دلالة نصوص الكتاب والسنة على خلود النار
دلت النصوص على خلود النار، من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة: فمن الكتاب قول الله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢] . ففي هذه الآية دلالة على أن عذاب أهل النار لا ينقطع أبدًا، ولا يخفف عنهم العذاب فيها فهم في عذاب مستمر.
قال ابن جرير الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀: (خبر من الله تعالى ذكره، عن دوام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف) (١) .
وقال ابن عطية (٢) ﵀: (ثم أعَلَم - تعالى - برفع وجوه الرفق عنهم؛ لأن العذاب إذا لم يخفف ولم يؤخر فهو النهاية) (٣) .
وقال ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀: (لا يخفف عنهم العذاب فيها أي لا ينقص عما هم فيه، ولا هم ينظرون أي لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر بل هو متواصل دائم فنعوذ بالله من ذلك) (٤) .
_________________
(١) جامع البيان ٢/٦٣.
(٢) ابن عطية: عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، أبو محمد، أكثر الرواية عن أبيه، مفسر فقيه، عارف بالأحكام، له كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ت سنة ٥٤٢هـ. انظر في ترجمته: تاريخ قضاة الأندلس للنباهي ص١٠٩، بغية الوعاة للسيوطي ٢/٧٣.
(٣) المحرر الوجيز ٢/٣٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم ١/٣٥٣.
[ ٥٧٩ ]
وقال أبو السعود (١) ﵀: (ولا هم ينظرون: إيثار الجملة الاسمية لإفادة دوام النفي واستمراره أي لا يمهلون، ولا يؤجلون) (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] . أي أن هؤلاء الكفار وإن ندموا، واشتدت ندامتهم على أعمالهم الخبيثة، فلا ينفعهم ذلك، ولن يخرجوا من النار، ويؤكد الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀ هذا المعنى رادًا على من زعم أن النار تفنى بقوله: (وفي هذه الآية الدلالة على تكذيب الله الزاعمين أن عذاب الله أهل النار من أهل الكفر منقضٍ، وأنه إلى نهاية، ثم هو بعد ذلك فانٍ؛ لأن الله - تعالى ذكره - أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غير خارجين من النار، بغير استثناء منه وقتًا دون وقت، فذلك إلى غير حد ولا نهاية) (٣) .
ويقول القرطبي (ت - ٦٧١هـ) ﵀ عن هذه الآية: (دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم لا يخرجون منها) (٤) .
وقال ﷿: ﴿ِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]، فهذا مصير الكفار، وطريقهم في الآخرة: جهنم يدخلونها، ويخلدون فيها لا يخرجون منها، وهذا يسير على الله ﷿ فلا يقدر أحد من الكفار أن يمتنع من ذلك، ولا يستطيع أحد أن يمنع الله من ذلك الفعل، فالخلق خلقه، والأمر أمره، يقول الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀ عن هذه الآية (يقول: مقيمين فيها أبدًا) (٥) .
_________________
(١) أبو السعود: محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، من علماء الترك المستعربين، مفسر شاعر، تقلد القضاء في أماكن عدة، وأضيف إليه الإفتاء، كان حاضر الذهن سريع البديهة، ت سنة ٩٨٢هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٨/٣٩٨، الفوائد البهية للكنوي ص٨١.
(٢) إرشاد العقل السليم ١/١٨٣.
(٣) جامع البيان ٢/٨٠.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٢/٢٠٧.
(٥) جامع البيان ٤/٣٧١.
[ ٥٨٠ ]
ومن أدلة أهل السنة على عدم فناء النار من القرآن، قول الله - ﵎ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦ - ٣٧]، فقد أخبر الله عن الكفار أنهم باقون في النار وعذابهم دائم لا يتخلف ولا ينقطع، يقول شيخ المفسرين أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀: (يريد هؤلاء الذين كفروا بربهم يوم القيامة أن يخرجوا من النار بعد دخولها، وما هم بخارجين منها، (ولهم عذاب مقيم) يقول: لهم عذاب دائم ثابت لا يزول عنهم، ولا ينتقل أبدًا) (١) .
وقال ابن عطية (ت - ٥٤٦هـ) ﵀: (أخبر - تعالى - عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد) (٢) .
وقال القرطبي (ت - ٦٧١هـ) ﵀: (معناه: دائم ثابت لا يزول ولا يحول) (٣) .
ومنها قوله تعالى: ﴿َيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فبين الله ﷿ أن مصير عبدة الأوثان هو النار يستقرون فيها أبدًا، ويفسر ابن جرير (ت - ٣١٠هـ) ﵀ الاستثناء في الآية بقوله: (يعني إلا ما شاء الله من قَدْر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار) (٤)، وهناك أقوال أخرى في معنى الاستثناء
_________________
(١) جامع البيان ٤/٥٦٨.
(٢) المحرر الوجيز ٥/٩٤ - ٩٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٦/١٥٩، وانظر: التسهيل لابن جزي ١/٣١٦.
(٤) جامع البيان ٥/٣٤٣.
[ ٥٨١ ]
في هذه الآية ليس هذا موضع ذكرها (١) .
ومن الأدلة - أيضًا - قول الله - ﵎ -: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧]، وهذه الآية هي التي أطال فيها المفسرون.
ويفسر ابن جرير (ت - ٣١٠هـ) ﵀ ربط خلود أهل النار في النار بدوام السماوات والأرض بأنها للتأبيد (ذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دوام السماوات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا.. فخاطبهم - جل ثناؤه - بما يتعارفون به بينهم) (٢)، ويشهد لذلك قول زهير: (٣)
ألا لا أرى على الحوادث بواقيا ولا خالدًا إلا الجبال الرواسيا (٤)
وقيل: إنها سماوات الآخرة وأرضها لبقائها على الأبد (٥)، ودليل ذلك قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء﴾ [الزمر: ٧٤] .
وأما الاستثناء في هذه الآية فقد توقف عنده المفسرون طويلًا (٦)، وحاصل أقوالهم ما يلي:
_________________
(١) انظر: التفصيل فيها: النكت والعيون للماوردي ٢/١٦٩، زاد المسير لابن الجوزي ٤/١٦٠ - ١٦١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/٨٤، محاسن التأويل للقاسمي ٧/٢٤٩٨ - ٢٥٠٤.
(٢) جامع البيان ٧/١١٤، وانظر: المحرر الوجيز ٩/٢٢٥. تفسير الرازي ١٨/٦٤.
(٣) زهير بن أبي سلمى بن رباح بن قرط بن غطفان وقيل: من مزينة، يقال: إنه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، ت سنة ١٣ قبل الهجرة. انظر في ترجمته: طبقات فحول الشعراء للجمحي ١/٥١، الشعر والشعراء لابن قتيبة ص٢٣.
(٤) ديوان زهير ص١٠٧.
(٥) انظر: النكت والعيون للماوردي ٢/٥٠٤.
(٦) ذكر الماوردي في النكت والعيون ٢/٥٠٤ ثمانية أقوال وهي ما سأذكرها هنا، وذكر ابن الجوزي في زاد المسير ٤/١٦٠ سبعة أقوال للمفسرين، وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٩/٩٩ أحد عشر قولًا.
[ ٥٨٢ ]
١ - خالدين فيها ما دامت سماء الدنيا وأرضها إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها بعد فناء مدتها.
٢ - ما دامت سماوات الآخرة وأرضها إلا ما شاء ربك من قدر وقوفهم في القيامة.
٣ - ما دامت السماوات والأرض، أي مدة لبثهم في الدنيا.
٤ - خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من أهل التوحيد أن يخرجهم منها بعد إدخالهم إليها، فيكونون أشقياء في النار سعداء في الجنة، ويشهد لهذا قول الرسول ﷺ: «يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحمحمة (١) أخرجوا منها وأدخلوا الجنة فيقال لهم: الجهنميون» (٢)، ويرى الطبري (ت - ٣١٠هـ) وابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) - رحمهما الله - أن هذا هو القول الصواب (٣) .
٥ - إلا ما شاء الله من أهل التوحيد أن لا يدخلهم إليها.
٦ - إلا ما شاء ربك من كل من دخل النار من موحد ومشرك أن يخرجه منها إذا شاء.
٧ - أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي ليست بزفير ولا شهيق ممالم يسم ولم يوصف، ومما قد سُمّي ووصف، ثم استأنف ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] .
_________________
(١) الحمحمة: أي الأسود الشديد السواد، انظر: لسان العرب لابن منظور ١٢/١٥٧، مادة (حمم)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤/١٠٢، مادة (حم) .
(٢) أخرج الحديث البخاري في صحيحه ١١/٤١٦ كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه ١/١٧٠، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، وباب إثبات الشفاعة.
(٣) انظر: جامع البيان ٧/١١٦، تفسير القرآن العظيم ٣/٥٧٨.
[ ٥٨٣ ]
٨ - أن الاستثناء واقع على معنى: لو شاء ربك أن لا يخلدهم لفعل، ولكن الذي يريده، ويشاؤه، ويحكم به تخليدهم (١) .
وقد أجاب ابن عطية (ت - ٥٤٦هـ) ﵀ على من فهم من هذا الاستثناء أن جهنم تخرب، ويعدم أهلها بقوله: (هذا قول مختل، والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره، إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمى جهنم، وسمي الكل به تجوزًا) (٢) .
وقال أبو السعود (ت - ٩٥١هـ) ﵀ عن الاستثناء في الآية: (استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، وقوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، غير أن استحالة الأمور المذكورة معلومة بحكم العقل، واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل يعني أنهم مستقرون في النار في جميع الأزمنة إلا زمان مشيئة الله - تعالى - لعدم قرارهم فيها، إذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم) (٣) .
ومن الأدلة القرآنية على عدم فناء النار قول الحق - ﵎ -: ﴿وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهذه الآية تفيد بقاء أهل النار في النار أو أن النار باقية، لقوله: (كلما) التي تفيد التعميم والاستمرار، ومعنى (خبت) عند المفسرين وجهان:
_________________
(١) انظر: النكت والعيون للماوردي ٢/٥٠٤، معاني القرآن للنحاس ٣/٣٨١ - ٣٨٢.
(٢) المحرر الوجيز ٩/٢٢٦.
(٣) إرشاد العقل السليم ٤/٢٤٢، وانظر: الآثار من أقوال المفسرين حول هذه الآية في الدر المنثور للسيوطي ٣/٣٤٠ - ٣٥٠.
[ ٥٨٤ ]
أحدهما: كلما طفئت أوقدت.
ثانيهما: كلما سكن التهابها زدناهم سعيرًا والتهابًا، وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم، ولا تخفيف من عذابهم (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾ [طه:٧٤] .
فهذه الآية دلالتها على عدم فناء النار، واستمرار العذاب فيها، مثل دلالة قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]، ويذكر الماوردي (٢) ﵀ أن هذا السياق يحتمل وجهين:
أحدهما: لا ينتفع بحياته، ولا يستريح بموته.
الثاني: أن نفس الكافر معلقة بحنجرته، كما أخبر الله عنه، فلا يموت بفراقها ولا يحيا باستقرارها (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥ - ٦٦]، فعذاب الآخرة ملازم دائم لمن هو خالد في النار من الكفار، ولذا يقول الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀: (إن عذاب جهنم كان غرامًا ملحًا دائمًا لازمًا غير مفارق من عذِّب به من الكفار، ومهلكًا له) (٤)، ومنه سمي الغريم لملازمته لغارمه. ومنه قول الأعشى (٥):
_________________
(١) انظر: النكت والعيون للماوردي ٣/٢٧٥.
(٢) الماوردي: علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي، أبو الحسن، الإمام العلامة، صاحب التصانيف، اتهم بالاعتزال، ت سنة ٤٥٠هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٤٤، طبقات الشافعية للسبكي ٥/٢٦٧.
(٣) انظر: النكت والعيون ٣/٤١٥.
(٤) جامع البيان ٩/٤١٠.
(٥) الأعشى: ميمون بن قيس من بني ضبيعة، كان جاهليًا، أدرك الإسلام في آخر عمره رحل إلى النبي في صلح الحديبية، وقابله أبو سفيان، وصالحه على أن يرجع من عامه ومعه مائة ناقة حمراء، فرجع، ومات في طريقه سنة ٧هـ. انظر في ترجمته: الشعر والشعراء لابن قتيبة ٤٤، المؤتلف والمختلف للآمدي ص١٢.
[ ٥٨٥ ]
إن يعاقب يكن غرامًا وإن يعـ ـط جزيلًا فإنه لا يبالي (١)
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، ففي هذه الآية دلالة على استقرار الكفار في النار، وأنها دائمة، فكلما أرادوا أن يخرجوا من شدة العذاب، ولأن لهب جهنم يدفعهم إلى أعلاها، ثم يضربون بمقامع من حديد ليعودوا فيها، ويقال لهم من باب التقريع والتوبيخ: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (٢)، وهم مستمرون في ذلك أبد الآباد.
ومن الآيات قول الله - ﵎ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]، فالكافر في السعير، ومكثه مؤبد فيها، لا يخرج منها أبدًا، يقول ابن جرير (ت - ٣١٠هـ) ﵀: (ماكثين في السعير أبدًا إلى غير نهاية) (٣) ويقول ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀: (ما كثين مستمرين فلا خروج لهم منها، ولا زوال لهم عنها) (٤) .
ومن الأدلة لأهل السنة والجماعة على عدم فناء النار - قول الله تعالى -: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٨]، فهم خالدون في عذاب دائم لا يخفف عنهم، ولا يخرجون منه، جزاء وفاقًا، فينادون خازن النار طالبين الموت، فيتركهم ولا يجيبهم ما شاء الله من السنين
_________________
(١) ديوان الأعشى ص١٧١.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢/٢٨، ١٤/١٠٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٤١٤.
(٣) جامع البيان ١٠/٣٣٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٥/٥١٧.
[ ٥٨٦ ]
ثم يأتيهم الجواب الذي يزيدهم في العذاب، ويخبرهم بالبقاء في النار والمكوث فيها، فيلجأ الكفار مستغيثين بربهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، - فيرد عليهم - رب العزة والجلال - ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٣]، أي أن النار موضع أهل الكفر، وهي مآلهم ومرجعهم، فإذا دخلوا فيها لا يخرجون منها، فهم لا بثون مقيمون فيها أبدًا.
وذكر المفسرون لهذه الآيات معنيين:
المعنى الأول: أن الأحقاب مُدَدٌ طويلة، وآجال متعددة لا تنقطع، ولا نهاية لها، قال الماوردي (ت - ٤٥٠هـ) ﵀: (كلما مضى حقب جاء حقب، وكذلك إلى الأبد) (٢)
وقال القرطبي (ت - ٦٧١هـ) ﵀ في كلام طويل له: (ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكلما مضى حقب جاء حقب.. والمعنى في الآية: لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها.. وذكر الأحقاب لأن الحُقُب كان أبعد شيء عندهم، فتكلم بما تذهب إليه أذهانهم ويعرفونها، وهي كناية عن التأبيد، أي يمكثون فيها أبدًا.. وإنما المعنى - والله أعلم - ما ذكرناه أولًا: أي لابثين فيها أزمانًا ودهورًا، كلما مضى زمن يعقبة زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبد الآبدين من غير انقطاع) (٣)، وقال القاسمي (٤) ﵀: (أي
_________________
(١) انظر: معالم التنزيل للبغوي ٤/١٤٦، تفسير كلام المنان للسعدي ٦/٦٦٢.
(٢) النكت والعيون ٦/١٨٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٩/١٧٧، وانظر: معالم التنزيل للبغوي ٤/٤٣٨.
(٤) القاسمي: جمال الدين بن محمد بن سعيد بن قاسم الحلاق، إمام الشام في عصره، علمًا بالدين، وتضلعًا في فنون الأدب، كان سلفي العقيدة، انقطع في آخر حياته للتأليف وإلقاء الدروس، ت سنة ١٣٣٢هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٢/١٣١.
[ ٥٨٧ ]
دهورًا متتابعة إلى غير نهاية) (١) .
وأما المعنى الثاني فهو: أنهم يلبثون أحقابًا ومددًا طويلة على نوع من العذاب، ثم يحدث الله لهم أنواعًا أخرى من العذاب، ويميل إلى هذا الإمام الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀ إذ يقول: (يحتمل أن يكون معنى ذلك: لابثين فيها أحقابًا في هذا النوع من العذاب أنهم: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]، فإذا انقضت تلك الأحقاب صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك، كما قال - جل ثناؤه - في كتابه: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ *جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص~: ٥٥ - ٥٨]، وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية) (٢)، وقال الشوكاني (ت - ١٢٥٠هـ) ﵀: (الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب) (٣) . وكلا المعنيين يدل على التأبيد والخلود، فلا انقضاء لعذابهم، ولا يخفف عنهم من عذابها. نسأل الله السلامة والعافية.
والآيات في إثبات خلود أهل النار في النار، وأنهم لا يخرجون منها كثيرة جدًا - غير ما ذكرت - فمنها قول الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]، وقال - سبحانه -: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، ومنها قوله - ﵎ -: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
_________________
(١) محاسن التأويل ١٧/٦٠٣٧، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٧/١٩٩، فتح القدير للشوكاني ٥/٣٦٦.
(٢) جامع البيان ١٢/٤٠٥.
(٣) فتح القدير ٥/٣٦٦، وللمفسرين أقوال أخرى حول هذه الآية، لكنها ضعيفة، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩/١٧٩، فتح القدير للشوكاني ٥/٣٦٦.
[ ٥٨٨ ]
أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦]، وقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]، وقال - سبحانه -: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا
هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
والآيات كثيرة وصريحة في بيان أن أهل النار خالدون في النار خلودًا مؤبدًا، وأن العذاب لا يخفف عنهم، وأنهم لا يخرجون من النار، وأنه كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها زيادة لهم في العذاب، وأن هذا العذاب ليس مصروفًا عنهم، وأنهم ليس لهم في الآخرة إلا النار فلا يخرجون منها، وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا، وأن عذابهم مقيم دائم، وأن النار مؤصدة عليهم، نسأل الله أن يحفظنا بحفظه، وأن يجيرنا من عذاب النار، إنه سميع مجيب.
وأما الأحاديث الدالة على بقاء النار، واستمرار عذاب الكفار فيها فهي كثيرة - أيضًا - ومنها: قول الرسول ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» (١)، قال الإمام النووي (ت - ٦٧٦هـ) ﵀: (الظاهر والله أعلم من معنى الحديث أن الكفار الذين هم أهل النار، والمستحقون
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٧٢ كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة، وابن ماجه في سننه ٢/١٤٤٤١، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة.
[ ٥٨٩ ]
للخلود لا يموتون فيها، ولا يحيون حياة ينتفعون بها، ويستريحون معها، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣]، وهذا جار على مذهب أهل الحق أن نعيم أهل الجنة دائم وأن عذاب أهل الخلود في النار دائم) (١) .
وقال ﵊: «يجاء بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال. يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل النار: هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون (٢) وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]، وأشار بيده إلى الدنيا» (٣) .
وقال ﷺ: «يُدخل الله أهل الجنة الجنة، ويُدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه» (٤) .
وقال ﵊: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أُتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨.
(٢) أي يمدون أعناقهم، ويرفعون رؤوسهم للنظر، انظر: فتح الباري لابن حجر ١١/٤٢٠.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٨٨ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٤٠٦ كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، ومسلم في صحيحه ٤/٢١٨٩ كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.
[ ٥٩٠ ]
فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم» (١) .
وقال ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: «.. فأقول: يارب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن - أي وجب عليه الخلود -» (٢) .
قال الإمام النووي (ت - ٦٧٦هـ) ﵀: (أي وجب عليه الخلود، وبيّن مسلم ﵀ أن قوله: أي وجب عليه الخلود هو تفسير قتادة (٣) الراوي (٤)، وهذا التفسير صحيح ومعناه: من أخبر القرآن أنه مخلد في النار وهم الكفار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق، وما أجمع عليه السلف أنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد والله أعلم) (٥) . وقال الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ في معنى إلا من حبسه القرآن: (أي من أخبر القرآن أنه يخلد في النار) (٦) .
وأما أقوال سلف الأمة وعلمائها في تقرير عقيدة خلود النار وبقائها أبد الآباد، وأنها لا تفنى، فهي متواترة يتلقاها اللاحق عن السابق، ولعلي أتوقف قليلًا؛ لأذكر نماذج من مقولاتهم في تقرير هذه العقيدة:
قال إمام أهل السنة الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀: (وإن الله خلق الجنة
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٤١٥ كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه ٤/٢١٨٩، كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، واللفظ له.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٤١٧ - ٤١٨ كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ومسلم ١/١٨١ - ١٨٢ كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٣) قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري، ولد أكمه، اشتهر بقوة الحفظ وسرعته، عالم أهل البصرة إمام في النسب، ورأس في العربية واللغة، ت سنة ١١٧هـ. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب لابن حجر ٨/٣٥١، شذرات الذهب لابن العماد ١/١٥٣.
(٤) انظر: صحيح مسلم ١/١٨١، وانظر: فتح الباري لابن حجر ١١/٤٤٠.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٨ - ٥٩.
(٦) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١١/٤٤٠.
[ ٥٩١ ]
قبل الخلق، وخلق لها أهلًا، ونعيمها دائم، ومن زعم أنه يبيد من الجنة شيء فهو كافر، وخلق النار قبل خلقه الخلق، وخلق لها أهلًا وعذابها دائم) (١) .
وقال أبو زرعة الرازي (ت - ٢٦٤هـ)، وأبو حاتم الرازي (ت - ٢٧٣هـ) - رحمهما الله -: (والجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدًا، والجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله ﷿) (٢) .
وقال الطحاوي (٣) ﵀: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا، ولا تبيدان) (٤) .
وقال الإمام البربهاري (ت - ٣٢٩هـ) ﵀: (وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى، إلا الجنة والنار، والعرش والكرسي، والصور، والقلم، واللوح ليس يفنى شيء من هذا أبدًا) (٥) .
وقال الإمام الآجري (ت - ٣٦٠هـ) ﵀: (وقد ذكر الله ﷿ في كتابه أهل النار الذين هم أهلها، يخلدون فيها أبدًا.. وأن أهل النار الذين هم أهلها في العذاب الشديد أبدًا) (٦) .
وقال ابن أبي زمنين (ت - ٣٩٩هـ) ﵀: (وأهل السنة يؤمنون بأن الجنة
_________________
(١) انظر: طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/٣٤٤، الرد على الزنادقة للإمام أحمد (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص١٠١)، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل للأحمدي ٢/٢٢٥ - ٢٢٦.
(٢) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي ١/١٧٧، عقيدة أبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي للحداد ص٢٠١.
(٣) الطحاوي: أحمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي الحنفي، أبو جعفر، الإمام الحافظ، محدث الديار المصرية وفقيهها، كان ثقة ثبتًا، كان شافعيًا ثم تحول إلى المذهب الحنفي، ت سنة ٣٢١هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٥٣، سير أعلام النبلاء للذهبي ١٥/٢٧.
(٤) العقيدة الطحاوية ص١٢، وقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية ٢/٦٢٠: (هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف) .
(٥) شرح السنة ص٣٣.
(٦) الشريعة ص٣٩٩ - ٤٠٠.
[ ٥٩٢ ]
والنار لا يفنيان، ولا يموت أهلوها ولو لم يذكر الله - ﵎ - الخلود إلا في آية واحدة لكانت كافية لمن شرح الله صدره للإسلام، ولكن ردد ذلك ليكون له الحجة البالغة) (١) .
وقال الإمام الصابوني (ت - ٤٤٩هـ) ﵀: (ويشهد أهل السنة: أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان، لا يفنيان أبدًا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لا يخرجون منها أبدًا) (٢) .
وقد نقل ابن حزم (ت - ٤٥٦هـ) ﵀ الاتفاق والإجماع على أن الجنة والنار باقيتان، لا تفنيان، فقال: (اتفقت فرق الأمة كلها على أنه لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها..) (٣) .
وقال في مراتب الإجماع: (وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبدًا، لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية، وأنها أعدت لكل كافر مخالف لدين الإسلام) (٤)، وقال الأصبهاني (ت - ٥٣٥هـ) ﵀: (والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان؛ لأنهما خلقتا للأبد لا للفناء) (٥) .
وقال - أيضًا -: (وليس تفنى الجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم، والصور، ليس يفنى شيء من هذه الأشياء) (٦) .
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (ت - ٦٠٠هـ) ﵀: (والإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا، خلقتا للبقاء لا للفناء، وقد صح في ذلك أحاديث عدة) (٧) .
_________________
(١) أصول السنة ص١٣٩ - ١٤٠.
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص٣٦٤.
(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/٨٣.
(٤) مراتب الإجماع ص١٧٣.
(٥) الحجة في بيان المحجة ٢/٢٦٣.
(٦) الحجة في بيان المحجة ٢/٤٣٦.
(٧) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص٧٦.
[ ٥٩٣ ]
وقال ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى لأوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة مخلدون) (١) .
وقال القرطبي (ت - ٦٧١هـ) ﵀ بعد أن ذكر الأحاديث الدالة على الخلود لأهل الدارين فيها: (هذه الأحاديث مع صحتها نص في خلود أهل النار فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة، ولا راحة ولا نجاة ، فمن قال: إنهم يخرجون منها، أو أن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى العقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول) (٢) .
وقال مرعي الحنبلي (ت - ١٠٣٣هـ) ﵀: (اعلم - وفقك الله تعالى - أن مذهب أهل الحق هو الحق في كل مسألة، ومذهبهم أن الجنة والنار موجودتان الآن خلافًا للمعتزلة، وإنما هما باقيتان لا يفنيان، ولا يفنى أهلهما خلافًا للجهمية حيث ذهبوا إلى أنهما يفنيان ويفنى أهلهما) (٣) .
وقال السفاريني (٤) ﵀: في الدرة المضية:
واجزم بأن النار كالجنة في وجودها وأنها لم تتلف (٥)
وقال الصنعاني (٦)
﵀: (إن هذه المسألة وهي فناء النار لا تعرف في
_________________
(١) لمعة الاعتقاد ص٣١.
(٢) التذكرة في أحوال الموتى والآخرة ص٥٢٧.
(٣) توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين ص٤١.
(٤) السفاريني: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، شمس الدين، عالم بالحديث والأصول، من المحققين، من أشهر كتبه: لوامع الأنوار البهية، وغذاء الألباب، أفتى بسفارين وتوفي بها سنة ١١٨٨هـ. انظر في ترجمته: سلك الدرر للمرادي ٤/٣١، تاريخ عجائب الآثار للجبرتي ١/٤٦٨.
(٥) الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية (ضمن شرحها لوامع الأنوار البهية للمؤلف ٢/٢٣٠) .
(٦) الصنعاني: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الصنعاني، أبو إبراهيم، المعروف بالأمير، إمام مجتهد من اليمن، يلقب بالمؤيد بالله، من أشهر مصنفاته: سبل السلام، ت سنة ١١٨٢هـ. انظر في ترجمته: البدر الطالع للشوكاني ٢/١٣٣، الأعلام للزركلي ٦/٢٦٣.
[ ٥٩٤ ]
عصر الصحابة، ولا دارت بينهم، فليس نفي ولا إثبات، بل الذي عرفوه فيها هو ما في الكتاب والسنة من خلود أهل النار أبدًا، وأن أهلها ليسوا منها بمخرجين، وعرفوا ما ثبت من خروج عصاة الموحدين) (١) .
وقال صديق حسن خان (٢) ﵀: (والجنة دار أوليائه، والنار عقابه لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون، والمجرمون في عذاب جهنم ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]، وقد خلقت الجنة وما فيها، وخلقت النار وما فيها، خلقهما الله ﷿ قبل القيامة، وخلق لهما، ولا يفنيان أبدًا) (٣) .
وقال الشيخ حافظ حكمي (٤) ﵀:
والنار والجنة حق وهما موجودتان لا فناء لهما (٥)
ويعتقد الشيح حافظ (ت - ١٣٧٧هـ) ﵀ في الجنة والنار: (دوامهما وبقاؤهما بإبقاء الله لهما، وأنهما لا تفنيان أبدًا، ولا يفنى من فيهما) (٦) .
هذه نقولات لبعض مقولات سلف الأمة وعلمائها تبين عقيدة أهل السنة والجماعة في أبدية الجنة، وأبدية النار، وأن الله خلقهما للبقاء، لا للفناء، وقد
_________________
(١) رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ص١١٦هـ.
(٢) صديق حسن بن علي بن لطف الله الحسيني القنوجي البخاري، أبو الطيب، إمام علامة محدث مفسر، صنف في فنون كثيرة، ونصر السنة، ت سنة ١٣٠٧هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٧/٣٦، معجم المؤلفين لكحالة ١٠/٩٠.
(٣) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ص١٣٨.
(٤) حافظ حكمي: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، عالم محقق معاصر، له مؤلفاته في علوم متعددة، نثرًا وشعرًا. ت سنة ١٣٧٧هـ. انظر في ترجمته: المستدرك على معجم المؤلفين لكحالة ١/١٨٣، مقدمة معارج القبول لابنه أحمد.
(٥) سلم الوصول إلى علم الأصول (ضمن شرحه معارج القبول للمؤلف ٢/٢٧٩) .
(٦) معارج القبول ٢/٢٨٥.
[ ٥٩٥ ]
آثرت إكثار النقل عن أئمة أهل السنة والجماعة، على مختلف العصور ليتبين أن هذه المسألة - أي أبدية النار - هي من العقائد المتواترة، المجمع عليها، والراسخة على مر العصور بين علماء أهل السنة والجماعة، ومن اعتمد على غير هذا القول فهو مائل عن الجادة، وغاية مستنده ومعتمده النصوص الضعيفة، أو الاستدلالات الواهية، أو الأقيسة العقلية الفاسدة وهذا ما سيتبين في هذا المبحث - إن شاء الله -:
وقبل مناقشة القائلين بفناء النار يحسن بي أن أعرض لمذاهب الناس في هذه المسألة، وهي ما نقلها أهل العلم في كتبهم، وهي ثمانية مذاهب:
الأول: أن كل من دخل النار لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة، بناء على أصلهم الفاسد، في تكفير مرتكب الكبيرة، وإنكار الشفاعة.
الثاني: أن أهل النار يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم، وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها؛ لموافقتها لطبعهم، وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي (ت - ٦٣٨هـ) (١) .
الثالث: أن أهل النار يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ، وقد أكذبهم الله - تعالى - في كتابه الكريم فقال: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١] .
الرابع: أن أهل النار يخرجون من النار بعد حين، ثم تبقى النار على حالها ليس فيها أحد (٢) .
_________________
(١) انظر: فصوص الحكم ١/١٦٩ - ١٧٠.
(٢) ذكر ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح ص٢٤٩ أن شيخ الإسلام حكاه، ولم ينسبه لأحد.
[ ٥٩٦ ]
الخامس: أن النار تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة، وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه، وهذا قول الجهم (ت - ١٢٨هـ)، ومن وافقه، وهؤلاء يقولون بفناء الجنة والنار.
السادس: أن الفناء يكون لحركات أهل النار، لا للنار، فيصير أهل النار جمادًا، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥هـ) (١) .
السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في السنة ثم يبقيها ما يشاء ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه، وهؤلاء يقولون بفناء النار فقط (٢) .
الثامن: أن الله - تعالى - يخرج منها من يشاء، كما ورد في السنة، ويبقي فيها الكفار، بقاءً أبديًا لا انقضاء له (٣) .
هذه مذاهب الناس في أبدية النار، أو فنائها، وسيكون النقاش للمذهب السابع الذي يرى دخول الكفار، وعصاة المؤمنين في النار، ويرى أن عصاة المؤمنين يعذبون ما شاء الله أن يعذبوا، ثم يخرجون بعد انقضاء مدة تطهيرهم، أو يخرجون من النار، بشفاعة الشافعين، وأما الكفار فإنهم يمكثون في النار آمادًا طويلة إلى أن يأذن الله بفناء النار، فتفني، وينتهي العذاب.
فالآيات التي استدل بها القائلون بفناء النار، وهي آية سورة هود، وسورة النبأ، وغيرها، وقد مرَّ في بداية هذا المبحث ذكرها، وذكر أقوال المفسرين في
_________________
(١) انظر: مناقشة هذا القول ص٢٢٢.
(٢) ممن قال بهذا بعض المعاصرين مثل فيصل عبد الله في أطروحته التي تقدم بها لنيل درجة الماجستير إلى قسم العقيدة في جامعة أم القرى بعنوان (الجنة والنار والآراء فيهما) انظر: ٢٢٨، وعبد الكريم الحميد في القول المختار لبيان فناء النار.
(٣) ذكر ابن القيم في حادي الأرواح ص٢٤٨ - ٢٤٩ سبعة أقوال، فلم يذكر القول الثامن، ونقلها عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١١/٤٢١ - ٤٢٢ وقال: (جمع بعض المتأخرين في هذه المسألة سبعة أقوال) ثم ذكرها، وزاد عليها ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ٢/٦٢٤ - ٦٢٥ القول الثامن الذي هو قول أهل السنة والجماعة.
[ ٥٩٧ ]
بيان أنه لا دلالة لهم فيما استدلوا به، وإنما تدل على أن النار باقية لا تفنى كالجنة، ويمكن الوقوف بعض الوقفات - إضافة إلى ما ذُكر - في استدلالهم بالآيات على فناء النار:
أ - أن الآيات المجملة التي فرح بها القائلون بفناء النار، قد بينتها النصوص الأخرى من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي صرحت بأن أهل النار خالدون فيها أبدًا، وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له (١) .
ب - أن القائلين بفناء النار، قد فرّقوا بين النصوص الشرعية من حيث الدلالة من غير مفرِّق، أو مرجح، فقد ذكر الله الخلود في كتابه الكريم لأهل الجنة ولأهل النار، والخلود الذي علمنا به من النصوص الشرعية بقاء الجنة قد ذكر مثله في النار، وليس هناك دليل يصار إليه، وركن من الأدلة ركين يعتمد عليه في التفريق، خاصة إذا علمنا أن الخلود في كتب اللغة: (دوام البقاء في دار لا يخرج منها.. ودار الخلود الآخرة لبقاء أهلها فيها) (٢) .
ج - أن الخلود في النصوص الشرعية مقابل بالموت الذي هو الفناء، فمن كان خالدًا فهو لا يفنى كما قال ﷾: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥]، فالخلود دوام البقاء، والموت هو الفناء والزوال والانتهاء من هذه الدنيا.
د - أن الله ﷿ أخبر عن دوام النار، ودوام عذابها بنصوص أخرى بغير ألفاظ الخلود والتأبيد، فمما قاله - سبحانه -: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، وقال: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾ [طه: ٧٤]، وقال - سبحانه -: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا
_________________
(١) انظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشنقيطي ص١٠٧.
(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور ٣/١٦٤ مادة (خلد) .
[ ٥٩٨ ]
مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، وقوله - سبحانه - عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وغيرها من الآيات الدالة على استمرار عذاب أهل النار إلى ما لا نهاية.
هـ - أن الآيات التي فيها الاستثناء بالمشيئة لا تستلزم فناء النار، وانقطاع عذاب أهلها من الكفار، بل لها معانٍ توقف المفسرون عندها - كما بينت ذلك - في عرضي للآيات، وأقوال المفسرين حولها في بداية هذا المبحث.
وأن آية سورة النبأ دليل على الخلود من حيث معنى الأحقاب - كما تقدم -، ومن حيث سياق الآيات بعدها، فقد قال الله ﷿ في نهاية السياق: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] . ففي هذه الآية دليل على أن الكافر يتمنى أن يكون ترابًا، ولا يعذب في النار خالدًا فيها، ولو كان يظن أن النار تفنى من الآن لظل على أمله، ورجائه في رحمة الله (١) .
وأما الأحاديث والآثار التي يستدل بها القائلون بفناء النار، فلأهل العلم وقفات حولها:
أولًا: حديث: «ليأتين على جهنم يوم كأنها زرع هاج، وآخر تخفق أبوابها) (٢)، وهذا حديث باطل موضوع، وآفته: جعفر بن الزبير، وأيضًا الراوي عنه: عبد الله بن مسعر بن كدام.
أما جعفر بن الزبير، فقد وضع أربعمائة حديث على رسول الله ﷺ،
_________________
(١) انظر: مجلة المنار ٧/٥٥٣ - ٥٦٠ مقال (فناء النار والرد على ابن القيم) لعبد الظاهر أبو السمح، وانظر: تنبيه الأخيار للعلوان ص٥٦ - ٥٩.
(٢) انظر: الموضوعات لابن الجوزي ٢/٤٣٧ مع اختلاف في اللفظ.
[ ٥٩٩ ]
وكذبه شعبة بن الحجاج (١)، وقال ابن معين (ت - ٢٣٣هـ) ﵀: ليس بثقة. وقال البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀: تركوه، وقال ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) ﵀: الضعف على حديثه بيّن، وذكر الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ هذا الحديث، وقال: إسناده مظلم (٢) .
وأما عبد الله بن مسعر فهو متروك - أيضًا - وذكر الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ حديثه هذا وقال: هذا باطل (٣) .
ثانيًا: الأثر المروي عن عمر بن الخطاب (ت - ٢٣هـ) ﵁: (لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه)، وهذا الأثر ضعيف بسبب الانقطاع بين عمر (ت - ٢٣هـ) والحسن البصري (ت - ١١٠هـ) ﵀ فلم يسمع الحسن (ت - ١١٠هـ) من عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁، ومراسيل الحسن عند الأئمة واهية؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد، كما قال ذلك ابن سيرين (ت - ١١٠هـ) ﵀ (٤)، وإذا سقط سند هذا الحديث، ولم نحتجّ به لضعفه، لم يكن بنا حاجة إلى أن نوجه دلالته على أن المقصود به نار الموحدين (٥) .
ثالثًا: الأثر المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت - ٦٥هـ) ﵄ قال: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا)، وهذا الأثر ضعيف لا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا، وآفته: أبو
_________________
(١) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، أبو بسطام الواسطي، ثقة حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث، ت سنة ١٦٠هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ٩/٢٥٥، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/٣٣٨.
(٢) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٢/٥٥٨ - ٥٦٠، ميزان الاعتدال للذهبي ١/٤٠٦ - ٤٠٧.
(٣) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٢/٥٠٢.
(٤) انظر: سنن الدارقطني ١/١٧١.
(٥) انظر: رفع الأستار للصنعاني ص٦٧ - ٧٠، وانظر: تضعيف الأثر في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ٢/٧٣ - ٧٤، تحقيق شرح العقيدة الطحاوية للأرناؤوط ٢/٦٢٦ - ٦٢٧.
[ ٦٠٠ ]
أبلج يحيى بن سليم، وهذا الرجل ثقة في نفسه، إلا أن تضعيف الحفّاظ له جاء من قبل حفظه، فقال الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ عنه: (صدوق ربما أخطأ) (١)، وقد جعل الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ هذا الحديث من بلاياه، وحكم عليه بأنه منكر (٢) .
رابعًا: أثر أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ في قوله - تعالى -: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله (٣) .
وهذا الأثر وإن كان صحيحًا موقوفًا، إلا أنه لا دلالة فيه على فناء النار، بل كما يقول الإمام الصنعاني (ت - ١١٨٢هـ) ﵀: (غاية ما فيه أن كل وعيد في القرآن ذكر فيه الخلود لأهل النار، فإن آية الاستثناء حاكمة عليه، وهي عبارة مجملة لا تدل على المدعى بنوع من الدلالات الثلاث) (٤) .
ويجاب - أيضًا - بأن هذا الأثر محمول على عصاة المؤمنين من الموحدين الذي يبقون في النار - ما شاء الله - ثم يخرجون منها بهذه المشيئة الربانية، وعلى هذا يبطل الاستدلال به على فناء النار.
خامسًا: أثر عبد الله بن مسعود (ت - ٣٢هـ) ﵁ قال: (ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد)، وهذا الأثر رواه ابن جرير (ت - ٣١٠هـ) ﵀ في تفسيره (٥) بإسناد تالف مظلم (٦)، وأما البغوي (٧) ﵀ فقد ذكره بدون إسناد، ثم قال:
_________________
(١) تقريب التهذيب ٢/٤٠١ - ٤٠٢.
(٢) ميزان الاعتدال ٤/٣٨٤ - ٣٨٥.
(٣) انظر: جامع البيان للطبري ٧/١١٥ - ١١٦، الأسماء والصفات للبيهقي ١/٢٦٤، الدر المنثور للسيوطي ٣/٣٥٠.
(٤) رفع الأستار ص٧٩، والدلالات الثلاث هي دلالة: التضمن، المطابقة، الالتزام.
(٥) انظر: جامع البيان للطبري ٧/١١٦.
(٦) انظر: تخريج الألباني لهذا الأثر في رفع الأستار للصنعاني ص٧٦، وتخريج الأرناؤوط لشرح العقيدة الطحاوية ٢/٦٢٧.
(٧) البغوي: الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، الإمام القدوة، الحافظ، المفسر، يلقب بـ: محيي السنة، وركن الدين، ت سنة ٥١٦هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٤٠٢، تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٢٥٧.
[ ٦٠١ ]
(ومعناه عند أهل السنة - إن ثبت - أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان، وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدًا) (١) .
سادسًا: الأثر المروي عن أنس بن مالك (ت - ٩٣هـ) ﵁: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، وما فيها من أمة محمد أحد) .
وهذا الأثر موضوع (٢)، وآفته: العلاء بن زيدل، فقد كان يضع الحديث كما قال البخاري (ت - ٢٥٦هـ) وغيره: منكر الحديث (٣)، وقال أبو حاتم (ت - ٢٧٧هـ): هو متروك الحديث، قال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ): لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل التعجب (٤)، وذكر ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) هذا الحديث في ترجمته وقال: (منكر الحديث) (٥)، وقال الذهبي (ت - ٧٤٨هـ): تالف، وذكر هذا الحديث (٦) .
سابعًا: وأما الأثر المروي عن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ قوله: (ما أنا بالذي لا أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد)، وقد ذكره بسنده ابن القيم (ت - ٧٥١هـ) ﵀ في حادي الأرواح (٧)، وإسناده صحيح (٨)، ومع هذا فإنه لا يدل على فناء النار، بل لم يفهم رواته منه ذلك؛ ولذا قال أحد رواة
_________________
(١) معالم التنزيل ٢/٤٠٣.
(٢) انظر: الحكم عليه في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ٢/٧١، تخريج الألباني لأحاديث رفع الأستار للصنعاني ص٨٢.
(٣) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٣/٩٩.
(٤) المجروحين ٢/١٨٠ - ١٨١.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/١٨٦٢ - ١٨٦٣.
(٦) ميزان الاعتدال للذهبي ٣/٩٩ - ١٠٠.
(٧) ص٢٥٢، وأورده ابن تيمية في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ص٧٠، وانظر: الدر المنثور للسيوطي ٤/٤٧٨.
(٨) انظر: تخريجه في حاشية تحقيق الألباني على رفع الأستار للصنعاني ص٧٥، وتخريج شرح العقيدة الطحاوية للأرناؤوط ٢/٦٢٧.
[ ٦٠٢ ]
الحديث وهو عبيد الله بن معاذ (١) كما في تتمة الأثر: (كان أصحابنا يقولون: يعني به الموحدين) (٢) .
ويجاب - أيضًا - على هذا الأثر بما أجاب الإمام الصنعاني (ت - ١١٨٢هـ) ﵀ بقوله: (فإن قوله: (ليس فيها أحد) دال على بقائها، فإنك إذا قلت: ليس في الدار أحد، فإنه دال على بقاء الدار لا على فنائها) (٣) .
ولو سلمنا أن هذا الأثر فيه دلالة على فناء النار فهو قول صحابي، لا يقف أمام النصوص الصحيحة من القرآن والسنة، واتفاق العلماء على عدم فناء النار، وبقائها أبد الآباد (٤) .
وبهذا نعلم أنه لم يصح حديث أو أثر يثبت فناء النار، وأما ما صح سنده مما استدل به من قال بفناء النار فإنه لا يدل على فناء النار: - كما تم بيانه - ولله الحمد والمنة (٥) .
ومما ينبغي أن يعلم في مقام مناقشة القائلين بفناء النار: أن دوام عذاب أهل النار من الكفار هو من حكمة أحكم الحاكمين ﷾ ولا ينافي ذلك حكمته، بل هو من حكمته، واستمرار عذابهم في النار لا يعارض رحمة أرحم الراحمين، فرحمته - سبحانه - لا تنافي حكمته، وحكمته ﷿ تقتضي دوام عذاب أهل النار من الكفار؛ لأن الله ﷾ قضى وحكم في كتابه الكريم، وشرعه المطهر أن يستمر عذابهم، وقضاء الله ﷾ مبني على حكمته - سبحانه - وفرقٌ بين عذاب الكفار الخُلَّص، وبين عذاب العصاة من المؤمنين، فعذاب الكفار هو للإهانة والانتقام فهو أبدي، وأما عذاب العصاة فهو للتطهير
_________________
(١) عبيد الله بن معاذ: بن نصر بن حسان العنبري. أبو عمرو الأنصاري. ثقة حافظ. (ت٢٣٥هـ) . انظر: الكاشف للذهبي ٢/٢٣١، تقريب التهذيب لابن حجر ١/٥٣٩.
(٢) انظر: حادي الأرواح لابن القيم ص٢٥٢، الدر المنثور للسيوطي ٤/٤٧٨، وانظر: رفع الأستار للصنعاني ص٧٦.
(٣) رفع الأستار للصنعاني ص٧٦.
(٤) انظر: تنبيه الأخيار للعلوان ص٥٤.
(٥) انظر: إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص٢٠٣، رفع الأستار للصنعاني ص١١٦.
[ ٦٠٣ ]
والتمحيص: فإذا مُحِصوا وطُهِروا خرجوا من النار (١) .
وأما من قال: إنه ليس من حكمته استمرار العذاب بالنسبة للكفار، فهذا ليس بصحيح، بل الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وليست هي اللين أو الضعف أو الرحمة لمن يستحقها ومن لا يستحقها، ولا يصح أن يقطع بأن هذا مخالف لحكمته حيث لم يرد نص يدل عليه، ولا هو مخالف لمجموع النصوص، أو هو مخالف لعدل الله ﷿، وللأدلة العقلية، بل للمتأمل في حكمة الله ﷿ أن يقول: إن الحكمة تقتضي دوام عذاب الكفار.
ومن الحكم: دوام ظهور آثار أسماء الرب ﷿ التي بها تتحقق الألوهية، ويتحقق العقاب الرادع للكفار كالعزيز والقهار وغيرها.
ومن الحكم: جعل العقاب بحيث يترتب على العلم به غايته التي أُريد لأجلها من منع انتشار الكفر إلى حد يفسد الكون قبل أجله المسمى.
ومنها: جعل العقاب مناسبًا للجريمة في عدم التناهي، لما علم من أن خبث الكفر لا حد له، هذا إضافة إلى ما ذكره أهل العلم من بعض الحكم من خلق الشرور (٢) .
ومن حكمته - سبحانه - إنفاذ وعيد الكفار، بخلاف وعيد المؤمنين فيجوز إخلافه كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] أي ما دون الشرك من المعاصي، وقد أوجب الله على نفسه إنفاذ الوعيد في حق الكفار كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق~: ٢٨ - ٢٩] .
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣]، بعد قوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، وقال -
_________________
(١) انظر: دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي ص١١١.
(٢) انظر: شفاء العليل لابن القيم ص٤٩٧ - ٤٩٩، الحكمة والتعليل للمدخلي ص٢٠٥ - ٢١٠، مجلة المنار ٥/٣٨٣ - ٣٨٤.
[ ٦٠٤ ]
سبحانه -: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، هذا إضافة إلى أن النصوص الشرعية قد أكدت وقررت دوام النار وعذابها لأهلها من الكفار، والله أعلم (١) .
وفي الجملة فإن القائلين بفناء النار يمكن أن يكون النقاش معهم على طرق متعددة - كما سبق - ويمكن أن يقال لهم: أين يذهب أهل النار بعد فناء النار؟ إن قيل: يبقون بلا عذاب، فهذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فقد أخبر الله ﷿ أن الناس يوم القيامة فريقان لا ثالث لهما ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، وأخبر أن عذاب الكفار دائم لا يخفف عنهم، ولا هم ينظرون، وأنه لا يفتر عنهم، وأنهم ماكثون، وخالدون، ولو كانت النار تفنى لكان هذا من تخفيف العذاب عنهم.
وإن قيل: إنهم يموتون ويفنون بعد حين: فقد دل الدليل على خلافه؛ بأن أهل النار ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وما ورد في الحديث الصحيح من ذبح الموت حين يؤتى به على صورة كبش، ويقال لأهل الجنة ولأهل النار: خلود فلا موت.
وإن قيل إنهم يخرجون منها: فقد دل الدليل على خلافه، ذلك أن الله ﷿ قال عنهم: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، ولم يحدد في النصوص مقرهم لو خرجوا منها، وهم - قطعًا - لا يذهبون إلى الجنة.
وتلاحظ الحرفية الزائدة، والظاهرية المتكلفة عند القائلين بفناء النار، فهم يذكرون أن الله ﷾ أخبر بخلود أهل النار فيها، لكنه لم يخبر أنها لا تفنى!، وهل الخلود الأبدي إلا أبدية النار ودوام عذابها؟.
ويمكن أن يعكس عليهم الدليل فيقال: إن الله ﷿ لم يخبر عن النار أنها
_________________
(١) انظر: دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي ص١١٠ - ١١١، مقدمة الألباني لرفع الأستار للصنعاني ص٤٢ - ٤٣.
[ ٦٠٥ ]
تفنى، بل ذكر المشيئة - كما ذكرها في الجنة -، ولأهل العلم تفسيرات لهذه المشيئة متعددة في خروج بعض أهل النار منها، بخلاف الجنة فمن دخلها فلا يخرج منها.
ثم إن القائلين بالفناء، غاية استدلالهم: إما بأحاديث وآثار غير صحيحة، وهذه لا يعوّل عليها في تقرير مسألة أو حكم شرعي، لاسيما الأحكام الاعتقادية التي هي من جملة اعتقاد المسلمين التي تتعلق باليوم الآخر والجزاء.
وإما بنصوص محتملة غير صريحة فهي من المتشابه المجمل. فترد إلى المحكم المبين وهي النصوص الواضحة.
ويحسن بعد مناقشة القائلين بفناء النار أن يُفرق بين قولهم هذا، وبين قول الجهمية القائلين بفناء الجنة والنار.
فمنشأ القولين مختلف: إذ منشأ قول الجهمية هو امتناع وجود مالايتناهى من الحوادث لا في الماضي ولا في المستقبل، وقد ناقشتهم في الفصل الثالث من هذا البحث.
يقول ابن أبي العز (١) ﵀: (وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكفرّوه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث..) (٢) .
وأما منشأ قول القائلين بفناء النار - وحدها - فهو الاعتماد على نصوص مجملة، أو ضعيفة لا تقوم بها حجة، والاعتماد على تغليب جانب الرحمة على الحكمة، فمنشأ قول أكثر هؤلاء بهذا هو الاعتماد على أحاديث وآثار ظنوا أنها
_________________
(١) ابن أبي العز: علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي الحنفي، فقيه ولي القضاء بدمشق، له مؤلفات منها: شرح عقيدة الطحاوي، ت سنة ٧٩٢هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٣/١٥٩، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٣٢٦.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ٢/٦٢١.
[ ٦٠٦ ]
تدل على ما ذهبوا إليه، ولذا لم يحكم أهل السنة على القائلين بهذا القول إنهم مبتدعة، بل قالوا: إنه خطأ صدر عن اجتهاد - لما قام في أذهانهم من صحة الأدلة التي استدلوا بها - وهو مغفور لهم - بإذن الله تعالى - كما جاء في الحديث الصحيح «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد» (١)، يقول ابن تيمية ﵀ في المسائل الاجتهادية: (وحقيقة الأمر: أنه إذا كان فيها - أي المسألة - نص خَفِيَ على بعض المجتهدين، وتعذر عليه علمه، ولو علمه لوجب عليه اتباعه، لكنه لما خفي عليه اتبع النص الآخر والمجتهد المخطئ له أجر؛ لأن قصده الحق وطلبه بحسب وسعه، وهو لا يحكم إلا بدليل.. ففي الجملة: الأجر هو على اتباعه الحق بحسب اجتهاده، ولو كان في الباطن حق يناقضه هو أولى بالاتباع لو قدر على معرفته لكنه لم يقدر..) (٢) .
ويفرق ابن تيمية ﵀ بين العالم المتقدم الذي قال بقول يخالف الصواب، ويجانب الكتاب والسنة؛ لأجل أن الحجة لم تبلغه، فلم يعلم بالدليل المخالف لقوله، أو ظنه ضعيفًا، أو غير ذلك، وبين العالم الذي بلغته الحجة، وعلم الإسناد وصحته من ضعفه، وجمع الأدلة واتضحت له ثم هو يخالف ذلك كله إلى قول آخر، فالأول لا يبدع، والثاني يبدع، يقول ﵀: (إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له فلا يغتفر لمن بلغته الحجة. ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع) (٣) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٣١٨ كتاب الاعتصام بالسنة، باب أجر الحاكم، ومسلم في صحيحه ٣/١٣٤٢ كتاب الأقضية، باب أجر الحاكم.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٢٥ - ٣١.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٦١، وانظر: مقدمة الألباني لرفع الأستار للصنعاني ص٣٢ - ٣٣، البيان لأخطاء بعض الكتاب للفوزان ص١٤٦ - ١٤٧، تنبيه الأخيار للعلوان ص٦٠ - ٦٢.
[ ٦٠٧ ]