية، فهو الظاهر المتجلي في كل شيء، فيقول:
" لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى الغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالدين ديني وإيماني
لنا أسوة في بشر هند وأختها وقيس وليلى ثم ميّ وعيلان " (٤).
_________________
(١) الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ج ١ ص ٩٩.
(٢) منطق الطير لفريد الدين عطار ص ٣٨٩ ط دار الأندلس بيروت.
(٣) اليواقيت والجواهر للشعراني (٢/ ٥٨).
(٤) ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق لابن عربي ص ٤٩ وما بعد.
[ ٣٢٧ ]
وأنشد أيضًا:
" فوقتا أسمى راعي الظبى بالفلا ووقتًا أسمى راهبًا ومنجمًا
تثلّث محبوبي وقد كان واحدًا كما صيّروا الأقنام بالذات أقنما " (١).
وصرح قائلًا:
" العارف المكمّل من رأي كل معبود مجلي للحق يعبد فيه، ولذلك سمّوه كلهم إلهًا مع إسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك، هذا إسم الشخصية فيه، والألوهية مرتبة تخيل العابد له أنها مرتبة معبوده، وهي على الحقيقة مجلي الحق لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلي المختص " (٢).
وعبادة العجل عنده هي عبادة الله كما يقول:
" وكان موسى ﵇ أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن الله قد قضى ألاّ يُعبد إلاّ إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع. فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه. فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء " (٣).
ويؤمن كذلك بدخول جميع الناس في الجنة، مسلمًا كان أم كافرًا. حيث يقول:
" فقد بان لك عن الله تعالى أنه في أينية كل وجهة، وما ثمّ إلا الاعتقادات. فالكل مصيب، وكل مصيب مأجور، وكل مأجور سعيد، وكل سعيد مرضي عنه، وإن شقي زمانًا ما في الدار الآخرة " (٤).
ويقول أيضًا:
" وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم، ولكن في النار إذ لا بد لصورة النار بعد إنتهاء مدة العقاب أن تكون بردًا وسلامًا على من فيها، وهذا نعيمهم، فنعيم أهل النار بعد
_________________
(١) أيضًا ص ٥٢، ٥٣.
(٢) أنظر فصوص الحكم لابن عربي ص ١٩٥.
(٣) أيضًا ص ١٩٢.
(٤) أيضًا ص ١١٤.
[ ٣٢٨ ]
استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار فإنه ﵇ تعذّب برؤيتها وبما تعوّد في علمه وتقرر أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان وما علم مراد الله فيها ومنها في حقه.
فبعد وجود هذه الآلام وجد بردًا وسلامًا مع شهود الصورة اللونية في حقه، وهي نار في عيون الناس. فالشيء الواحد يتنوع في عيون الناظرين: هكذا هو التجلّي الإلهي " (١).
وهكذا نختم كتابنا هذا سائلين المولى ﷿ أن نكون قد وفقنا لتبيين حقيقة الصوفية وردّ شبهات المتصوفين، ونسأل الله الرشاد والهدي وحسن الخاتمة والحمد لله ربّ العالمين.
_________________
(١) فصوص الحكم فص حكمة نفسية في كلمة يونسية ص ١٦٩، ١٧٠.
[ ٣٢٩ ]