الزعم بأن شيخ الإسلام ينهى عن زيارة القبور
زعم المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يمنع من زيارة القبور مطلقًا وأنه يقول بتحريم تلك الزيارة، وأنه يستدل بحديث «لعن الله زوارات القبور» (١) على منع الزيارة مطلقًا.
وقالوا بأنه - أيضًا - ينكر مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ مطلقًا، حتى من كان في المسجد لا يشرع له ذلك.
قال الحصني (ت - ٨٢٩هـ) عن شيخ الإسلام ﵀: (ووجدوا صورة فتوى أخرى يقطع فيها بأن زيارة قبر النبي ﷺ، وقبور الأنبياء معصية بالإجماع مقطوع بها) (٢) .
وزعم بعضهم بأن شيخ الإسلام ﵀ هو أول من قال بهذا القول (٣) .
ويستدلون لزيارة قبر النبي ﷺ بأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة والقياس:
_________________
(١) تقدم تخريج هذا الحديث ص٣٠٩.
(٢) دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد ص٤٧، وانظر: البراهين الجلية للموسوي ص٧١، سعادة الدارين للسمنودي ١/٧٢، السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٥٨، الإفهام والإفحام لزكريا إبراهيم ص١٢٤.
(٣) انظر: سعادة الدارين للسمنودي ١/٨٢.
[ ٣٢٣ ]
أما الكتاب فقول الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] .
قال ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) عن هذه الآية: (دلت على حث الأمة على المجيء إليه ﷺ، والاستغفار عنده، واستغفاره لهم، وهذا لا ينقطع بموته.
ودلت - أيضًا - على تعليق وجدانهم الله توابًا رحيمًا بمجيئهم واستغفارهم واستغفار الرسول لهم) (١) .
وأما من السنة: فيستدلون بأدلة عدة:
منها حديث: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) .
وحديث: (من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي) .
وحديث: (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) .
وحديث: (من زار قبري، أو من زارني كنت له شفيعًا أو شهيدًا)، وغيرها من الأحاديث (٢) .
ويرى أولئك أن الزيارة: سنة مؤكدة، لكنها مشروطة بالاستطاعة كاستطاعة الحج؛ لأنهم يرون أن الرسول ﷺ قد حذر أمته من ترك الزيارة أشد التحذير وأرشد إليها بأبلغ بيان، مما يخشى التارك لها على نفسه القطيعة والعواقب، فترك زيارته ﷺ جفاء، وهو من ترك البر والصلة.
وأما ذكر الحج في الزيارة ليس قيدًا فهو لا مفهوم له عندهم، إذن: التارك للزيارة يخشى عليه من العقوبات والقبائح (٣) .
_________________
(١) الجوهر المنظم ص١٢.
(٢) انظر: في أحاديث الزيارة: شفاء السقام للسبكي ص٥ - ٣٩، الجوهر المنظم للهيتمي ص١٥، ٤٢ - ٤٦، تحفة الزوار للهيتمي ص٢٩ - ٣٧، دفع شبه من شبه للحصني ص١٠٩، السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٥٨، شفاء الفؤاد للمالكي ص١٥.
(٣) انظر: الجوهر المنظم للهيتمي ص٦٨.
[ ٣٢٤ ]
وأما الإجماع فيقول ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ): (وأما إجماع المسلمين فقد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول في نقل الخلاف والإجماع) (١) .
وأما القياس: فتقاس زيارة قبر نبينا محمد ﷺ على زيارة قبور غيره، بل زيارة قبر النبي ﷺ أولى وأحرى، وأحق وأعلى (٢) .
وأما كراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ قول بعض الناس: زرت قبر النبي، فهذا لهم عليه توجيهات:
منها: أن لفظة (الزيارة) تستعمل في زيارة قبر كل ميت، وكراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) لهذه اللفظة؛ إنما هو لرفعة مكانة النبي ﷺ أن يساوى وغيره بعبارة واحدة، فكراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ إنما هو لأجل أن كلمة أفضل من كلمة.
ومنها: أنه كره لفظة (الزيارة)؛ لأن الزيارة تكون لوصل المزور ونفعه، وأما في زيارة قبر الرسول ﷺ فلا تقال هذه اللفظة لعدم حاجة الرسول ﷺ لذلك، وإنما الحاجة للزائر في رغبته الثواب من عند الله ﷿.
ومنها: أن كراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ لفظة الزيارة؛ لإضافتها إلى القبر، وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه لقوله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . وبه قال القاضي عياض ﵀ (٤) .
_________________
(١) الجوهر المنظم للهيتمي ص١٥.
(٢) انظر: شفاء السقام للسبكي ص٨١ - ٨٣، تحفة الزوار للهيتمي ص٥١، ٦٣، سعادة الدارين للسمنودي ١/٧٤.
(٣) الحديث أخرجه مالك في الموطأ ١/١٧٢ كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، والحميدي في مسنده ١٠٢٥، باب الجنائز، وصحح إسناده الألباني في تحذير الساجد ص٢٥.
(٤) القاضي عياض: بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي، أبو الفضل، العلامة الحافظ، عالم المغرب، ت سنة ٥٤٤هـ. انظر في ترجمته: النجوم الزاهرة للأتابكي ٥/٢٨٥، شجرة النور الزكية لمخلوف ص١٤٠. وانظر: قول القاضي عياض في هذه المسألة في: الشفا مع شرحيه نسيم الرياض للخفاجي، وشرح الشفا لعلي القاري ٣/٥١٣.
[ ٣٢٥ ]
ومنها: كراهة مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ لفظة (الزيارة)؛ لأن الزيارة من شاء فعلها، ومن شاء تركها، وزيارة قبر النبي ﷺ من السنن الواجبة (١) .
ويدّعي المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يحرم شد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ وقبر غيره من الأنبياء والصالحين، وأنه قد بلغ الغلو والشطط في هذا الأمر (٢) .
ولذلك يردون عليه، فقد جعل السبكي (ت - ٧٥٦هـ) من شبه الخصم - ابن تيمية - فهمه الخاطئ لحديث شد الرحل فقال (فتوهم الخصم أن في هذا منع السفر للزيارة، وليس كما توهمه) (٣) .
وجعل من شبه الخصم - أيضًا -: كون هذا - أي السفر لزيارة القبر - ليس مشروعًا، وأنه من البدع، التي لم يستحبها أحد من العلماء، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من بعدهم (٤) .
ويذكر هؤلاء تقدير الاستثناء في حديث شد الرحل وأنه يمكن أن يكون التقدير: لفظ (المكان) ويرون أن هذا باطل - بلا خلاف - ولا قائل به؛ لأنه يلزم على هذا التقدير ألا نسافر إلى تجارة أو علم أو خير، وهذا ضرب من الهوس.
ويمكن أن يكون تقدير الاستثناء في الحديث لفظ (قبر)، وهذا السياق
_________________
(١) انظر: الشفا مع شرحيه ٣/٥١٢ - ٥١٣، شفاء السقام للسبكي ص٧٤ - ٧٨، شفاء الفؤاد للمالكي ص٤٤ - ٤٥.
(٢) انظر: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٥٦.
(٣) شفاء السقام ص١١٥، وانظر حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص١٣١.
(٤) انظر: شفاء السقام ص١٢٦.
[ ٣٢٦ ]
ظاهر في عدم انتظام الكلام، وغير لائق بالبلاغة النبوية.
ويمكن أن يكون التقدير لفظ (مسجد)، وهذا التقدير أقرب الاحتمالات الثلاثة (١)، ويحث هؤلاء على شد الرحل لزيارة القبر ويندبون إليها حتى للنساء، ويرون أنه لا زيارة إلا بسفر.
قال ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ): (وجه شمول الزيارة للسفر أنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور كلفظ المجيء الذي نصت عليه الآية الكريمة وإذا كانت كل زيارة قربة كان كل سفر إليها قربة.. والقاعدة المتفق عليها أن وسيلة القربة المتوقفة عليها قربة) (٢) .
ولا يكتفون بأن يجعلوها قربة بل هي من أعظم القربات عند الله ﷿ (٣) .
_________________
(١) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص١٠٠، الجوهر المنظم للهيتمي ص٣١، تحفة الزوار للهيتمي ص٧٢، السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٥٧، شفاء الفؤاد للمالكي ص١٠، ٢٦.
(٢) الجوهر المنظم ص٢٣.
(٣) انظر: الجوهر المنظم للهيتمي ص٤١، ٨٢، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص٦٥.
[ ٣٢٧ ]