دعوى مخالفة ابن تيمية الصحابة في قولهم بجواز بناء المساجد على القبور
يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ أن البناء على القبور، وتشييدها، وجعل الستور عليها، وبناء المساجد عليها كله من الدين، وأن بناء المساجد على القبور سنة رائجة في صدر الإسلام (١)؛ وأن عبارات العلماء قد تضافرت على بيان جواز البناء على القبور فكأنه إجماع عملي منهم (٢) .
ويرون - بعد ذلك - أن ابن تيمية ﵀ هو مؤسس القول بحرمة بناء المساجد على القبور (٣)، زاعمين أن من شبهة ابن تيمية ﵀ كما يذكر السبكي (ت - ٧٥٦هـ)، أن اتخاذ القبور مساجد - مطلقًا - من أصول الشرك، وقد رد السبكي (ت - ٧٥٦هـ) على ابن تيمية ﵀ هذا الإطلاق، مبينًا أن الشرك هو
_________________
(١) انظر: الوهابية في الميزان للسبحاني ص١٢١ وقد نقل النجمي في أوضح الإشارة ص٢٨ عن أحد الشيعة نصًا يدعي فيه أن ابن تيمية خرج على إجماع الصحابة في جواز بناء المساجد على القبور.
(٢) انظر: التوسل بالنبي لأبي حامد مرزوق ص١٦٧، فيض الوهاب للقيلوبي ٥/١٥٠.
(٣) انظر: الوهابية في الميزان للسبحاني ص١١١.
[ ٣٧٠ ]
العكوف على القبور وتصوير الصور فيها (١)، إذ يرى المناوئون أن تكريم أصحاب القور من صميم التوحيد (٢) .
وذكروا أن الذي أشكل على ابن تيمية ﵀ هو حديث أبي الهيّاج الأسدي (٣)، وهو قوله: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) (٤)، فيقولون: إن هذا لا يدل على وجوب هدم البناء على القبور، وأن استدلال ابن تيمية به على تحريم البناء على القبور ليس بصحيح (٥) .
وحديث أبي الهياج ﵁ قد أجابوا عنه بضعف في السند (٦) .
وبحثوا عن علة النهي عن البناء على القبور، ثم أتوا بعلل واهية، وأجابوا عنها بأجوبة - رأوا أنهم - ردوا فيها على ابن تيمية ﵀:
فذكروا أن العلة قد تكون للنهي عن البناء بما مسته النار كالجبس، والطوب الآجر وغيره، فأجابوا بأن هذا خاص ببناء القبر نفسه، لا بما يبنى عليه أو حوله.
وذكروا أن العلة قد تكون لخوف تداعي القبر، وأجابوا بأن الإجراءات إذا اتخذت لتقوية القبر، فإن العلة تزول.
وذكروا أن العلة قد تكون من خوف المباهاة والتفاخر، وأجابوا بأن
_________________
(١) انظر: شفاء السقام ص١٣٠ - ١٣١.
(٢) انظر الإفهام والإفحام لمحمد زكي إبراهيم ص١٢٣.
(٣) أبو الهياج الأسدي: حيان بن حصين الكوفي، تابعي ثقة، كان كاتب عمار ﵁ انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر ٣/٦٧.
(٤) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٦ كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر، والنسائي في سننه ١/٦٥٣ كتاب الجنائز، باب تسوية القبور إذا رفعت، والترمذي في سننه ٣/٣٥٧ كتاب الجنائز، باب ما جاء في تسوية القبور، والطيالسي في مسنده ص٦٠ من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٥) انظر البراهين الجلية للموسوي ص٥٢، ٥٥.
(٦) انظر المقالات للكوثري ص٢٤٨، الوهابية في الميزان للسبحاني ص٧٧ - ٧٩.
[ ٣٧١ ]
المباهاة انفعال شخصي يحاسب المرء عليه، ولا علاقة له بتحقق المصلحة العامة.
وذكروا أن العلة قد تكون من أجل التشبه بغير المسلمين، وأجابوا بأن إيجاد أي فارق بالبناء، فإن العلة تنتفي (١) .
وذكروا أن النهي في الحديث إنما هو للتنزيه، وليس للتحريم، أو أن معنى التسوية: هو التعديل إن كان القبر مسنمًا، أو هدم الشرف إن كان مشرفًا فقط (٢) .
_________________
(١) انظر: الإفهام والإفحام لمحمد زكي إبراهيم ص١١٣ - ١١٤.
(٢) انظر المقالات للكوثري ص٢٤٨، البراهين الجلية للموسوي ص٥٥ - ٥٦، الوهابية في الميزان للسبحاني ص٧٩ - ٨٧.
[ ٣٧٢ ]