عقيدة أهل السنة في زيارة القبور وشد الرحل إليها
كانت زيارة القبور في بداية الإسلام مباحة على البراءة الأصلية، فكان الناس يزورون المقابر ويذهبون إليها، حتى جاء النهي من الرسول ﷺ عن زيارة القبور مطلقًا، وذلك خوفًا على أصحابه في بداية إسلامهم أن تتعلق نفوسهم بأهل القبور، حيث لم يمض على إسلامهم شيء كثير، وقد كان لأهل الجاهلية صولات وجولات في الاستنجاد بأهل القبور، والاستغاثة بهم مما يفضي إلى الشرك أو ذرائعه (١) .
ولما استقر التوحيد في نفوس الصحابة، وامتلأت نورًا، جاء نسخ النهي عن زيارة القبور إلى الإذن والترغيب فيها، كما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) (٢) .
وبقيت زيارة القبور مشروعة لعموم الأحاديث، ومنها حديث أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة) (٣) .
_________________
(١) انظر: الآثار في النهي عن زيارة القبور في المجموع شرح المهذب للنووي ٥/٢٨١، الصارم المنكي لابن عبد الهادي ص٣٢٧ - ٣٣١، وانظر: المجالس الأربعة للرومي ٥٠ - ٥١، وفتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٣/٢٣٦، المشاهدات المعصومية لمحمد المعصومي ص٧٣.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٧٢ كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه في زيارة قبر أمه، والنسائي في سننه ٢/٦٥٣ - ٦٥٤، كتاب الجنائز وتمني الموت، باب زيارة القبور، ومالك في الموطأ ٢/٤٨٥ كتاب الضحايات، باب ادخار لحوم الأضاحي.
(٣) الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٣/٣٨ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وصححه محقق المسند (شعيب الأرناؤوط ١٧/٤٢٩) .
[ ٣٠٥ ]
ومنها حديث بريدة (١)
﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: (السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية) (٢) .
ومنها حديث عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كانت ليلتي يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (٣) .
وحديث أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: (استأذنت ربي بأن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) (٤)، ومنها ما روي عن عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ أنها قالت لرسول الله ﷺ: كيف أقول يا رسول الله في زيارة القبور؟ قال قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) (٥) .
_________________
(١) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، غزا مع النبي ﷺ ست عشرة غزوة، سكن البصرة لما فتحت، وقد غزا خراسان في زمن عثمان ثم تحول إلى مرو فسكنها إلى أن مات سنة ٦٣هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٧٣، الإصابة لابن حجر ١/١٤٦.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٧١ كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٩ كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها واللفظ له، والنسائي في سننه ١/٦٥٦ كتاب الجنائز، باب الاستغفار للمؤمنين.
(٤) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٧١ كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه ﷿ في زيارة قبر أمه.
(٥) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٩ - ٦٧١ كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور، والنسائي في سننه ١/٦٥٦ كتاب الجنائز، باب الاستغفار للمؤمنين.
[ ٣٠٦ ]
وزيارة القبور تنقسم قسمين: زيارة مشروعة، وزيارة غير مشروعة:
فأما القسم الأول: وهو الزيارة المشروعة: فهي زيارة القبور من أجل تذكر الآخرة، والسلام على أهلها، والدعاء لهم، فهذه مقاصد الزيارة الشرعية يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ، ورقة القلب، كما هو الوارد في الأحاديث النبوية.
٢ - إحسان الزائر إلى الميت بالدعاء له (١) .
٣ - إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ، وهو استحباب الزيارة، وعدم هجر السنة (٢) .
٤ - حصول الأجر والثواب المترتب على فعل السنة.
وهذا النوع من الزيارة مستحب.
والقسم الثاني: الزيارة غير الشرعية وهي أقسام:
أ - الزيارة المحرمة: وهي التي تتضمن شيئًا من المناهي الشرعية، ولم تصل إلى درجة البدعة وإن كانت من كبائر الذنوب، كالنياحة والجزع، ولطم الخدود، وكثير من الأفعال التي يفعلها العامة مما يوحي بالتسخط على قدر الله، كما روى أنس (ت - ٩٣هـ) ﵁ قال: مرّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ، فأتت إليه ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك؟ فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٣) .
_________________
(١) أما قبور الكفار فلا تزار إلا لتذكر الموت، أما الدعاء لهم وشهود جنائزهم فلا، انظر: شفاء الصدور لمرعي الحنبلي ص١٠٣، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٣/٢٣٧.
(٢) انظر: غاية الأماني للألوسي ٢/٧ - ٨، المشاهدات المعصومية لمحمد المعصومي ص٩ - ١٠.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم ١٢٨٣، واللفظ له، ومسلم في صحيحه ٢/٦٣٧ كتاب الجنائز باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى.
[ ٣٠٧ ]
ب - الزيارة البدعية: وهي أن يزور قبرًا من أجل أن يصلي عنده، أو يدعو الله عنده، أو يقرأ القرآن عنده.
ج - الزيارة الشركية: وهي التي يدعى فيها المقبور من دون الله، ويطلب منه قضاء الحوائج، ودفع المكروه وتفريج الكرب أو يصلي له أو يذبح له أو ينذر له (١) .
قال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ في بيان هذا (القسم غير المشروع): (كل زيارة تتضمن فعل ما نهى عنه، وترك ماأمر به كالتي تتضمن الجزع، وقول الهجر، وترك الصبر، أو تتضمن الشرك أو دعاء غير الله، وترك إخلاص الدين لله، فهي منهي عنها، وهذه الثانية أعظم إثمًا من الأولى - أي تضمن الزيارة الشرك أو دعاء غير الله -، ولا يجوز أن يصلي إليها، بل ولا عندها، بل ذلك مما نهى عنه النبي ﷺ) (٢)، وهذه من وسائل الشرك - كما سبق -.
ثم ذكر قوله ﷺ: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (٣) .
فالفرق بين الزيارة الشرعية وغير الشرعية: أن الزيارة الشرعية تتضمن السلام على أهل القبور، والدعاء لهم، وهو مثل الصلاة على جنائزهم، ومن شرطها ألا تتخذ القبور عيدًا.
أما الزيارة غير الشرعية: التي تتضمن تشبيه المخلوق بالخالق: فينذر زوار القبور للمزور أو يسجدون له ويدعونه، بأن يحبوه مثل ما يحبون الخالق فيكونون قد جعلوه لله ندًا، وسووه برب العالمين، وهذا منهي عنه في
_________________
(١) انظر: الصارم المنكي للسبكي ص٤٧ - ٤٨، أوضح الإشارة للنجمي ص٢٩ - ٣١، القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين ١/٤٣٥.
(٢) الصارم المنكي في الرد على السبكي ص٣٢٥.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٨ كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه واللفظ له، والترمذي في سننه ٣/٣٥٨ كتاب الجنائز، باب كراهية المشي على القبور، وأبو داود في سننه ٣/٥٥٤ كتاب الجنائز، باب كراهية القعود على القبر.
[ ٣٠٨ ]
كتاب الله؛ لأنه من الأعمال الشركية، حيث يقول: ﷿: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] .
وقال - سبحانه -: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] .
وقال ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] .
والمقصود بالخطاب في زيارة القبور هم الرجال دون النساء، فالترغيب في زيارة القبور؛ إنما هو خاص بالرجال، وقد أجمع العلماء على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، وقد حكى الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال الإمام النووي (١) ﵀ في المجموع (٢) .
وأما زيارة النساء للقبور: فقد اختلف فيها أهل العلم على أقوال:
القول الأول: تحريم زيارة النساء للقبور، وقد استدل القائلون بهذا القول بما قاله أبو هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁: (إن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور) (٣) .
_________________
(١) النووي: يحيى بن شرف بن حسن الحازمي الشافعي، أبو زكريا، الإمام الحافظ، كبير الفقهاء في زمانه، برز في علوم كثيرة، وألف تآليف نافعة، كان يقول بتأويل الصفات، كان زاهدًا ورعًا، ت سنة ٦٧٦هـ. انظر في ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي ٨/٣٩٥، شذرات الذهب لابن العماد ٥/٣٥٤.
(٢) انظر: المجموع شرح المهذب ٥/٢٨١.
(٣) الحديث أخرجه الترمذي في سننه ٣/٣٦٢ كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء، وابن ماجه في سننه ١/٥٠٢ كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣٠٨، وصحيح سنن ابن ماجه ١/٢٦٣.
[ ٣٠٩ ]
وحديث أم عطية (١)
﵂ أنها قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) (٢) فالنهي يقتضي التحريم.
القول الثاني: الكراهة من غير تحريم: واستدلوا بحديث أم عطية ﵂ السابق، فقولها ﵂ (لم يعزم علينا) دليل على أن النهي ليس نهي تحريم.
القول الثالث: إباحة زيارة النساء للقبور: واستدلوا بحديث المرأة التي كانت تبكي عند قبر، فأوصى الرسول ﷺ بالتقوى والصبر الذي ورد ذكره قبل قليل، ولم ينكر عليها زيارتها للقبر.
وبحديث عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ أنها سألت الرسول ﷺ عن الذي تقوله للموتى، فقال لها قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وقد ورد ذكره قبل قليل.
القول الرابع: التفصيل وهو: إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن حرم، وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير نياحة كره، إلا أن تكون عجوزًا لا تشتهي فلا يكره (٣) .
والقول الصحيح - والله أعلم - هو القول بالتحريم؛ وذلك لإمكان الإجابة
_________________
(١) أم عطية: نسيبة الأنصارية، غزت مع النبي ﷺ سبع غزوات خلف الرجال في رحالهم، وتضمد جرحاهم، نزلت البصرة، من كبائر نساء الصحابة، شهدت غسل ابنة الرسول ﷺ وحكت ذلك فاتقنت، وحديثها أصل في غسل الميت. انظر في ترجمتها: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٤٧١، الإصابة لابن حجر ٤/٤٧٦.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/١٤٤ كتاب الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز، ومسلم في صحيحه ٢/٦٤٦ كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، وابن ماجه في سننه ١/٥٠٢ كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، والبيهقي في سننه ٤/٧٧ كتاب الجنائز، باب ما ورد في نهي النساء عن اتباع الجنائز.
(٣) انظر: عرض الأقوال في زيارة النساء للقبور: المغني لابن قدامة ٣/٥٢٣ - ٥٢٤، المجموع شرح المهذب للنووي ٥/٢٨١ - ٢٨٢، حاشية ابن عابدين ٢/٢٤٢، وانظر: جزء في زيارة النساء للقبور لبكر أبو زيد ص١١ - ١٣.
[ ٣١٠ ]
عن أدلة الأقوال الأخرى، وبقاء الأدلة الخاصة التي تنهى النساء عن زيارة القبور.
فحديث أم عطية ﵂ في قولها (لم يعزم علينا) . الجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أنه قد يكون مرادها لم يؤكد النهي، وهذا يقتضي التحريم، فهي نفت وصف النهي، وهو النهي المؤكد بالعزيمة، وليس ذلك شرطًا في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كافٍ في ذلك.
الوجه الثاني: أن أم عطية ﵂ ظنت أنه ليس بنهي تحريم فقالت ذلك باجتهادها، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظن غيره.
وأما حديث المرأة التي كانت تبكي عند القبر، فليس فيه أي دلالة على جواز زيارة النساء للقبور، حيث أمرها النبي ﷺ بالصبر، فلم تقبل أمره، فانصرف عنها، ثم إن هذا الحديث لا يُعلم تاريخه هل هو كان قبل أحاديث لعن زائرات القبور أم بعده؟
وعلى كل حال: فهذا الحديث إما أن يكون دالًا على الجواز فلا دلالة على تأخره عن أحاديث المنع.
وإما أن يكون دالًا على المنع؛ لأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيه على الجواز.
وعلى كلا التقديرين فلا تعارض هذه الحادثة أحاديث المنع.
ومن الأجوبة على هذا الحديث أن المرأة لم تخرج للزيارة، لكنها أصيبت، ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقى في بيتها، ولذلك خرجت، وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها ﷺ أن تصبر؛ لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة، فالحديث ليس صريحًا بأنها خرجت للزيارة، وإذا لم يكن صريحًا فلا يمكن أن
[ ٣١١ ]
يعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح (١) .
وأما حديث عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ وتعليم النبي ﷺ إياها دعاء زيارة المقابر، فقد أجاب عنه أهل العلم بأجوبة عدة منها:
١ - أن يحمل سؤالها للرسول ﷺ، وتعليمه إياها على ما إذا اجتازت ومرّت على المقابر في طريقها بدون قصد الزيارة، ولفظ الحديث ليس فيه تصريح بالزيارة (٢)
٢ - يحتمل أن يكون هذا كان على البراءة الأصلية في صدر الإسلام، قبل أن تحرم زيارة المقابر تحريمًا عامًا على الرجال والنساء، ثم نسخ هذا الحكم عن الرجال دون النساء.
٣ - أن هذا الحديث من خصائص عائشة (ت-٥٨هـ) ﵂ لما تحلت به من الآداب اللائقة بزيارة القبور؛ لقوة إيمانها، وعظيم صبرها، وكمال عقلها، ووفور فضلها، وقد قال الله ﷿ عن عموم نساء النبي ﷺ: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [الأحزاب: ٣٢] .
وقال عن عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٣) .
٤ - أن يحمل السؤال من عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ وجواب الرسول ﷺ لها على أنها مبلغة عن رسول الله ﷺ، ومثل هذا كثير في السنة (٤)
_________________
(١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين ١/٤٤١، جزء في زيارة النساء للقبور لبكر أبو زيد ص٣٦.
(٢) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين ١/٤٤١.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٠٦ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب فضل عائشة، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٩٥ كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة.
(٤) انظر: جزء في زيارة النساء للقبور لبكر أبو زيد ص٤١ - ٤٨.
[ ٣١٢ ]
ويبقى القول بالتحريم هو القول الصحيح؛ لأنه الموافق للنصوص الخاصة المانعة من زيارة النساء للقبور، والحكمة - والله أعلم - أن المرأة ضعيفة، ناقصة عقل ودين، وهي قليلة الصبر، كثيرة الجزع فلا تتحمل مشاهدة قبور الموتى وزيارتهم، ثم إن زيارة القبور للنساء يؤدي إلى مخالفات أخرى باطلة كالتبرج والاختلاط، وهذا محذور منهي عنه في الشريعة، وهو من كبائر الذنوب (١) .
ويبقى إشكال في زيارة النساء للقبور، وهو أنه قد ورد عن النبي ﷺ أنه لعن زوارات القبور، فهل المراد باللعن لمن كررت الزيارة، وأما التي لا تزور إلا نادرًا فلا تدخل تحت اللعن والنهي، أم الأمر بخلاف ذلك؟
والجواب عن هذا الإشكال من وجوه:
الأول: أن لفظ (زُوّارات)، بضم الزاي المعجمة، وجمع هذا اللفظ: زُوار، وهو جمع: زائرة سماعًا.
الثاني: أن لفظ (زوارات) لو كان بالفتح، فتكون الصيغة دالة على النسب فمعنى زوارات القبور أي ذوات زيارة القبور، كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] .
الثالث: أن تصحيح حديث لعن زائرات القبور، يؤيد وينصر القول بالتحريم المطلق لزيارة النساء للقبور.
الرابع: سلمنا جدلًا على أن لفظ (زوارات) يدل على التضعيف، لكن هذا التضعيف يحمل على كثرة الفاعلين، لا على كثرة الفعل، فزوارات: يعني النساء إذا كن مائة كان فعلهن كثيرًا.
والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]، فلما كانت الأبواب كثيرة كان فيها التضعيف إذ الباب لا يفتح إلا مرة واحدة (٢) .
_________________
(١) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي ١/١٦٥ - ١٦٦.
(٢) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين ١/٤٤٢، جزء في زيارة النساء للقبور لبكر أبو زيد ص٢٤ - ٢٧. وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٣٤٣ - ٣٦١.
[ ٣١٣ ]
وأما زيارة قبر النبي ﷺ - لمن هو بالمدينة من الرجال، أو قدم لزيارة مسجد الرسول ﷺ، أو لحاجة له في المدينة ثم صلى في المسجد -: فهذا كله مشروع لا ينكر أحد مشروعيته، ومشروعيته مستمدة من الحكم العام بالاستحباب لزيارة القبور، وليس هناك حديث واحد صحيح يخصص زيارة قبر النبي ﷺ بخاصية دون غيره من القبور، ومن زار المدينة فيستحب له أن يدخل المسجد ويقدم رجله اليمنى ويقول: «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» (١)، ثم يأتي الروضة الشريفة - إن أمكنه ذلك -، فيصلي ركعتي تحية المسجد في أدب وخشوع، فقد روى عبد الله بن زيد المازني (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة» (٣) .
فإذا فرغ من تحية المسجد، اتجه إلى الحجرة الشريفة التي فيها قبره ﷺ، فيستدبر القبلة، ويستقبل القبر، فيسلم على الرسول ﷺ، ويردف ذلك بالصلاة عليه ﷺ، وليس هناك صيغة محددة لهذا، فله أن يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، أشهد
_________________
(١) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه ١/٢٥٣ - ٢٥٤ كتاب المساجد والجماعات، باب الدعاء عند دخول المسجد، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص٤٤ - ٤٦. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/١٢٨ - ١٢٩.
(٢) عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، يعرف بابن أم عمارة، أمه أم عمارة نسيبة بنت كعب، شهد أحدًا ولم يشهد بدرًا وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وكان مسيلمة قد قتل أخاه حبيب بن زيد وقطعه عضوًا عضوًا. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٣١٢، الإصابة لابن حجر ٢/٣١٢.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٧١، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، ومسلم في صحيحه ٢/١٠١١ كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر واللفظ له.
[ ٣١٤ ]
أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين: فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًا ورسولًا عن أمته.
اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطه الأولون والآخرون.
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه مشربًا رويًا لا نظمأ بعده أبدًا.
ثم يتأخر إلى صوب اليمين قدر ذراع اليد للسلام على أبي بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁، ويسلم عليه بما يحضره من الألفاظ من غير تكلف، ثم يتنحى صوب اليمين قدر ذراع للسلام على الفاروق عمر بن الخطاب (ت - ٢٣هـ) ﵁، ويسلم عليه بما يحضره من الألفاظ من غير تكلف - أيضًا - وله أن يقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه ورحمة الله وبركاته، جزاكما الله تعالى عن صحبة نبيكما وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (١) .
ويسن لمن مكث في المسجد النبوي: أن يكثر من النوافل، وذلك للأجر العظيم المترتب على هذا العمل، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢) .
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦/١٤٦، جلاء العينين لابن الألوسي ص٥١١ - ٥١٢.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٦٣ كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ومسلم في صحيحه ٢/١٠١٣ كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، واللفظ له.
[ ٣١٥ ]
قال ابن القيم (ت - ٧٥١هـ) ﵀ في نونيته بعد أن بين أن شد الرحل لا يكون إلا للمساجد الثلاثة، وهو يبين الآن الزيارة الشرعية:
فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولًا ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها وحضور قلب فعل ذي الإحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد الـ ـقبر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإعلان
وتفجرت تلك العيون بمائها ولطالما غاضت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهيبة ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم يُر طائفًا بالقبر أسـ ـبوعًا كأن القبر بيت ثان
ثم انثنى بدعائه متوجها لله نحو البيت ذي الأركان
هذي زيارة من غدا متمسكًا لشريعة الإسلام والإيمان
من أفضل الأعمال هاتيك الزيا رة وهي يوم الحشر في الميزان
لا تلبسوا الحق الذي جاءت به سنن الرسول بأعظم البرهان
هذي زيارتنا ولم ننكر سوى الـ ـبدع المضلة يا أولي العدوان
وحديث شد الرحل نص ثابت يجب المصير إليه بالبرهان (١)
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا كل سبت فيصلي فيه ركعتين (٢)، ولذلك تسن زيارة مسجد قباء والصلاة فيه لمن جاء المدينة، أو من سكنها.
أما زيارة النساء قبر النبي ﷺ، فقد قال بعض الحنفية باستحبابها (٣) إلا أن الجمهور على المنع منها كالمنع من زيارتهن قبور غيره ﷺ؛ لعموم الأدلة،
_________________
(١) انظر: نونية ابن القيم مع شرحها لهراس ٢/٢١٥ - ٢١٦.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/١٠١٦، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء.
(٣) انظر: حاشية ابن عابدين ٢/٦٢٦.
[ ٣١٦ ]
وعدم وجود مخصص - والله أعلم - (١) .
وأما السفر لأجل زيارة القبور، فالصحيح هو تحريم إنشاء ذلك السفر؛ وذلك استنادًا لقول المصطفى ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٢) .
قوله: (لا تشد) بضم أوله على البناء للمفعول بلفظ النفي، والمراد النهي.
(الرحال): جمع رحل وهو كور البعير وهو للبعير كالسَرج للفرس، وكني بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير، والمشي في المعنى المذكور.
(إلا إلى ثلاثة مساجد): الاستثناء مفرّغ، والتقدير: لا تشد الرحال إلى موضع، ولازم هذا التقدير: منع السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام.
(المسجد الحرام): أي المحرم، وهو كقولهم: الكتاب بمعنى المكتوب، والمسجد بالخفض على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف.
(ومسجدي هذا): أي مسجد الرسول ﷺ في المدينة.
(ومسجد الأقصى): أي بيت المقدس، سمي بالأقصى: لبعده عن المسجد الحرام في المكان، وقيل: لأنه لم يكن وراءه حينئذٍ مسجد، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبث (٣) .
_________________
(١) انظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٣/٢٣٩ - ٢٤٥، ٦/١٢٩ - ١٣٠.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٧٠ كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة، باب مسجد بيت المقدس، ومسلم في صحيحه ٢/١٠١٤ كتاب الحج، باب لا تشد الرحال، و٢/٩٧٦، باب سفر المرأة مع محرم، والترمذي في سننه ٢/١٤٨ كتاب الصلاة، باب ما جاء في أي المساجد أفضل.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٣/٦٤، وقد أطال في ذكر أسماء بيت المقدس.
[ ٣١٧ ]
قال النووي (ت - ٦٧٦هـ) ﵀ في شرحه الحديث: (فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولفضل الصلاة فيها) (١) .
ونقل الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ خلاف العلماء في حكم شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور وغيرها، فنقل عن أبي محمد الجويني (٢) حرمة شد الرحل إلى غيرها عملًا بظاهر الحديث.
وقال بعض الشافعية بعدم الحرمة، ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين بسنية السفر لزيارة القبور. (٣)
وذكر الشيخ مرعي الحنبلي (٤) ﵀ منشأ الخلاف بين القولين، وهو من احتمالي صيغة الحديث (لا تشد الرحال)، فهي ذات وجهين: نفي ونهي.
فمن لحظ معنى النفي فقط فقد فهم أن معنى الحديث هو: نفي فضيلة واستحباب السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وبنى على ذلك جواز قصر الصلاة إن كان السفر مسافة قصر.
ومن لحظ معنى النهي، فالمعنى حينئذٍ يحتمل التحريم أو الكراهة للسفر إلى غير المساجد الثلاثة، وهذا وجه متمسك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر لكونه منهيًا عنه، واحتمال التحريم هو الأصل في النهي (٥) .
_________________
(١) شرح النووي صحيح مسلم ١٠/١٠٦.
(٢) الجويني: عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني، أبو محمد، عالم في اللغة والفقه والتفسير، سكن نيسابور، ت سنة ٤٣٨هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٢٥٠، طبقات الشافعية للسبكي ٥/٧٣.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٣/٦٥.
(٤) مرعي الحنبلي: مرعي بن يوسف بن أبي بكر أحمد بن أبي بكر الكرمي المقدسي، العالم العلامة المدقق المفسر، أحد أكبر علماء الحنابلة بمصر في وقته، من مصنفاته: دليل الطالب، وغاية المنتهى وغيرهما، ت سنة ١٠٣٣هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٨/٨٨، معجم المؤلفين لكحالة ١٢/٢١٨.
(٥) انظر: شفاء الصدور ص١٠٥.
[ ٣١٨ ]
وقد أجاب القائلون بالإباحة عن هذا الحديث بأجوبة منها:
١ - أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز.
٢ - أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به.
٣ - أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي، لما روى أحمد (ت - ٢٤١هـ) في مسنده من طريق شهر بن حوشب (١) قال سمعت أبا سعيد (ت - ٧٤هـ) وذكرت عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي للمطي أن تُشَد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي» (٢)، قال الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ)، (وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف) (٣) .
وقد أجاب المباركفوري (٤) ﵀ عن هذه الصوارف عن ظاهر الحديث الذي هو التحريم إلى الإباحة بأجوبة:
_________________
(١) شهر بن حوشب الأشعري، فقيه مقريء، شامي الأصل، سكن العراق، ولي بيت المال مدة، ت سنة ١٠٠هـ. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/٣٦٩، شذرات الذهب لابن العماد ١/١١٩.
(٢) أخرج الحديث أحمد في مسنده ٣/٦٤ من حديث أبي سعيد، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي ٤/٣، وقال الألباني في إرواء الغليل ٣/٢٣٠: قوله: (إلى مسجد) زيادة في الحديث لا أصل لها في شيء من طرق الحديث عن أبي سعيد ولا عن غيره فهي منكرة، بل باطلة، وقال الأرناؤوط في تحقيقه المسند ١٨/١٥٣: صحيح، وإن كان السند ضعيفًا، لضعف شهر.
(٣) فتح الباري لابن حجر ٣/٦٥.
(٤) المباركفوري: محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، عالم شارك في أنواع من العلوم، ولد في مباركفور من الهند، ونشأ بها وقرأ علوم العربية والفقه وأصوله والمنطق والفلسفة، ت سنة ١٣٥٣هـ. انظر في ترجمته: معجم المؤلفين لكحالة ٥/١٦٦.
[ ٣١٩ ]
١ - أن قولهم: المراد الفضيلة التامة إلخ، فإن هذا خلاف ظاهر الحديث ولا دليل عليه، وأما لفظ (لا ينبغي)؛ في رواية أحمد (ت - ٢٤١هـ) فهو خلاف أكثر الروايات، فقد وقع في عامة الروايات (لا تشد) وهو ظاهر في التحريم.
وأما قولهم: إن لفظة (لا ينبغي) ظاهر في غير التحريم فهو ممنوع، كما بين ابن القيم (ت - ٧٥١هـ) ﵀ أن المطرد في كلام الله وكلام رسوله ﷺ استعمال لفظ (لا ينبغي) في المحظور شرعًا وقدرًا، وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وقوله ﷺ: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» (١) وغيرها من النصوص (٢) .
٢ - أن قولهم: إن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه إلخ، أو من قال: إن المراد قصدها بالاعتكاف، كما حكاه ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ عن الخطابي (ت - ٣٨٨هـ) ﵀ (٣) فالجواب عنهما: أن ذلك تخصيص بلا دليل.
٣ - أما قولهم: إن المراد من المساجد فقط دون القبور، أو زيارة الصالحين للتبرك بهم إلخ.
فهذا غير مسلّم، بل ظاهر الحديث العموم، وأن المراد: لا تشد الرحال إلى موضع إلا إلى ثلاثة مساجد، فإن الاستثناء مفرغ، والمستثنى منه في المفرغ يقدر بأعم العام.
_________________
(١) سبق تخريجه ص٢٤٤ - ٢٤٥.
(٢) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم ١/٤٣.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٣/٦٥، وقال عن القول الثاني: (لم أر عليه دليلًا) .
[ ٣٢٠ ]
وأما تفرد شهر بن حوشب (ت - ١٠٠هـ) برواية دون غيره من الحفاظ فلا يعتد بها؛ فهو كثير الأوهام (١) .
وأما السفر إلى موضع للتجارة، أو لطلب العلم، أو لغرض آخر صحيح مما ثبت جوازه بأدلة أخرى فهو مستثنى من حكم هذا الحديث (٢) .
ولم ينقل عن أحد من الصحابة ولا التابعين ومن بعدهم من سلف الأمة، ممن شهد له بالعلم وصحة المعتقد أنه تكلم باسم زيارة قبر رسول الله ﷺ ترغيبًا في ذلك، ولا غير ترغيب، فلم يكن لمسمى هذا الاسم حقيقة عندهم، ولهذا كره بعض أهل العلم لفظة (زيارة القبر) .
وأما الذين أطلقوا لفظة الزيارة إنما يريدون بها إتيان المسجد، والصلاة فيه، والسلام على الرسول ﷺ فيه، إما قريبًا من الحجرة أو بعيدًا عنها، إما مستقبلًا القبلة، أو مستقبل القبر (٣) .
وعلى هذا فتكون أحوال زيارة القبر والمسجد النبوي كالتالي:
إن كانت الزيارة بدون شد رحل، فهذه جائزة، ومرغب فيها، ضمن الضوابط الشرعية كزيارة القبور الأخرى، ويزاد عليها في قبر الرسول ﷺ ألا يتخذ عيدًا لقوله ﷺ: «لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤) .
وأما إن كانت الزيارة تحتاج إلى سفر: فينظر في مقصود الزائر: إما أن يريد المسجد فقط، وإما أن يريد القبر فقط، وإما أن يريدهما معًا.
_________________
(١) انظر: تقريب التهذيب لابن حجر ١/٣٥٥.
(٢) انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري ٢/٢٨٦ - ٢٨٧.
(٣) انظر: الصارم المنكي في الرد على السبكي لابن عبد الهادي ص٥٩ - ٦٠، ١٦٤، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٦/١٢٦.
(٤) الحديث أخرجه أبو داود في سننه ٢/٥٣٤ كتاب المناسك، باب زيارة القبور، وأحمد في مسنده ٢/٣٦٧، وصحح إسناده النووي في الأذكار ص٩٧، وحسنه الألباني في تحذير الساجد ص١٤٢.
[ ٣٢١ ]
فإن أراد المسجد فقط فهذا مشروع، لحديث النهي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وحديث تفضيل الصلاة في المسجد النبوي على غيره من المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام.
وإن أراد القبر فقط فهذا غير مشروع، فلا يجوز شد الرحل للقبور.
وإن أرادهما جميعًا فهذا جائز، فالأصل هو المسجد، ويدخل القبر بالتبع. (١)
_________________
(١) انظر: الصارم المنكي في الرد على السبكي لابن عبد الهادي ص٢٤٢، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٦/١٢٦.
[ ٣٢٢ ]