شرح حديث عمران بن حصين ﵁
حدّث عمران بن حصين (١)
﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا (مرتين)، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شيء قبله، وفي لفظ (غيره) وفي لفظ (معه) وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض، وفي لفظ: ثم خلق السماوات والأرض، فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن حصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها) (٢) .
قوله ﵊: اقبلوا البشرى: المراد بهذه البشارة أن من أسلم نجا من الخلود في النار، فبشرهم رسول الله ﷺ بما يقتضي دخول الجنة.
_________________
(١) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، من فضلاء الصحابة وفقهائهم، سكن البصرة ومات بها في خلافة معاوية سنة ٥٢هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٢٢، الإصابة لابن حجر ٣/٢٦.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق حديث ٢٩٥٣، انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٦، وفي كتاب التوحيد باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم حديث ٧٤١٨، انظر: فتح الباري لابن حجر ١٣/٤٠٣، وأحمد في مسنده ٤/٤٣١ - ٤٣٢ من حديث عمران بن حصين ﵁، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/٢ - ٣، وفي الأسماء والصفات ٢/١٥١، والدارمي في رده على الجهمية (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص٢٦٥)، وفي رده على بشر المريسي ص٨٦ - ٨٧، والآجري في الشريعة ١٧٦ - ١٧٧، وغيرهم، وانظر رسالة: شرح الصدر في السؤال عن أول هذا الأمر لمنصور السماري فقد توسع في تخريجه.
[ ٢٦١ ]
قالوا: بشرتنا فأعطنا في هذا دليل إسلامهم حيث بشرهم الرسول ﷺ، لكنهم طلبوا العاجل من أمر الدنيا على التفقه في الدين وطلب الآخرة، فتغير وجه رسول الله ﷺ، وذكر الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ في الفتح سبب غضب الرسول ﷺ بقوله: (سبب غضبه ﷺ استشعاره بقلة علمهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية، وقدموا ذلك على التفقه في الدين الذي يحصل لهم ثواب الآخرة الباقية) (١) ولذلك كان هذا الإقبال على الدنيا بمنزلة عدم قبول البشرى حيث قال ﵊ بعد ذلك: إذ لم يقبلها بنو تميم.
ويؤخذ من هذا أنه يجب قبول ما جاء عن الله ﷿ أو عن رسول الله ﷺ، بدون توقف أو استفسار أو طلب للعلة، بيان ذلك من الحديث أن قول بني تميم: قد بشرتنا فأعطنا لا يدل ظاهره على أنهم لم يقبلوها، ومع ذلك جعل طلبهم للعاجل بمنزلة عدم قبول البشرى (٢) .
قولهم: نسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ المراد بالأمر هنا: الشيء المشاهد الموجود وهو خلق السماوات والأرض وما بينهما على الصحيح، فالسؤال عن بدء الخلق المشاهد المعهود بـ (أل) العهدية (الأمر) .
والأمر يطلق ويراد به المأمور المفعول، ويراد به المصدر والشأن والحكم، والمراد بالأمر في هذا الحديث المعنى الأول (٣) .
قوله: كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية (غيره) وفي رواية (معه):
الحديث روي بهذه الألفاظ الثلاثة فلفظ قبله ولفظ غيره وردا في البخاري، وأما لفظة (معه) فقد بين شيخ الإسلام أن هذه اللفظة ثابتة في
_________________
(١) فتح الباري ١٣/٤٠٩.
(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٧٦ - ٣٧٧.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٨ - ٢٨٩، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٥.
[ ٢٦٢ ]
الصحيح لكنها ليست في صحيح البخاري (١) ولما كانت الألفاظ المروية ثلاثة، وكانت القصة متحدة بمجلس واحد، وسؤالهم وجوابه كان في المجلس نفسه دل على أن لفظة واحدة هي التي قالها الرسول ﷺ، وأن لفظتين وقعتا بالمعنى. والراجح أن لفظة (قبله) هي التي قالها الرسول ﷺ لأمور:
الأول: أن أكثر أهل الحديث يروون هذا الحديث بلفظة قبله فيروونه: كان الله ولم يكن شيء قبله. وكثرة رواية الحفاظ والأئمة لهذه اللفظة مرجح لها على غيرها.
الثاني: أن لفظ (القبل) هو الموافق للنصوص الأخرى مثل قول الرسول ﷺ في دعائه: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) (٢) .
قوله: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء: هذه الجمل الثلاث ورد الوصل بينها بالواو، ثم جاءت الجملة الرابعة موصولة بما قبلها بثم وهي (ثم خلق السماوات والأرض)، وهذا يدل على أن الحديث ليس مقصوده بيان أول المخلوقات؛ لأن الواو لا تفيد الترتيب على الصحيح. لكن المقصود هو إجابة أهل اليمن عن أول خلق السماوات والأرض، فجاء بثم التي تفيد الترتيب والتراخي ليبين أن خلق
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٥١، لكنه ﵀ وهم وعزاها إلى البخاري في موضعين: الأول في مجموع الفتاوى ١٨/٢١٦، والثاني في الصفدية ٢/٢٢٤، ولذلك تعقبه من تعقبه مثل محقق شرح العقيدة الطحاوية شعيب الأرناؤوط ١/١١٤، ومحمد رشاد سالم في تحقيق الصفدية لشيخ الإسلام ١/١٥ - ١٦، وذكر ابن حجر في فتح الباري ٦/٢٨٩ أن لفظة (معه) ليست في البخاري، وقد بحث هذه المسألة وبين المواضع الثلاثة د. عبد الرحمن المحمود في موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/١٠٠٩.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٨٤ كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، والبيهقي في الأسماء والصفات ١/٣٦. باب ذكر الأسماء التي تتبع إثبات الباري جل ثناؤه.
[ ٢٦٣ ]
السماوات والأرض لم يكن هو أول مخلوقات الله، فقد سبقه مخلوقات لله ﷾ والله أعلم (١) .
وقوله: كان الله: أي فيما مضى من الزمان وهي تنبئ - هنا - عن الأزلية، والأزل ليس وقتًا بعينه مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وقوله: وكان عرشه على الماء معناه: أنه خلق الماء سابقًا ثم خلق العرش على الماء، فوقت خلق السماوات والأرض كان عرشه على الماء، وتبين الأحاديث الأخرى أن القلم خلق بعد العرش، ثم خلق السماوات والأرض وما فيهن (٢)، ومطلق قوله: (وكان عرشه على الماء) يقيد بقوله: (ولم يكن شيء قبله) والمراد بكان في الأول: الأزلية، وفي الثاني: الحدوث بعد العدم (٣) .
قوله: كتب في الذكر: يعني اللوح المحفوظ كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي من بعد اللوح المحفوظ (٤) .
وأضيفت الكتابة إلى الله تعالى، ولا يلزم أنه - سبحانه - هو الذي يباشر الكتابة بنفسه بل يجوز أن يأمر بذلك ما يشاء، ودليل ذلك حديث عبادة بن الصامت (ت - ٣٤هـ) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» (٥) فالمأمور بالكتابة في هذا الحديث هو القلم وهو من مخلوقات الله.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٧.
(٢) انظر: في ذكر الخلاف: أيهما خلقه أولًا: العرش أم القلم؟: الصفدية لابن تيمية ٢/٧٩، بغية المرتاد له ص٢٧٦، منهاج السنة له ١/٣٦١، فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٩.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٩.
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١١.
(٥) الحديث أخرجه الترمذي في سننه ٤/٤٥٧ كتاب القدر باب ١٧، وأبو داود في سننه ٥/٧٦ كتاب السنة، باب في القدر، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٢٨ - ٢٢٩، ٣/١٢٣.
[ ٢٦٤ ]
ولفظة (كل شيء) أي: من الكائنات، وهي تعم كل موضع بحسب ما سيقت له، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] .
قوله: فإذا هي يُقطع دونها السراب: أي يحول بيني وبينها السراب، والسراب هو: ما يُرى نهارًا في الفلاة كأنه ماء (١)، وهذا كناية عن بُعدها.
قوله: فوالله لوددت أني كنت تركتها: وفي رواية (لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم) . قال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ (الود المذكور تسلط على مجموع ذهابها وعدم قيامه لا على أحدهما فقط؛ لأن ذهابها كان قد تحقق بانفلاتها، والمراد بالذهاب: الفقد الكلي) (٢) .
فكانت رغبته في بقائه في مجلس رسول الله ﷺ يتعلم العلم والإيمان، ولا يفوته آخر الحديث، فهو تأسف على أنه قد فاته آخر حديث رسول الله ﷺ، وفي هذا بيان حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على تحصيل العلم، والبحث عن الخير.
وقد بحث ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ عن تتمة الحديث التي تأسف عليها عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ فقال: (وقد كنت كثير التطلب لتحصيل ما ظن عمران أنه فاته من هذه القصة إلى أن وقفت على قصة نافع بن زيد الحميري (٣) فقوي في ظني أنه لم يفته شيء من هذه القصة بخصوصها، لخلو قصة نافع بن
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٤٦٥ مادة (سرب)، وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٩٠.
(٢) فتح الباري ١٣/٤١٠.
(٣) نافع بن زيد الحميري، صحابي جليل، قدم وافدًا على رسول الله ﷺ في نفر من حمير، وسألوه عن أول هذا الأمر، فقال ﵊: كان الله ولم يكن شيء قبله. انظر في ترجمته: الإصابة لابن حجر ٣/٥٤٤.
[ ٢٦٥ ]
زيد ﵁ عن قدر زائد على حديث عمران) (١) وقد نبه ابن تيمية ﵀ إلى أن بعض الناس يزيد في آخر الحديث قوله: (وهو الآن على ما عليه كان) وينسبون هذه الجملة إلى رسول الله ﷺ، وبين أن هذا كذب مفترى على رسول الله ﷺ، وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن هذه الزيادة كذب موضوع مختلق، وليس هو في شيء من دواوين الحديث، لا كبارها ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف، ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة بعض متأخري الجهمية، فتلقاها منهم أهل وحدة الوجود الذين يقولون: وجوده عين وجود المخلوقات (٢) .
وصلة حديث عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ بموضوع إمكان حوادث لا أول لها: أن المتكلمين الذين يرون امتناع دوام الحوادث في الماضي استدلوا بهذا الحديث ظنًا منهم أن سؤال أهل اليمن وجواب الرسول ﷺ لهم إنما كان عن بدء المخلوقات كلها، لا عن بدء خلق السماوات والأرض، فمقصود الحديث عندهم هو إخبار الرسول ﷺ أن الله كان موجودًا وحده، معطلًا عن الفعل، غير قادر عليه، ثم إنه ابتدأ إحداث جميع أنواع الحوادث، وانتقل الفعل من الامتناع إلى الإمكان بلا سبب، وصار قادرًا بعد أن لم يكن بلا سبب (٣) .
والذي عليه سلف الأمة ومن وافقهم أن مراد الرسول ﷺ هو الإخبار عن خلق الله لهذا العالم المشهود الذي خلقه في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] .
_________________
(١) فتح الباري ٦/٢٩٠.
(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢/٢٧٢، ١٨/٢٢١، وانظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٩.
(٣) انظر: الإنصاف للباقلاني ص٤٣، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١١، ٢٤٢.
[ ٢٦٦ ]
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت - ٦٥هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (١)، فأخبر عن تقدير خلق هذا العالم، وأنه قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.
وقد ناقش ابن تيمية ﵀ المخالفين الذين يرون أن المقصود في حديث عمران ﵁ (ت - ٥٢هـ) هو الإخبار عن أول المخلوقات مطلقًا بأجوبة عديدة منها:
١ - أن قول أهل اليمن: (جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر) إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم، أو جنس المخلوقات.
فإن كان المراد: خلق العالم المشاهد فيكون النبي ﷺ قد أجابهم؛ لأنه أخبرهم عن أول خلق هذا العالم.
وإن كان المراد بالأمر جنس المخلوقات، فإن النبي ﷺ لم يجبهم في الحديث؛ ذلك أنه لم يذكر أول الخلق مطلقًا. بل قال: (كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض) فلم يذكر إلا خلق السماوات والأرض، وإذا كان قد أجابهم عن خلق السماوات والأرض ولم يجبهم عن أول الخلق مطلقًا علم أنهم سألوه عما أجابهم. والرسول ﷺ منزه عن أن يجيبهم عما لم يسألوه، ويترك إجابة ما سألوه عنه.
٢ - أن قولهم: (هذا الأمر) الإشارة إلى الحاضر المشهود، ولو سألوه عن أول الخلق مطلقًا لما أشاروا إليه بهذا، فإن ذاك لم يشهدوه، فلا يشيرون إليه بهذا، بل لم يعلموه أيضًا، فإن ذاك لا يعلم إلا بخبر الأنبياء، والرسول ﷺ
_________________
(١) سبق تخريجه ص٢٢٨.
[ ٢٦٧ ]
لم يخبرهم بذلك، فلو كان أخبرهم به لما سألوه عنه، فعلم أن سؤالهم كان عن أول هذا العالم المشهود.
٣ - أن الثابت عن المصطفى ﷺ أنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله) - كما سبق بيانه - وإذا كان إنما قال هذا اللفظ: فلم يكن فيه تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق.
٤ - أن الرسول ﷺ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض» . فلم يذكر في الجمل الثلاث الأول ترتيبًا، لكنه رتب الجملة الرابعة بـ (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي على ما قبلها من الجمل.
وعليه: فلا يفيد الحديث بيان أول المخلوقات مطلقًا، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء، وإن كان ذلك كله مخلوقًا، لكن القصد هو إخبار أهل اليمن عن بدء خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء ما خلقه الله قبل ذلك.
٥ - أن الرسول ﷺ حين أخبر عن العرش والماء والكتابة: أخبر عن كونها ووجودها، ولم يتعرض لابتداء خلقها، ولما ذكر السماوات والأرض أخبر بما يدل على خلقها، وسواء أكان قول الرسول ﷺ: (وخلق السماوات والأرض) أم (ثم خلق السماوات والأرض) فعلى التقديرين يكون قد أخبر بخلقهما، فلم يكن المقصود الإخبار بخلق العرش ولا الماء، فضلًا عن أن يقصد أن خلق ذلك كان مقارنًا لخلق السماوات والأرض.
٦ - أن النبي ﷺ لو كان قال: (ولم يكن شيء معه) فليس فيه ما يدل على ذكر أول المخلوقات وترتيبها، بل المقصود: أنه لا شيء معه من هذا الأمر المسؤول عنه، وهم سألوه عن أول الأمر، وسياق الحديث يدل على أنه أخبرهم بأول هذا العالم الذي خلق في ستة أيام، ولم يخبرهم بما قبل ذلك (١) .
_________________
(١) انظر: الصفدية لابن تيمية ٢/٢٢٤ - ٢٢٥، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٩.
[ ٢٦٨ ]
٧ - أن كثيرًا من الناس يجعلون هذا الحديث عمدتهم من جهة السمع في أن الحوادث لها ابتداء وأن جنس الحوادث مسبوق بالعدم، إذ لم يجدوا في الكتاب والسنة ما ينطق به، وجعلوا هذا معنى حدوث العالم الذي هو أول مسائل أصول الدين عندهم، فيبقى أصل الدين الذي هو دين الرسل عندهم، ليس عندهم ما يعلمون به أن الرسول ﷺ قاله، ولا في العقل ما يدل عليه، بل العقل والسمع يدل على خلافه.
ومن كان أصل دينه الذي هو عنده دين الله ورسوله لا يعلم أن الرسول ﷺ جاء به كان من أضل الناس في دينه.
٨ - أن المتكلمين لما اعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم.
وعمدتهم التي هي أعظم الحجج مبناها على امتناع حوادث لا أول لها، وبها أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة، وسموا ذلك إثباتًا لحدوث الأجسام. فلزمهم على ذلك نفي صفات الرب ﷿ وأن الله لا يرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، وكان حقيقة قولهم تكذيبًا لما جاء به الرسول ﷺ، وتسلط أهل العقول من الفلاسفة وغيرهم على تلك الحجج التي لهم فبينوا فسادها.
٩ - أن الغلط في فهم معنى هذا الحديث سببه عدم المعرفة بنصوص الكتاب والسنة، بل والمعقول الصريح، فإنه أوقع كثيرًا من المتكلمين وأتباعهم في الحيرة والضلال، فإنهم لم يعرفوا إلا قولين: قول الدهرية (١) القائلين بالقدم، وقول الجهمية القائلين بأنه: لم يزل معطلًا عن أن يفعل أو يتكلم
_________________
(١) الدهرية: هم الذين ينكرون الربوبية، ويعدون الأمر والنهي والرسالة من الله تعالى مستحيلًا في العقول، ويقولون بقدم العالم، وينكرون الثواب والعقاب، وينسبون النفع والضرر إلى الدهر. انظر: الملل والنحل للشهرستاني تحقيق بدران ٢/٢٤٤ - ٢٤٥، البرهان للسكسكي ص٨٨، المقالات والفرق للأشعري القمي ص١٩٤ - ١٩٥.
[ ٢٦٩ ]
بقدرته ومشيئته، ورأوا لوازم كل قول تقتضي فساده وتناقضه، فبقوا حائرين مرتابين جاهلين، وهذه حال من لا يحصى منهم، نسأل الله السلامة.
١٠ - أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له، وذلك يتضمن معرفته لما أبدعه من مخلوقاته، وهي المخلوقات المشهورة الموجودة من السماوات والأرض وما بينهما، فأخبر في الكتاب الذي لم يأت من عنده كتاب أهدى منه بأنه خلق أصول هذه المخلوقات الموجودة المشهودة في ستة أيام ثم استوى على العرش، فهذا إخبار عن العالم الموجود وابتداء خلقه، وأما ما خلقه قبل ذلك شيئًا بعد شيء فهذا بمنزلة ما سيخلقه بعد قيام القيامة، ودخول أهل الجنة وأهل النار منازلهما، وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته تفصيلًا.
١١ - أن الإقرار بأن الله لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء هو وصف الكمال الذي يليق به - سبحانه - وما سوى ذلك نقص يجب أن ينزه عنه، فإن كونه لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا على الفعل فإنه يقتضي أنه كان ناقصًا فاقدًا صفة القدرة التي هي من لوازم ذاته وهذا ممتنع: فإنه إذا لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا فلا بد من أمر جعله قادرًا بعد أن لم يكن، فإذا لم يكن هناك إلا العدم المحض امتنع أن يصير قادرًا بعد أن لم يكن، وكذلك يمتنع أن يصير عالمًا بعد أن لم يكن قبل هذا.
بخلاف الإنسان فإنه كان غير عالم وغير قادر ثم صار عالمًا قادرًا (١) .
وقد ناقش الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ الجهمية بقوله:
(ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم، حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلامًا، وقد جمعتم بين كفر وتشبيه، وتعالى الله عن هذه الصفة.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٧.
[ ٢٧٠ ]
بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم، حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة له، حتى خلق لنفسه القدرة، ولا نقول: إنه كان ولا نور له، حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه كان ولا عظمة له، حتى خلق لنفسه عظمة.
فقالت الجهمية - لما وصفنا الله بهذه الصفات -: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى، حين زعموا أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته.
قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته، ونوره، لا متى قدر ولا كيف.
فقالوا: لا تكونوا موحدين أبدًا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء، ولكنا إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟) (١) .
ثم ضرب للجهمية مثلًا بالنخلة لها جذع، وكرب، وليف، وسعف، وخوص، وجمّار، واسمها اسم شيء واحد، سميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله - وله المثل الأعلى بجميع صفاته - إله واحد.
وقال الإمام الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀:
(والله - تعالى وتقدس اسمه - كل أسمائه سواء. لم يزل كذلك، ولا يزال، لم تحدث له صفة، ولا اسم لم يكن كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة) (٢) .
_________________
(١) الرد على الجهمية والزنادقة (ضمن عقائد السلف جمع النشار وطالبي ص٩٠ - ٩٢) .
(٢) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ص٩.
[ ٢٧١ ]
والنفاة يزعمون أن الفعل ممتنع في الأزل، والأزل ليس شيئًا محدودًا يقف عنده العقل، بل ما من غاية ينتهي إليها تقدير الفعل إلا والأزل قبل ذلك بلا غاية محدودة.
ويضرب ابن تيمية ﵀ مثلًا لذلك بأنه لو فرض وجود مدائن أضعاف مدائن الأرض، في كل مدينة من الخردل ما يملؤها، وقدر أنه كلما مضت ألف ألف سنة فنيت خردلة: فني الخردل كله، والأزل لم ينته (١) .
فما من وقت يقدر إلا والأزل قبل ذلك؛ لأن الأزل يعني عدم الأولية، فهو ليس شيئًا محدودًا (٢) .
وما من وقت صدر فيه الفعل بالنسبة إلى الله ﷿ إلا وقد كان قبل ذلك ممكنًا وإذا كان ممكنًا فما الموجب لتخصيص حال الفعل بالخلق دون ما قبل ذلك فيما لا يتناهى؟ (٣) .
وبهذا يتضح أن المراد في حديث عمران (ت - ٥٢هـ) ﵁ هو الإخبار عن حدوث العالم المشهود الموجود؛ ولذا فإن أهل السنة يجعلون هذا الحديث من أدلتهم على حدوث العالم، ولهم أدلة أخرى نقلية، وعقلية متعددة:
أما الأدلة النقلية فمنها:
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] .
وقال - سبحانه -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١١، ١٢] .
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٨، وانظر: مثالًا قريبًا منه في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٨٤.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٧١، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٩.
(٣) انظر: هذه الردود بتفصيل في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٣ - ٢٤٣.
[ ٢٧٢ ]
والذي عليه سلف الأمة وأئمتها مع أهل الكتاب أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله وهي الدخان والبخار، وقد كان قبل خلق السماوات مخلوقات كالعرش والماء.
وقال الله -سبحانه-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٣٣] .
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] .
وقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١] .
وأما الأحاديث فمنها قوله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» (١) .
وثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت - ٦٥هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (٢) .
إضافة إلى حديث عمران بن حصين (ت - ٥٢هـ) ﵁ وحديث القلم الذي مر ذكرهما قبل قليل.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/٤٢٤ كتاب التوحيد باب وجوه يومئذ ناضرة، ومسلم في صحيحه ٣/١٣٠٥ كتاب القسامة باب تغليظ تحريم الدماء، وأبو داود في سننه ٢/٤٨٣ - ٤٨٥ كتاب المناسك، باب الأشهر الحرم، قال الخطابي في معالم السنن ٢/٤٨٤: (إنما أضاف الشهر إلى مضر؛ لأنها كانت تشدد في تحريم رجب، وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل، فأضيف الشهر إليهم لهذا المعنى) .
(٢) تقدم تخريجه ص٢٢٨.
[ ٢٧٣ ]
وأما الأدلة العقلية لإثبات حدوث العالم عند أهل السنة فيمكن أن نذكر بعضًا منها:
١ - أن يقال: إن كان حدوث الحوادث بلا سبب حادث جائزًا: أمكن حدوث العالم، وبطل القول بوجوب قدمه.
وإن كان ممتنعًا بطل القول بقدمه لامتناع حدوث الحوادث عن الموجب الأزلي، وبعبارة أخرى: إن كان تسلسل الحوادث ممتنعًا لزم حدوث العالم، وإن كان ممكنًا أمكن حدوث كل شيء منه بحادث قبله (١) .
٢ - أن يقال: إن العالم لو كان قديمًا: لكان إما واجبًا بنفسه وهذا باطل، فكل جزء من أجزاء العالم مفتقر إلى غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه.
وإما واجبًا بغيره: فيكون المقتضي له موجبًا بذاته، بمعنى: أنه مستلزم لمقتضاه، سواء كان شاعرًا مريدًا أم لم يكن، فإن القديم الأزلي إذا قُدِّر أنه معلول مفعول فلا بد له من علة تامة مقتضية له في الأزل، وهذا هو الموجب بذاته.
ولو كان مبدعه موجبًا بذاته علة تامة لم يتأخر عنه شيء من معلوله ومقتضاه. والحوادث مشهودة في العالم: فعلم أن فاعله ليس علة تامة، وإذا لم يكن علة تامة لم يكن قديمًا. (٢)
٣ - أن العالم ممكن الوجود، والممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثًا، وأما القديم الذي يمتنع عدمه فلا يقبل العدم (٣) .
٤ - أن العالم إذا كان تحله الحوادث من غيره دل على أن غيره متصرف فيه قاهر له تحدث فيه الحوادث ولا يمكنه دفعها عن نفسه.
_________________
(١) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٨١.
(٢) انظر: منهاج السنة لابن تيمية ٢/٢٧٣ - ٢٨٠.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٣٣١.
[ ٢٧٤ ]
وما كان مقهورًا مع غيره لم يكن موجودًا بنفسه، ولا مستغنيًا بنفسه، ولا عزيزًا ولا مستقلًا بنفسه، وما كان كذلك لم يكن إلا مصنوعًا مربوبًا فيكون محدثًا (١) .
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ إجماع أهل الملل والأديان على أن كل ما سوى الله فهو مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن (٢) .
وذكر أنه قد استقر في فطر الناس أن السماوات مخلوقة مفعولة، وقد أحدثها خالقها بعد أن لم تكن، ولم يخطر بالفطر السليمة أن السماوات والأرض قد خلقتا مع الله أزلًا (٣) .
وأما المتكلمون فلهم طرق متعددة في إثبات حدوث العالم (٤) . إلا أن أقواها عندهم هو دليل حدوث الأجسام، وهو ما سأذكره وأناقشه بشيء من الاختصار - بعد قليل -؛ ذلك أن الأدلة الأخرى قد زيفها أكثر متأخريهم وعقلائهم.
ومما له صلة بحدوث العالم عند المتكلمين مسألة (الجوهر الفرد) التي خاضوا فيها كثيرًا في كتبهم المتقدمة، وفي دراساتهم المتأخرة؛ ذلك أن إثبات الجوهر الفرد مرتبط بالقول بتناهي الأجسام، فهو يؤيد قولهم بحدوث العالم حين يردون على الفلاسفة، إذ هذا المصطلح مقابل مصطلح الهيولي والصورة (٥) عند الفلاسفة.
_________________
(١) انظر: الأدلة العقلية لأهل السنة. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٣٣١، الصفدية له ١/٧٤، ٨١، منهاج السنة النبوية ٢/٢٧٣.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/١٠، ١٣٠.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٢٦.
(٤) انظر: من كتب المتكلمين: الإنصاف للباقلاني ص٢٧، نهاية الإقدام للشهرستاني ص١١ - ٥٣، التوحيد لأبي منصور الماتريدي ص١٢، الأربعين في أصول الدين للرازي ١/٢٩، الإرشاد للجويني ص٣٩ - ٤٢، وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣٤٤ إلى نهاية الجزء، ٣/٣ - ٢٣، ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٥) الهيولى: كلمة يونانية الأصل، ويراد بها المادة الأولى، وهو كل ما يقبل الصورة، أي هو جوهر وجوده بالفعل إنما يحصل بقبول الصورة الجسمانية كقوة قابلة للصور، وليس لها وجود بالفعل بنفسها دون الصورة. انظر: مقاصد الفلاسفة للغزالي ٢/١٩، معيار العلم له ص٢٨٧ - ٢٨٨، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ٢/٥٣٦ - ٥٣٧، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة ص٢٠٨، فكرة الجوهر للطف ١٤٣ - ١٨١.
[ ٢٧٥ ]
وتأتي فكرة الجوهر الفرد في مقابل ما ذهب إليه النظام (١) من القول بإمكان تجزؤ الأجسام إلى ما لا نهاية، مما يؤدي إلى تقرير القول بقدم العالم (٢) .
فعلى مذهب المتكلمين أن الله أزلي قديم، وأن العالم مكون من جواهر وأعراض حادثة، وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ولا بد لهذه الجواهر والأعراض من محدث، وهو الله، والله يخلق هذه الأجزاء، ثم تفنى، ويعيد خلقها (٣) .
والجوهر الفرد هو المتحيز الذي لا ينقسم، والجزء الذي لا يتجزأ (٤) .
_________________
(١) النظام: إبراهيم بن سيار بن هاني البصري، أبو إسحاق النظام، من أئمة المعتزلة، وانفرد بآراء خاصة تبعه فيها جماعة أطلق عليهم (النظامية)، ت سنة ٢٣١هـ. انظر في ترجمته: لسان الميزان لابن حجر ١/٦٧، الفهرست لابن النديم الملحق ص٢، المنية والأمل للقاضي عبد الجبار ص٥٩.
(٢) انظر: قراءة في علم الكلام للجزيري ص٣٦ - ٤١.
(٣) انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للنشار ١/٤٧٦.
(٤) انظر: في تعريف الجوهر الفرد: المعجم الفلسفي إعداد مجمع اللغة ص٨٨ مادة (ذرة)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا ١/٤٠٠ مادة (جزء)، ١/٤٢٤ - ٤٢٧ مادة (الجوهر)، ١/٥٨٨ مادة (الذرة) . وأما تعريف الجوهر المقابل للعرض عند المتكلمين والتفصيل فيه، فهذا كثير عند المتكلمين، وفي كتب التعريفات المنطقية، انظر على سبيل المثال: إثبات الجوهر الفرد للشهرستاني ملحق نهاية الإقدام ص٥٠٥ - ٥١٤، الأربعين في أصول الدين للرازي ٢/٣ - ١٨، والمباحث المشرقية له ١/٢٤٠ - ٢٥١، المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي (ضمن الفيلسوف الآمدي دراسة وتحقيق للأعسم ص١٠٩ - ١١١)، وانظر: حاشية تحقيق (المباحث المشرقية للرازي) للبغدادي ١/٢٤٠- ٢٤٢، فقد= = فصل وذكر مراجع كثيرة، وانظر: فكرة الجوهر في الفكر الفلسفي الإسلامي لسامي لطف، التصور الذري في الفكر الفلسفي الإسلامي لمنى أبو زيد.
[ ٢٧٦ ]
والجوهر الفرد أصوله يونانية، وأول من قال به من الإسلاميين أبو الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥هـ) من المعتزلة.
والكلام في الجوهر الفرد مقدماته طويلة، وهي من الكلام المذموم شرعًا، حتى حذّاق النظار، وأذكياء الطوائف حار كثير منهم في مسألة الجوهر الفرد، فتوقفوا فيها تارة، وجزموا أخرى (١) .
وإثبات حدوث العالم عن طريق الجوهر الفرد لا حاجة لنا به، ويتضح ذلك من أمور:
١ - أن العلم بحدوث ما يحدث، والاستدلال على ثبوت الصانع ليس مفتقرًا إلى أن يُعلم: هل في النطفة جواهر منفردة أو مادة؟ وهل ذلك قديم أو حادث؟. بل مجرد حدوث ما شُهد حدوثه يدل على أن له مُحدثًا، كما يدل حدوث سائر الحوادث على أن لها محدثًا.
٢ - أن الشك في حدوث الحيوان والنبات - عندهم - مبني على كونها من الجواهر المفردة أو المادة والصورة، وإمكان قدم الجواهر المفردة أو المادة. ومعلوم أن هذا لو كان صحيحًا، لكان من الدقيق الذي يحتاج إلى بيان، وهم لم يثبتوا ذلك، فذلك موضع اضطراب بين المتكلمين والفلاسفة.
٣ - أن حدوث ما يشهد حدوثه من الثمار والزروع والحيوان وغير ذلك أمر مشهود، فإن الإنسان إذا تأمل في خلق الله، وما يخرجه الله من الأرض من الزروع، وما يخرجه من الحيوان من النطفة والبيض أيقن بحدوث هذه الأعيان (٢) .
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/١٥٨، ٧/١٢٥ - ١٢٦، منهاج السنة النبوية له ٢/١٤١.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٨/٣١٨ - ٣٢٢.
[ ٢٧٧ ]
ويبين شيخ الإسلام ﵀ أن القول بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة قول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين (١) .
وذكر مضمون كلام القائلين بالجوهر الفرد وهو: (أن الله لم يخلق منذ خلق الجواهر المفردة شيئًا قائمًا بنفسه، لا سماءً، ولا أرضًا، ولا حيوانًا، ولا نباتًا، بل إنما يحدث تركيب تلك الجواهر القديمة فيجمعها ويفرقها، والحوادث المتتابعة أعراض قائمة بتلك الجواهر، لا أعيان قائمة بنفسها) (٢)، وقال بعد ذلك: إن (هذا خلاف ما دل عليه السمع والعقل والعيان، ووجود جواهر لا تقبل القسمة منفردة عن الأجسام مما يعلم بطلانه بالعقل والحس، فضلًا عن أن يكون الله تعالى لم يخلق عينًا قائمة بنفسها إلا ذلك) (٣) .
وذكر ﵀ جانبًا آخر من جوانب إثبات المتكلمين للجوهر الفرد وهو أن الأجسام لا يستحيل بعضها إلى بعض، بل الجواهر التي كانت مثلًا في الأول، هي بعينها باقية في الثاني، وإنما تغيرت أعراضها، وقال بعد ذلك: (هذا خلاف ما أجمع عليه العلماء - أئمة الدين وغيرهم من العقلاء - من استحالة بعض الأجسام إلى بعض، كاستحالة الإنسان وغيره من الحيوان بالموت ترابًا، واستحالة الدم والميتة والخنزير وغيرها من الأجسام النجسة ملحًا أو رمادًا، واستحالة العذرات ترابًا، واستحالة العصير خمرًا، ثم استحالة الخمر خلًا، واستحالة ما يأكله الإنسان ويشربه بولًا ودمًا وغائطًا ونحو ذلك) (٤) .
إن الأجسام إذا صغرت أجزاؤها فإنها تستحيل كما هو موجود في أجزاء الماء إذا تصغّر فإنه يستحيل هواء، فلا يبقى موجود ممتنع من القسمة، بل يقبل
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢/١٣٩.
(٢) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢/١٣٩.
(٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢/١٣٩.
(٤) منهاج السنة النبوية ٢/١٤٠.
[ ٢٧٨ ]
القسمة إلى حد ثم يستحيل إذا كان صغيرًا، وليس استحالة الأجسام في صغرها محدودًا بحد واحد، بل قد يستحيل الصغير، وله قدر يقبل نوعًا من القسمة، وغيره لا يستحيل حتى يكون أصغر منه (١) .
ودليل حدوث الأجسام عند المتكلمين يقوم على أربع دعاوى:
أ - إثبات الأعراض.
ب - إثبات حدوث الأعراض.
ج - استحالة تعري الأجسام عن الأعراض.
د - ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، لاستحالة حوادث لا أول لها، أو: كل ما لا يخلو من الحوادث وهو لا يسبقها فهو إذًا حادث (٢) .
ويمكن أن يجاب عن دليل حدوث الأجسام عند المتكلمين بأجوبة عديدة منها:
١ - أن الاستدلال بحدوث الأعراض ليس من أصول الدين، ولم يثبت أن النبي ﷺ دعا الناس إلى الالتزام بها؛ لذا ذم سلف الأمة وأئمتهم الاستدلال به وبغيره مما لم يثبت عن النبي ﷺ، ثم أعرضوا عنه لطول مقدماته، وللخوف على سالكيه من الشك والارتياب (٣) .
٢ - أن العقل يعلم بطلان هذا الدليل: يقول ابن تيمية ﵀: (انظر في هذا الأصل الذي اتبع فيه متأخروهم لمتقدميهم من إثباتهم حدوث العالم
_________________
(١) انظر: في مناقشة فكرة الجوهر الفرد عند ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٥، شرح حديث النزول ص٢٤٤ - ٢٥٢، الصفدية ٢/٢٢٩، وانظر: في مناقشة القائلين بأن الجزء يتجزأ إلى ما لا نهاية: الصفدية ١/١١٨، بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٥.
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني ٢٧ - ٢٨، نهاية الإقدام للشهرستاني ٢٧ - ٢٨، المواقف للإيجي ٢٤٤ - ٢٤٨، الأربعين في أصول الدين للرازي ١/٣٢ - ٨١، التوحيد للماتريدي ١١ - ١٧، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ١١٣ - ١١٥، وانظر: مذاهب الإسلاميين لبدوي ١/١٧٤.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٩، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٣٩، منهاج السنة النبوية له ١/٣٠٣.
[ ٢٧٩ ]
والأجسام بهذه الطريق: هل هي طريقة صحيحة في العقل أم لا؟ وهل هي موافقة للشرع أم لا؟ فاعرضها على الكتاب والميزان، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فأعرض عما يذكرونه (١) بما ثبت من كتاب الله وسنة رسوله، وما ثبت عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين.
وزنه أيضًا بالميزان الصحيحة العادلة العقلية، واستعن على ذلك بما يذكره كل من النظار في هذه الطريقة وأمثالها، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، ولا تتبع الظن فإنه لا يغني من الحق شيئًا) (٢) .
٣ - أنه يلزم من هذا الدليل لوازم فاسدة كنفي الصفات عن الله ﷿ مطلقًا، أو نفي بعضها، والقول بخلق القرآن، وإنكار العلو، ونفي القدرة على الفعل قبل بدء الخلق - على مذهبهم - والترجيح بلا مرجح وغيرها، وكل هذا خلاف الكتاب والسنة (٣) .
٤ - أن إثبات المتكلمين حدوث العالم من طريق حدوث الأجسام هو سبب تسلط الفلاسفة عليهم، فحين استدل المتكلمون بالأدلة السمعية والعقلية استدلالًا خاطئًا، تسلط عليهم الفلاسفة لما ظن الفلاسفة أنه ليس في إثبات حدوث العالم أو قدمه إلا قولان: قول المتكلمين، وقولهم، وقد رأوا أن قول المتكلمين باطل، فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، وظنوا أنهم إذا قدحوا في أدلة المتكلمين يكونون قد قدحوا في أدلة الشرع، فالمتكلمون - كما يقول شيخ الإسلام عنهم -: لا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، بل سلطوا الفلاسفة عليهم، وعلى الإسلام (٤) .
_________________
(١) في نسخة: فاعرض ما يذكرونه، ولعل هذا هو الأصوب.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٧٦.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٩ - ٤٠، شرح حديث النزول ص٤١٦ - ٤١٨.
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٢٤٠، ١٨/٢٢٤ - ٢٢٥.
[ ٢٨٠ ]
٥ - أن المتكلمين المقرين بهذا الدليل قد اختلفوا في كثير من جزئياته وتفاصيله، فالبعض يقر ببعض المقدمات، والبعض يرد على هذه المقدمات التي يترتب بعضها على بعض. (١)
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن طريقة إثبات الصانع التي لا تكون إلا بإثبات حدوث العالم، ولا يكون إثبات حدوث العالم إلا بإثبات حدوث الأجسام هي أساس الكلام الذي اشتهر ذم السلف والأئمة له.
والذامون لهذه الطريقة نوعان:
منهم من يذمها؛ لأنها بدعة في الإسلام، فإنا نعلم أن النبي ﷺ لم يدع الناس بها ولا الصحابة؛ لأنها طويلة مخطرة كثيرة الممانعات والمعارضات، فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه، وهذه طريقة الأشعري (ت - ٣٢٤هـ) في ذمه لها، فبعد أن بين أن طريقة الرسول ﷺ أوضح من طريقة المتكلمين، بيّن ﵀ بعض أوجه القصور في دليل المتكلمين إذ يقول عن طريقة المتكلمين إنه: (لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها، فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها، والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها وليس يحتاج - أرشدكم الله - في الاستدلال بخبر الرسول ﵊ على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك؛ لأن آياته، والأدلة على صدقه محسوسة مشاهدة، قد أزعجت القلوب، وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه) (٢) .
وإن كان الأشعري (ت - ٣٢٤هـ) والخطابي (٣)،
_________________
(١) انظر: بيان ذلك في عرض أدلة حدوث العالم عند المتكلمين على سبيل المثال: درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٤٤، ٣/٣ - ١٨، ٣٥٠، ٤٤٨، الأربعين في أصول الدين للرازي ١/٢٩ - ٨١، انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ٣/٩٨٦ - ٩٩٠.
(٢) رسالة الثغر ص٥٣ - ٥٤.
(٣) الخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، أبو سليمان الخطابي، إمام علامة حافظ لغوي، له مصنفات كثيرة، ت سنة ٣٨٨هـ. انظر في ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي ٣/٢٨٢، بغية الوعاة للسيوطي ١/٥٤٦.
[ ٢٨١ ]
والغزالي (١) وغيرهم لا يفصحون ببطلانها.
ومنهم من ذمها؛ لأنها مشتملة على مقدمات باطلة لا تحصل المقصود بل تناقضه (٢) .
_________________
(١) الغزالي: محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد، أصولي فيلسوف أشعري متصوف، أكثر من التصنيف، رحل لطلب العلم، واعتزل الناس مدة، وقد تاب في آخر عمره، ت سنة ٥٠٥هـ. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٩/٣٢٢، شذرات الذهب لابن العماد ٤/١٠.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٢٧٥، وقد فصل شيخ الإسلام ﵀ في الرد على دليل حدوث الأجسام في كثير من كتبه، وفي مواضع متعددة من الكتاب الواحد، وناقش هذا الدليل من جوانب متعددة، انظر على سبيل المثال من كتبه: الصفدية ١/٣٣، ٢٧٥، ٢/١٢، ١١٤ - ١١٧، درء تعارض العقل والنقل ١/٣٩ - ٤٥، ٢/٩٩ - ١٨٨، ٣/٣١ - ٦٧، ٤٤٨، ٨/٣٢٥، ٣٣٦، منهاج السنة النبوية ١/٣٠٠ - ٣٠٤، بيان تلبيس الجهمية ١/١١٧، ١٧٦ - ١٨٢، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٠٣ - ٣٠٤، ٥/٥٤٣ - ٥٤٤، وغيرها.
[ ٢٨٢ ]