مناقشة الدعوى
حين يزعم المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه أول من قال بتحريم التوسل بالذوات مطلقًا، أو الأموات مطلقًا، أو الأحياء فيما لا يقدرون عليه، أو في مغيبهم، فليس هذا افتراءً على ابن تيمية ﵀ وحده، بل هي فرية على القرون السبعة الأولى أنهم يحرمون ما أجازه الله ورسوله، ثم هو افتراء على الحبيب المصطفى ﷺ، من غير دليل صحيح فيتبع، أو أثر فيقتفى، فليس في الكتاب العزيز، ولا السنة المطهرة أي دليل يجيز أو يشير إلى إباحة هذا التعلق بالذوات، والتجاء القلب إلى المخلوق وترك الخالق.
وابن تيمية ﵀ قد أخذ عهدًا على نفسه أن لا يقول بأي قول جديد لم يسبقه إليه صحابة رسول الله ﷺ، وتابعوهم، ومن جاء بعدهم من سلف الأمة الأخيار، فهو متبع لا مبتدع، ويرى أنه قد كُفي بمن سبقه؛ بما بينوا وأوضحوا من غوامض النصوص، ودقائق المسائل.
يقول ﵀ عن نفسه: (المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء، فإن كان يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء) (١) .
ثم قال: (فمن كان يسلك هذ المسلك كيف يقول قولًا يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟ فهل يتصور أن يكون الإجماع واقعًا في مورد النزاع؟) (٢) .
_________________
(١) الرد على الأخنائي ص١٩٥.
(٢) الرد على الأخنائي ص١٩٥.
[ ٤٣١ ]
ثم بيّن ﵀ السبب في تسرع بعض الناس إذا وجد قولًا أو قولين حكم بالإجماع بأنه ناتج عن الظن الفاسد، والجهل بأقوال أهل العلم، مما ينتج عنه عدم معرفة مظان الإجماع فيقول: (لكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم علمه النزاع، وهو مخطيء في هذا الظن لا مصيب، ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي) (١) .
وإذا ادعى مدع أن غيره خالف الإجماع فلا يقبل قوله إلا إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك؛ لأن دعوى الإجماع من علم خاصة العلماء الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء، وغاية الأمر أن مدعي الإجماع لا يعلم منازعًا في المسألة، لا أنه يجزم بنفي المنازع؛ لأن عدم العلم لا يعني العلم بالعدم (٢) .
ومن زعم أن ابن تيمية ﵀ قد خالف الإجماع، فإن هذه الدعوى تقلب عليه لينقلب مدحورًا، فيطالب بدليل واحد من القرآن يبيح ما أفتى ابن تيمية بحرمته، أو بدليل من السنة، أو بقول أحد من الصحابة، أو التابعين، أو المشهود لهم بالعلم والتقى والاعتقاد الحق من سلف الأمة، ولن يجدوا حتى يلج الجمل في سم الخياط، فلم يخالف ابن تيمية ﵀ إلا أهواء المبتدعة، وتحريفهم لمعاني نصوص الكتاب والسنة، وأغاليطهم على سلف الأمة.
فالإجماع على خلاف ما ذكروه، كما يقول ﵀: (ثم سلف الأمة، وأئمتها، وعلماؤها إلى هذا التاريخ سلكوا سبيل الصحابة في التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين، ولم يذكر أحد منهم في ذلك التوسل بالأموات، لا من الرسل ولا من الأنبياء، ولا من الصالحين.
فمن ادعى أنه علم هذه التسوية التي جهلها علماء الإسلام، وسلف الأمة، وخيار الأمم، وكفّر من أنكرها، وضلله: فالله تعالى هو الذي يجازيه
_________________
(١) الرد على الأخنائي ص١٩٥.
(٢) انظر: الرد على الأخنائي لابن تيمية ١٩٤ - ١٩٥.
[ ٤٣٢ ]
على ما قاله وفعله) (١) .
ومن باب ذكر المثال ممن تقدم ابن تيمية ﵀ من السلف على تحريم التوسل، ما نقله فقهاء الحنفية عن أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ﵀ وصاحبه أبي يوسف (٢)،
﵀ من أنهما يحرمان التوسل بحق فلان، أو بحق الأنبياء والرسل (٣) .
وحين يلزم ابن تيمية ﵀ في باب العبادات التوقيف؛ فما ورد فإنه يقبل، وما لم يرد فإنه يرفض ويرد، فإن المناوئين لا تعجبهم هذه المنهجية الدقيقة؛ لأنها تحجر عليهم كثيرًا من بدعهم، ومخترعاتهم في الشرع، فيزعم زاعم أنه ربما وقعت بعض أنواع التوسل التي ينكرها ابن تيمية لكنها لم تنقل إلينا، وبعضهم يرى أن ابن تيمية يتيه في بيداء العدم حين يلتزم بهذه المنهجية (٤) .
لكن هذه المزاعم مرفوضة: فلو وقعت أنواع من التوسل غير ما ذكر في الأحاديث والآثار الصحيحة لنُقل أيضًا؛ لأن الشرع محفوظ فقد نقل الصحابة ما هو أدق من هذا الموضوع المهم، فكيف يجمع الصحابة ويطبقون على عدم
_________________
(١) الرد على البكري ١٢٦ - ١٢٧.
(٢) أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم، القاضي، المشهور بأبي يوسف، صاحب أبي حنيفة، ت سنة ١٨٣هـ. انظر في ترجمته: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص٩٠، الجواهر المضية للقرشي ٣/٦١١.
(٣) انظر: حاشية الدر المختار لابن عابدين ٢/٦٣٠، شرح الإحياء للزبيدي ٢/٢٨٥. لكن المخالفين يتبعون أهواءهم، فكلما وجد نص من سلف الأمة وأئمتها يخالف ما قررته عقولهم وأهواؤهم، فإنهم يعطلون هذا النص بزعمهم أنه ربما لم يبلغ هذا العالم الأدلة الأخرى التي تخالف هذا القول، انظر: على سبيل المثال المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية للحبشي ص١١١.
(٤) انظر: حكم الإسلام في التوسل بالأنبياء والأولياء ﵉ لمخلوف ص٣٦، التوسل بالنبي لحامد مرزوق ص١١٤.
[ ٤٣٣ ]
نقله: إما أن يكونوا جهلة، أو أنهم يكتمون الحق لغرض في نفوسهم، وكلا الأمرين باطل ممتنع، فلا يبقى إلا القول بأنه لم يقع في عهد رسول الله ﷺ، ولا عهد الصحابة شيء من ذلك ويقرون عليه.
ويجاب عنهم - أيضًا -: بأن هذه العبارة وهي قولهم: إنه يتيه في بيداء العدم يلزم منها عدم كمال الدين، وعدم تبليغ الرسول ﷺ البلاغ المبين، حتى يجتهد أولئك في اختراع عبادات لم تكن في عهد الرسول ﷺ، على احتمال أن تكون وقعت ولم تنقل إلينا، وقد أخبر الله بكمال الدين في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
لكن المناوئين لابن تيمية: لا يقولون بهذا إلا فيما يخالف أهواءهم، وإلا فهم يذكرون عن مسائل أنها لا تجوز لعدم ورودها، ومع ذلك لا يرد بعضهم على بعض فيها، وهذا يدل على أنهم يتبعون أهواءهم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
مثال ذلك قول ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ): (أنكر العز بن جماعة (١) هذا الموقف كالعَود بعد السلام على الشيخين ﵄ (٢) إلى موقفه الأول محتجًا بأن واحدًا منهما لم يرد عن الصحابة، ولا التابعين) (٣) وأقره عى هذا.
وقال - أيضًا -: (ويظن من لا علم له أنه - أي الانحناء للقبر الشريف - من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض له؛ لأنه لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعهم) (٤) .
_________________
(١) العز بن جماعة: عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي المصري الحموي الأصل، الحافظ، ولي قضاء الديار المصرية، وجاور الحجاز فمات بمكة سنة ٧٦٧هـ. انظر في ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي ١٠/٧٩، الدرر الكامنة لابن حجر ٢/٤٨٩.
(٢) أبي بكر وعمر ﵄ في الزيارة.
(٣) الجوهر المنظم ص١٢٧ - ١٢٨.
(٤) الجوهر المنظم ص١٦١.
[ ٤٣٤ ]
والمناوئون يسلكون كل الطرق لإقناع الناس بشبهاتهم وبدعهم، ومن عجيب أمرهم مع ابن تيمية ﵀ أن قال بعضهم بأنه يرى التوسل البدعي!، ويوافق عليه، فإذا أجاز التوسل بدعائه، فقد أجاز التوسل بذاته، وأن ابن تيمية أثبت جواز التوسل بالنبي ﷺ دون تفريق أو تفصيل بين حياته وموته، وحضوره وغيابه (١) .
وهذا من عجائب المناوئين، فلا يدرون: أيقولون بأنه يمنع التوسل البدعي: تحذيرًا لمن يضللونه من ابن تيمية، أم يقولون بأنه يقول بقولهم ويوافقهم: ويحرفون النصوص لأجل ذلك؛ إثارة للفتنة، وتلبيسًا على العامة.
وأما التوسل بالشخص سواء كان نبيًا أو وليًا صالحًا، فلم يمنع ابن تيمية ﵀ ذلك، وإنما قال: إن هذا اللفظ فيه إجمال واشتراك: -
فإن أريد به التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، والتوسل بدعاء الصالحين في حياتهم فهذا جائز.
وأما إن أريد به: التوسل بذات النبي ﷺ، أو ذوات الصالحين في حياتهم أو بعد مماتهم فهذا غير جائز، ولا يقره ابن تيمية ﵀ ولا السلف السابقون.
فقال ﵀ عن الأول الجائز: (دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع، إذا جعل الله تعالى المحل قابلًا له) (٢) .
وقال عن دعاء الصالحين بعد ما بين أن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء الرسول ﷺ في حياته: (فهذا كان توسل الصحابة به في حياته، فلما مات توسلوا بدعاء غيره، كدعاء العباس، وكما استسقى معاوية، بيزيد بن الأسود
_________________
(١) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص٥٥ - ٥٧، وانظر مناقشته في: هذه مفاهيمنا لآل الشيخ ص٨٣ - ٨٥.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٤٠.
[ ٤٣٥ ]
الجرشي (١) (٢) .
وقال عن الثاني الممنوع، وهو التوسل بذات النبي ﷺ، أو ذوات الصالحين: (وأما التوسل بدعائه وشفاعته - أي الرسول ﷺ - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل هو بذاته، لكان هذا أولى من التوسل بالعباس) (٣) .
وأما استدلال المناوئين باستسقاء عمر (ت - ٢٣هـ) بالعباس (ت - ٣٢هـ) ﵄ على جواز التوسل بالذوات، وبالصالحين، فهو استدلال ظاهر البطلان، وذلك من جوه:
١ - أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا، ويدل بعضها على بعض، وحديث توسل عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ مما يتفق فيه المبتدعة وأهل السنة على تقدير محذوف فيه، ولكن ما هو هذا التقدير في قوله: (كنا نتوسل إليك بنبينا.. وبعم نبينا) .
أما المناوئون، فيرون أن المحذوف تقديره: بجاه نبينا، وقد بينا بطلان التوسل بالجاه - كما تقدم -.
وأما أهل السنة فيرون أن تقدير المحذوف: بدعاء نبينا، وبدعاء العباس، وهذا تقدم بيانه ويوضحه الوجوه القادمة - أيضًا -.
٢ - أن الصحابة إذا أجدبوا، واحتاجوا الماء كان من عملهم أن يأتوا إلى الرسول ﷺ في حياته فيطلبون منه أن يدعو الله لهم، وأن يسأل الله إنزال الغيث فيفعل ذلك رسول الله ﷺ مرارًا.
_________________
(١) يزيد الجرشي: يزيد بن الأسود الجرشي، أبو الأسود، صحابي، أدرك الجاهلية، وكان من العباد الخُشّن، وعداده في الشاميين. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٦٠، الإصابة لابن حجر ٣/٦٧٣.
(٢) قاعدة عظيمة ص٧٧.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٨٢.
[ ٤٣٦ ]
ولم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - إذا احتاجوا إلى المطر والسقيا يذهبون إلى بيوتهم ويمكثون فيها، ويقولون: اللهم بنبيك محمد اسقنا الغيث، وهذا معلوم لمن نظر واستبصر بالنصوص.
٣ - أن قول عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) معناه: أننا توسلنا بأمر يقدر عليه العباس (ت - ٣٢هـ)، ولا يقدر عليه رسول الله ﷺ، وهو الدعاء في هذا الوقت بعد وفاة الرسول ﷺ، فطلبنا منه أن يدعو لنا لتغيثنا، فالتوسل بالعباس (ت - ٣٢هـ) ممكن، والتوسل برسول الله ﷺ بعد وفاته غير ممكن، ولهذا عدل عمر (ت - ٢٣هـ) عن التوسل برسول الله ﷺ إلى التوسل بعمه العباس (ت - ٣٢هـ) .
قال ابن تيمية ﵀: (لو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى من توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم.
فهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل به، والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره؟.
وهل كانوا وقت النوازل والجدب يَدَعونه ويأتون العباس؟) (١) .
٤ - ليس من المعقول أن يقر الصحابة عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ على الانصراف عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بغيره، ولم ينكروا عليه، فيلزم أحد أمرين:
(إما أن يكون المهاجرون والأنصار جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق. أو أنهم سلكوا في مطلوبهم أبعد طريق) (٢) .
٥ - لو كان التوسل بالذوات بعد الممات ممكنا - كما يقوله المبتدعة - لكان العدول عن التوسل بالنبي ﷺ إلى العباس (ت - ٣٢هـ) في أصعب الظروف
_________________
(١) الرد على البكري ص١٢٦.
(٢) الرد على البكري لابن تيمية ص١٢٦.
[ ٤٣٧ ]
سخفًا ترفضه العقول السوية، خاصة وأنهم يقولون بحياة الأنبياء في قبورهم حياة حقيقية كحياتهم الدنيوية.
٦ - أن الحديث بين أن عمر بن الخطاب (ت - ٢٣هـ) كان إذا قحطوا، استسقى بالعباس (ت - ٣٢هـ) .
وفي هذا اللفظ إشارة إلى تكرار استسقاء عمر (ت - ٢٣هـ) بالعباس (ت - ٣٢هـ) ﵄، وليس من باب التعليم للناس بجواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.
٧ - أن الآثار قد بينت دعاء العباس (ت - ٣٢هـ) ﵁ ربه في الاستسقاء، وفي هذا رد على من قال إن التوسل كان بذاته لا بدعائه.
٨ - لو كان التوسل بذات العباس (ت - ٣٢هـ) وجاهه عند الله، لما جاز أن يترك التوسل بذات الرسول ﷺ وجاهه، لجاه غيره وذاته.
٩ - أن عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ قد أُمرنا بالاقتداء به شرعًا، كما قال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (١) .
وقوله ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٢) .
وقد وافق القرآن مرات عديدة.
فعدوله ﵁ عن التوسل بالرسول ﷺ بعد مماته، إلى التوسل بدعاء غيره هو من سنة الخلفاء الراشدين (٣) .
_________________
(١) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه ١/١٥ - ١٦، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، والدارمي في سننه ١/٤٤ - ٤٥ المقدمة، باب اتباع السنة، وصححه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه ١/١٣.
(٢) الحديث أخرجه الترمذي في سننه ٥/٦٠٩ كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄، وابن ماجه في سننه ١/٣٧ المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، وصححه الألباني. انظر: صحيح الجامع ١/٢٥٤، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٢٣٣ - ٢٣٦.
(٣) انظر: التوسل للألباني ص٥٥ - ٧٠، التوسل للحميدي (رسالة ماجستير) ص١٣٨ - ١٤٨، وانظر: الرد على البكري لابن تيمية ص١٢٤، ٢٣٣، اقتضاء الصراط المستقيم له ٢/٦٨٤.
[ ٤٣٨ ]
وأما سؤال الخلق فهو قسمان: سؤال الخلق في حياتهم، وسؤال الخلق بعد مماتهم.
أما سؤال الخلق: فهو في الأصل محرم، ويجوز في حالات، وتركه توكلًا أفضل كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، أي ارغب إلى الله لا إلى غيره.
وعن عوف بن مالك (١) أن النبي ﷺ بايع طائفة من أصحابه وأسرّ كلمة خفية أن لا تسألوا الناس شيئًا.
قال عوف: (فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه) (٢) .
ومن الحالات التي يجوز فيها أن يسأل المرء غيره شيئًا:
١ - إن كان له عند غيره حق من دين أو عين كالأمانات فله أن يسألها ممن هي عنده.
٢ - وللرجل أن يطلب حقه من أموال الغنائم من ولي أمر المسلمين.
٣ - وكذلك سؤال النفقة لمن تجب له: كالزوجة والأولاد.
٤ - وأمور البيع والشراء: البائع يطلب الثمن، والمشتري يطلب السلعة.
٥ - ومن السؤال ما لا يكون مأمورًا به، إلا أن المسؤول مأمور بإجابة السائل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠]، وقال:
_________________
(١) عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، أسلم عام خيبر، ونزل حمص، شهد الفتح، وكانت معه راية أشجع، وسكن دمشق، آخى النبي بينه وبين أبي الدرداء، ت سنة ٧٣هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/١٣١، الإصابة لابن حجر ٣/٤٣.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٧٢١ كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس.
[ ٤٣٩ ]
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] .
وقد يكون السؤال منهيًا عنه نهي تحريم أو تنزيه، وإن كان المسؤول مأمورًا بإجابة سؤاله، فالنبي ﷺ كان من كماله أن يعطي السائل، وإن كان نفس سؤال السائل منهيًا عنه، قال ابن تيمية ﵀ في ذلك: (ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئًا من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم، وإن كانوا قد يطلبون منه أن يدعو للمسلمين) (١)، وضرب لذلك دليلًا بقول عمر (ت - ٢٣هـ) لرسول الله ﷺ في نحر بعض الدواب خوف ملاقاة العدو وهم جياع: (إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها، ثم تدعو الله بالبركة، فإن الله يبارك لنا في دعوتك) (٢) .
ومن السؤال ما يكون مأمورًا به، ويكون المسؤول مأمورًا بإجابته - أيضًا - لمن كان عنده إجابته كسؤال العلم، فإن الله أمر بسؤال العلم، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .
وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه، أو يدعو له فلم يؤمر به (٣) .
وأما من طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله مثل أن يطلب شفاء مريضه، أو وفاء دينه، أو عافية أهله، أو غفران ذنبه، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن
_________________
(١) قاعدة جليلة ص٦٠.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام ٥/١٢٨، ومسلم في صحيحه ١/٥٥ - ٥٦ كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، بنحوه.
(٣) انظر: تفصيل الأقسام الماضية في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص٥٨ - ٦٦.
[ ٤٤٠ ]
تطلب إلا من الله ﷿ فلا تطلب لا من ملك ولا نبي ولا ولي (١)، وهي نوع من الشرك.
وأما سؤال الخلق بعد مماتهم: فلا يجوز مطلقًا لا سؤال الأنبياء، ولا الأولياء، ولا غيرهم من باب أولى، كما قال ابن تيمية ﵀: (وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب بل ولا مباح (٢)، ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة؛ لأن ذلك فيه مفسدة راجحة، وليس فيه مصلحة راجحة) (٣) .
وقال: (لا يجوز أن يُسأل الميت شيئًا، لا يطلب منه أن يدعو الله ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يُشكى إليه شيء من مصاب الدنيا والدين) (٤) .
والأنبياء والصالحون لا يقرون أحدًا يعبدهم أو يغلو فيهم في حياتهم وهم يعلمون، بل ينهون عن ذلك ويعاقبونهم عليه، كما قال الله - ﷿ - عن عيسى - ﵊ -: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] .
وهذا شأن أنبياء الله وأوليائه، وإنما يقر الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علوًا في الأرض وفسادًا، كفرعون ونحوه، ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد.
والفتنة بالأنبياء والصالحين واتخاذهم أربابًا، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم (٥) .
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٦٧.
(٢) فهو من المحرمات الشركية.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٧١ - ٧٢.
(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٩٥، وانظر: الرد على البكري ص٢٣١.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٨٠ - ٨١.
[ ٤٤١ ]
وبالجملة؛ فإن سؤال الخلق فيه ثلاث مفاسد، ويجتمع فيه أنواع الظلم الثلاثة:
فالمفسدة الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك.
والثانية: مفسدة إيذاء المسؤول، وهي من نوع ظلم الخلق.
وأما الثالثة: فهي مفسدة الذل لغير الله، وهو ظلم النفس (١) .
وأما من دعا المخلوقين من دون الله فقد أشرك (٢)، ولا يوجد نص عن نبي أنه أمر بدعاء الملائكة، ولا بدعاء الموتى من الأنبياء والصالحين، فضلًا عن دعاء تماثيلهم، فإن هذا من أصول الشرك. الذي نبهت عليه الرسل (٣) .
وقد أمر الله بدعائه وحده - سبحانه - فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
وقال - سبحانه -: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] .
ولا يجوز صرف الدعاء إلا لله؛ لأن الدعاء عبادة يصحبها محبة، ورغبة، وخضوع للمدعو، وقد قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (٤) .
_________________
(١) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص٦٦، قاعدة عظيمة له ص٧٨، الرد على البكري له ص١٠٣.
(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٤/٤٦٢، وانظر: الفصل الحاسم للقصيمي ص٩٠ - ١٠١، والمقصود بالدعاء أي دعاء الأموات والغائبين كما تدل عليه الأمثلة والأدلة كما سيأتي بيانه.
(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٥/٧٤.
(٤) الحديث أخرجه الترمذي في سننه ٥/٤٥٦ كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في سننه ٢/١٢٥٨ كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/٦٤١.
[ ٤٤٢ ]
ويعجب ابن تيمية ﵀ من كثير من الناس الذين نهوا عن الصلاة عند القبور سدًا لذريعة الشرك، ثم هو يقصد الدعاء عندها، ويرى أن الدعاء عندها مظنة الإجابة، فكيف بمن يدعو صاحب القبر من دون الله (١)؛ ولذا لم يكن الصحابة يطلبون من الرسول ﷺ بعد موته الدعاء، ولا يدعونه من دون الله (٢) .
إن دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم وفي مغيبهم: هو من الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولًا، ولا أنزل به كتابًا، وقد قال الله ﷿: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى: ٢١]، وهذا الأمر ليس واجبًا، ولا مستحبًا باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين (٣) .
وأما مسألة حياة الأنبياء في قبورهم، فقد بينت - سابقًا - القول الصواب فيها، وأنها حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء في قبورهم، لكنها ليست كالحياة الدنيوية.
وأما ما يروى من توسل الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ بأبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ﵀ فهذه: -
١- حكاية كغيرها من الحكايات التي تروى عن مجاهيل لا يعرفون، ليس لها أصل ولا سند.
٢ - أن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبته، ولم يكن هذا العمل معروفًا على عهد الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) .
٣ - أن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ قد رأى بالحجاز واليمن والشام والعراق وغيرها من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده.
_________________
(١) انظر: قاعدة عظيمة ص٥٧.
(٢) انظر: قاعدة عظيمة لابن تيمية ص١٢٨.
(٣) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص٢٥.
[ ٤٤٣ ]
٤ - أن أصحاب أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) الذين أدركوه مثل أبي يوسف (ت - ١٨٣هـ) ومحمد بن الحسن (ت - ١٨٩هـ) وزفر (١)، والحسن بن زياد (٢)، وطبقتهم: لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ)، ولا عند قبر غيره.
٥ - أن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ ثبت عنه ما يدل على نهيه عن تعظيم القبور، مثل قوله: (وأكره أن يبني على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى، أو يصلى إليه) (٣) .
وأيضًا: (كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين - يعني يتخذ قبره مسجدًا -، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد) (٤) .
وبهذا يتبين أن هذه القصة مكذوبة عليه، فلم يكن في عهده ذلك، وإنما وجدت هذه الأمور - أي تعظيم القبور والتوسل بأصحابها - لما تغيرت أحوال الإسلام في المائة الرابعة (٥) .
_________________
(١) زفر بن الهذيل بن قيس البصري، كان أبو حنيفة يجله ويعظمه، ويقول هو أقيس أصحابي، كان ثقة مأمونًا، دخل البصرة فتشبت به أهلها، ومنعوه من الخروج منها، ت سنة ١٥٨هـ. انظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصميري ص١٠٣، الجواهر المضية للقرشي ٢/٢٠٧، الفوائد البهية للكنوي ص٧٥.
(٢) الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، أبو علي، من أصحاب أبي حنيفة، فقيه ولي القضاء في الكوفة، ثم استعفى، ت سنة ٢٠٤هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ٧/٣١٤، الجواهر المضية للقرشي ٢/٥٦، الفوائد البهية للكنوي ص٦٠.
(٣) الأم ١/٢٤٦.
(٤) الأم ١/٢٤٦.
(٥) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/٦٩٢ - ٦٩٣، قاعدة عظيمة له ١٦١ - ١٦٢.
[ ٤٤٤ ]