مناقشة الدعوى
يقرر ابن تيمية ﵀ أن تعظيم القبور من أعظم أسباب الشرك، وهو ذريعة وطريق موصلة إلى تعظيم المقبورين من دون الله فيمن كان قبلنا، فقد قال الله ﷿ عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] .
قال ابن عباس (١) ﵄: (كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح لما ماتوا عكفوا على قبورهم، فطال عليهم الأمد، فصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم) (٢) .
قال ابن تيمية ﵀: (وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور) (٣)، ولذلك كان هذا التعظيم للقبور من دين المشركين، ومن عمل أهل الكتاب، وقد أمرنا بمخالفة أهل الكتاب والمشركين أصحاب الجحيم (٤) .
إن المأمور به في شريعة الإسلام هو عمارة المساجد لا بناء المشاهد على القبور، لكن الذين يعظمون القبور: يعمرون المشاهد، ويعطلون المساجد مضاهاة للمشركين، ومخالفة للمؤمنين، وقد قال الله ﵎: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] .
_________________
(١) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عم رسول الله ﷺ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله الحكمة والتأويل، ت سنة ٦٨هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٣٥١، الإصابة لابن حجر ٢/٣٣٠.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٨/٦٦٧ كتاب التفسير، باب تفسير سورة نوح بنحوه.
(٣) الفتاوى الكبرى ٤/٣٦٦.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٤٧٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٣٤، ١٦٩.
[ ٣٧٣ ]
ولم يقل عند كل مشهد.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨] .
ولم يقل: إنما يعمر مشاهد القبور، بل عمار المشاهد يخشون بها غير الله، ويرجون غير الله.
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، ولم يقل: وأن المشاهد لله.
وقال - سبحانه -: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] .
قال ابن تيمية ﵀: (علم بالنقل المتواتر، بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسول الله ﷺ شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي ولا رجل صالح لا من أهل البيت ولا من غيرهم لا مسجدًا ولا مشهدًا، ولم يكن على عهده ﷺ مشهد مبني على قبر ) (١) .
وأما جعل بناء المساجد على القبور من الدين فهذا ليس بصحيح، وهي دعوى تحتاج إلى دليل بل هي مناقضة للدليل، وكل الأدلة القرآنية والأدلة من أقوال المصطفى ﷺ تخالف القول بجواز البناء على القبور، والصلاة إليها، بل الأدلة تحذر من هذا الفعل أشد التحذير، وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ١/٤٧٩، وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/٤٣٧ - ٤٣٨، الفتاوى الكبرى ٤/٣٧٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٦٨.
[ ٣٧٤ ]
على الأدلة التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد بالتواتر، فحين ذكر المحدثات من الأمور في تعظيم القبور قال: (منها: الصلاة عند القبور مطلقًا، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه) (١) .
ومما ورد في النهي عن ذلك: ما رواه جندب بن عبد الله (٢)
﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ الله إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لا تخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. إني أنهاكم عن ذلك» (٣) .
وعن عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵁ قالت: (لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) .
وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥)، وفي رواية لمسلم (ت - ٢٦١هـ): «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٦) .
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٧٢.
(٢) جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي، أبو عبد الله، سكن الكوفة، ثم البصرة، يطلق عليه جندب الخير، وجندب الفاروق. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/١٠٩، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣/١٧٤.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٧٧ كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٥٣٢ كتاب الصلاة، باب حديث أبو اليمان، ومسلم في صحيحه ١/٣٧٧ كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(٥) الحديث رواه البخاري في صحيحه ١/٥٣٢ كتاب الصلاة، باب حديث أبو اليمان.
(٦) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٧٦ كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
[ ٣٧٥ ]
وعن عبد الله بن مسعود (١)
﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (٢) .
ولما ذكرت أم سلمة (٣) الكنيسة بأرض الحبشة، وذكرت ما فيها من التصاوير قال ﷺ: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٤) .
وقال - ﵊ -: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥) .
وقال ﷺ: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (٦) .
ومن هذه الأحاديث يرد ابن تيمية ﵀ على من جعل من الدين اتخاذ القبور مساجد، فهل من الدين أن يذكر الرسول ﷺ عمل الأمم السابقة، ويحذر منه، وينهى عنه.
_________________
(١) ابن مسعود: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، حليف بني زهرة، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، شهد المشاهد كلها، ولازم النبي ﷺ، كان صاحب نعليه، وهو سادس من أسلم، ت سنة ٣٢هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٣١٦، الإصابة لابن حجر ٢/٣٦٨.
(٢) الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/٣٤٥ كتاب الجنائز، وابن خزيمة في صحيحه ٢/٦، وقال الأعظمي: إسناده حسن، وقال الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند ٥/٣٢٤: إسناده صحيح.
(٣) أم سلمة: بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، أم المؤمنين، اسمها هند، وأمها عاتكة بنت عامر، كانت زوج ابن عمها أبي سلمة، فمات عنها، فتزوجها النبي ﷺ، كانت ممن أسلم قديمًا هي وزوجها، وهاجرا إلى الحبشة، آخر أمهات المؤمنين موتًا، ت سنة ٦١هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمتها: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٤٥٤، الإصابة لابن حجر ٤/٤٥٨.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٥٢٣ كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ومسلم في صحيحه ١/٣٧٥ كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(٥) سبق تخريجه ص٣٢٥.
(٦) سبق تخريجه ص٣٠٨.
[ ٣٧٦ ]
وهل من الدين أن يذكر الرسول ﷺ لعن الله لمن اتخذ القبور مساجد، أو الدعاء بمقاتلة الله لمن فعل ذلك، أو الحكم عليهم بأنهم من شرار الناس، وشرار الخلق عند الله، ثم النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة إليها.
قال ﵀: (وأما القبور فقد ورد نهيه ﷺ عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك) (١) .
وأما دعوى مخالفة ابن تيمية ﵀ إجماع الصحابة، فهذا باطل من أوجه عدة:
الأول: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يقول واحد منهم، فضلًا عن حكاية إجماعهم بمخالفة الدين، ولا تقديم قولهم على قول الله ورسوله، أو أن يكون لهم الخيرة في أمرٍ قضاه الله ورسوله، وقد تقدم بيان تواتر الأحاديث التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، ومن عظيم النهي عن هذا الأمر: أن النبي ﷺ جعل التحذير منه وصية مودع تأكيدًا لتحذيره لهم في حال حياته، ولذا كثرت الأحاديث التي حذر النبي ﷺ فيها عن اتخاذ القبور مساجد في مرض موته.
الثاني: أن الرسول ﷺ لم يشرع بناء المساجد على القبور، ولا وضع المشاهد، ولم يكن ذلك في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم -.
قال ﵀: (المشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين من العامة، ومن أهل البيت كلها من البدع المحدثة المحرمة في دين الإسلام) (٢) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٧٨، وانظر حول تقرير ابن تيمية تحريم اتخاذ القبور المساجد شرعًا من كتبه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/٣٤٧، منهاج السنة النبوية ١/٤٧٤ - ٤٧٨، ٢/٤٣٥ - ٤٣٧، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٣٣٥، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٥٦ - ١٥٩، قاعدة عظيمة ٣٨ - ٤٢، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٧٢ - ٦٧٥.
(٢) منهاج السنة النبوية ٢/٤٣٧.
[ ٣٧٧ ]
وقال ﵀: (لم يكن على عهده ﷺ في الإسلام مشهد مبني على قبر، وكذلك على عهد خلفائه الراشدين، وأصحابه الثلاثة، وعلي بن أبي طالب ومعاوية، لم يكن على عهدهم مشهد مبني لا على قبر نبي ولا غيره) (١) .
الثالث: أن الأنبياء والصالحين لا يقرون أحدًا على الشرك مع قدرتهم على نهيه، فهم في حياتهم ينكرون ما هو أقل من الشرك من المنكرات، وإنكارهم للشرك في حياتهم بهم أو بغيرهم من باب أولى، وقد بينوا لأممهم أنهم يصلى خلفهم في حياتهم، ولا يجوز أن يصلى خلفهم بعد مماتهم.
قال ابن تيمية ﵀: (الصلاة خلف أحدهم من أفضل العبادات في حال حياتهم، وبعد مماتهم: لا يجوز أن يصلى خلف قبورهم، ولا أن تتخذ قبورهم مساجد، ولا تستقبل في الصلاة) (٢) .
الرابع: حرص الصحابة على حماية التوحيد، وسد جميع ذرائع الشرك، والبعد عنها اتباعًا للرسول ﷺ؛ لأن الدين أصله متابعة النبي ﷺ، وموافقته بفعل ما أمرنا به، وشرعه لنا، وسنه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها.
أما الفعل الذي لم يشرعه لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سن لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ، فالدين مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع لنا في كتابه، وبما شرعه رسوله ﷺ في سنته لا بالبدع.
وما وجد في زمن الصحابة في البلاد المفتوحة من المشاهد فإنهم يزيلونها ويسوونها في الحال من غير تأخير (٣) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ١/٤٧٩، وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/٤٣٧، الفتاوى الكبرى ٤/٣٧٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٦٧، ٢٧١.
(٢) الرد على البكري ١/١١٥، وانظر: قاعدة عظيمة ص٣٥.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ١/٤٨٠، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٥٠٤، منهاج السنة النبوية ٢/٤٤٧ - ٤٤٨، وقد ذكر في منهاج السنة ١/٤٨٠ - ٤٨١، قصة أبي موسى الأشعري ﵁ حين كتب لعمر بن الخطاب عن ظهور قبر دانيال بتستر، فكتب إليه عمر أن تحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرًا، وتدفنه بالليل في واحد منها لئلا يفتتن الناس به.
[ ٣٧٨ ]
الخامس: عدم وجود مشاهد، وبناء على القبور في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - ولا في زمن التابعين، ولا في عهد بني أمية، وبني العباس، وإنما ظهر ذلك وكثر بعد ذلك، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، فبنوا المشاهد المكذوبة، وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد، والصلاة عندها، والدعاء عندها، فصار الزنادقة والمبتدعة المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد (١) .
قال ابن تيمية ﵀: (ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور) (٢) .
السادس: أن الإجماع المزعوم من الصحابة على اتخاذ القبور مساجد مردود على قائله، بإجماعهم ﵃ على عدم جواز بناء المساجد على القبور، وهو متفق مع نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة مربوط بموافقته النصوص، لا بمخالفته كل نصوص الكتاب والسنة.
وحين رد ابن تيمية ﵀ قول القائل بتحديد مكان قبر نوح - ﵊ - قال بعد ذلك: (ولو كان قبر نبي، أو رجل صالح لم يشرع أن يبنى عليه مسجد بإجماع المسلمين، وبسنة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه) (٣) .
السابع: أن القائل بإجماع الصحابة على جواز بناء المساجد على القبور مطالب بتصديق دعواه، وذلك بأن يذكر أقوال الصحابة، أو أغلبهم، لإثبات هذا الإجماع المخالف لقول الرسول ﷺ وأنى له أن يجد قولًا واحدًا.
الثامن: أن رواية أحاديث المصطفى ﷺ التي تنهى عن البناء على القبور،
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٦٧، منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٤٨٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٧٧.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٦٢.
[ ٣٧٩ ]
وجعل القبور مساجد، حتى بلغت حد التواتر، والتحديث بها في جيل الصحابة، ثم نقلها إلى جيل التابعين، ومن بعدهم، ولم ينقل لهم معارض أو مخالف، أو متردد في نقل الحديث، وتبليغ هذا الحكم للناس، لهو دليل واضح وكافٍ في أن الإجماع في عصر الصحابة على خلاف ما ذكره المبتدعة، وأهل تعظيم القبور.
التاسع: أن النقول عن الصحابة والتابعين متوافرة على موافقة سنة المصطفى ﷺ.
فقد رأى ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ فسطاطًا (١) على قبر عبد الرحمن (٢) فقال: (انزِعه يا غلام، فإنما يظله عمله) (٣) .
وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ أنه أوصى أن لا يضربوا على قبره فسطاطًا (٤) .
وعن محمد بن كعب (٥) قال: (هذه الفساطيط على القبور محدثة) (٦) .
_________________
(١) الفسطاط: بيت من الشَعر. انظر: لسان العرب لابن منظور ٧/٣٧١ مادة (فسط)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٢/٣٩١ مادة (الفسيط) .
(٢) عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي، تأخر إسلامه، فأسلم وحسن إسلامه، كان شجاعًا راميًا حسن الرمي، شهد اليمامة فقتل سبعة من أكابرهم، ت سنة ٥٣هـ. وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٣٩٩، الإصابة لابن حجر ٣/٤٠٧.
(٣) الحديث رواه البخاري تعليقًا ٣/٢٢٢ كتاب الجنائز، باب الجريدة على القبر، قال ابن حجر في فتح الباري ٣/٢٢٣: (وورد موصولًا عن ابن سعد من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار) .
(٤) أخرج هذا الأثر عبد الرزاق في مصنفه ٣/٤١٨ كتاب الجنائز، وابن أبي شيبة في مصنفه ٤/٣٣٥ كتاب الجنائز، باب في الفسطاط يضرب على القبر، وصحح إسناده الألباني في تحذير الساجد ١٤٣.
(٥) محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي، أبو حمزة، من حلفاء الأوس، سكن الكوفة، ثم المدينة، كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا، ت سنة ١١٨هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: التاريخ الكبير للبخاري ١/٢١٦، تهذيب التهذيب لابن حجر ٩/٤٢٠.
(٦) أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/٣٣٦ كتاب الجنائز، باب في الفسطاط يضرب على القبر، قال الألباني في تحذير الساجد ص١٤٣ (رجاله ثقات غير ثعلبة بن الفرات) .
[ ٣٨٠ ]
وعن عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ أنها قالت بعد روايتها حديث (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت: (فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا) (١) .
وعن أنس (ت - ٩٣هـ) ﵁ قال: (كنت أصلي قريبًا من قبر، فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر) (٢) .
العاشر: أن من جاء بعد الجيل الأول من الأئمة، كان على ما كان عليه سلفهم من الاتباع والتأسي بحبيبهم، وقدوتهم محمد ﷺ.
فقال محمد بن الحسن الشيباني (٣) ﵀: (لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجدًا، أو علمًا، أو يكتب عليه) (٤) .
وقال الإمام الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀: (وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى، أو يصلى إليه) (٥) .
وقال ابن عبد البر (٦) ﵀: (يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٢٥٥ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي ﷺ، ومسلم في صحيحه ١/٣٧٧ كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، وأحمد في مسنده ٦/٨٠ من حديث عائشة ﵂.
(٢) الأثر رواه البخاري تعليقًا ١/٤٣٧، ووصله عبد الرزاق في مصنفه ١/٤٠٤ كتاب الصلاة، باب الصلاة على القبور، وصحح إسناده الألباني في تحذير الساجد ص٣٦.
(٣) محمد بن الحسن بن فرقد، الشيباني بالولاء، أبو عبد الله، الفقيه، الصاحب الثاني لأبي حنيفة، سمع الحديث عن مالك والأوزاعي والثوري، ولي القضاء بعد أبي يوسف، ت سنة ١٨٩هـ. انظر في ترجمته: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص١٢٠ الجواهر المضية للقرشي ٣/١٢٢، الفوائد البهية للكنوي ص١٦٣.
(٤) الآثار ص٨٤، وانظر: الفتاوى الهندية ١/١٦٦.
(٥) الأم ١/٢٤٦.
(٦) ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، أبو عمر النمري القرطبي، الإمام العلامة، صاحب التصانيف السائرة كالتمهيد والاستذكار وغيرها، كان فقيهًا محدثًا، من أئمة المالكية، ت سنة ٤٦٣هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٦/٦٤، شجرة النور الزكية لمخلوف ص١١٩.
[ ٣٨١ ]
والصالحين مساجد) (١) .
وقال ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀: (ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور) (٢)
حتى من جاء بعد ابن تيمية ﵀ من مناوئيه، فضلًا عن مؤيديه ممن يعتقد معتقد السلف، قالوا بحرمة اتخاذ المساجد على القبور، فيرى ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) أن اتخاذ القبور مساجد من الكبائر، وعدها الكبيرة الحادية والعشرين بعد المائة (٣) .
وبعد هذا العرض لأقوال الرسول ﷺ، وأقوال الصحابة والتابعين، وأقوال طائفة من علماء الأمة: هل يبقى شيء من الشك في أن ابن تيمية ﵀ لم يقل إلا بقول الصحابة والتابعين، وسلف الأمة، وأن المخالف لإجماع الصحابة في حرمة بناء المساجد على القبور إنما هم المناوئون أنفسُهم، ولكن أكثرهم لا يعلمون.
إن الصلاة إلى القبور واتخاذها مساجد لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يتوجه المصلي، وينوي هذه الصلاة لصاحب القبر، فيسجد له من دون الله، ويدعوه من دون الله، ويخافه ويرجوه من دون الله فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ
_________________
(١) التمهيد ١/١٦٨.
(٢) المغني ٣/٤٤١.
(٣) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/١٦٥، وانظر: بدع القبور وحكمها لمحمد درامن (رسالة ماجستير ص٦٨ - ٧٢)، إصلاح المساجد من البدع والعوائد للقاسمي ص١٦٤ - ١٦٥.
[ ٣٨٢ ]
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله ﷿ ليس لأحد فيها نصيب غيره، كما قال ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: ٥] .
الحالة الثانية: أن لا تكون الصلاة لصاحب القبر، لكن قصد المكان، إنما هو للتبرك بهذه البقعة - أي القبر - فهذا بدعة، وعده شيخ الإسلام ﵀ محادة لله ولرسوله ﷺ، كما قال:
(إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركًا بالصلاة في تلك البقعة: فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله) (١) .
الحالة الثالثة: أن يصلي عند القبر اتفاقًا لا لقصد شيء: لا لعبادة صاحب القبر ودعائه من دون الله، ولا التبرك بصاحب القبر، وهذا محرم ولا يجوز، لما فيه من التشبه بالمشركين والوسيلة إلى الشرك.
قال ابن تيمية ﵀: (ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور، ولو لم يقصد الصلاة عندها، فلا يقبل ذلك لا اتفاقًا ولا ابتغاء، لما في ذلك من التشبه بالمشركين، والذريعة إلى الشرك) (٢) .
وقال ﵀: (المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز الصلاة فيها) (٣)
وقد رد ﵀ على من ظن من الفقهاء أن تحريم الصلاة عند القبور، لكونه مظنة النجاسة، لاختلاط تربتها بصديد الموتى، ولحومهم.
وذكر أن بعضهم يفرق بين المقبرة الجديدة والقديمة، وبين أن يكون بينه
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٨٠ إذا كان يقصد أن الله جعل فيها بركة ذاتية فهذا شرك أكبر، وإذا كانت البركة بسبب دفن فلان فيها: فهذا شرك أصغر وهو بدعة.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٤٨٨، وانظر: ص٥٠٢.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٤٠.
[ ٣٨٣ ]
وبين التراب حائل، أو لا يكون، وقال: (التعليل بهذا ليس مذكورًا في الحديث، ولم يدل عليه الحديث لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما هي علة ظنوها) (١) .
وذكر أن السبب هو التشبه بالمشركين واليهود والنصارى، ومظنة اتخاذها أوثانًا، كما نقل عن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ قوله: (كره - والله تعالى أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجدًا، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده) (٢) .
فالنهي عن الصلاة إلى القبور لأجل أمرين:
الأمر الأول: النهي عن التشبه بالمشركين، وقد قال ابن تيمية ﵀: (ونهى أن يستقبل الرجل القبر في الصلاة حتى لا يتشبه بالمشركين الذين يسجدون للقبور) (٣) .
الأمر الثاني: سد ذريعة الشرك، قال ﵀: (والسبب الذي من أجله نهي عن الصلاة في المقبرة في أصح قولي العلماء هو سد ذريعة الشرك، كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها) (٤) .
أما الرسول ﷺ فإنه دفن في بيته، ولم يدفن في المسجد، كما أن مسجده ﷺ لم يبن على قبره.
والبيت بما فيه القبر أدخل في المسجد، ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة، فأدخله الوليد بن عبد الملك (٥)، وقد كان يحب عمارة المساجد،
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٥٩، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/٦٧٨.
(٢) الأم ١/٢٤٦.
(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/٣٤٩
(٤) منهاج السنة النبوية ٢/٤٣٩، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٣١٨، الرد على البكري ١/١١٥، الفتاوى الكبرى ٤/٣٦٤، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٣٣٢ - ٣٣٧.
(٥) الوليد بن عبد الملك بن مروان، أبو العباس، أحد ملوك الدولة الأموية في الشام، كثرت الفتوحات في عهده، كان محبًا للعمران، له خدمات جليلة، وكان نقش خاتمه (يا وليد إنك ميت)، ت سنة ٩٦هـ. انظر في ترجمته: الكامل لابن الأثير ٥/٣، شذرات الذهب لابن العماد ١/١١١.
[ ٣٨٤ ]
فأمر عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز (١) ﵀ أن يشتري حجر أزواج النبي ﷺ من ملاكها ورثة أزواج النبي ﷺ.
وأما جابر بن عبد الله ﵁ فقد توفي سنة (٧٨هـ) أي قبل تولي الوليد بن عبد الملك (ت - ٩٦هـ) بثمان سنوات، إذ تولى الخلافة عام (٨٦هـ) .
إن قبر الرسول ﷺ لا يمكن أن يباشر بالعبادة له من دون الله، وذلك استجابة من الله ﷿ دعاء رسوله ﷺ بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، ولذلك قال ابن القيم (ت - ٧٥١هـ) ﵀:
ولقد نهانا أن نصير قبره عيدًا حذار الشرك بالرحمن
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنًا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحًا باللعن يصرخ فيهم بأذان
وعنى الأُلى جعلوا القبور مساجدًا وهم اليهود وعابدوا الصلبان
والله لولا ذاك أبرز قبره لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمتنع السجود له على الأذقان (٢)
ومما قاله ابن تيمية ﵀ في ذلك: (كان النبي ﷺ لما مات دفن في حجرة عائشة ﵂، وكانت هي وحجر نسائه في شرقي المسجد وقبليه، لم يكن
_________________
(١) عمر بن عبد العزيز: بن مروان بن الحكم الأموي، أبو حفص، الخليفة الصالح، والملك العادل، وولي إمارة المدينة في عهد الوليد بن عبد الملك، ولي الخلافة بعهد من سليمان بن عبد الملك بعده سنة ٩٩هـ، ت سنة ١٠١هـ. انظر في ترجمته: فوات الوفيات للكتبي ٣/١٣٣، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥/١١٤.
(٢) الكافية الشافية (النونية) انظر: شرح النونية لهراس ٢/٢١٢، وانظر: الرد على الأخنائي لابن تيمية ص١٠٢.
[ ٣٨٥ ]
شيء من ذلك داخلًا في المسجد، واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر الصحابة بالمدينة) (١) .
وقال ﵀: (لما أدخلت الحجرة في مسجده المفضل في خلافة الوليد بن عبد الملك بنوا عليها حائطًا وسنموه، وحرفوه لئلا يصل أحد إلى قبره الكريم ﷺ) (٢) .
وأما حديث أبي الهياج الأسدي، فلا شك في ثبوته، فكل ما ورد في صحيح مسلم ﵀ فهو صحيح، والمغالطة في صحة أحاديثه، مخالفة للقطعيات، وخرق لما عليه إجماع الأمة من تلقيه بالقبول، واتباع غير سبيل المؤمنين.
قال مسلم (ت - ٢٦١هـ) ﵀ عن كتابه الصحيح: (لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث، فمدارهم على هذا المسند) (٣) .
وقال ابن الصلاح (٤) ﵀: (جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر ؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع) (٥) .
وحين تحدث السخاوي (٦) ﵀ عن المفاضلة بين الصحيحين قال بعد
_________________
(١) الجواب الباهر ص٩، وانظر: المغني لابن قدامة ٣/٤٤١.
(٢) الجواب الباهر ص١٢، وانظر ص٧١ - ٧٤، قاعدة عظيمة ص٨٨ - ٨٩، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٤٠ - ١٤١.
(٣) انظر: صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط لابن الصلاح ص٦٨.
(٤) ابن الصلاح: عثمان بن صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكردي الشافعي، أبو عمرو، الإمام الحافظ، من كبار الأئمة، ت سنة ٦٤٣هـ. انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٣٠، النجوم الزاهرة للأتابكي ٦/٣٥٤.
(٥) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط ص٨٥.
(٦) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي الشافعي، فقيه مقريء، محدث مؤرخ، له مؤلفات كثيرة في الفرائض والحساب، والتفسير وغيرها، ت سنة ٩٠٢هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٨/١٥.
[ ٣٨٦ ]
ذلك: (وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث) (١) .
وأما معنى الحديث فيذكره ابن تيمية ﵀ بقوله: (أمره بمحو التمثالين: الصورة الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره، فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا) (٢) .
وأما علة النهي عن البناء على القبور: فهو سد ذريعة الشرك، ولذلك استدل ابن تيمية ﵀ بهذا الحديث حين قال:
(ولما كان هذا مبدأ الشرك في النصارى، وفي القبور، سدّ النبي ﷺ ذريعة الشرك) (٣) .
وقد ذكر ﵀ أن تعظيم القبور عند من يعظمها من المنتسبين إلى الإسلام، ولم ينقد إلى شرع الله فيها، أدى بهم إلى الشرك بالله ﷿ فبعضهم يعتقد أن زيارة شيخه مرة أفضل من عشر حجج، ومنهم من إذا سافر إلى مكان يضاف إلى نبي يُحرم إذا ذهب إليه كما يحرم الحاج، ومنهم من يستقبل قبر شيخه إذا صلى، ويستدبر الكعبة، ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذه الحالات موجودة عند كثير من أعيان العباد والزهاد.
وأما غير هؤلاء فمنهم من يصلي إلى القبر، ومنهم من يسجد له، ومنهم من يسجد من باب المكان المبني على القبر، ومنهم من يستغني بالسجود لصاحب القبر عن الصلوات الخمس.
ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني، وانصرني إلى أمثال هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله (٤) .
ولورود النهي الصريح من الرسول ﷺ بعدم اتخاذ القبور مساجد، وعدم
_________________
(١) فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي ١/٣٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧/٤٦٢.
(٣) قاعدة عظيمة ص٤٧.
(٤) انظر: قاعدة عظيمة ص٧٢ - ٧٣.
[ ٣٨٧ ]
البناء عليها؛ فإن شيخ الإسلام ﵀ ينقاد إلى هذه الأحاديث طائعًا متبعًا ليقول بحرمة بناء هذه المساجد المبنية على القبور فمن قوله: (المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز الصلاة فيها، وبناؤها محرم) (١)، وقد استدل بنهي النبي ﷺ عن اتخاد المساجد على القبور بقوله: «فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٢) .
وقال ﵀: (لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها) (٣) .
ولأن المسجد المبني على القبر قد قام أساسه على غير طاعة الله ﷿، وعلى معصية الرسول ﷺ، فإنه يتعين إزالته وهدمه، حتى تسد ذريعة الشرك، وحتى لا يتشبه الناس بالمشركين، وحتى لا يغرر الجهلة به، أو المارة فيصلون فيه وهم لا يشعرون بوجود قبر بداخله، إضافة إلى امتثال أمر الرسول ﷺ ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد.
قال ابن تيمية ﵀: (هذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم: يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين) (٤) .
وقال: (قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر) (٥) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٤٠.
(٢) تقدم تخريجه ص٤٤٢ - ٤٤٣.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٤٨٨.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٧٥.
(٥) تفسير سورة الإخلاص (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧/٤٦٣) .
[ ٣٨٨ ]