رد السلف دعوى أن الإثبات يستلزم التشبيه
أكثرَ نفاة الصفات من إطلاق لفظ (التشبيه) على مخالفيهم من مثبتة الصفات، حتى صار من علامة الجهمية تسمية أهل السنة مشبهة كما قال ذلك الإمام إسحاق بن راهويه (ت - ٢٣٨هـ) ﵀:
(علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يقال لهم هم المشبهة لاحتمل ذلك) (١) .
وقال أبو زرعة الرازي (٢)
﵀:
(المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله ﷿ التي وصف الله بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله ﷺ في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم - ﵎ - بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية) (٣) .
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي ٣/٥٣٢.
(٢) أبو زرعة الرازي: عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي، أبو زرعة، من أئمة المحدثين، ت سنة ٢٦٤هـ. انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/١٩٩، تهذيب التهذيب لابن حجر ٧/٣٠.
(٣) الحجة في بيان المحجة لقوام السنة الأصبهاني ١/١٨٧.
[ ١٣٤ ]
وقال أبو حاتم الرازي (١) ﵀:
(علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة) (٢) .
وقال ابن خزيمة (ت - ٣١١هـ) ﵀:
(وزعمت الجهمية - عليهم لعائن الله - أن أهل السنة ومتبعي الآثار، القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، المثبتين لله ﷿ من صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، المثبت بين الدفتين، وعلى لسان نبيه المصطفى ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه مشبهةٌ، جهلًا منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ، وقلة معرفتهم بلغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا) (٣) .
وقد نبه الإمام إسحاق بن راهويه (ت - ٢٣٨هـ) ﵀ في النص السابق على أن المعطلة هم الذين يستحقون وصف التشبيه؛ لأنهم شبهوا أولًا، ثم عطلوا ثانيًا (٤)، وقد نبه إلى هذا - أيضًا - الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀، فبعد نص طويل في رده على المريسي (ت - ٢١٨هـ) وأنه نفى ما وصف الله به نفسه، ووصفه بخلاف ما وصف به نفسه، ثم ضرب أمثلة لتعطيل الصفات عن طريق التأويل الفاسد قال: (تضرب له الأمثال تشبيهًا بغير شكلها، وتمثيلًا بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا، إذ نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟) (٥) .
_________________
(١) أبو حاتم الرازي: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم، حافظ ثقة، من أقران البخاري ومسلم، رحل لطلب العلم في العراق والشام ومصر، ت سنة ٢٧٧هـ. انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/٢٨٤، تهذيب التهذيب ٩/٣١، الرسالة المستطرفة للكتاني ص١٠٤.
(٢) انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص٣٠٤ - ٣٠٥، شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي ٣/٥٣٣، عقيدة الرازي ص٤١، ٥٢، ٦٩.
(٣) التوحيد ١/٥٣.
(٤) انظر: خلق أفعال العباد للبخاري (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص١٣٤) .
(٥) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ص٧٥.
[ ١٣٥ ]
وقد ناقش الإمام الواسطي (ت٧١١هـ) ﵀ الأشاعرة الذين يثبتون بعض الصفات، وينفون بعض الصفات، وحجتهم في نفي ما نفوه من الصفات أنه يستلزم التشبيه فقال:
(لا فرق بين الاستواء والسمع، ولا بين النزول والبصر؛ لأن الكل ورد في النص فإن قالوا لنا: في الاستواء شَبَّهتم، نقول لهم: في السمع شبهتم، ووصفتم ربكم بالعرض (١)،
وإن قالوا: لا عرض، بل كما يليق به، قلنا: في الاستواء والفوقية لا حصر، بل كما يليق به، فجميع ما يلزموننا في الاستواء، والنزول، واليد، والوجه، والقدم، والضحك، والتعجب من التشبيه: نلزمهم به في الحياة، والسمع، والبصر، والعلم، فكما لا يجعلونها أعراضًا، كذلك نحن لا نجعلها جوارح، ولا مما يوصف به المخلوق) (٢) .
ثم قال: (فما يلزموننا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم في هذه الصفات من العرضية.
وما ينزهون ربهم به في الصفات السبع، وينفون عنه من عوارض الجسم فيها، فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبوننا فيها إلى التشبيه سواء بسواء) (٣) .
وينبه الإمام ابن قدامة المقدسي (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ إلى أمر مهم ألا وهو سبب نفي المتكلمين صفات الباري - جل وعلا - فظاهر الأمر عندهم هو التنزيه ونفي التشبيه، ولكن حقيقة الأمر هو: إبطال السنن والآثار الواردة فيقول:
_________________
(١) العرض: لفظ مجمل يحتمل معان متعددة، وهو هنا: الذي يفتقر إلى غيره ليقوم به، وهو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع، وليس وجوده شرطًا لوجود شيء، ويقابل الجوهر، وهو نوعان: ملازم كلون الإنسان، ومفارق كحمرة الخجل. انظر: معيار العلم للغزالي ص٢٩٢، التعريفات للجرجاني ص١٤٨، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ١/٦٨ - ٧١، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة ص١١٨.
(٢) النصيحة في صفات الرب جل وعلا ص٤٢.
(٣) النصيحة في صفات الرب جل وعلا ص٤٣.
[ ١٣٦ ]
(وأما ما يموه به من نفي التشبيه والتجسيم فإنما هو شيء وضعه المتكلمون وأهل البدع توسلًا به إلى إبطال السنن ورد الآثار والأخبار، والتمويه على الجهال والأغمار (١) ليوهموهم: إنما قصدنا التنزيه ونفي التشبيه) (٢) .
وأما دعوى أن إثبات الصفات يستلزم الجوارح والأعضاء لله ﷿ فقد أجاب عن هذه الشبهة الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ في رده على المريسي (ت - ٢١٨هـ) فقال: (وأما تشنيعك على هؤلاء المقرين بصفات الله، المؤمنين بما قال الله: أنهم يتوهمون فيها جوارح وأعضاء، فقد ادعيت عليهم في ذلك زورًا وباطلًا، وأنت من أعلم الناس بما يريدون بها، إنما يثبتون منها ما أنت معطل، وبه مكذب، ولا يتوهمون فيها إلا ما عنى الله ورسوله ﷺ، ولا يدعون جوارح وأعضاء كما تقولت عليهم ) (٣) .
ومما أجاب به سلف الأمة على من ألصق بهم تهمة التشبيه والتجسيم، بيانهم لأمر غفل عنه النفاة ألا وهو أن اتفاق الأسماء لا يلزم منه اتفاق المسميات، وكذلك اتفاق الصفات لا يلزم منه اتفاق الموصوفين بها فقد سمى الله ﷿ نفسه سميعًا بصيرًا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] .
وسمى بعض خلقه سميعًا بصيرًا بقوله ﷿: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] .
_________________
(١) _٥٥) الأغمار: جمع (غُمر) بالضم: وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور. انظر: لسان العرب لابن منظور ٥/٣١ - ٣٢ مادة (غمر) .
(٢) تحريم النظر في كتب الكلام ص٥٧.
(٣) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ص٦١، وانظر: اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي ص٣٣، تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة ص٢٢ - ٢٣، النصيحة في صفات الرب جل وعلا للواسطي ص٤٨.
[ ١٣٧ ]
وقد ذكر ذلك الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ بقوله:
(إنما نصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم، عليم حكيم، حليم رحيم، لطيف مؤمن، عزيز جبار متكبر، وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء) (١) .
وقد أطال الإمام ابن خزيمة (ت - ٣١١هـ) ﵀ في بيان هذه القاعدة، وضرب لها أمثلة عدة منها تسمية الله نفسه عزيزًا (٢)، وسمى بعض الملوك عزيزًا فقال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] .
ومنها تسمية الله ﷿ نفسه الجبار المتكبر بقوله: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وسمى بعض الكفار متكبرًا جبارًا فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]، وغيرها من الأمثلة (٣) .
وأختم بما قاله الفخر الرازي (ت - ٦٠٦هـ) ﵀ حين قال كلمة حق في معتقد السلف، وأنه بعيد عن التشبيه وهي قوله:
(اعلم أن جماعة من المعتزلة ينسبون التشبيه إلى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين (٤) وهذا خطأ، فإنهم منزهون في اعتقادهم عن التشبيه، والتعطيل، لكنهم كانوا لا يتكلمون في المتشابهات بل كانوا يقولون: آمنا وصدقنا، مع أنهم كانوا يجزمون بأن الله تعالى لا شبيه له، وليس كمثله شيء، ومعلوم أن هذا الاعتقاد بعيد جدًا عن التشبيه) (٥) .
_________________
(١) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ص٤٢ - ٤٣.
(٢) لم يذكر الإمام ابن خزيمة ﵀ مثالًا من القرآن على تسمية الله نفسه عزيزًا، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] .
(٣) انظر: التوحيد لابن خزيمة ١/٥٩ - ٨١، وانظر: تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة المقدسي ص٥٧.
(٤) يحيى بن معين: بن عون بن زياد بن بسطام المري، مولاهم، الإمام الحافظ شيخ المحدثين، من أعلم الناس بالرجال، اشتهر بالورع والدين، ت سنة ٢٣٣هـ. انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/٤١٢، وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/١٩٠.
(٥) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٨٤ - ٨٦.
[ ١٣٨ ]