عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة
الصاحب: مشتق من الصحبة، وهو اسم فاعل من صحب يصحب، والجمع: أصحاب، وأصاحيب، وصحب، وصحاب، وصحبة، وصحبان، وأما لفظ الصحابة فهو في الأصل مصدر ثم صارت جمعًا مفرده صاحب، ولم يجمع فاعل على فَعَالة إلا هذا.
ومعاني الصحبة في اللغة تدور حول: الملازمة، والانقياد (١) .
وأما تعريف الصحابي اصطلاحًا: فأصح التعريفات: تعريف المحدثين (٢)، وقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا.
ومن ذلك قول ابن المديني (ت - ٢٣٤هـ) ﵀: (من صحب النبي ﷺ، أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي ﷺ) (٣) .
ومن ذلك قول الإمام البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀: (من صحب النبي ﷺ، أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه) (٤) .
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٥١٩ مادة (صحب)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ١/٩٥ مادة (صحبه) .
(٢) كما أن للأصوليين تعريفًا آخر يشترطون فيه طول الصحبة، وكثرة اللقاء للأخذ عنه وهذا ليس بلازم على الصحيح. انظر: مقدمة ابن الصلاح ١٤٦، التقييد والإيضاح للعراقي ص٢٩٧ - ٢٩٨، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/٦٦، إرشاد الفحول للشوكاني ص٧٠ - ٧١.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٧/٥.
(٤) صحيح البخاري (مع شرحه فتح الباري لابن حجر ٧/٣) .
[ ٤٨٥ ]
وأصح التعريفات عند المحدثين هو حد الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) قال ﵀: (الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام) (١) .
ويشرح التعريف، ويذكر محترزاته بأنه يدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يرو عنه، ومن غزا معه، أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى (٢) .
ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى.
ويخرج بلفظة (به): من لقيه مؤمنا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة.
وأما ورقة بن نوفل فقد لقي النبي ﷺ وآمن به بعد بعثته، فلا يصح أن يمثل به على أنه مؤمن بغير النبي ﷺ، وأنه مات على ذلك.
وأما اشتراط الموت على الإسلام: فيخرج به من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله، كعبد الله بن جحش، وربيعة بن أمية الجمحي، وابن خطل (٣) .
وأما من آمن بالرسول ﷺ ثم ارتد ثم آمن ولقيه في حياته فهذا صحابي اتفاقًا كعبد الله بن سعد بن أبي السرح (٤)،
وإن عاد من ردته إلى الإسلام في
_________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة ١/٧.
(٢) وأما ما ذكره البغدادي في الكفاية ص٩٩ من أن سعيد بن المسيب يشترط في الصحبة أن يقيم الصحابي مع النبي سنة أو سنتين أو يشهد غزوة أو غزوتين فهذا لا يصح عن ابن المسيب ففي سنده الواقدي وهو ضعيف، بل قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٦٦٦ (استقر الإجماع على وهن الواقدي) .
(٣) ابن جحش تنصر، ومات على نصرانيته، وأما ابن خطل فقد قتل وهو متعلق بأستار الكعبة مرتدًا، وأما ربيعة فقد ارتد في خلافة عمر، وتنصر، وفر إلى بلاد الروم، انظر: الإصابة لابن حجر ١/٨.
(٤) عبد الله بن سعد بن أبي السرح بن الحارث القرشي العامري، أبو يحيى، كان أخا عثمان من الرضاعة، أسلم بعد فتح مكة، شهد فتح مصر، وأمره عثمان عليها، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ت بها سنة ٣٦هـ. انظر في ترجمته: الإصابة لابن حجر ٢/٣١٦.
[ ٤٨٦ ]
حياة النبي ﷺ ولم يره، أو بعد وفاته ﷺ كقرة بن هبيرة (١)، والأشعث بن قيس (٢)، فهو صحابي على الصحيح (٣) .
وتعرف صحبة الصحابي بأحد أمور أربعة: إما بالتواتر على أنه صحابي كأبي بكر (ت - ١٣هـ) وعمر (ت - ٢٣هـ) وبقية العشرة.
وإما بالاستفاضة والشهرة: وهذه منزلة أقل من الأولى.
وإما أن يثبت أحد الصحابة لآخر الصحبة، فتثبت له بشهادة صحابي آخر.
وإما بإخباره عن نفسه بأنه صحابي. إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة، فالصحابة كلهم عدول، ولذا قال الحافظ العراقي (٤) في ألفيته:
وتعرف الصحبة باشتهار أو تواتر أو قول صاحب ولو
قد ادعاها وهو عدل قبلا وهم عدول وقيل لا من دخلا (٥)
_________________
(١) قرة بن عامر بن سلمة العامري القشيري، له صحبة، أحد الوجوه من الوفود، وهو الجد الأعلى للصمة بن عبد الله بن الطفيل بن قرة، أحد شعراء بني أمية المشاهير، ارتد قرة ثم أسر فاعتذر عن ارتداده؛ لأنه كان له مال وولد، فخاف عليهم ولم يرتد في الباطن. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٢٥٣، الإصابة لابن حجر ٣/٢٣٤.
(٢) الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، أبو محمد، أمير كنده في الجاهلية والإسلام، وفد على النبي بعد ظهور الإسلام فأسلم وشهد اليرموك، امتنع عن تأدية الزكاة، وأتي به إلى أبي بكر فحسن إسلامه، وأبلى البلاء الحسن، ت سنة ٤٠هـ. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/٩٩ شذرات الذهب لابن العماد ١/٤٩.
(٣) انظر: الإصابة لابن حجر ١/٨.
(٤) العراقي: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي، أبو الفضل الحافظ من كبار حفاظ الحديث، تجول في الأمصار طلبًا للعلم، مؤلف مكثر، ت سنة ٨٠٦هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٧/٥٥، البدر الطالع للشوكاني ١/٣٥٢.
(٥) ألفية العراقي (ضمن شرحها فتح المغيث للسخاوي ٣/٨٠)، وانظر: تدريب الراوي للسيوطي ٢/٢١٣.
[ ٤٨٧ ]
وقد أثنى الله ﷿ على الصحابة الكرام، فتارة يثنى على السابقين منهم، وتارة يثني على الذين جاهدوا مع الرسول ﷺ، وتارة يثني عليهم بمجموعهم.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
وقال - سبحانه -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] .
وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
وقال ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] .
وقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] .
ومن فضلهم في السنة ما حدث به أبو سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ - عن النبي ﷺ: قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من صحب رسول الله ﷺ؟، فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ؟، فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من
[ ٤٨٨ ]
صحب من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم» (١) .
وقال ﵊: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (٢) .
وقال ﵊: «لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد» (٣) .
وأما ذكر فضل الصحابة في كلام السلف فكثير أذكر منه أمثلة: كقول الإمام الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀: (قد أثنى الله - ﵎ - على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضائل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين أدوا إلينا سنن رسول الله ﷺ عامًا وخاصًا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ) (٤) .
وقال ابن أبي حاتم (ت - ٣٢٧هـ) ﵀: (أما أصحاب رسول الله ﷺ فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله - ﷿ - لصحبة نبيه ﷺ، ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوة: فحفظوا عنه ﷺ ما بلغهم عن الله - عز
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٣ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب فضائل أصحاب النبي، ومسلم في صحيحه ٤/١٩٦٢ كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، واللفظ له.
(٢) سبق تخريجه ص١٠٥.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٩٤٢ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة، وأحمد في مسنده ٣/٣٥٠ من حديث جابر ﵁.
(٤) مناقب الشافعي للبيهقي ١/٤٤٢ - ٤٤٣.
[ ٤٨٩ ]
وجل - وما سن وشرع، وحكم وقضى، وندب وأمر، ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهية، ومراده بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه، واستنباطهم عنه، فشرفهم الله - ﷿ - بما من عليهم، وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب، والغلط والريبة والغمز) (١) .
وقال ابن أبي زيد القيرواني (٢):
(وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ، وآمنوا به، ثم الذين يلونهم) (٣) .
وبعد إثبات فضل الصحابة - رضوان الله عليهم - على غيرهم، تبقى مسألة وهي: هل الصحابة يتفاضلون فيما بينهم، أم أنهم في منزلة سواء؟.
الصحيح: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - يتفاضلون بينهم كغيرهم من سائر الخليقة، وأنهم ليسوا على درجة واحدة (٤) .
ودليل هذا التفاضل ما ثبت في كتاب الله ﷿ من التفريق بين الصحابة الذين آمنوا قبل الفتح، وبين الصحابة الذين آمنوا بعدهم، فأثبت أن الأوائل أعظم درجة عند الله، وإن كانوا جميعًا لهم فضل وأجر الصحبة، كما قال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] .
_________________
(١) الجرح والتعديل ١/٧ - ٨.
(٢) ابن أبي زيد القيرواني: عبد الله بن أبي زيد بن عبد الرحمن القيرواني، أبو محمد، كان من أهل العلم والورع، وكان فصيح اللسان، مالكي المذهب، ت سنة ٣٨٦هـ. انظر في ترجمته: شجرة النور الزكية لمخلوف ص٩٦.
(٣) المقدمة (ضمن شرحها للأمين الحاج أحمد ص١٨) .
(٤) يرى بعض المعتزلة ومن وافقهم التوقف في مسألة التفاضل بين الصحابة بحجة أنا لا نعرف كمية أجورهم وثوابهم، ومدى قبول أعمالهم، انظر: المغني في التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار ٢٠/١١٧ - ١١٨، وهذا القول مخالف للكتاب والسنة كما سيأتي.
[ ٤٩٠ ]
وأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁ ثم عمر الفاروق (ت - ٢٣هـ) ﵁ ثم عثمان بن عفان (ت - ٣٥هـ) ﵁ ثم علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ وترتيبهم في الفضل هو ترتيبهم في الخلافة على قول جمهور الصحابة، والمخالف للجمهور يرى أفضلية علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ على عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ لا أحقيته بالخلافة؛ لأن ترتيب الخلافة مما لا يعلم فيه مخالف من أهل السنة والجماعة.
ومما يدل على أفضلية أبي بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁ ما جاء عن أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: «إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله»، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خير فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: «إن من أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي، لا تخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا بابُ أبي بكر» (١) .
وأما أفضلية عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ فيدل عليها قول الرسول ﷺ: «رأيتني دخلت الجنة، فإذا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة (٢) فقلت من هذا؟ فقال: هذا بلال (٣)،
ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر،
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٥٥٨ كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٤ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁.
(٢) الخشفة: الحركة والحس، وقيل: الصوت، والحس الخفي. انظر: لسان العرب لابن منظور ٩/٧١ مادة (خشف) القاموس المحيط للفيروزآبداي ٣/١٣٧ مادة (خشف) .
(٣) بلال بن رباح الحبشي، أبو عبد الله، مؤذن رسول الله ﷺ، وأحد السابقين إلى الإسلام، شهد المشاهد كلها مع الرسول ﷺ، ت سنة ٢٠هـ. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٧٤، سير أعلام النبلاء للذهبي ١/٣٤٧.
[ ٤٩١ ]
فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك»، فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار (١) .
وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون (٢)، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر» (٣) .
وأما أدلة تفضيل عثمان بن عفان (ت - ٣٥هـ) ﵁ فكثيرة منها: ما رواه عبد الله بن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ قال: (كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) (٤) .
وعن أبي موسى الأشعري (ت - ٤٢هـ) ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ حائطًا، وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال: «ائذن له وبشره بالجنة»، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: «ائذن له وبشره بالجنة» فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه» فإذا عثمان بن عفان) (٥) .
وأما فضائل علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ فكثيرة، ومما ورد في فضله من أحاديث: قول الرسول ﷺ يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (٦) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٤٠ كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب واللفظ له، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٦٢ - ١٨٦٣ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر.
(٢) المحدَّث: الملهم وهو الذي يُلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدسًا وفراسة، انظر: لسان العرب لابن منظور ٢/١٣٤، مادة (حدث) .
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٤٢ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب عمر، ومسلم في صحيحه ٤/١٥٦٤، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٦ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب فضل أبي بكر بعد النبي، وأبو داود في سننه ٥/٢٤ - ٢٥ كتاب السنة باب في التفضيل.
(٥) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٤٣ كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٦٧ كتاب فضائل الصحابة.
(٦) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٧٠ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب علي بن أبي طالب، ومسلم في صحيحه /١٨٧١ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي واللفظ له، وابن ماجه في سننه ١/٤٣ - ٤٤ المقدمة، باب من فضائل علي بن أبي طالب.
[ ٤٩٢ ]
وقال له ﷺ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (١) .
وقد تواترت النصوص عن أئمة أهل السنة والجماعة في بيان أفضلية الخلفاء الأربعة على غيرهم من الصحابة، وأن ترتيبهم في الفضل هو ترتيبهم في الخلافة، وقد جعلوا ذلك دينًا يدينون الله به، وجزءًا من معتقدهم، فأثبتوه في عقائدهم، ولعلي أستشهد ببعض قولهم للتمثيل على هذه القاعدة المهمة في معتقد أهل السنة في الصحابة الكرام:
فقد قال الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀: (أفضل أصحابه ﷺ الصديق أبو بكر ﵁، ثم الفاروق - بعده - عمر، ثم ذو النورين عثمان بن عفان، ثم أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم أجمعين -) (٢) .
وقال الإسماعيلي (ت - ٣٧١هـ) ﵀: (ويثبتون خلافة أبي بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ باختيار الصحابة إياه، ثم خلافة عمر بعد أبي بكر ﵁ باستخلاف أبي بكر إياه.
ثم خلافة عثمان ﵁ باجتماع أهل الشورى وسائر المسلمين عليه عن أمر عمر، ثم خلافة علي بن أبي طالب ﵁ ببيعته من بايع من البدريين عمار بن ياسر (٣)، وسهل بن حنيف (٤)، ومن تبعهما من سائر الصحابة، مع
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٧١ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب علي، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٧١ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي.
(٢) صريح السنة ص٢٤.
(٣) عمار بن ياسر الكناني، أبو اليقظان، أحد الصحابة الشجعان، ومن السابقين إلى الإسلام، شهد المشاهد، ت سنة ٣٧هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٤٧٦، الإصابة لابن حجر ٢/٥١٢.
(٤) سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم الأنصاري الأوسي، أبو سعد، من السابقين، شهد بدرًا وما بعدها، وثبت يوم أحد وبايع على الموت، شهد صفين مع علي، ت سنة ٣٨هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٩٢، الإصابة لابن حجر ٢/٨٧.
[ ٤٩٣ ]
سابقته وفضله) (١) .
وقال ابن أبي زمنين (ت - ٣٩٩هـ) ﵀: (ومن قول أهل السنة أن أفضل هذه الأمة بعد نبينا ﷺ أبو بكر وعمر، وأفضل الناس بعدهما عثمان وعلي) (٢) .
وقال الصابوني (ت - ٤٤٩هـ) ﵀: (ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله ﵌ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون) (٣) .
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (ت - ٦٠٠هـ) ﵀: (ونعتقد أن خير هذه الأمة، وأفضلها بعد رسول الله ﷺ صاحبه الأخص، وأخوه في الإسلام، ورفيقه في الهجرة والغار: أبو بكر الصديق، ووزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته عبد الله بن عثمان بن عتيق بن أبي قحافة، ثم بعده الفاروق، أبو حفص عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام، وأظهر الدين، ثم بعده ذو النورين أبو عبد الله عثمان بن عفان الذي جمع القرآن، وأظهر العدل والإحسان، ثم ابن عم رسول الله ﷺ وختنه علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم أجمعين - فهؤلاء الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون) (٤) .
وأخيرًا أذكر قول ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀: (وأصحابه خير أصحاب الأنبياء - ﵈ -، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى - ﵃ أجمعين -) (٥) .
_________________
(١) اعتقاد أهل السنة ص٤٦ - ٤٧.
(٢) أصول السنة (مع تخريجه رياض الجنة ص٢٧٠) .
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص٢٨٩.
(٤) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص٨٥ - ٨٦.
(٥) لمعة الاعتقاد ص٣١.
[ ٤٩٤ ]
وقد اختلف أهل العلم في عدد طبقات الصحابة وأيها أفضل (١)؟، والصحيح أنهم على اثنتي عشرة طبقة وهم:
الطبقة الأولى: من أسلم بمكة متقدمًا كالخلفاء الراشدين وغيرهم ﵃ -.
الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة.
الطبقة الثالثة: الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة.
الطبقة الرابعة: الذين بايعوا النبي ﷺ عند العقبة الأولى، يقال: فلان عَقَبي.
الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله ﷺ، وهو بقباء، قبل أن يدخلوا المدينة ويبنى المسجد.
الطبقة السابعة: أهل بدر، الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢) .
الطبقة الثامنة: المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] .
الطبقة العاشرة: المهاجرة بين الحديبية والفتح كخالد بن الوليد (٣)،
_________________
(١) انظر: الخلاف بشيء من البسط: صحابة رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة للكبيسي ص١٠٣ - ١١٦.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٣٠٥ كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، رقم ٢٤٩٤، واللفظ له.
(٣) خالد بن الوليد بن عبد الله القرشي المخزومي، أبو سليمان، سيف الله، أحد أشراف قريش في الجاهلية، أسلم بعد خيبر، وشهد مؤته، وشهد مع النبي فتح مكة، له مواقف بطولية في فتوحات المسلمين، ت سنة ٢١هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٤٠٥، الإصابة لابن حجر ١/٤١٥.
[ ٤٩٥ ]
وعمرو بن العاص (١) وغيرهما.
الطبقة الحادية عشرة: الذين أسلموا يوم الفتح، وهم جماعة من قريش.
الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله ﷺ يوم الفتح، وفي حجة الوداع وغيرها، وعدادهم في الصحابة (٢) .
ونشهد لمن شهد له الرسول ﷺ بالجنة، كالخلفاء الأربعة الراشدين، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم طلحة بن عبيد الله (٣)، والزبير بن العوام (٤)، وسعد بن أبي وقاص (٥)، وسعيد بن زيد (٦)، وعبد الرحمن بن
_________________
(١) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، أبو عبد الله، صحابي جليل، أسلم قبل الفتح، ومن فرسان قريش، تولى إمارة مصر، وكان شاعرًا حسن الشعر، ت سنة ٤٢هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٥٠٨، الإصابة لابن حجر ٣/٢.
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم ص٢٢ - ٢٤ وقد ذكرها السخاوي مختصرة في فتح المغيث ٣/١٢٤، وهذا التقسيم اعتباري استقرائي يختلف من عالم لآخر، ومن أشهر التقسيمات أنهم على ثلاث طبقات: ١ - من أسلم قبل الفتح وهم السابقون. ٢ - من أسلم بعد الصلح وقبل الفتح. ٣ - من أسلم بعد فتح مكة، والله أعلم.
(٣) طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي التميمي أبو محمد، صحابي جليل، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، ت سنة ٣٦هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٢١٩، والإصابة لابن حجر ٢/٢٢٩.
(٤) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي، أبو عبد الله، حواري الرسول وابن عمته، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، ت سنة ٣٦هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٥٨٠، الإصابة لابن حجر ١/٥٤٦.
(٥) سعد بن أبي وقاص بن أهيب القرشي الزهري، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة آخرهم موتًا وأحد الستة أصحاب الشورى، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، من مجابي الدعوة، ت سنة ٥٥هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٨ والإصابة لابن حجر ٢/٣٣.
(٦) سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم، لم يشهد بدرًا لأنه لم يكن في المدينة وقتها، ت سنة ٥٠هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٢، الإصابة لابن حجر ٢/٤٦.
[ ٤٩٦ ]
عوف (١)،
وأبو عبيدة بن الجراح (٢) رضوان الله عليهم أجمعين -.
وقد شهد الرسول ﷺ لغير العشرة مثل ثابت بن قيس بن شماس (٣)،
وعبد الله بن سلام (٤)، وغيرهما كثير من الصحابة من الرجال والنساء (٥) .
وفي الجملة فإن معتقد أهل السنة في هذا، ما ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي (ت - ٦٠٠هـ) ﵀ قوله: (كل من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم، بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، ونكل علم الخلق إلى خالقهم) (٦) .
_________________
(١) عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم، وهاجر الهجرتين، شهد بدرًا وما بعدها، ت سنة ٣٢هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٢٩٣، الإصابة لابن حجر ٢/٤١٦.
(٢) أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال القرشي الفهري، أبو عبيدة، مشهور بكنيته، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد العشرة السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، شهد بدرًا وما بعدها، أمين هذه الأمة، ت سنة ١٨هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/١٩٢، الإصابة لابن حجر ٢/٢٥٣.
(٣) ثابت بن قيس بن شَمَّاس بن زهير الأنصاري، أبو محمد، أول مشاهده أحد، وشهد ما بعدها، بشره النبي بالجنة، قتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٩٢، الإصابة لابن حجر ١/١٩٥. وأحاديث تبشيره بالجنة انظرها في صحيح البخاري ٨/٤٥٤ كتاب التفسير، باب لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ومسلم ١/١١٠ كتاب الإيمان، باب مخافة أن يحبط عمل المؤمن.
(٤) عبد الله بن الحارث الخزرجي الأنصاري، أبو يوسف، من بني قينقاع، أسلم أول ما قدم النبي إلى المدينة: نزلت فيه آيات، ت سنة ٤٣هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٣٨٢، الإصابة لابن حجر ٢/٣٢٠. وأحاديث تبشيره بالجنة انظرها في صحيح البخاري ٧/١٦٠ كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام، ومسلم في صحيحه ٤/١٩٣٠ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام.
(٥) انظر: تفصيل ذلك في عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام لناصر الشيخ ٢/٧٧٥ - ٧٨٩.
(٦) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص٩١ - ٩٢.
[ ٤٩٧ ]
وهكذا قال ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ بعد أن ذكر العشرة المبشرين بالجنة (١) .
ومن الإيمان بصحابة رسول الله ﷺ: وجوب محبتهم، ودوام الدعاء لهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
وقال ﷺ: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٢) .
وقال ﵊ في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٣) .
قال ابن أبي زمنين (ت - ٣٩٩هـ) ﵀: (ومن قول أهل السنة أن يعتقد المرء المحبة لأصحاب النبي ﷺ، وأن ينشر محاسنهم وفضائلهم) (٤) .
وقال الصابوني (ت - ٤٤٩هـ) ﵀: (من أحبهم وتولاهم ودعا لهم، ورعى حقهم، وعرف فضلهم فاز في الفائزين) (٥) .
وقال ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀: (ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم) (٦) .
_________________
(١) انظر: لمعة الاعتقاد ص٣٣.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١١٣ كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان، ومسلم في صحيحه ١/٨٥ كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١١٣ كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان، ومسلم في صحيحه ١/٨٥ كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.
(٤) أصول السنة (مع تخريجه رياض الجنة ص٢٦٣) .
(٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص٢٩٢.
(٦) لمعة الاعتقاد ص٣٤، وانظر في هذا المعنى: أصول السنة للحميدي (آخر المسند ٢/٥٤٦) .
[ ٤٩٨ ]
ومن الإيمان والسنة: الإيمان والإقرار بعد التهم: وعدالة الصحابة ثابتة بالكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وإجماع أمة محمد ﷺ.
قال الله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ومعنى وسطا: أي عدولًا، كما قال: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]، أي اعدلهم. ويشهد لذلك قول الرسول ﷺ: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلّغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا»، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط العدل) (١) .
وقال ﷺ في حجة الوداع للصحابة: «.. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب» (٢)، وهذا فيه دلالة على عدالة الصحابة، كما قال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) ﵀: (وفي قوله ﷺ: «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله ﷺ وقال: ألا ليبلغ فلان منكم الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا) (٣) .
وأما الإجماع على عدالة الصحابة فقد حكاه غير واحد من أهل العلم:
فقد قال ابن عبد البر (ت - ٤٦٣هـ) ﵀: (ونحن وإن كان الصحابة ﵃ قد
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٧١ - ١٧٢ كتاب التفسير، باب (وكذلك جعلناكم أمه وسطا) .
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٥٧٣ كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، وكتاب العلم رقم (١٠٥) .
(٣) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١/٩١.
[ ٤٩٩ ]
كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول) (١) .
وقال ابن الصلاح (ت - ٦٤٢هـ) ﵀: (للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة) (٢) .
ثم قال: (إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، فكأن الله ﷾ أتاح الإجماع على ذلك؛ لكونهم نقلة الشريعة، والله أعلم) (٣) .
وهكذا قال ابن حجر العسقلاني (ت - ٨٥٢هـ)، والسخاوي (ت - ٩٠٢هـ) - رحمهما الله - (٤)، وغيرهما.
ومن السنة والإيمان بصحابة رسول الله ﷺ: عدم سبهم وتنقصهم، والتعرض لأعراضهم بسوء وقدح، وعدم الخوض فيما وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -.
يقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
وهم داخلون من باب أولى في الوعيد العام على من آذى المؤمنين، وفي النهي عن الغيبة، في قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَلا يَغْتَبْ
_________________
(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١/٩.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص١٤٦ - ١٤٧.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص١٤٧.
(٤) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١/٩، فتح المغيث للسخاوي ٣/١١٢.
[ ٥٠٠ ]
بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] .
وقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (١) .
وقال ﵊: «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسى بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبًا، أو مثل الجبال ذهبًا لما بلغتم أعمالهم» (٢) .
وقال ﵊: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٣) .
وهم داخلون في الوعيد العام على سباب المسلمين، كما قال ﷺ: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٤) .
وسأورد نماذج من كلام السلف، وأهل العلم يبين تحريم سب الصحابة، ووجوب الإمساك عما شجر بينهم، وإن كان فيها شيء من الطول والكثرة، وذلك لكي يتضح منها منهج أهل السنة والجماعة في الموقف مما شجر بين الصحابة - رضوان الله عليهم -، وليتقرر إطباق علماء الأمة المعتبرين قاطبة على وجوب حفظ اللسان تجاه الصحابة، وأن لا يذكروا إلا بخير:
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٢١ كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذًا خليلًا، ومسلم في صحيحه ٤/١٩٦٧ كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃، واللفظ له.
(٢) أخرج الحديث أحمد في مسنده ٣/٢٦٦ من حديث أنس، وانظر: كنز العمال للهندي ١١/٥٣٠، وفيض القدير للمناوي ٣/٥٣١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٥٥٦.
(٣) الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/١٠٣، وابن أبي عاصم في السنة ص٤٦٩، وحسنه الألباني في تخريجه كتاب السنة لابن أبي عاصم، وانظر: صحيح الجامع له ٢/١٠٧٧، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٤٤٦ - ٤٤٧.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/١١٠ كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، ومسلم في صحيحه ١/٨١ كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» .
[ ٥٠١ ]
فقال عمر بن عبد العزيز (ت - ١٠١هـ) ﵀: (تلك دماء طهر الله يدي منها، أفلا أطهر منها لساني، مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها) (١) .
وقال الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀: (من يبغض أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، وكان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ قول الله ﷾: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ١٠]، وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي ﷺ فقد أصابته الآية) (٢) .
وسئل الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ قال: (ما أقول فيهم إلا الحسنى) (٣) .
وقال البربهاري (ت - ٣٢٩هـ) ﵀: (اعلم أنه من تناول أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه إنما أراد محمدًا ﷺ، وقد آذاه في قبره) (٤) .
وقال ابن أبي زيد القيرواني (ت - ٣٨٦هـ) ﵀: (وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب) (٥) .
وقال الصابوني (ت - ٤٤٩هـ) ﵀: (من أبغضهم وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج - لعنهم الله - فقد هلك في الهالكين.. ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﵌، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم، ونقصًا فيهم) (٦) .
_________________
(١) انظر: مناقب الشافعي للرازي ص١٣٦.
(٢) انظر: شرح السنة للبغوي ١/٢٢٩.
(٣) انظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص١٦٤.
(٤) شرح السنة ص٥٤.
(٥) المقدمة (ضمن شرحها ص١٨) .
(٦) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص٢٩٢ - ٢٩٤.
[ ٥٠٢ ]
وقد انتقد ابن الصلاح (ت - ٦٤٢هـ) ﵀ ابن عبد البر (ت - ٤٦٣هـ) ﵀ إيراده ما شجر بين الصحابة، فحين أثنى على كتابه (الاستيعاب) قال بعد ذلك: (لولا ما شانه به من إيراده كثيرًا مما شجر بين الصحابة) (١) .
وقال الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀: (تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين -، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا: فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه، لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة، وآحاد العلماء) (٢) .
ثم جعل شروطًا لجواز الاطلاع على هذه الأمور، والبحث فيها بقوله: (وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوةً: للعالم المنصف، العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله - تعالى - حيث يقول ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محّاء، وعبادة ممحصة) (٣) .
ومن الإيمان بالصحابة: الإقرار بمنزلة أهل بيت الرسول ﷺ، وفيهم أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأن لهم مكانة خاصة بحكم قربهم منه ﷺ (٤) .
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص١٤٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠/٩٢.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٠/٩٢، وانظر: الآثار في التحذير من الخوض في هذا الأمر: السنة للخلال ٣/٥٠١ - ٥١٦، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٧/١٢٤٦ - ١٢٧٠، وانظر: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام لناصر الشيخ ٢/٧٠٠ - ٨٧٩.
(٤) انظر: الخلاف في تحديد المراد بآل بيت الرسول ﷺ في منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٤/٥٩٥، ٧/٧٥، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٤٦٠ - ٤٦٢، الفتاوى الكبرى ١/١٩٤، جلاء الأفهام لابن القيم ص١١٤.
[ ٥٠٣ ]
ومما ورد فيهم في كتاب الله قوله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٣٢] .
ومن السنة قول المصطفى الكريم صلوات ربي وسلامه عليه حين قام خطيبًا: «أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١) .
وقد أمرنا بالصلاة عليهم في كل صلاة، وصيغتها ما ذكره الرسول ﷺ بقوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٢) .
وقد كان أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁ أعرف الناس بمنزلة أهل بيت الرسول ﷺ، فقد حث على إرضائهم، والقرب منهم، وعدم إيذائهم وسبهم
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٨٧٣ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي.
(٢) سبق تخريجه ص٣٩٧ - ٣٩٨.
[ ٥٠٤ ]
بقوله: (ارقبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته) (١) .
وقوله: (والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي) (٢) .
وفضائلهم كثيرة متعددة: سواء كان الفضل العام لهم جميعًا، أو فضائلهم بأشخاصهم وأعيانهم مما لا يتسع المقام لذكره (٣) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٧٨ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب قرابة النبي ﷺ.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٧٨ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب قرابة النبي ﷺ.
(٣) انظر: ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للطبري المكي، حقائق عن آل البيت والصحابة للسامرائي، در السحابة في مناقب القرابة والصحابة للشوكاني،
[ ٥٠٥ ]