مناقشة الدعوى
يربط المناوئون لابن تيمية ﵀، بل وأعداء عقيدة السلف - غالبًا - بين محبة الرسول ﷺ، وبين الزيارة غير الشرعية المتضمنة للمحرمات أو البدع أو الشركيات، ويرون أن من لم يوافقهم على هذه المخالفات الشرعية في الزيارة وغيرها مما يتعلق بشخص النبي ﷺ فهو منتقص من منزلة الرسول ﷺ، محتقر له، لا يوقره حق توقيره، وقد قالوا مثل هذا في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وسأستعرض عرضًا سريعًا موقف ابن تيمية ﵀ من النبي ﷺ، محبة، وتعظيمًا، واتباعًا، ليتبين موقفه الواضح من هذه القضية.
وبادئ الأمر يحسن ذكر مقولة أحد تلاميذه المقربين منه ليعطينا صورة سريعة عن محبة ابن تيمية ﵀ للرسول ﷺ، ألا وهو الحافظ البزار (ت - ٧٤٩هـ) ﵀ فيقول عنه: (وكان لا يذكر رسول الله ﷺ قط إلا ويصلي ويسلم، ولا والله ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى إذا كان أورد شيئًا من حديثه في مسألة، ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنًا من كان، وقال ﵁: كل قائل إنما يحتج لقوله لا به إلا الله ورسوله) (١) .
وتظهر محبة ابن تيمية لرسول الله ﷺ من وجوه متعددة منها:
أولًا: عرضه سيرة المصطفى ﷺ، وبيانه صفات الرسول ﷺ الخلقية
_________________
(١) الأعلام العلية ص٢٩.
[ ٣٥٢ ]
والخُلقية فمما قاله في ذلك: ( كان من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفًا بالصدق والبر والعدل، ومكارم الأخلاق، وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم، مشهودًا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، وممن آمن به، وممن كفر بعد النبوة، لا يعرف له شيء يعاب به، لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في أخلاقه، ولا جرب عليه كذبة قط، ولا ظلم، ولا فاحشة.
وكان خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها، وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أميًا من قوم أميين لا يعرف لا هو ولا هم، ما يعرفه أهل الكتاب: التوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئًا عن علوم الناس، ولا جالس أهلها.
ولم يدّع نبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبرنا بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله) (١) .
ثم قال: (وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم، فتجتمع في الموسم قبائل العرب، فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابرًا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب، وكانوا جيران اليهود، قد سمعوا أخباره منهم، وعرفوه، فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي تخبرهم به اليهود) (٢) .
ثم تحدث عن الهجرة وما بعدها قائلًا: (فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والأنصار، ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة، إلا قليلًا من الأنصار أسلموا في الظاهر، ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أمر به، ولم يزل قائمًا بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء، لا يحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلمٌ لأحد، ولا غدرٌ بأحد، بل كان أصدق الناس، وأعدلهم، وأوفاهم بالعهد، مع اختلاف
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/٤٣٨.
(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/٤٣٩.
[ ٣٥٣ ]
الأحوال عليه: من حرب وسلم، وأمن وخوف، وغنى وفقر، وقلةٍ وكثرة، وظهوره على العدو تارة، وظهور العدو عليه تارة، وهو على ذلك لازم لأكمل الطرق وأتمها وهو ﷺ مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على النفس والأموال مات ﷺ ولم يخلف درهمًا ولا دينارًا، ولا شاة ولا بعيرًا له إلا بغلته وسلاحه..) (١) .
ثانيًا: أن من سب الرسول ﷺ من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله، وقد قرر شيخ الإسلام ﵀ هذه المسألة في أغلب مباحث كتابه (الصارم المسلول) (٢) .
ثالثًا: أن من آذى الرسول ﷺ فقد آذى الله، وهو محاد لله ﷿ ومن شاق الرسول فقد شاق الله، ومن عصى الرسول فقد عصى الله، قال الله ﷿: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٢ - ٦٣]، فأذى النبي ﷺ محادة لله؛ لأنه ذكر هذه الآية بعد قوله ﷿: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]، وبين الله ﷿ أن من حاد الله ورسوله فهو أذل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠]، والأذل أبلغ من الذليل.
وبين ﷿ أن المحادين لله ورسوله كبتوا كمن كان قبلهم بقوله: ﴿ِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، والكبت: الإذلال والخزي والصرع (٣) .
وجعل الله ﷿ مشاقته ومشاقة رسوله ومحادته ومحادة رسوله، وأذاه وأذى رسوله، ومعصيته ومعصية رسوله بمنزلة واحدة، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٠]،
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/٤٣٩ - ٤٤٠.
(٢) انظر: الصارم المسلول ص٣ - ٥٤٣.
(٣) انظر: الصارم المسلول ص٢١ - ٢٢.
[ ٣٥٤ ]
وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣]، وقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] .
وقذف أزواج النبي ﷺ من أذاه في عرضه، فمن قذفهن فقد آذى الرسول ﷺ في عرضه، وقال الله ﷿ فيهن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] .
ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي ﷺ قول الرسول ﷺ في حادثة الإفك: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي (١)، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا» (٢) .
قال ابن تيمية ﵀ (فقوله: (من يعذرني): أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من أذاه في أهل بيتي والله لهم، فثبت أنه ﷺ قد تأذى بذلك تأذيًا استعذر منه) (٣) .
رابعًا: أن الاستهزاء بالرسول ﷺ والاستخفاف به كفر مخرج من الملة، لقوله ﷿: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (٤) .
خامسًا: وجوب التحاكم إلى الرسول ﷺ، والتسليم لحكمه ظاهرًا وباطنًا لقوله ﷿: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وجعل من رفض التحاكم إليه منافقًا بقوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى
_________________
(١) يعني عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٨/٤٥٢ - ٤٥٤ كتاب التفسير، باب لولا إذ سمعتموه، ومسلم في صحيحه ٤/٢١٢٩ - ٢١٣٧ كتاب التوبة، باب في حديث الإفك، وعبد الرزاق في مصنفه ٥/٤١٠ - ٤١٩ حديث الإفك.
(٣) الصارم المسلول ص٤٨، وانظر: ص٥٦٥ - ٥٦٧.
(٤) انظر: الرد على البكري لابن تيمية ٢/٣٤٤ - ٣٤٥.
[ ٣٥٥ ]
الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١] .
وبين - سبحانه - حال المنافقين ثم حال المؤمنين وموقفهم من التحاكم إلى الله ورسوله بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١] .
وبهذا يتبين وجوب التحاكم إلى الرسول ﷺ، وأن أقرب الطرق إلى مرضاته هو اتباع شرعه (١)، وأقرب الطرق إلى محبة الله اتباع الرسول ﷺ كما قال - سبحانه -: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .
وتعظيم الرسول ﷺ يكون بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
سادسًا: ذَكر بعض حقوق المصطفى ﷺ على أمته ومنها:
١ - أن الله أخبر أنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم بقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، فمن حقه أنه يجب أن يؤثره العطشان بالماء، والجائع بالطعام، وأنه يجب أن يوقّى بالأنفس والأموال كما قال ﷾: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن
_________________
(١) انظر: الصارم المسلول ص٣٧ - ٣٨، الجواب الباهر ص٨١ - ٨٢، الرد على الأخنائي ص٦٧.
[ ٣٥٦ ]
نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] (١) .
٢ - أن الله ﷿ خصه بالمخاطبة بما يليق، فلا ينادى أو يخاطب كغيره من المخاطبين باسمه المجرد أو بكنيته، قال ﷿: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
٣ - أن الله حرم على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضًا، تمييزًا له، مثل نكاح أزواجه من بعده فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
وأوجب الله احترام أزواجه وجعلهن أمهات المؤمنين فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
٤ - أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (٢)، ونصر الرسول ﷺ وتعزيره واجب.
وبين ابن تيمية ﵀ معنى التعزير والتوقير بقوله: (والتعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه.
والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) (٣) .
ومن توقيره ﷺ أن الله حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرم رفع الصوت فوق صوته، وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل، فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر؛ لأن العمل لا يحبط إلا به قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا
_________________
(١) انظر: الصارم المسلول ص٤٢١.
(٢) انظر: الصارم المسلول لابن تيمية ص٢٩٩ - ٣٠٠.
(٣) الصارم المسلول ص٤٢٢.
[ ٣٥٧ ]
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] .
قال ابن تيمية ﵀ معلقًا على هذه الآية:
(فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يُخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر، ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير، والتوقير، والتشريف، والتعظيم والإكرام، والإجلال) (١) .
وبين ﵀ أن قيام المدحة للرسول ﷺ، والثناء عليه، والتعظيم، والتوقير له: قيامُ الدين كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله (٢) .
٥ - أن الله ﷿ أمرنا بمحبته ﷺ أكثر من محاب الدنيا جميعًا، ومنها محبوبات الدنيا الثمانية التي ذكرها الله ﷿ بقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] .
وثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان - وذكر منها - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» (٣) .
وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٤) .
_________________
(١) الصارم المسلول ص٥٥، وانظر: ص٤٢٣.
(٢) انظر: الصارم المسلول ص٢١١.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٦٠ كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان، ومسلم في صحيحه ١/٦٦ كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، والطيالسي في مسنده ص٢٦٤ من حديث أنس بن مالك.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٥٨ كتاب الإيمان، باب حب الرسول من الإيمان، ومسلم في صحيحه ١/٦٧ كتاب الإيمان، باب وجوب محبة الرسول.
[ ٣٥٨ ]
وتصديق هذا في القرآن قول الله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
قال ابن تيمية ﵀: (والنبي ﷺ يجب علينا أن نحبه حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأهلنا وأموالنا، ونعظمه ونوقره، ونطيعه ظاهرًا وباطنًا، ونوالي من يواليه، ونعادي من يعاديه، ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته ﷺ) (١) .
٦ - أن الله أمرنا بالصلاة على الرسول ﷺ بعدما ذكر أنه وملائكته يصلون عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وقال ﵊: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا» (٢) .
وقد أُمر بها مع الأمر بطلب الوسيلة له ﷺ، كما قال ﵊: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٣) .
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي
_________________
(١) الجواب الباهر ص٦، وانظر: الرد على الأخنائي له ص١٤٧، الصارم المسلول له ص٤٢١، مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٢٧٦.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٠٦ كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي، وأبو داود في سننه ٢/١٨٤ كتاب الوتر، باب الاستغفار.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٢٨٨ كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل ما يقول المؤذن، والنسائي في سننه ١/٥١٠ كتاب الأذان، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان.
[ ٣٥٩ ]
وعدته: حلت له شفاعتي» (١)، وهذا يبين الحث على سؤال الله الوسيلة لرسوله ﷺ (٢) .
وبعد: فهذه ملامح ووقفات يسيرة تبين لنا تعظيم ابن تيمية لرسول الله ﷺ حق التعظيم، الذي هو مضبوط بالاتباع.
أما التعظيم الذي يصل إلى درجة الغلو فيه فهذا منهي عنه في الإسلام من أوجه منها:
١ - النهي عن الغلو - عمومًا - لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله - سبحانه - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وقول الرسول ﷺ: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٣) .
٢ - النهي عن الغلو في الرسول ﷺ كقوله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإني أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (٤) .
ولما قال رجل لرسول الله ﷺ: ما شاء الله وشئت، عقب عليه وقال: «أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده» (٥) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٩٤ كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء.
(٢) انظر: الجواب الباهر ص٧، ٨٦، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٤٦٨، الصارم المسلول ص٤٢٠.
(٣) الحديث أخرجه النسائي في سننه ٢/٤٣٥ كتاب الحج، أبواب الرمي، وابن ماجه في سننه ٢/١٠٠٨ كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، قال ابن تيمية في الاقتضاء ١/٢٩٣: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٢٧٨.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٤٧٨ كتاب أحاديث الأنبياء، باب واذكر في الكتاب مريم.
(٥) الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص١١٦، باب قول الرجل ما شاء وشئت، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص٥٤٥، باب النهي أن يقال ما شاء وشاء فلان، وأحمد في مسنده ١/٢١٤ من حديث ابن عباس ﵄ وابن أبي شيبة في المصنف ١٠/٣٤٦ كتاب الدعاء، باب ما نهي عن أن يدعو به الرجل أو يقوله، وابن أبي الدنيا في الصمت ص١٨٧، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص٣١٤ باب كيف الاستثناء في المخاطبة، وحسنه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٥٦ - ٥٧.
[ ٣٦٠ ]
والذي عليه عامة المسلمين أن لا يُحلف بالنبي لقوله ﵊: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (١) .
٣ - التأكيد على عدم معرفة الرسول ﷺ الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فقد ذكر الله ﷿ أن علم الغيب إنما هو من خصائص الربوبية: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقد أمر الله نبيه أن يعلن للناس عدم علمه بالغيب بقوله: ﴿ُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وأما الأحاديث التي تبين عدم علم الرسول ﷺ الغيب فكثيرة منها:
أنه ﵊ سمع جلبة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها» (٢) .
_________________
(١) الحديث أخرجه أبو داود في سننه ٣/٥٧٠ كتاب الأيمان والنذور، باب كراهة الحلف بالآباء، واللفظ له، والترمذي في سننه ٤/١١٠ كتاب النذور والأيمان وقال: حديث حسن، والحاكم في المستدرك ١/١٨ كتاب الإيمان، وصححه وأقره الذهبي، وانظر في حكم الحلف بالنبي: الجواب الباهر لابن تيمية ص٢٦، ٢٧.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥/٢٨٨ كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين، ومسلم في صحيحه ٣/١٣٣٧ كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، واللفظ له.
[ ٣٦١ ]
وقد نهى نبينا محمد ﷺ الجارية التي قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: «دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين» (١) .
وأما الدليل على أن الله يطلع الرسول ﷺ على شيء من الغيب فهو قوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
٤ - التصريح بأن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه، ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا، لقوله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢٠ - ٢١]، وقوله - سبحانه -: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقوله - سبحانه - عن رسوله ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا » (٢) .
وقد صرح ﵊ على الملأ أنه لا يملك لأقرب قريب نفعًا ولا ضرًا لقوله: «يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم من الله
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٩/٢٠٢ كتاب النكاح، باب ضرب الدف في النكاح والوليمة واللفظ له، وأبو داود في سننه ٥/٢٢٠ - ٢٢١ كتاب الأدب، باب في النهي عن الغناء.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٤٦١ كتاب الإمارة، غلظ تحريم الغلول.
[ ٣٦٢ ]
لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئًا ويا فاطمة (١) بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا» (٢) .
ومحبة ابن تيمية ﵀ لرسول الله ﷺ مقرونة بالاتباع كغيره من أهل السنة وأئمتهم وعلمائهم، أي هي المحبة التي يريدها الرسول ﷺ من المؤمنين به، والتي أمرهم بها، أما دعوى التعظيم للرسول ﷺ مع الغلو فيه، ودعوى أن المسلم كلما زاد في التعظيم كلما كانت محبته لرسول الله أكثر فهذا فهم خاطئ للمعنى الشرعي لمفهوم التعظيم لرسول الله ﷺ، وقد بين ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ أن الرسول ﷺ برئ ممن عصاه بالغلو فيه، وإن كان قصده تعظيمه، قال ذلك رادًا على السبكي (ت - ٧٥٦هـ) الذي رد على ابن تيمية في هذه المسألة (٣) .
وحين يقول شيخ الإسلام ﵀ بحرمة شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة موافقًا بذلك نهي الرسول ﷺ، متبعًا له في قوله، فلا يكون هذا بغضًا وجفاءً له، بل هو عين المتابعة والمحبة لرسول الله ﷺ، إضافة إلى أنه قول جمهور العلماء كما تقدم.
وأما رد السبكي (ت - ٧٥٦هـ) على ابن تيمية ﵀ إنكاره شد الرحل وجعل إنكار شد الرحل من لوازم انتقاص الرسول ﷺ، فمن شد الرحل للزيارة فهو
_________________
(١) فاطمة بنت رسول الله ﷺ، كانت أصغر بنات النبي ﷺ، وأحبهن إليه، تزوجها علي بن أبي طالب ﵁، سيدة نساء أهل الجنة، عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر ت سنة ١١هـ. انظر في ترجمتها: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣٧٣، الإصابة لابن حجر ٤/٣٧٧، ذخائر العقبى للطبري ٦٤.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٨/٥٠ كتاب التفسير، باب سورة الشعراء، ومسلم في صحيحه ١/١٩٢، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ . وانظر الجواب الباهر لابن تيمية ص٢٦ - ٢٧، الرد على الأخنائي ص١٤٣.
(٣) انظر: الصارم المنكي ص٨٤.
[ ٣٦٣ ]
المعظم لرسول الله ﷺ، ومن أنكرها فهو المنتقص للرسول ﷺ، فقد رد عليه ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) هذا التلازم مبينًا أن هذا لو كان تعظيمًا له ﷺ لكان مما لا يتم الإيمان إلا به، ولكان فرضًا معينًا على كل من استطاع إليه سبيلًا، من قرب ومن بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض والواجب (١) .
وبين ﵀ أن التعظيم نوعان:
أحدهما: ما يحبه المعظَّم ويرضاه ويأمر به ويثني على فاعله فهذا هو التعظيم في الحقيقة، وهو موافقته على محبة ما يحب، وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه، والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قوله قول أحد سواه.
والثاني: ما يكرهه المعظَّم ويبغضه ويذم فاعله، وهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، وهذا هو ما يفعله أهل الغلو في القبور وعبادها من التعظيم الذي لأجله حرم الرسول ﷺ اتخاذ القبور مساجد، كما قال المصطفى ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) .
والتعظيم يكون باللسان، ويكون بالجوارح: فأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير.
وأما التعظيم بالجوارح فهو: العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه،
_________________
(١) انظر: الصارم المنكي ص٣٣٢.
(٢) الحديث أخرجه مالك في الموطأ ١/١٧٢ كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، واللفظ له. وأحمد في مسنده ٢/٢٤٦، قال الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه المسند ١٣/٨٦ - ٨٨ إسناده صحيح.
[ ٣٦٤ ]
وإعلاء كلمته، ونصر ما جاء به، وجهاد ما خالفه (١) .
وأما مسألة التمسح بالقبر وتقبيله، فقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن هذا باطل، وقد اتفق المسلمون على النهي عنه، سواء أكان القبر لنبي أم لغيره، ولم يفعله أحد من سلف الأمة وأئمتها المشهود لهم بالعلم والتقوى، بل هذا من الشرك (٢) .
وأما الدعاء عند القبر فهو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزور القبور ويدعو بالدعاء الوارد عن الرسول ﷺ، فهذا لا بأس به.
الثاني: أن يتحرى الدعاء عند هذه القبور، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوبُ منه في غيره، فهذا منهي عنه: إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب (٣) .
إن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هناك، رجاءً أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن: أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء، بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية.
وقصد القبور بالدعاء لا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة أو لا يكون.
فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فتكون القرون الثلاثة الأولى الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم،
_________________
(١) انظر: الصارم المنكي ص٢٨٨، ٣٣٢ - ٣٤٠.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٣٢١، ٢٦/٩٧. ٢٧/٩١.
(٣) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/٦٨٢ - ٦٨٣.
[ ٣٦٥ ]
ويعلمه من بعدهم، ولم يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل العظيم ثم يزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لاسيما الدعاء.
وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل: كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية وكان القول باستحبابه أو وجوبه تشريعًا من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
وهذه العبادة عند المقابر - أي الدعاء عندها - نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ومن جعل هذا من دين الله فقد قال على الله ما لا يعلم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
ويستحسن ابن تيمية ﵀ الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣]، لئلا يحتج المبتدعة بالمقاييس والحكايات (١) .
وأما التبرك (٢) بالرسول ﷺ وآثاره المكانية فهي نوعان: معنوية، وحسية.
أما البركة المعنوية، فهي بركة العمل والاتباع للرسول ﷺ، وهذه تحصل لمن اتبعه بسبب متابعته للرسول ﷺ وتحصل البركة للناس بحسب اتباعهم للرسول ﷺ قوة وضعفًا، قال ﵊ في النخلة: «إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم» (٣) .
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٨٨.
(٢) البركة من الله، وحقيقتها: كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه ﵎، والتبرك: طلب البركة من الزيادة في الخير والأجر، وكل ما يحتاجه العبد في دينه ودنياه، بسبب ذات مباركة، أو زمان مبارك، وتكون هذه البركة قد ثبتت لذلك السبب ثبوتًا شرعيًا، وثبتت الكيفية التي تنال بها البركة عن المعصوم ﷺ، انظر بدائع الفوائد لابن القيم ٢/١٨٥ - ١٨٧، التبرك المشروع والتبرك الممنوع للعلياني ص١٥، ٢١، ٢٢.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٩/٥٦٩ كتاب الأطعمة، باب أكل الجمار.
[ ٣٦٦ ]
وأما البركة الحسية فهي متعلقة بالرسول ﷺ وهذه تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: البركة في أفعاله مما أكرمه الله فيه من خوارق العادات مثال ذلك ما رواه أنس بن مالك (ت - ٩٣هـ) ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم» (١) .
القسم الثاني: البركة في ذاته الشريفة ﷺ، وبآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ، والدليل على تبرك الصحابة بذات الرسول ﷺ أي بأعضاء جسده، ما روته عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» (٢) .
وأما دليل تبرك الصحابة - رضوان الله عليهم - بما انفصل منه ﷺ: أن النبي ﷺ كان يدخل بيت أم سليم (٣)، فينام على فراشها وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٢٧١ كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة، ومسلم في صحيحه ٤/١٧٨٣ كتاب الفضائل، باب معجزات النبي ﷺ، ومالك في الموطأ ١/٣٢ باب جامع الوضوء، واللفظ له.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/١٩٥ كتاب الطب باب الرقى بالقرآن، ومسلم في صحيحه ٤/١٧٢٣ كتاب السلام، باب رقية المريض، واللفظ له.
(٣) أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية، أم أنس خادم رسول الله ﷺ، أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، وعرضت الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك، ثم خلف الله عليها بعده أبا طلحة الأنصاري، كانت من عقلاء النساء. انظر في ترجمتها: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٤٥٥ الإصابة لابن حجر ٤/٤٦١.
[ ٣٦٧ ]
على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع (١) عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها (٢)، فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصر في قواريرها، ففزع النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: «وما تصنعين يا أم سليم؟» فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: «أصبت» (٣)، وهذا خاص به ﷺ في حياته، فلا يقاس عليه غيره.
والتبرك بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته مشروع فيما بقي من آثاره، إلا أن آثاره ﷺ قد انتهت بعد انتهاء جيل الصحابة على الصحيح.
وأما قصد الآثار المكانية كقبر الرسول ﷺ، أو ما مسته يد الرسول ﵊؛ لأجل التبرك فهذا محذور من أوجه عدة منها:
١ - أن هذا النوع من التبرك لم يكن في عهده ﷺ، ولم ينقل فيه شيء نقلًا مصدقًا، لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف، وإذا لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله علم أنه لم يكن في زمانه ﷺ.
٢ - أن بركة ذوات الأنبياء لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها، أو جلس عليها، أو طريق مر بها، تطلب بركتها، ويتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعًا، فانتفى الملزوم.
٣ - أن الأمكنة الأرضية لا تكون مباركة إلا بدوام الطاعة فيها، وهي سبب إعطاء الله البركة، حتى المساجد فإنها مباركة لذلك، إلا أن بركتها لا تدوم مع زوال الطاعات عنها.
٤ - أن التبرك بالآثار المكانية وسيلة إلى ما هو أعظم من تقديسها، والاعتقاد فيها وهذا محذور.
_________________
(١) استنقع: أي اجتمع وثبت. انظر لسان العرب لابن منظور ٨/٣٥٩ مادة (نقع) .
(٢) العتيدة: وعاء الطيب. انظر لسان العرب لابن منظور ٣/٢٧٩ مادة (عتد) .
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٨١٦ كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبي ﷺ وقد ذكر النووي ﵀ في شرح مسلم ١٥/٨٧ أن أم سليم كانت محرمًا للرسول ﷺ.
[ ٣٦٨ ]
٥ - أن تعظيم الرسول ﷺ، والتماس بركته وتحريها يكون بما بقي لنا اليوم من نوعي البركة (١)، وهي: بركة الاتباع، والعمل بسنته (٢) .
_________________
(١) المراد بالنوعين: البركة الحسية والبركة المعنوية - كما سبق - والحسية قد انتهت، والمعنوية هي المستمرة.
(٢) انظر: في مسألة التبرك بالرسول ﷺ، وبآثاره المكانية: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٨٠ - ٦٨١، مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/١١٣ - ١١٥، التبرك أنواعه وأحكامه للجديع ص٥٥ - ٦٩، ٢٤٣ - ٢٦٠، التبرك المشروع والتبرك الممنوع للعلياني ص٦٦، هذه مفاهيمنا لصالح آل الشيخ ص٢٠١ - ٢١٤.
[ ٣٦٩ ]