في نهاية البحث في (دعاوى المناوئين لابن تيمية - عرض ونقد)، يحسن بي أن أعرض ملخصًا لأبرز النتائج العامة التي توصلت إليها، وهي كالتالي:
١ - أن ابن تيمية ﵀ أحد أعلام أهل السنة والجماعة البارزين، من حيث عرض العقيدة والاستدلال عليها، ومن حيث الرد على المبتدعة وتفنيد شبهاتهم، فهو يوافق السلف في تقرير العقيدة والاستدلال عليها، فهو يعظم النصوص الشرعية، ويؤيدها بأقوال سلف الأمة المعتبرين في كل مسألة من مسائل أصول الدين كما هو واضح من كتبه.
٢ - يغلب على المناوئين لابن تيمية ﵀ أنهم مبتدعة، وإن كانوا قد يوصفون بصفة أخرى لأمر من الأمور، وأبرز مناوئي ابن تيمية ﵀ هم: الفقهاء المقلدة، أهل الكلام، الشيعة، الصوفية، أصحاب العداوات الشخصية.
٣ - سلك المناوئون لابن تيمية ﵀ منهجًا معه غير مرضي، أبرز ملامحه: التزوير والكذب، التلبيس والتضليل، التحذير من الاغترار به علانية، نسبة الأولية له في ابتداع الضلالات، كثرة الإلزامات الباطلة، كثرة السب والشتم، ومع ذلك فإن كثيرًا منهم يعترف بالحق لأهله، ويقرّ برفعة منزلة ابن تيمية ﵀ وكثرة علمه.
٤ - ادعى المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يقول بالتأويل، وأنه متبع لهواه، مخالف لمنهج السلف الصالح، مسارع في تكفير غيره من المسلمين، وقد أجاب البحث عن كل مسألة من هذه المسائل، ورد عليها من كلام ابن تيمية ﵀ نفسه.
[ ٦٢٥ ]
٥ - ابن تيمية ﵀ من أوسع من ناقش نفاة الصفات، وله ردود على المشبهة، فهو ليس بمشبه ولا مجسم، لكن النفاة يطلقون على مثبتة الصفات لفظ التجسيم، وقد أخذ هذا المعتقد الحق عن أئمة السلف، حيث ملأ كتبه بأقوالهم ﵀ -.
٦ - أن ابن تيمية ﵀ يقول بما قال به السلف في دوام الحوادث في المستقبل، وإمكان دوامها في الماضي، فهو يثبت التسلسل في الآثار، ويمنع التسلسل في المؤثرين إذ هو باطل باتفاق العقلاء.
٧ - أن قول شيخ الإسلام ﵀ بإمكان حوادث لا أول لها لا يستلزم القول بقدم العالم؛ إذ لابد من التفريق بين دوام النوع، وحدوث الأفراد، فهو يرى أن كل مخلوق فهو مسبوق بعدم، ثم إن ابن تيمية ﵀ قد رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم في بعض كتبه.
٨ - يقول ابن تيمية ﵀ بما يقول به سلف الأمة وأئمتها بشرعية زيارة القبور للرجال على وجه الإجمال، أما إذا تضمنت هذه الزيارة مفاسد فهي غير مشروعة، ولا يجوز السفر لزيارة قبر من القبور، وقبر النبي ﷺ كقبر غيره لم يرد فيه أحاديث خاصة تبين تمييزه عن غيره من القبور بشيء من القرب، فزيارة قبر النبي ﷺ مشروعة غير واجبة، ولا يجوز شد الرحل إليها - كغيره من القبور -، وابن تيمية ﵀ بهذا من المعظمين لرسول الله ﷺ، إذ التعظيم هو الاتباع.
٩ - في مسألة التوسل: يقول ابن تيمية ﵀ تبعًا لقول السلف - بحرمة التوسل بالأموات، أو يالأحياء فيما لا يقدرون عليه، أو في مغيبهم، وأن التوسل المشروع هو التوسل إلى الله ﷿ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أو التوسل بعمل صالح في قضاء الحوائج، أو التوسل إلى الله ﷿ بدعاء الرجل الصالح، وأما التوسل بالذوات فلا يجوز، لا ذوات الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا في حياتهم، ولا بعد مماتهم، وكل ما استدل به المبتدعة
[ ٦٢٦ ]
على جواز التوسل أو الاستغاثة بهم فإما أن يكون الدليل غير صحيح، أو أن يكون صحيحًا لكن الاستدلال به غير صحيح.
١٠ - يعتقد ابن تيمية ﵀ عقيدة أهل السنة والجماعة في صحابة رسول الله ﷺ من محبتهم وتوليهم، ورعاية حقوقهم، والإقرار بعدالتهم، وعدم سبهم وتنقصهم، وعدم الخوض فيما وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -.
ويعتقد أن أفضلهم الخلفاء الراشدون الأربعة وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
١١ - يعتقد ابن تيمية ﵀ في آل بيت رسول الله ﷺ: وجوب محبتهم، والثناء عليهم، ومنهم أزواجه ﷺ، وأن لهم مكانة بحكم قربهم منه ﷺ، وقد بين ابن تيمية ﵀ أن لهم حقوقًا لا يشركهم فيها أحد غيرهم.
١٢ - بعد دراسة كتب ابن تيمية ﵀ حول تحديد قوله في مسألة دوام النار وبقائها، وهل هو يقول بما قال به السلف أم أنه يقول أو يميل إلى خلاف ذلك؟، فتبين - والله أعلم - أنه يقول بما قال به سلف الأمة، وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة من أن من المخلوقات ما لا يعدم، ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار.
وأما النصوص الأخرى التي استدل بها من قال: إنه يقول بفناء النار أو يميل إلى القول به، فهي: إما نصوص محتملة مجملة غير صريحة، فترد إلى النصوص الواضحة المبيَّنة، وإما نصوص استدلوا بها وهي لا تصلح للاستدلال كما قد تبين، والله أعلم بالصواب.
وبعد، فهذا جهد المقلّ، أرجو فيه الثواب والمغفرة من رب الأرض والسموات، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده وله المن والفضل، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، فأسأل الله أن يأجرني على غُنمه، وأن يغفر لي غُرمه، وأن يرزقني الإخلاص والسداد في القول والعمل، وفي السر والعلن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو المستعان ونعم الوكيل.
[ ٦٢٧ ]