المناوأة: المعاداة والمناهضة، يقال: ناوأت الرجل نِواءً ومناوأةً إذا عاديته، وأصله من ناء إليك، ونؤتَ إليه: إذا نهضتما، ومنه حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم» (١)، وحديث الخيْل: «ورجلٌ ربطها فخرًا ورياءً ونواءً لأهل الإسلام» (٢)، وبهذا تكون المناوأة بمعنى العداوة والمناهضة (٣) .
وأعداء ابن تيمية ﵀ كُثرٌ، من عصره إلى هذا العصر، وغالبهم أعداء عقيدة السلف الصالح، ولذا نجد أكثر الدعاوى التي ينقمونها على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أمور الاعتقاد، وما يتصل بها مثل منهج التلقي والاستدلال عليها.
إن الناظر في أحوال المناوئين لابن تيمية ﵀ يجد صعوبة في تقسيمهم
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٢١٧ كتاب فرض الخمس، باب فإن لله خمسه، ومسلم في صحيحه ١/١٣٧ كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد و٣/١٥٢٤ كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة، واللفظ له.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٦٣٣ كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى، ومسلم كتاب الزكاة حديث (٢٤) .
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير ٥/١٢٣ مادة (نوأ)، لسان العرب لابن منظور ١/١٧٨ مادة (نوأ) . القاموس المحيط للفيروزآبادي ١/٣٢ مادة (ناء) .
[ ٦١ ]
إلى أقسام ينفصل بعضها عن البعض الآخر؛ ذلك أن بعض المناوئين يشترك في عدائه لابن تيمية ﵀ في أكثر من جهة وقسم، فيدخل تحت هذا القسم من المناوئين لأمر، ويدخل تحت قسم آخر من المناوئين لأمر آخر، فعلى سبيل المثال بعض الفقهاء الذين واجهوا ابن تيمية ﵀ وصارحوه بالعداء، يعتقدون مذهب الأشاعرة (١) .
وطوائف كثيرة من الأشاعرة يسلكون مسلك التصوف، فمن كانت هذه حاله من أعداء ابن تيمية فهو يدخل في هذه الأقسام الثلاثة كلها - أي الفقهاء، والأشاعرة، والصوفية -، ولكن التقسيم تقريبي، إذ المقصود وضع ترتيب فني لهم، ومعرفة الجهات التي كان يعاني منها ابن تيمية ﵀ ويكابد مشقة إصرارها وتعنتها أمام كلمة الحق.
وفي الجملة فإن أهل الباطل قد تناصروا على ابن تيمية ﵀، ورموه من قوس واحدة بالعداء، يبيّن ذلك تلميذ ابن تيمية ﵀ البار أبو حفص البزار (ت - ٧٤٩هـ) ﵀ عن معايشة وقرب، بكلام مؤثر نفيس إذ يقول:
(ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء، وآكلوا الدنيا بالدين، متعاضدين، متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم بالسعي في الفتك به، متخرصين عليه الكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له فيه تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في مجلس، أتراهم ما علموا أن الله سائلهم عن ذلك ومحاسبهم عليه؟ أو ما سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
_________________
(١) الأشاعرة: هم المنتسبون لأبي الحسن الأشعري في مذهبه الذي اتخذه بعد تركه الاعتزال وقبل تصريحه بانتسابه إلى مذهب الإمام أحمد، ومتأخروهم يثبتون سبع صفات فقط، وينكرون علو الذات، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٥٢ - ٥٥، الرد على الرافضة للمقدسي ص١٦٦، مذاهب الإسلاميين لبدوي ١/٤٨٧، الأشاعرة لأحمد صبحي.
[ ٦٢ ]
عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨]، بلى والله، ولكن غلب عليهم ما هم فيه من إيثار الدنيا على الآخرة، والعمل للعاجلة دون الآجلة، فلهذا حسدوه وأبغضوه، لكونه مباينهم ومخالفهم) (١) .
إن أعداء ابن تيمية ﵀ يمكن تصنيفهم وتقسيمهم إلى أقسام منها:
أولًا: الفقهاء والقضاة: فقد كان كثير من فقهاء المذاهب في عصره مقلدة، يرون الخروج عن أقوال أئمة مذاهبهم جرمًا يؤاخذ عليه فاعله، وقد أفتى ابن تيمية ﵀ في مسألة الطلاق بفتاوى لم يكن يُفتى بها في ذلك العصر ومن هذه الفتاوى:
مسألة الحلف بالطلاق: إذا قصد الحالف به اليمين فإنه لا يقع طلاقًا، ومسألة الطلاق بالثلاث وأنه لا يقع إلا طلقة واحدة، وأن الطلاق المحرم لا يقع، وقد ألف ﵀ في نصرة هذا القول مؤلفات عدة (٢)، وفتاوى متعددة (٣)، وعظم الأمر على بعض الفقهاء حين أفتى ابن تيمية ﵀ بهذه الفتوى التي سارت في البلدان سير النار في الهشيم، وذلك لجلالة قدر شيخ الإسلام ﵀ وقبوله لدى الناس (٤)، فكُلم أحد قضاة الحنابلة أن يقنع ابن تيمية ﵀ بالعدول عن هذه الفتوى، فكلّمه في يوم الخميس، منتصف شهر ربيع (٥)، من سنة (٧١٨هـ)، فقبل ابن تيمية ﵀ نصيحة القاضي؛ وذلك لعلمه أنه إنما قال له هذا القول يقصد به ترك ثوران فتنة وشر.
ولما كان يوم السبت، مستهل جمادى الأولى من السنة نفسها جاء بريد
_________________
(١) الأعلام العلية ص٦٦.
(٢) انظر: عناوينها في العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٢٤.
(٣) انظر هذه الفتاوى مجموعة في مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣/٧ - ٩٨.
(٤) انظر: الأعلام العلية للبزار ص٧٠.
(٥) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ١٤/٨٧ أنه ربيع الأول، وذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية ص٣٢٥ أنه ربيع الآخر.
[ ٦٣ ]
من السلطان يمنع الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق، ثم عقد مجلس يوم الاثنين إثر ذلك المرسوم، وانفصل الأمر على ما أمر به السلطان.
لكن ابن تيمية ﵀ عاد إلى الإفتاء بهذه المسألة تأثمًا، خشية كتمان العلم، واستمر ﵀ يفتي في هذه المسألة حتى كان يوم الثلاثاء منتهى رمضان سنة (٧١٩هـ) حيث جُمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة، وقُرئ عليهم كتاب السلطان، وأُحضر الشيخ وعوتب على فتياه بعد المنع، وأُكد عليه في المنع من ذلك.
ولما كان يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر رجب سنة (٧٢٠هـ) عُقد له ﵀ مجلس آخر في دار السعادة، حضره النائب، والقضاة، وجماعة من المفتين، وحضر الشيخ، وعاودوه في مسألة الطلاق والإفتاء فيها، وعاتبوه على ذلك، حتى صدر قرار بحبسه في القلعة، فحبس فيها خمسة أشهر، وثمانية عشر يومًا، أي إلى يوم عاشوراء من السنة التي تليها (٧٢١هـ) حيث ورد مرسوم بإخراجه، فخرج بهذا المرسوم وتوجه إلى داره (١)، فهذه الفتوى أوجدت متنفسًا لأصحاب الأغراض الشخصية، من حساد ابن تيمية ﵀ من الفقهاء في أن ينتقموا منه، ويحاكموه، وأن يسعوا في سجنه في مسألة علمية المرجع فيها إلى الدليل، وحسن الاستدلال.
وثمة حادثة أثارت حفيظة كثير من الفقهاء في عصره، وسببت من العداوات والحسد عليه أمورًا كثيرة؛ ذلك أنه كثير العلم، وصاحَبَ ذلك أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر، وجرأة في ذلك، فلا يخاف في الله لومة لائم. وقد حسده الفقهاء إذ لم ينالوا ولم يدركوا ما أدركه ووصل إليه، فقد أخبر ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ أن السلطان الملك الناصر (ت - ٧٤١هـ)، لما رجع إلى الملك مرة ثانية كان همه في طلب الشيخ ورؤيته، فلما تقابلا اعتنقا هنيهة، ثم أخذ معه
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٢٦، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٨٧، ٩٧، ٩٨.
[ ٦٤ ]
ساعة يتحدثان وكان من حديثهما: أن طلب الملك الناصر من ابن تيمية ﵀ أن يفتي في قتل بعض القضاة بسبب ما تكلموا فيه، وحثه على ذلك، إلا أن ابن تيمية ﵀ أخذ في تعظيم هؤلاء القضاة والعلماء، وبيان مكانتهم، وينكر أن ينال أحدًا منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، ومن آذاني فهو في حل وأنا لا أنتصر لنفسي (١) .
وبعد هذا الحوار انتقلا إلى المجلس العام حيث كان يجلس جمع كبير من الفقهاء والقضاة من مصر والشام فتكلم الوزير في أمر أهل الذمة، وطلبهم أن يعودوا إلى الزي الذي كانوا يلبسونه مثل سائر الناس، وترك الزي الذي أُلزموا به لتميزهم عن غيرهم، فسكت الملك كأنه يريد من الفقهاء والقضاة إبداء الرأي، وسكت الناس بما فيهم الفقهاء والقضاة فلم يتكلم أحد، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد. ثم جثى شيخ الإسلام على ركبتيه، وتكلم مع السلطان بكلام طويل، ورد على الوزير ما قاله ردًا عنيفًا، وتكلم بما لا يستطيع أحد في المجلس أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه (٢)، فهذه الحوادث وغيرها أثارت بعض من كان في قلبه غل وحسد على ابن تيمية ﵀، وتكدّرت عليهم حياتهم أن يروا ابن تيمية ﵀ تزداد مكانته بين الناس، ويرتفع شأنه عند السلطان، وتسمع كلمته فتقبل عند ولاة الأمور، نعوذ بالله من الغل والحسد.
ثانيًا: أهل الكلام (٣):
لقد كان ابن تيمية ﵀ مثالًا للعالم الذي كان همه
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٨٢، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية ١٤/٥٤ عن قاضي المالكية ابن مخلوف مقولة عنه هي قوله: (ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا، وحاجج عنا)، وهذا نص يؤكد تكالب بعض الفقهاء والقضاة عليه، وتحريض السلاطين عليه، ولكن الله ناصره.
(٢) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٧٨ - ٢٨١، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٥٤.
(٣) أهل الكلام: هم المشتغلون بعلم الكلام، وتعريف علم الكلام عند المتكلمين هو: (علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه)، وهو كلام في الله بما يخالف الكتاب والسنة، وفيه تقديم ما تدل عليه عقولهم على الكتاب والسنة. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/١٧٨، المواقف للإيجي ص٢٧، شرح المقاصد للتفتازاني ١/١٦٣ - ١٦٦، مذاهب الإسلاميين لبدوي ١/٧ - ٨ عوامل وأهداف نشأة علم الكلام في الإسلام ليحيى فرغل، أصالة علم الكلام لمحمد السيد ص١٤ - ١٧، المدخل إلى دراسة علم الكلام لحسن الشافعي ص١٣ - ٢٣، علم الكلام وبعض مشكلاته لأبي الوفاء التفتازاني ص٣ - ٦.
[ ٦٥ ]
هو الدفاع عن عقيدة السلف، والإجابة عن الشبهات الموجهة إليها، وقبل ذلك عرض معتقد السلف بأسلوب ميسر سهل التناول، عن طريق المصادر الأساسية للتلقي في الاعتقاد وهي الكتاب والسنة، ثم أقوال سلف الأمة الموافقة للوحي، الشارحة له.
ولكن لم يطب هذا الصنيع لمن كان ﵀ يهدم بنيانهم من القواعد من أهل الكلام، وأعداء عقيدة السلف، إذ كان يناقشهم مرة في منهجهم في التلقي، وموقفهم من مصادر الاستدلال الصحيحة، ويناقشهم في مصادرهم التي اعتمدوها بديلة أو أساسًا، يكون القرآن وتكون السنة تابعة لها كالعقل، ويناقشهم في منهجيتهم في الاستدلال كموقفهم من الأخذ بأخبار الآحاد في الاعتقاد، أو تأويل النصوص، أو تفويضها، ويناقشهم - أيضًا - في المسائل المخالفة لعقيدة السلف - عندهم - وهي المترتبة على الأساس الفاسد عندهم في التلقي، ويناقشهم في جزئيات كثيرة في عقائدهم أقول: لم يطب هذا الصنيع لهم، فما كان منهم إلا أن ألبوا عليه، وأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، ووشوا به عند السلاطين، وافتروا عليه الكذب، وسعوا في تغيير صورته عند الناس بتحميل كلامه ما لا يحتمل، حتى وقعت له ﵀ محن كثيرة، أوذي بسببها، وسجن، بعد ما عقدت له مجالس، ومناقشات تكون النصرة له ﵀ فيها، وكثرت المجالس وطالت سنوات عدة في النقاش بين مذهب السلف ويمثله ابن تيمية ﵀ ومذهب المتكلمين ويمثله بعض القضاة والفقهاء، يعود بعضهم إلى الحق، ويعاند آخرون ويصرون على الباطل بعد بيان الحجة، واتضاح المحجة.
[ ٦٦ ]
وقد امتحن ﵀، لأجل تأليفه (العقيدة الحموية)، وتحزب عليه أهل الكلام من المبتدعة، وذلك سنة (٦٩٨هـ) (١)، ويذكر ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ ما كان يعمله أهل الكلام من إيغار الصدور على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بسبب العقيدة الحموية، فيقول: (فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقًا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحدًا واحدًا، وأوغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم - حاشا من ذلك - وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك، ولم يقع من ذلك شيء، والعياذ بالله، وسعوا في ذلك سعيًا شديدًا) (٢) .
ثم طلب قاضي الحنفية من شيخ الإسلام أن يأتي إليه، فقال له ابن تيمية ﵀ إن العقائد ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي، ففرح أهل الضلال بهذا الجواب، فأوغروا صدر قاضي الحنفية حتى تم لهم ما يريدون، فأمر القاضي أن ينادي في البلد ببطلان عقيدة ابن تيمية، فنودي في بعض البلد، وما إن علم والي البلد بذلك حتى هب لنصرة ابن تيمية ﵀ فأرسل طائفة، فضربوا المنادي، ومن كان معه، وأمر بمتابعة من كان يسعى في هذه الفتنة، وقد كان مغضبًا من عملهم هذا، ويريد الانتقام منهم، فاختفى أكثرهم، واحتمى الآخرون ببعض كبار وأعيان البلد، ثم إن ابن تيمية ﵀ جلس على عادته يوم الجمعة في الدرس، وكان تفسيره في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فذكر الحلم، وما ينبغي استعماله، فكان ميعادًا جليلًا.
ثم اجتمع شيخ الإسلام ﵀ بقاضي الشافعية، وقرأ معه العقيدة الحموية، وأوضح ما أشكل على القاضي من بعض المواضع، فلم يحصل
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص١٩٨، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤.
(٢) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠٠.
[ ٦٧ ]
إنكار عليه من الحاكم، ولا ممن حضر المجلس وانتهى المجلس وقاضي الشافعية يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر (١)، قال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ بعد ذكره هذه المواقف: (والذين سعوا فيه معروفون عندنا، وعند كل أحد، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع - وكذلك - من ساعدهم بقول، أو تشنيع، أو إغراء، إو إرسال رسالة، أو إفتاء، أو شهادة ) (٢) .
وامتحن ابن تيمية ﵀ في عقيدته من قبل أهل الكلام محنة أشد من سابقتها، وذلك في الرسالة التي ألفها بعنوان (العقيدة الواسطية)، فنوظر بسببها، وأوذي من أجلها سنة (٧٠٥هـ)، فقد ورد مرسوم من السلطان أن يجمع الفقهاء والقضاة ثم يسأل ابن تيمية ﵀ عن اعتقاده، وفعل الوالي ذلك، فأحضر الشيخ العقيدة الواسطية، وأخبر الحضور أنه كان قد كتبها قبل سبع سنين تقريبًا، فقرئت العقيدة في المجلس، وأخرت بعض المواضع إلى مجلس آخر، حضر فيه الشيخ صفي الدين الهندي (٣)،
فناقش ابن تيمية كثيرًا لكنه لم يفلح؛ لأنه كما يصف ابن كثير (٧٧٤هـ) ﵀ فقال: (ولكن ساقيته لاطمت بحرًا) (٤) .
ثم إنهم اصطلحوا على أن يناظر ابن تيمية، أحد الذين يعرفون عنه جودة الذهن، وحسن البحث، ألا وهو كمال الدين ابن الزملكاني (ت - ٧٢٧هـ)، حيث
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠١ - ٢٠٢، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤، وقد أثنى ابن كثير ﵀ على قاضي الشافعية وقال: (وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنًا، ومقصده صالحًا) .
(٢) العقود الدرية ص٢٠٢.
(٣) صفي الدين الهندي: محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي، أبو عبد الله الشافعي، المتكلم، ولد بالهند، سنة أربع وأربعين وستمائة، كان فاضلًا، خرج من دلهي فحج، وجاور بمكة ثم رحل إلى بلاد كثيرة، حتى استوطن دمشق، تصدى للإفتاء، ناصب العداء لابن تيمية، ت سنة ٧١٥هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٧٤، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٣٧.
(٤) البداية والنهاية ١٤/٣٦.
[ ٦٨ ]
طال البحث بينهما، حيث انفصل الحال على قبول الاعتقاد الذي قرأه ابن تيمية ﵀. وعاد الشيخ إلى منزله معظمًا مكرمًا (١)، ثم عُقد مجلس ثالث لابن تيمية ﵀ وكانت نهايته أن اجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة التي يعتقدها ابن تيمية ﵀، وكان الباعث على هذه المجالس هو تحريض من قاضي المالكية ابن مخلوف (٢)، ونصر المنبجي (٣)،
إلى السلطان على شيخ الإسلام ﵀ (٤)، فكانت نتائج المجلس السابقة لم ترض هذين الشيخين، ولم تشف غليليهما، فطلبا من السلطان أن يصدر مرسومًا يطلبه إلى مصر، ومحاكمته فيها، ففعل السلطان ذلك، وطُلب ابن تيمية ﵀ من دمشق إلى مصر، فخرج ابن تيمية ﵀ ممتثلًا من دمشق في يوم مشهود، ووصل يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان سنة (٧٠٥هـ) إلى القاهرة، ومن غد بعد صلاة الجمعة، جمع القضاة، وأكابر الدولة، وادعى عليه ابن مخلوف (ت - ٧١٨هـ) أنه يقول: إن الله فوق العرش حقيقة، وذكر بعض المسائل، ولما انتهى سأله القاضي جوابه، فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجب؛ ما جئنا بك لتخطب، فقال ابن تيمية ﵀ ومن الحاكم في؟ فقيل له: القاضي المالكي، قال: كيف يحكم فيّ وهو خصمي؟ فغضب ﵀ من ذلك، ثم أصدر فيه مرسوم بحبسه، فحبس في برج أيامًا، ثم نُقل بعد ذلك إلى الحبس
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠٣، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٦ - ٣٧.
(٢) ابن مخلوف: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري المالكي، قاضي المالكية بمصر، سمع الحديث، واشتغل وحصل، كان مشكور السيرة، غزير المروءة، له مواقف سيئة مع ابن تيمية، ت سنة ٧١٨هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٩٠، شذرات الذهب لابن العماد ٦/٤٩.
(٣) نصر المنبجي: نصر بن سليمان المنبجي، صوفي حلولي، كان الجاشنكير يتفانى في حبه، كاد لابن تيمية كثيرًا، ت سنة ٧١٩هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٦/٥٢.
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٧.
[ ٦٩ ]
المعروف بالجب، وقد مكث فيه إلى شهر ربيع الأول من سنة (٧٠٧هـ) (١) .
وأما تفصيلات الحوار الذي دار بين شيخ الإسلام ﵀ ومخالفيه في العقيدة الواسطية، فقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على وجه التفصيل (٢) .
ثالثًا: الشيعة (٣):
الشيعة بجميع فرقها من رافضة وزيدية (٤)، وغيرها يبغضون شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ ذلك أنه ناقشهم نقاشًا مطولًا في كتابه (منهاج السنة النبوية) وفي غيره في بعض رسائله، ومن أمثلة أعدائه من الرافضة ابن المطهر الحلي (٥)، الذي ألف (منهاج الكرامة) فرد عليه شيخ الإسلام بمنهاج السنة النبوية، فرد عليه ابن المطهر ردًا هزيلًا ضعيفًا.
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٥٠ - ٢٥٣، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٨.
(٢) انظر: حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٠ - ١٩٤) .
(٣) الشيعة: هم الذين شايعوا عليًا ﵁ على وجه الخصوص، وأما غلاتهم فهم الذين غلوا في حبه، وقالوا بإمامته نصًا أو وصية، إما جليًا وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيرهم، أو بتقية منهم، وهم فرق كثيرة منهم الغالي الكافر، ومنهم دون ذلك. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١/٦٥ - ١٦٦، ذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين لليافعي ص٧١ - ٨٨، معجم الفرق الإسلامية لعارف تامر ١٠٨، فرق معاصرة لغالب عواجي ١/١٢٧ - ٢٦٩، المناهج والمذاهب الفكرية للعريبي ص٦٥ - ٧١.
(٤) الزيدية: أتباع زيد بن علي بن الحسين، إحدى فرق الشيعة، يقولون بتفضيل علي على سائر الصحابة، وبخلود أصحاب الكبائر في النار، وبالخروج على أئمة الجور، وهم فرق متعددة. انظر: التنبيه والرد للملطي ص٤٦ - ٤٨، مقالات الإسلاميين للأشعري ١/١٣٦ - ١٦٦، التبصير في الدين للإسفراييني ص٢٧ - ٣٤، الزيدية لأحمد صبحي، الزيدية للصاحب بن عباد، الزيدية لعلي شرف الدين، معتزلة اليمن لعلي زيد، الإمام زيد بن علي المفترى عليه للخطيب، تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن لأيمن سيد ص٢٠٩ - ٢١٨.
(٥) ابن المطهر الحلي: الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن المطهر الحلي العراقي الرافضي، رأس الشيعة وشيخهم في العراق، له تصانيف كثيرة جدًا في الفقه والنحو والأصول والفلسفة والرفض، منها منهاج الكرامة الذي نقضه شيخ الإسلام في منهاج السنة، ت سنة ٧٢٦هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/١٢٥، الدرر الكامنة لابن حجر ٢/١٥٨، النجوم الزاهرة للأتابكي ٩/٢٦٧، ابن تيمية حياته وعقائده لصائب عبد الحميد ص١٩٧ - ٢٢١.
[ ٧٠ ]
وقد كان الرافضة في جبل كسروان - قريب من دمشق -، سببًا للفتن، وإخافة للناس، ومعارضة المارين بهم بكل سوء، فاستأذن ابن تيمية ﵀ نائب السلطان على دمشق أن يجهز جيشًا، وأن يقاتل هؤلاء في جبلهم، فأذن له ولي الأمر وأمر بتكوين جيش لقتالهم، وصحبه في ذلك القتال، وما زال الجيش في حصارهم وقتالهم، حتى فتح الله الجبل، وأجلى أهله، وقد ذكر ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ أن فتح الجبل يعد من الكرامات المعدودة لشيخ الإسلام، ذلك أن أهله من البغاة الرافضة السبَّابة، ولكونهم أخافوا الناس، وقطعوا السبيل، فتعين قتالهم (١)، وقد كانت هذه الموقعة من أسباب أذية ابن تيمية ﵀ واضطهاده، وسجنه فيما بعد، وذكر ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ أن هذه الواقعة قد ملأت قلوب أعدائه حسدًا له وغمًا (٢) .
وأما الزيدية فلا يقلون بغضًا لابن تيمية ﵀ عن الرافضة، ومثال ذلك ما ألفه الحسن بن إسحاق (٣)، ردًا على ابن تيمية ﵀ فيما ذكره من مسائل في (منهاج السنة النبوية)، وقد افترى على ابن تيمية ﵀ في أمور كثيرة (٤) .
_________________
(١) انظر: العقود الدرية ص١٨٠، وقد ذكر ص١٨٢ - ١٩٤ رسالة مطولة من شيخ الإسلام إلى السلطان الملك الناصر يبين له ما حصل من نصر للمسلمين على الرافضة، ويبين له خطرهم على الأمة، وقد ذكر ابن عبد الهادي - أيضًا - ص١٨١ مناظرةً للشيخ مع أحد الرافضة في مسألة عصمة الأئمة.
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٤/٣٥.
(٣) الحسن بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن الحسني، من علماء الزيدية تفقه في مدينة ذمار، وتقلب في ولاياتها حتى صار عاملًا على بلاد تعز، سجن أكثر من عشرين سنة، ومات في سجنه، سنة ١١٦٠هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٢/١٩٨.
(٤) انظر: رسالته بعنوان (رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه فيما يتعلق بالإمامة والتفضيل) .
[ ٧١ ]
وتشترك الشيعة ومن وافقهم على الافتراء على ابن تيمية ﵀ في موقفه من الصحابة عمومًا، وموقفه من الخلفاء الأربعة، وبالذات علي بن أبي طالب (١) ﵁ إذ يرون أنه ما إن يمر بذكره إلا ويلمزه ويذمه، ويتبع بالذم أهل بيت رسول الله ﷺ، إلى غير ذلك من الدعاوى التي وضعت لها فصلًا مستقلًا لعرضها ونقدها.
رابعًا: الصوفية: كان من أبرز أعداء شيخ الإسلام ﵀ في عصره، رجل سعى في أنواع المكائد على ابن تيمية ﵀ لكن غيظه لم يزل يزداد ويتأجج. ذلكم هو نصر المنبجي (ت - ٧١٩هـ)، وذكر ابن حجر (٢)
﵀ مبلغ عداوة ذلك الرجل لابن تيمية ﵀ وسبب تلك العداوة بقوله: (وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر المنبجي؛ لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن عربي، فكتب إليه كتابًا يعاتبه على ذلك، فما أعجبه، لكونه بالغ في الحط على ابن عربي، وتكفيره، فصار هو يحط على ابن تيمية، ويغري به بيبرس الجاشنكير (٣)، وكان بيبرس يفرط في محبة نصر، ويعظمه، وقام القاضي زين
_________________
(١) علي بن أبي طالب: بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو الحسن، أول الناس إسلامًا، شهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، أحد أصحاب الشورى الستة، ولي خلافة المسلمين بعد عثمان بن عفان، ت سنة ٤٠هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٢٦، الإصابة لابن حجر ٢/٥٠٧.
(٢) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام الحافظ المحدث، شهد له أعيان عصره بالحفظ، من أعظم مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ت سنة ٨٥٢هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٧/٢٧٠، البدر الطالع للشوكاني ١/٨٧. ابن عربي: محمد بن علي بن محمد بن أحمد الطائي، كان ذكيًا، عالمًا، شاعرًا، كتب في التصوف والوحدة، ووجد في كتاباته الإلحاد، ت سنة ٦٣٨هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/١٥٦، شذرات الذهب لابن العماد ٥/١٩٠، الطبقات الكبرى للشعراني ١/١٨٨.
(٣) بيبرس الجاشنكير، ركن الدين، كان من أشد أعداء ابن تيمية، ويحرض عليه العلماء، ويؤذيه، كان يثيره نصر المنبجي لإيذاء ابن تيمية، حاصره قراسنقر المنصوري، وقبض عليه، قتل سنة ٧٠٩هـ. انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٥٥، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٨.
[ ٧٢ ]
الدين بن مخلوف قاضي المالكية مع الشيخ نصر) (١) .
وقد أثار نصر المنبجي (ت - ٧١٩هـ) وابن عطاء الله السكندري (٢)
مريديهما في أن يشكوا ابن تيمية على السلطة، ففعل مريدوهم ذلك. ورُد الأمر في هذه القضية إلى قاضي الشافعية، وعُقد المجلس بادعاءات من ابن عطاء الله (ت - ٧٠٩هـ) لم يثبت على ابن تيمية ﵀ منها شيء، وظهر من علم الشيخ في ذلك المجلس وشجاعته، وقوة قلبه، وصدق توكله، وبيان حجته، ما يتجاوز الوصف، ثم إن الدولة خيروه بين أن يرحل إلى دمشق أو إلى الإسكندرية، ولكن هذا الرحيل مشروط بشروط، وبين أن يدخل الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة من أصحابه وأتباعه فأشاروا بأن يقبل بالشروط لقاء سفره إلى دمشق، ونزل عند رغبتهم، وما إن تجاوز القاهرة حتى أرسلوا بريدًا يرده إلى دمشق للحبس، وكان ذلك كله من تدبير المنبجي (ت - ٧١٩هـ) (٣)، وبقي الشيخ في الحبس، وقد استفاد منه المسجونون، وجمع كبير من الناس يدخلون عليه في السجن، ويستفيدون من علمه ومواعظه، وفي سنة (٧٠٩هـ)، أراد أعداء ابن تيمية أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة، فما زاد ذلك الناس إلا محبة له، وقربًا منه، وانتفاعًا به، واتفق أنه وجد في الإسكندرية طوائف من المتصوفة تنتسب إلى ابن عربي (ت - ٦٣٨هـ) وابن سبعين (٤)، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم
_________________
(١) الدرر الكامنة ١/١٥٧، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٧.
(٢) ابن عطاء الله السكندري: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو الفضل، ابن عطاء الله السكندري، متصوف شاذلي، ومن أشد خصوم ابن تيمية، ت سنة ٧٠٩هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ١/٢٩١، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٩.
(٣) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٧١، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤٦.
(٤) ابن سبعين: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الإشبيلي، أبو محمد، صوفي مشهور، ومن القائلين بوحدة الوجود، ت سنة ٦٦٩هـ. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى للشعراني ١/٢٠٣، فوات الوفيات للكتبي ٢/٢٥٣، شذرات الذهب لابن العماد ٥/٣٢٩.
[ ٧٣ ]
شذر مذر، وهتك أستارهم وفضحهم (١) .
وهناك مواقف أخرى بين الصوفية وبين ابن تيمية ﵀، وذلك في مناظراته ﵀ مع طائفة الرفاعية (٢)، أهل الدجل والحيل والخرافة (٣) .
خامسًا: أصحاب العداوات الشخصية: من المتأثرة بالدعاوى الباطلة، أو المقلدة لشيوخهم من غير علم، أو أصحاب العواطف الذين تتقلب نظراتهم وآراؤهم من أي شبهة تعرض لهم، وذلك مثل ابن الزملكاني (ت - ٧٢٧هـ) حيث كان من مؤيدي الشيخ ومناصريه، ثم انقلب عليه، كما في البداية والنهاية، ومثل أبي حيان (٤)، فقد أثنى على ابن تيمية ﵀ وقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل، ومدحه بأبيات منها:
لما أتانا تقي الدين لاح لنا داع إلى الله فرد ماله وزر (٥)
على محياه من سيما الأُلى صحبوا خير البرية بدر دونه القمر (٦)
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٤٩ - ٥٠.
(٢) الرفاعية: تنسب إلى الشيخ أحمد الرفاعي (ت ٥٧٨هـ) وهو منهم براء، فرقة من غلاة الصوفية، يزعمون في أشياخهم التصرف في الأكوان، والعروج إلى السماء، وتبديل اللوح المحفوظ، وعلم الغيب، ويستغيثون بهم من دون الله. انظر: مناظرة ابن تيمية لهم (ضمن مجموع الفتاوى ١١/٤٤٥ - ٤٧٦)، الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية.
(٣) انظر: حكاية المناظرة في مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٤٤٥ - ٤٧٦، العقود الدرية لابن عبد الهادي ص١٩٤، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/٣٦.
(٤) أبو حيان: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الغرناطي الأندلسي، أبو حيان، من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث، تنقل في بلاد كثيرة إلى أن أقام بالقاهرة بعد أن كف بصره، ت سنة ٧٤٥هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٥/٧٠، شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٤٥، بغية الوعاة للسيوطي ١/٢٨٠.
(٥) الوَزَر: المعين والمساعد، انظر: لسان العرب لابن منظور ٥/٢٨٣ مادة (وزر) .
(٦) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ١/١٦٢.
[ ٧٤ ]
ودار كلام بينهما فجرى ذكر سيبويه (ت - ١٨٠هـ)، فبين ابن تيمية ﵀ بعض أخطاء سيبويه (ت - ١٨٠هـ)، فنفر عن ذلك أبو حيان (ت - ٧٤٥هـ) ﵀ ولم يلتمس له العذر، ثم عاد ذامًا له في مجالسه وفي كتبه (١) .
هذان مثالان لأصحاب العداوات الشخصية، التي يكون الحادي لها التعصب والتقليد والهوى، وهذا هو دأب وديدن غالب أعداء ابن تيمية: أنهم يتناقلون ما يرونه خطأ من ابن تيمية ﵀ دون نقد ولا تمحيص، بل بغض لشخصه ﵀ فلا يقبلون منه شيئًا، وسيأتي - بحول الله وقوته - شيء من الأمثلة في منهج المناوئين.
وبهذا أكون قد استعرضت أبرز أقسام المناوئين لابن تيمية ﵀ وإن كان وكما ذكرت سلفًا بعضهم يشترك مع البعض الآخر في قسمين، أو أكثر، ولكن هذا التقسيم يبين نوعية التيارات التي واجهها ابن تيمية، ووجد منها عنتًا ومشقة، إضافة إلى إثارة كثير من القضايا العقدية التي انتقدوها عليه عند العامة، وعند من جاء بعدهم من الأجيال اللاحقة والتي يجمعها: البعد عن عقيدة السلف، والتعصب للأشياخ والمتبوعين، وتقليدهم في الحق والباطل على حد سواء.
_________________
(١) ذكر ذلك جمع من أعداء ابن تيمية مثل: حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص٨٥، المقالات السنية للحبشي ص٤٠، التوفيق الرباني لجماعة من العلماء ص٢١ - ٢٧.
[ ٧٥ ]