مناقشة الدعوى
يتميز الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - بميزات عن غيرهم من سائر البشر، قد اختصهم الله بها تشريفًا لهم ورفعة منزلة.
وليس الأمر فقط في قبورهم، بل حتى في قبض أرواحهم، فهم صلوات الله وسلامه عليهم يأتيهم ملك الموت يستأذنهم في قبض أرواحهم، ويخيرهم.
ومن ذلك ما روته عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة»، ثم يُحيا - أو يخير - فلما اشتكى، وحضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: «اللهم في الرفيق الأعلى»، فقلت: إذًا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح) (١) .
وعن أبي سعيد (ت - ٧٤هـ) ﵁ (أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: «عبدٌ خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده»، فبكى أبو بكر وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به) (٢) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، رقم الحديث ٤٤٣٧.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٥٥٨ كتاب الصلاة باب الخوخة والممر في المسجد، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٤ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، واللفظ له.
[ ٣٩٢ ]
وللأنبياء خصائص عديدة في قبورهم لا يشركهم فيها أحد غيرهم، قد أقر بها ابن تيمية ﵀ وأوْضَحَهَا، إلا أن الإشكال عند المناوئين لابن تيمية ﵀ أنهم يعادون عقيدة السلف كاملة عن طريق القدح في أعلامها، والدعاة إليها، فهم يتهمون ابن تيمية ﵀ بهذه التهمة؛ لأنه لم يوافقهم على بدعهم الضالة الباطلة، فهو لا يقول بجواز التوسل بالرسول ﷺ بعد مماته، ولا الاستغاثة به، وما دام الأمر كذلك فقد افتروا عليه بأنه يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء وقبور غيرهم (١) .
وقبل بيان بعض خصائص الرسول ﷺ بعد دفنه، ينبه ابن تيمية ﵀ إلى بعض التنبيهات المهمة ومنها:
١ - أنه لا يشرع لقبره أي جنس من أنواع العبادات لم تشرع لغيره من القبور، بل لا يعمل عند قبره إلا ما يعمل عند قبور غيره من حيث السلام على المقبور والدعاء له (٢) .
٢ - أن السلام على الرسول ﷺ عند قبره ليس من خصائصه، بل هو كالسلام على غيره من المؤمنين، فليس لهذا السلام مزية عن غيره من القبور.
يقول ابن تيمية ﵀: (وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرًا كما يصلي على من صلى عليه عشرًا) (٣) .
٣ - عدم جواز شد الرحل، والسفر إلى قبره، وقبور غيره من الأنبياء كغيرها من قبور المؤمنين، للنهي العام عن شد الرحل إلا إلى المساجد الثلاثة،
_________________
(١) انظر: جلاء العينين للألوسي ص٤٦٢.
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/٨٢٥.
(٣) الرد على الأخنائي ص١٣٣.
[ ٣٩٣ ]
وعدم وجود دليل ينص على جواز شد الرحل لزيارة قبر النبي ﷺ، قال ابن تيمية ﵀: (أما السفر إلى مجرد زيارة قبر الخليل، أو غيره من مقابر الأنبياء والصالحين ومشاهدهم وآثارهم فلم يستحبه أحد من أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم) (١) .
٤ - أنه لا يجوز التوسل بالرسول ﷺ بعد مماته في قبره، ولا بث الشكوى إليه، والاستغاثة به، أو الاستشفاع به عند الله، وهذا ما سيتضح تفصيلًا في الفصل القادم.
٥ - أن قبور الأنبياء لا تستلم، ولا يتمسح بها، ولا يمرغ الخد عليها، ولا تستحب الصلاة عندها لذاتها، ولا تجوز الصلاة إليها، ولهذا يقول شيخ الإسلام - غفر الله له -: (اتفق السلف على أنه لا يستلم قبرًا من قبور الأنبياء وغيرهم، ولا يتمسح به، ولا يستحب الصلاة عنده، ولا قصده للدعاء عنده، أو به؛ لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان) (٢) .
٦ - أن الداعي لا يتحرى الدعاء عند القبر لظنه أن الدعاء يستجاب في هذه البقعة أكثر منه في غيرها، بل نص العلماء على خلاف ذلك كما قال ابن تيمية ﵀:
(ومع هذا لم يقل أحد منهم إن الدعاء مستجاب عند قبره، ولا أنه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجهًا إلى قبره ﷺ، بل نصوا على نقيض ذلك، واتفقوا كلهم على أنه لا يدعى مستقبل القبر) (٣) .
وقال - أيضًا - بعد أن ذكر أن الدعاء عند بقعة - بحكم الاتفاق لا قصدًا - فإنه لا بأس به: (الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٢/٢١٩.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٣١.
(٣) الفتاوى الكبرى ٤/٣٦٢.
[ ٣٩٤ ]
هناك أجوب منه في غيره، فهذا النوع منهي عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب) (١) .
وإذا سلم الزائر لقبر النبي ﷺ فإنه لا يشرع له أن يحدث دعاء جديدًا خاصًا بقبر المصطفى ﷺ (٢) .
وبعد هذه التنبيهات المهمة التي ينبه عليها ابن تيمية ﵀ كثيرًا في كتبه، يحسن أن أذكر وأتلمس بعض الخصائص التي يتميز بها الرسول ﷺ وهو في قبره عن غيره من آحاد المسلمين أو الصالحين، وذلك باستعراض ما كتبه شيخ الإسلام في هذا المجال من فتاوى، أو مباحث ومؤلفات، فإلى بعض الخصائص:
الأولى: أن قبره ﷺ لايوصل إليه، بل هو داخل حجرته، ويسلم عليه الزائر لمسجده من بعد، فلا يستطاع الوصول إلى قبره الشريف، ولهذا قيل في أحد تخريجات كراهة مالك (ت - ١٧٩هـ) قول بعض الناس: زرت قبر النبي ﷺ؛ لأن الزيارة الحقيقية التي يقف الزائر فيها على قبر المزور غير متحققة في قبر نبينا ﷺ ويوضح ابن تيمية ﵀ هذا المعنى بقوله: (ومما يوضح هذا أن الشخص الذي يقصد اتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه، بل يوسع المكان ليسع الزائرين، ومن اتخذه مسجدًا جعل عنده صورة محراب، أو قريبًا منه، وإذا كان الباب مغلقًا جعل له شباكًا على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه.
وقبره ﷺ بخلاف هذا كله: لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من الوجوه، ولا قبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر، بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له) (٣) .
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٦٨٣.
(٢) انظر: الرد على الأخنائي لابن تيمية ص١٠٦.
(٣) الرد على الأخنائي ص١٠٢، وانظر: قاعدة عظيمة ص٤٤.
[ ٣٩٥ ]
وقال في كلام له نفيس: (لا تمكن زيارة قبره، فإنه دفن في بيته، وحجب قبره عن الناس، وحيل بين الزائر وبين قبره، فلا يستطيع أحد أن يزور قبره كما تزار سائر القبور
ولهذا لم ينقل عن أحد من السلف أنه تكلم بزيارة قبره فإن ذلك غير ممكن، ولهذا كرهها من كرهها؛ لأن مسماها باطل) (١) .
مع أن الصلاة والسلام على الرسول ﷺ عند قبره حسنٌ، لكن لو تمكن الناس منها لاتخذوها عيدًا، ولأدت إلى الشرك، ولهذا نهي عن القرب من قبره، ودخول حجرته ﷺ (٢) .
الثانية: أن الأنبياء لا يبلون، فلا تأكل الأرض أجسادهم، ولذلك فإن تراب قبورهم طاهر، ودليل ذلك ما رواه أوس بن أوس (٣) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أكثروا عليّ من الصلاة فيه - أي يوم الجمعة -، فإن صلاتكم معروضة علي»، قال رجل: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يعني بليت - قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٤) .
يقول ابن تيمية ﵀: (مقابر الأنبياء لا تنتن، بل الأنبياء لا يبلون، وتراب قبورهم طاهر) (٥) .
الثالثة: أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وقد دفن نبينا محمد ﷺ في
_________________
(١) قاعدة عظيمة ص٦٨ - ٦٩.
(٢) انظر: قاعدة عظيمة ص٧٠، الجواب الباهر ص٩، الرد على الأخنائي ص١٠٢.
(٣) أوس بن أوس الثقفي، صحابي جليل، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/٥٠، الاستيعاب لابن عبد البر ١/٧٩، الإصابة لابن حجر ١/٧٩.
(٤) الحديث أخرجه أبو داود في سننه ١/٦٣٥ كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة، وابن ماجه في سننه ١/٥٢٤ كتاب الجنائز، باب وفاته ودفته ﷺ واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/٢٧٣.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/١٦٠.
[ ٣٩٦ ]
مكانه الذي مات فيه، في بيته، في حجرة عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ (١) .
ويروى في هذا حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يقبر نبي إلا حيث يموت» (٢) .
الرابعة: أن الرسول ﷺ يدعى له من بعد ومن قرب، ويسلم عليه - أيضًا - من بعد ومن قرب، بخلاف غيره، فإنه لا يسلم عليه إلا عند قبره، وسلامنا على الرسول ﷺ من بُعد أو قرب يبلغه ﷺ ويعرض عليه، وهذا ما دلت عليه النصوص:
كقوله ﷺ: «إن لله ﷿ ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٣) .
وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤) .
قال ابن تيمية ﵀: (وقد أمرنا الله أن نصلي عليه، وشرع لنا ذلك في كل صلاة أن نثني على الله بالتحيات، ثم نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وهذا السلام يصل إليه من مشارق الأرض ومغاربها، وكذلك إذا صلينا عليه فقلنا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم
_________________
(١) انظر: الرد على الأخنائي ص١٠٢.
(٢) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه ١/٥٢٠، كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ، وأحمد في مسنده ١/٢٠٦ - ٢٠٧ تحقيق الأرناؤوط. وقال الأرناؤوط: حديث قوي بطرق، وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن ٢/٢٩٠ - ٢٩١.
(٣) الحديث أخرجه النسائي في سننه ١/٣٨٠ كتاب الصلاة، باب التسليم على النبي ﷺ وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/٤٣٤.
(٤) الحديث أخرجه أبو داود في سننه ٢/٥٣٤ كتاب المناسك، باب زيارة القبور. وقال السيوطي: حديث صحيح. انظر: صحيح الجامع ٢/١٢١١.
[ ٣٩٧ ]
إنك حميد مجيد) (١) ) (٢) .
فالرسول ﷺ يشعر بالسلام عليه، ويبلغ به من قبل الملائكة.
قال ﵀: (وأما كون النبي ﷺ يشعر بالسلام عليه، فهذا حق، وهو يقتضي أن حاله بعد موته أكمل من حاله قبل مولده) (٣) .
وقال - أيضًا -: (فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة والسلام يعرضان عليه، وأن ذلك يصل حيثما كنا) (٤) .
لكن هل يسمع صلاة وسلام البعيد أم يعرضان عليه، وتبلغه بهما الملائكة؟.
الصواب الذي عليه عامة أهل العلم، وهو مقتضى الأحاديث الصحيحة: أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه.
وأما قول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد فممتنع.
فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة.
وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وليس لأحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم (٥) .
وأما سلام القريب: فإن الذي يسلم على الرسول ﷺ، فإنه ﵊ يسمعه بخلاف البعيد، كما قال ابن تيمية ﵀: (لكن إذا صلى وسلم
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٤٠٧ - ٤٠٨ كتاب الأنبياء، باب يزفون النسلان في المشي، ومسلم في صحيحه ١/٣٠٥ كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي بعد التشهد.
(٢) الجواب الباهر ص٨ - ٩.
(٣) الرد على البكري ١/٦٤.
(٤) الرد على البكري ١/١١٩.
(٥) انظر: الرد على الأخنائي ص١٣٤.
[ ٣٩٨ ]
عليه من بعيد بلغ ذلك، وإذا سلم عليه من قريب سمع هو سلام المسلم عليه) (١) .
وقال ﵀ عن المصطفى ﷺ: (إنه يسمع سلام القريب، ويبلغ سلام البعيد وصلاته) (٢) .
لكن السلام على الرسول ﷺ الذي تعبدنا الله به في الصلاة أفضل من السلام عليه ﷺ عند قبره.
وهذا مما يدل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة أن السلام الذي لا يوجب الرد كما في الصلاة، أفضل من السلام الذي يوجب الرد.
والسلام الذي لا يوجب الرد هو الذي يسلم الله على العبد بكل مرة عشرًا، وأما السلام الموجب للرد فإنه ﷺ يرد على المسلم، كما كان يرد السلام على من سلم عليه في حياته؛ ولأن السلام الذي لا يوجب الرد مأمور به في الصلاة، وفي كل صلاة، وأما السلام الذي يوجب الرد فهو في مكان مخصوص، وفي زمن مخصوص لا يحصل إلا في بعض الأوقات، فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكن أحدهم يأتي إلى القبر ويسلم على الرسول ﷺ كلما دخل المسجد النبوي؛ لأنه غير مأمور به شرعًا.
ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق المسلم عمومًا فيشرك الرسول ﷺ غيره في هذا السلام، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ولهذا كان الصحابة والتابعون يعلمون أن السلام والصلاة غير الموجبة للرد أفضل من الذي يرد جوابه (٣) .
ومن وجهة أخرى: فإن رد الرسول ﷺ السلام على من سلم عليه لا يوجب الدعاء له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، وهذا معلوم بالضرورة،
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٢/٤٤٣، وانظر: الرد على الأخنائي لابن تيمية ص٣١.
(٢) الرد على البكري ١/١٢٠.
(٣) انظر: قاعدة عظيمة لابن تيمية ص٤٢ - ٤٣.
[ ٣٩٩ ]
فقد كان المنافقون يسلمون عليه ﷺ ويرد عليهم، ويرد على المسلمين أصحاب الذنوب وغيرهم، ولكن السلام فيه أمان (١) .
الخامسة: أن ما يفعله الناس في زيارة غير قبر الرسول ﷺ عند قبور من يزورونهم، من السلام والدعاء، فإنه يفعل مثله وأكثر منه للرسول ﷺ في مواضع متعددة من العبادات المأمور بها، كالصلوات الخمس، وبعد الأذان، وعند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وعند كل دعاء، فلا يختص السلام على الرسول أو الصلاة عليه عند قبره فقط، بل قد تبين أن الصلاة والسلام على الرسول عند غير قبره أفضل منه عند قبره.
قال ابن تيمية ﵀: (وأما النبي ﷺ فله خاصة لا يماثله أحد من الخلق، وهو أن المقصود عند قبر غيره من الدعاء له هو مأمور في حق الرسول ﷺ في الصلوات الخمس، وعند دخول المساجد، والخروج منها، وعند الأذان، وعند كل دعاء) (٢) .
السادسة: أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وحياتهم أكمل من حياة الشهداء، إذ أثبت الله - سبحانه - حياة الشهداء بقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] .
أما المفترون على ابن تيمية ﵀ بأنه لا يرى حياة الأنبياء فهذا باطل، بل هو صرح بحياتهم في قبورهم، لكن لما لم يوافقهم ﵀ على ما ابتدعوه في الدين من جواز التوسل به بعد موته، أو الاستغاثة به، قالوا: بأنه لا يرى حياة الأنبياء في قبورهم؛ لأن هذا لازم حياة الأنبياء - كما يزعمون -.
قال ابن تيمية ﵀ بعد أن تحدث عن تحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد
_________________
(١) انظر: الرد على الأخنائي لابن تيمية ص١٠٦ - ١٠٧.
(٢) الجواب الباهر ص٢٣.
[ ٤٠٠ ]
مستدلًا بكلام الرسول ﷺ: (فهذه نصوصه الصريحة توجب تحريم اتخاذ قبورهم مساجد، مع أنهم مدفونون فيها، وهم أحياء في قبورهم) (١) .
ودليل حياة الأنبياء في قبورهم قوله ﷺ: «الأنبياء أحياء في قبورهم» (٢) .
ولكن هل هذه الحياة في القبور حياة حقيقية لها لوازمها من الحاجة إلى الأكل والشرب وفعلهما، والنوم والحركة وغيرها، أم أنها حياة خاصة يقصد بها تشريف الأنبياء، وتخصيصهم عن غيرهم بمنزلة لم تكن لغيرهم؟.
أقول بادئ الأمر: إن الله ﷾ قد أخبر وأثبت في كتابه العزيز موت الرسول ﷺ بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] .
وقام أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁ بعد موت الرسول ﷺ، في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) (٣) .
فموت الأنبياء حق، وانقطاع أحكام الدنيا عنهم بعد موتهم لا مرية فيه، حتى المخالف يقر بذلك، ولكن ما هذه الحياة البرزخية التي تكون للأنبياء بعد موتهم؟
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٥٠٢.
(٢) الحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده ٦/١٤٧ رقم ٣٤٢٥ من حديث أنس بن مالك، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢١١: رجاله ثقات، وانظر: المطالب العالية لابن حجر ٣/٢٦٩ أحاديث الأنبياء.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٩ كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذًا خليلًا. وكتاب الجنائز رقم (١١٦٥) .
[ ٤٠١ ]
بعد معرفتنا أن الأنبياء يموتون، وأن أحكام الدنيا لا يقومون بها بعد موتهم.
إن الحديث عن البرزخ من علم الغيب، والحديث عن تفصيلات تعلق الروح بالبدن في البرزخ هو من علم الغيب - أيضًا -، ما لم يرد نص صحيح صريح يبين هذه التفصيلات ويذكرها لنا، وإلا فالتوقف هو المنهج السوي، ورد العلم إلى عالمه أسلم وأعلم وأحكم.
لكن أهل العلم ذكروا أن للروح مع البدن تعلقات بحسب أحوالها:
أحدها: تعلق الروح بالبدن في بطن الأم للجنين.
الثاني: تعلق الروح بالبدن بعد خروجه إلى وجه الأرض مستيقظًا.
الثالث: تعلق الروح بالبدن في حال النوم، فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه.
الرابع: تعلق الروح بالبدن في البرزخ - وهذا ما نحن نبحث فيه -، فإن الروح إذا فارقت البدن بالموت وتجردت عنه، فإنها لا تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها التفات إليه ألبتة، بل الأحاديث والآثار تدل على أن الميت ترد روحه وقت سلام المسلم عليه، وهذا الرد إعادة خاصة، لا يوجب حياة البدن إلى يوم القيامة.
وحياة الشهداء في هذه المرحلة أكمل من حياة غيرهم من سائر المؤمنين، وحياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء.
الخامس: تعلق الروح بالبدن يوم البعث، وهذا أكمل أنواع تعلق الروح بالبدن، فهو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا (١) .
فأرواح الأنبياء في البرزخ في أعلى عليين، وهم متفاوتون في منازلهم في العلو، إلا أن أرواحهم لها تعلق بأجسادهم وأبدانهم، فترد إليها إذا سلم عليهم
_________________
(١) انظر: الروح لابن القيم ص٦٧، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ٢/٥٧٨ - ٥٧٩.
[ ٤٠٢ ]
المسلم ليردوا ﵍ (١) .
وبعد ذلك يمكن أن يجاب على من قال بأنه ﷺ حي حياة في قبره كحياته الدنيوية بأجوبة عدة منها:
١ - أن من زعم أن الحياة البرزخية كالحياة الدنيا فقد كذب وظلم، فمن أبرز الفروق بين حياة البرزخ، وحياة الدنيا، أن الحي في الدنيا يحتاج إلى الأكل والشرب، والحركة والسكون، والنوم واليقظة، والكلام والرد، والأخذ والإعطاء، وكل هذا منتف في الحياة البرزخية، وأما إذا استثنى أولئك هذه الأمور فنقول: إن التخصيص لا بد له من مخصص، فلا بد من دليل يخرج هذا الفرع عن أصله، والبعض عن كلِّه ولا دليل لهم.
٢ - لو كان الرسول ﷺ حيًا حياة كحياته الدنيوية لما ساغ له أن يبقى تحت الأرض، ولكنها سنة الله في الموتى، فلما انتفت الحياة الحقيقية بالموت ثبتت الحياة البرزخية مباشرة.
٣ - يلزم من القول بحياة الرسول ﷺ حياة كحياته في الدنيا أن يبقى يسمع أصحابه يختلفون في كثير من الأمور، ولكنه ﷺ عاجز عن النطق وعن رد الجواب لمن سأله متلهفًا على سماع ذلك منه، وهذا وصف له بالنقص والعجز.
٤ - يلزم من القول بحياة الأنبياء كحياتهم الدنيوية، أن يكون لهم ثلاث موتات، ولغيرهم موتتان؛ لأنه بعد النفخ في الصور النفخة الأولى لا يبقى أحد ممن هو على وجه الأرض حيًا، وقد قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، ولم يرد دليل من الكتاب والسنة على أن الله يبعث النبي للناس من قبره قبل يوم القيامة.
_________________
(١) انظر: الروح لابن القيم ص١٨٤.
[ ٤٠٣ ]
٥ - يلزم من القول بحياة الأنبياء حياة كالحياة الدنيوية تكذيب الرسول ﷺ في أقواله، ومثال ذلك قوله ﷺ: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (١) .
٦ - ومما يلزم من ذلك - أيضًا -: تكذيب الصحابة في إقرارهم وتصديقهم بموت الرسول ﷺ، وأنهم دفنوه حيًا، وأنه ﵊ قد جنى على نفسه حين مكنهم من نفسه وهو حي قادر على البيان والبلاغ.
٧ - أما من استدل على حياة الرسول ﷺ بأن عقد نكاحه على أزواجه باق، بحيث لا يجوز لأحد أن يتزوج منهن، فهذا ليس فيه دليل على حياة الرسول ﷺ في قبره، بل ذلك خصوصية له ﷺ حيث حرم على المؤمنين أن ينكحوا أزواجه من بعده كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ دليل على موته وقد أمر الله رسوله الكريم ﵊ أن يخير أزواجه بين أن يبقين معه ويردن الله ورسوله والدار الآخرة، وبين أن يقدمن الحياة الدنيا وزينتها، فيفارقنه فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة فكان جزاؤهن أن يكن أمهات المؤمنين في الدنيا، وأزواج الرسول ﷺ في الدنيا والآخرة فلا يحل لأحد من المؤمنين أن ينكحهن بعد رسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] .
٨ - وأما من قال بأن رد السلام من شأن الأحياء؛ لأن شأن الأموات حين
_________________
(١) الحديث أخرج البخاري في صحيحه ١٣/٢٧٧ كتاب الاعتصام، باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين، ومسلم في صحيحه ٣/١٣٧٩ كتاب الجهاد، باب قول الرسول ﷺ: لا نورث ما تركناه صدقة.
[ ٤٠٤ ]
ترد روح الرسول ﷺ إليه، فيجاب عنه بأن هذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن رد الروح مفاده قبضها قبل ذلك، ثم إن رد الروح إنما هو بقدر رد السلام على من سلم عليه، وهذا ليس من خصائص الرسول ﷺ بل هو عام لكل من سلم على أحد قبور الموتى من المؤمنين (١) .
وعلى كلٍ: فالرسول ﷺ حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كنهها إلا الله ﷿ وهذه الحياة أكمل من حياة الشهداء.
_________________
(١) انظر: جلاء العينين للآلوسي ص٤٦٢ - ٤٦٣، شرح نونية ابن القيم لهراس ص٧ - ٢١ وقد ذكر ابن القيم ﵀ في نونيته أغلب الردود، أوضح الإشارة للنجمي ص٢٣٤. ٤/٦٥ مادة (الوسيلة) .
[ ٤٠٥ ]