دعوى أن شيخ الإسلام مجسم ومشبه
ركز المناوئون لابن تيمية ﵀ على إلصاق تهمة التجسيم والتشبيه به - وذلك بناء على معتقد نفاة الصفات الذين يرمون مثبتة الصفات بالتشبيه - وتنوعت وسائلهم في تقرير هذه الشبهة في نفوس الضعفة:
فمنها: رميه بأنه مجسم كما قال الحصني (ت - ٨٢٩هـ): (والحاصل أنه وأتباعه من الغلاة في التشبيه والتجسيم) (١) .
وقال ابن حجر الهيتمي (٢) متحدثًا عن موقف ابن تيمية ﵀ من الباري - جلَّ وعلا -:
(نسب إليه العظائم والكبائر، وخرق سياج عظمته، وكبرياء جلالته بما أظهر للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم) (٣) .
_________________
(١) دفع شبه من شبه وتمرد ص١٢٣، وانظر: ابن تيمية حياته وعقائده لصائب عبد الحميد ص١١٩، ١٢٩ - ١٣٠.
(٢) الهيتمي: أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الشافعي، أبو العباس، برع في علوم كثيرة، له مؤلفات كثيرة منها: الزواجر، الصواعق المحرقة وغيرها، ت سنة ٩٧٣هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٨/٣٧٠، البدر الطالع للشوكاني ١/١٠٩.
(٣) الجوهر المنظم ص٢٩.
[ ١٣٩ ]
وأنه أول من قال بالتجسيم (١)، وأنه يقول: إن الله جسم كالأجسام (٢) .
ومنها: رميه بالتشبيه والتمثيل (٣)، والحشو (٤) .
ومن فروع هذه القاعدة: محبته للمشبهة، وعدم ذمهم (٥) .
ومنها: أن ابن تيمية ﵀ يثبت الاستواء، وإثبات الاستواء - عندهم - يلزم منه الجسمية، كما قال ابن جهبل (٦) في رده على ابن تيمية ﵀:
(نقول لهم: ما هو الاستواء في كلام العرب؟ فإن قالوا: الجلوس والاستقرار) .
قلنا: هذا ما تعرفه العرب إلا في الجسم فقولوا: يستوي جسم على العرش ) (٧) .
وقالوا بأنه يشبّه استواء الله على عرشه باستواء المخلوق على الكرسي كما ذكر ذلك التقي الحصني (ت - ٨٢٩هـ) عن أبي الحسن علي الدمشقي (٨) عن أبيه.
_________________
(١) انظر: كشف النقاب عن عقائد ابن عبد الوهاب للطباطبائي ص١٥.
(٢) انظر: فيض الوهاب للقليوبي ٢/٥٠، غوث العباد للحمامي ص١٠٢، وانظر في نسبته للتجسيم: السيف الصقيل للكوثري ص٤٠، ٨٠، شواهد الحق للنبهاني ٢٥٠، التوسل بالنبي لابن مرزوق ١٢.
(٣) انظر: السيف الصقيل للكوثري ص٥٠، فيض الوهاب للقليوبي ٢/٥٤.
(٤) انظر: السيف الصقيل ص٥ - ٦.
(٥) انظر: التبصير في الدين للإسفراييني تحقيق الكوثري (حاشية ص٩٤، ٩٦، ٩٧)؛ دفع شبه التشبيه لابن الجوزي تحقيق السقاف (حاشية ١٢٨)، البشارة والإتحاف للسقاف ص٤٣.
(٦) ابن جهبل: أحمد بن يحيى بن إسماعيل بن طاهر بن جهبل الحلبي الشافعي، من أعيان الفقهاء، واشتغل بالعلم ولازم الصدر بن الوكيل، باشر مشيخة دار الحديث الظاهرية بدمشق، ت سنة ٧٣٣هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/١٦٣، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٠٤.
(٧) الحقائق الجلية ص٥٧.
(٨) أبو الحسن الدمشقي: ذكر ابن حجر في الدرر الكامنة ٣/١٥٨ علي بن أسمح اليعقوبي الدمشقي، أبا الحسن، وذكر أنه كان ممن يحط على ابن تيمية، ت سنة ٧١٠هـ، فلعله هو.
[ ١٤٠ ]
قال: (كنا جلوسًا في صحن الجامع الأموي في مجلس ابن تيمية فذكّر ووعظ، وتعرض لآيات الاستواء، ثم قال: (واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا) قال: فوثب الناس عليه وثبة واحدة، وأنزلوه عن الكرسي، وبادروا إليه ضربًا باللكم والنعال وغير ذلك ) (١) .
ومنها: أن ابن تيمية ﵀ أثبت النزول للباري ﷿ كل ليلة، كما هو ظاهر حديث النزول، فأنكروا عليه إثبات النزول (٢) .
وقالوا بأن ابن تيمية ﵀ يثبت نزولًا للخالق يشبه نزول المخلوقين، كما ذكر ذلك ابن بطوطة (ت - ٧٧٩هـ) في رحلته المشهورة فقال:
(حضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إن الله ينزل كنزولي هذا) ونزل درجة من درج المنبر) (٣) .
وقد اشتهرت هذه المقولة عن ابن بطوطة (ت - ٧٧٩هـ)، وهي تنسب - أيضًا - إلى أبي علي السكوني (٤) وأنه نسبها إلى ابن تيمية ﷿ قبل ابن بطوطة (ت - ٧٧٩هـ) .
ومرد ذلك إلى الاختلاف الكبير الحاصل في تحديد سنة وفاة أبي علي السكوني، فالقول الذي رجحه بعض الباحثين هو أن وفاة السكوني كانت سنة (٧١٧هـ) (٥)، وبهذا تكون القصة قد اشتهرت ونسبت إلى ابن تيمية ﵀
_________________
(١) دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٤١، وانظر: المقالات السنية للحبشي ص٢٧.
(٢) فيض الوهاب للقليوبي ٢/٤٨ - ٤٩.
(٣) تحفة النظار (رحلة ابن بطوطة) ص١١٣، وقد ذكر أثناء حديثه عن ابن تيمية ﵀ أمورًا يعلم الناقد بطلانها.
(٤) أبو علي السكوني: عمر بن محمد بن حمد بن خليل السكوني، أبو علي، مقريء ومن فقهاء المالكية، إشبيلي نزل بتونس، ت سنة ٧١٧هـ، وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٥/٢٢٤.
(٥) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ٢/٦٩٣.
[ ١٤١ ]
قبل مجيء ابن بطوطة إلى دمشق، فقد كان مجيئه إليها سنة (٧٢٦هـ) في شهر رمضان (١) .
وقيل: إن السكوني قد توفي سنة (٧٤٧هـ) وقيل: سنة (٨١٦هـ)، لكنها أقوال مرجوحة، والله أعلم.
_________________
(١) تحفة النظار (رحلة ابن بطوطة) ص١٠٤، ١٢٩: وقد ناقش ابن بطوطة في افترائه على ابن تيمية جمع من الناس منهم محقق رحلته، محمد بهجة البيطار في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ص٤٣ - ٤٩، ومحمد الخميّس في مقدمة تحقيقه شرح حديث النزول لابن تيمية ص٣٤.
[ ١٤٢ ]