يستطيع الواصف للحالة السياسية لعصر ابن تيمية ﵀ أن يحدد معالمها بثلاثة أمور رئيسة:
أ - غزو التتار للعالم الإسلامي.
ب - هجوم الفرنجة على العالم الإسلامي.
جـ - الفتن الداخلية، وخاصة بين المماليك والتتار والمسلمين.
وقد ذكر ابن الأثير (٢) ﵀ وصفًا دقيقًا لذلك العصر، وهو من أهله:
فقال: (لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها
_________________
(١) العقود الدرية ص٦ - ٧. وممن اعتنى بذكر صفات شيخ الإسلام على وجه التفصيل: الحافظ البزار في الأعلام العلية. ومحمد أبو زهرة في كتابه ابن تيمية ص٨٢ - ٩٤، وعمر فروخ في كتابه ابن تيمية المجتهد ص٥١ - ٥٤.
(٢) ابن الأثير: علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري أبو الحسن، المؤرخ الإمام، من العلماء بالنسب والأدب، سكن الموصل، وتجول في البلدان، وعاد إليها وتوفي بها سنة ٦٣٠هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٣٣، طبقات الشافعية للسبكي ٨/٢٩٩، شذرات الذهب لابن العماد ٥/١٣٧.
[ ٢٥ ]
أحد من الأمم: منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.
ومنها: خروج الفرنج - لعنهم الله - من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها - أي دمياط -، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.
ومنها: أن السيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة) (١) .
فأما التتار: فقد كانوا فاجعة الإسلام والمسلمين في القرن السابع الهجري، في سقوط بغداد - وبها سقطت الخلافة العباسية - سنة (٦٥٦هـ) (٢) وما قبل سقوط بغداد بسنوات (٣)، وما بعد سقوط بغداد حيث كانت هذه الأحداث قريبة من ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا بد أن يكون قد شاهد آثار هذا الخراب والدمار بأم عينيه، وسمع تفاصيله المؤلمة عمن رأوا مناظره وشهدوها وشاهدوها، فمن الطبيعي أن يتأثر قلبه الغيور المرهف بنكبة المسلمين هذه وذلتهم، وتمتلئ نفسه غيظًا وكراهية لأولئك الوحوش الضواري) (٤) .
وأما ظهور الفرنجة أو (الحروب الصليبية): فقد كانت ولادة ابن تيمية ﵀ في بداية الدور الرابع لهذه الحروب الذي يمثل دور الضعف الفرنجي وتجدد قوة المسلمين، باسترداد كثير من المدن الشامية الكبرى، وإكمال مسيرة طرد الفرنج من بلاد المسلمين.
_________________
(١) الكامل في التاريخ ٩/٣٢٠.
(٢) انظر شيئًا من وصف هذه الفاجعة في البداية والنهاية لابن كثير ١٣/٢٠٠ - ٢٠٤ في حوادث سنة (٦٥٦هـ) .
(٣) كان هجوم التتار على العالم الإسلامي قبل سقوط بغداد بسنوات عدة، وقد ذكر ابن الأثير وهو المتوفى عام (٦٣٠هـ) في حوادث سنة (٦١٧هـ) أنه بقي عدة سنين معرضًا عن ذكر أعمال التتار في المسلمين استعظامًا لها، ويقدم رجلًا ويؤخر أخرى قال: (فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أمي لم تلدني، وياليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا) .
(٤) شيخ الإسلام الحافظ أحمد بن تيمية لأبي الحسن الندوي ص١٧.
[ ٢٦ ]
وأما الفتن الداخلية: فما كان يحصل بين المماليك وتنازعهم على السلطة وما كان يحصل بينهم وبين التتر المسلمين، وقد كان لابن تيمية ﵀ مشاركة في إصلاح بعض هذا، وفي مقدمة مواقف ابن تيمية ﵀ يذكر المؤرخون قصته مع آخر أمراء المماليك وذلك بتذكيره بحقن دماء المسلمين، وحماية ذراريهم وصون حرماتهم (١) .