مناقشة الدعوى
يستمر المناوئون لابن تيمية ﵀ في كيل الدعاوى عليه بدون نقد ولا تمحيص، فيقوّلونه ما لم يقل، ويبحثون عن الأدلة الصحيحة فيصرفون دلالتها عن ما هي عليه، ويستدلون بالأحاديث الضعيفة، والقصص، والحكايات المكذوبة، نصرة للبدعة، وحربًا للسنة وأهلها.
وقد ظن المناوئون لابن تيمية ﵀ حين يزعمون أنه أول من منع التوسل بالنبي بعد وفاته أنهم قد قدحوا فيه، ورموه بالعظائم، ولم يعلموا أن هذه شهادة له بحسن المعتقد، وقوة البصيرة في الدين، وإن كان هناك قدح فهو في القرون السبعة السابقة التي رميت وافتري عليها بأنها تقول بجواز التوسل بالنبي بعد موته، وهي لم تقل.
ولهذا يعجب ابن تيمية ﵀ حين يناظره مخالفوه، ويعرضون عليه مسائل عدة، يرون أنه خالف الإجماع فيها فيقول: (أن لفظ (كم) يقتضي التكثير، وهذا يوجب كثرة المسائل، التي خرق المجيب فيها الإجماع) (١) .
ثم يبين عدم خرقه الإجماع بقوله: (والذين هم أعلم من هذا المعترض، وأكثر اطلاعًا اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع، كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا، ومن الاستدلال فقهًا وحديثًا ما لم يطلع عليه) (٢) .
_________________
(١) الرد على الأخنائي ص١٩٥.
(٢) الرد على الأخنائي ص١٩٥.
[ ٤٤٩ ]
ثم ذكر: (أن المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء) (١) .
وأما التوسل بالرسول ﷺ قبل خلقه فهذا من عجائب المبتدعة التي يقذفون بها على العامة، فيصدقهم من يصدقهم، ويعصم الله أهل السنة فيبعدهم عنها، ويكشف لهم كذبها وزيفها، وهذا من حفظه لهم - ﷾ -.
وعمدة القائلين بالتوسل بالرسول ﷺ قبل وجوده على أحاديث، وقصص وحكايات عن الأنبياء السابقين، وأنهم يتوسلون بمحمد ﷺ، وهي كلها كذب، لا يصح منها شيء ألبتة، يقول ابن تيمية ﵀:
(وهذه القصص التي يذكر فيها التوسل عن الأنبياء بنبينا ليست في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة، وإنما تذكر مرسلة، كما تذكر الإسرائيليات التي تروى عمن لا يعرف) (٢) .
وأما توسل آدم بنبينا محمد ﷺ قبل خلقه: فهو حديث ضعيف سندًا ومتنًا.
أما السند ففيه: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ وهذا مجمع على ضعفه:
قال يحيى بن معين (ت - ٢٣٣هـ): بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء (٣) .
وقال أبو زرعة (ت - ٢٦٤هـ): ضعيف الحديث (٤) .
وقال النسائي (ت - ٣٠٣هـ): ضعيف (٥) .
_________________
(١) الرد على الأخنائي ص١٩٥.
(٢) الرد على البكري ص٦٥، وانظر في مناقشة المناوئين في استدلالهم ببعض الأحاديث على التوسل البدعي: البروق النجدية للقصيمي، التوسل الممنوع لعبد الباسط حسين.
(٣) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٤/١٥٨١، ميزان الاعتدال للذهبي ٢/٢٦٤.
(٤) انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/٢٣٤.
(٥) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٢/٢٦٤.
[ ٤٥٠ ]
وضعفه على بن المديني (١) جدًا (٢) .
وقال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ): (كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته.. فاستحق الترك) (٣) .
وقال البيهقي (ت - ٣٥٨هـ): (تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف) (٤) .
وقال الذهبي (ت - ٧٤٨هـ): ضعفوه (٥) .
وقال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ): ضعيف (٦) .
وأما عن إخراج الحاكم (٧) لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتصحيحه الإسناد (٨)، فهذا له وقفات:
١ - أن تصحيح الحاكم (ت - ٤٠٥هـ)، وتفرده به لا يعتد به، قال فيه ابن تيمية في نقده إخراجه هذا الحديث في مستدركه: (وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث، وهي موضوعه مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث) (٩) .
_________________
(١) علي بن المديني: علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، أحد الأعلام الأثبات، الحافظ، له نحو مائتي مصنف، من أعلام العلماء بالعلل والرجال، ت سنة ٢٣٤هـ. انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/٢٢٥، طبقات الشافعية للسبكي ٢/١٤٥.
(٢) انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٥/٢٨٤ - ٢٨٥، تهذيب التهذيب لابن حجر ٦/١٧٨.
(٣) المجروحين ٢/٥٧ - ٥٩.
(٤) دلائل النبوة ٥/٤٨٩.
(٥) الكاشف ٢/١٦٤.
(٦) تقريب التهذيب ١/٤٨٠.
(٧) الحاكم: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، يعرف بابن البيّع، من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه، له كتب كثيرة أشهرها: المستدرك على الصحيحين، ت سنة ٤٠٥ هـ. انظر في ترجمته: لسان الميزان لابن حجر ٥/٢٣٢ - ٢٣٣، الرسالة المستطرفة للكناني ص١٧.
(٨) المستدرك، كتاب التاريخ ٢/٦١٥.
(٩) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٦٩.
[ ٤٥١ ]
وذكر أمثلة لتصحيحه بعض الأحاديث وهي غير صحيحة ثم قال: (ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه، وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه) (١) .
٢ - أخرج الحاكم (ت - ٤٠٥هـ) في مستدركه حديثًا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ولم يصحح إسناده، وإنما قال: (الشيخان ﵄ لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم) (٢)، وهذا تناقض.
٣ - أن الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ لم يوافق الحاكم (ت - ٤٠٥هـ) في تصحيحه هذا الإسناد، وإنما قال في تلخيص المستدرك: (بل موضوع، وعبد الرحمن واه) (٣) .
وهناك علة ثانية في السند: وهي الجهالة، فالسند فيهم من لم يعرف، كما قال الهيثمي (٤): (فيه من لم أعرفهم) (٥) .
وفي السند: عبد الله بن مسلم الفهري: فقد ذكر الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) في ترجمته هذا الحديث ووصفه بأنه: (خبر باطل) (٦)، ووافقه ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) (٧) .
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٧٠.
(٢) المستدرك، كتاب معرفة الصحابة ٣/٣٣٢.
(٣) انظر: تلخيص المستدرك ضمن المستدرك ٢/٦١٥.
(٤) الهيثمي: علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، المصري القاهري، حافظ له كتب وتخاريج في الحديث منها مجمع الزوائد، وترتيب الثقات لابن حبان، وزوائد ابن ماجه على الكتب الخمسة، ت سنة ٨٠٧هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٧/٧٠، الضوء اللامع للسخاوي ٥/٢٠٠.
(٥) مجمع الزوائد ٨/٢٥٣ وانظر: التوسل للألباني ص١٢٤.
(٦) ميزان الاعتدال ٢/٥٠٤.
(٧) لسان الميزان ٣/٣٥٩ - ٣٦٠.
[ ٤٥٢ ]
وهناك - أيضًا - علة ثالثة في السند: وهي اضطراب عبد الرحمن، ومن دونه في إسناده، فتارة يروونه مرفوعًا، وتارة موقوفًا على عمر (ت - ٢٣هـ) عن عبد الله بن إسماعيل بن أبي مريم، وعبد الله هذا لا يعرف (١) .
وأما المتن: فعليه ملحوظتان:
الأولى: أن ظاهر الحديث ينص على أن مغفرة الخطيئة كانت بسبب توسل آدم بنبينا محمد ﷺ، وهذا مخالف لنص القرآن الكريم، إذ المغفرة كانت بسبب الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، قال ﷿: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقيل: إن الكلمات هي ما ذكر في قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] .
قال ابن تيمية ﵀: (أخبر أنه تاب عليه بالكلمات التي تلقاها منه، وقد قال تعالى: ﴿﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآية) (٢) .
الثانية: أن الحديث فيه زيادة: (ولولا محمد ما خلقتك) وهذه الزيادة تخالف القرآن الكريم، حيث نص على أن الحكمة من خلق الجن الإنس هي عبادة الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
وبعد هذا: فإن توسل آدم بمحمد - عليهما الصلاة والسلام - ليس بصحيح، والحديث مكذوب، لا يصح الاحتجاج به، كما قال ذلك ابن تيمية ﵀ (٣) .
وأما الحال الثاني: وهو التوسل بالرسول ﷺ في حياته: فالمراد به
_________________
(١) انظر: التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص١٢٤، وانظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص١٧٥.
(٢) الرد على البكري ص١٠.
(٣) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٦٦ - ١٧٠، الرد على البكري ص١٠، وقد حكم عليه الألباني بالوضع في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٣٨.
[ ٤٥٣ ]
التوسل بدعاء الرسول ﷺ لا بذاته، وكان هذا هو المفهوم الصحيح لكلام الصحابة - رضوان الله عليهم - في معنى التوسل بالرسول ﷺ: أنه توسل بدعائه لا بذاته، كما قال ابن تيمية ﵀: (وأما التوسل بالنبي ﷺ، والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته) (١) .
والسبب في خلط بعض المتأخرين، وعدم معرفتهم مقاصد ألفاظ الصحابة: أن لفظ التوسل دخل فيه من تغيير لغة الرسول ﷺ وأصحابه، ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم.
والعلم يحتاج إلى نقل مصدّق، ونظر محقق، والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله ﷺ (٢) .
وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطلبون من الرسول ﷺ في حياته أن يدعو للمسلمين إذا نزل بهم بلاء عام، أو فاقة، كطلبهم منه ﷺ أن يستسقي لهم، ولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: (وكانوا في حياته إذا أجدبوا توسلوا بنبيهم ﷺ، توسلوا بدعائه، وطلبوا منه أن يستسقي لهم) (٣) .
ثم ذكر حديث ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ وهو قوله: (ربما ذكرت قول الشاعر وأنا انظر إلى وجه الرسول ﷺ:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى، عصمة للأرامل
ورسول الله ﷺ يستسقي على المنبر، فما نزل حتى يجيش له ميزاب) (٤) .
_________________
(١) قاعدة جليلة ص٨٠.
(٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص١٥٨ - ١٥٩.
(٣) قاعدة عظيمة ص٧٥.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجمعة، رقم ١٠٠٩. وأما البيت فهو لأبي طالب عم الرسول ﷺ، انظر: فتح الباري لابن حجر ٢/٤٩٦، السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٧٧. وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٦٨.
[ ٤٥٤ ]
وأما المنع من التوسل بالذات فسببه: أن الذات ليست سببًا ولا وسيلة لإجابة الدعاء، فتوسلنا بها لا ينفع؛ لأنها ليست وسيلة مشروعة لإجابته، يقول ابن تيمية ﵀: (وأما إذا لم نتوسل إليه - سبحانه - بدعائهم ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم: لم تكن ذواتهم سببًا يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولًا عن النبي ﷺ نقلًا صحيحًا، ولا مشهورًا عن السلف) (١) .
وأما حديث الضرير: فهو حديث صحيح (٢)، لكن النقاش في دلالة الحديث: فليس فيه ما يريدون تقريره من جواز التوسل بجاه الموتى وذواتهم، وذلك يتضح بأمور منها:
١ - أن الحديث فيه التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، ذلك أن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ، وطلب منه الدعاء بقوله: (ادع الله أن يعافيني)، فطلب الأعمى هو دعاء الرسول له؛ لأنه يعلم أن دعاء الرسول ﷺ أرجى للقبول.
٢ - أن النبي ﷺ فهم من الأعمى أنه يطلب الدعاء، ولذا خيره بين أن يدعو له، أو أن يصبر، فاختار الدعاء، خلافًا للمرأة التي بها مس، فخيرها النبي ﷺ بين أن يدعو لها، أو أن تصبر: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك.
فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف) (٣) .
٣ - أن الأعمى أصر على طلبه وقال: (بل ادع) وهذا ما يؤكد أنه توسل بدعاء الرسول ﷺ في حياته.
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٧٥، وانظر ص١٣١، الفتاوى الكبرى ٤/٣٦٥.
(٢) انظر: الرد على البكري ص١٣٠، وصححه الألباني في التوسل ص٧٥ - ٧٦.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض، حديث ٥٦٥٢ واللفظ له، ومسلم في صحيحه ٢/٦٣٧ كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى.
[ ٤٥٥ ]
٤ - أنه لو كان توسل الأعمى بجاه النبي ﷺ، أو بذاته، لما احتاج أن يأتي النبي ﷺ، ويطلب منه الدعاء، بل كان يكفيه أن يبقى في بيته، ويتوسل إلى الله بذات النبي وجاهه، لكنه لم يفعل، فدل على أنه طلب دعاء النبي ﷺ.
٥ - أن قوله: (فشفعه فيّ) معناه: اقبل دعاءه في، ولا يصح أن يحمل على التوسل بالذات، أو الجاه، أو الحق.
قال ابن تيمية ﵀: (وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وهو طلب من النبي ﷺ الدعاء وقد أمره النبي ﷺ أن يقول: (اللهم شفعه فيّ)، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ﷺ) (١) .
٦ - أن معنى قوله: (وشفعني فيه): أي أقبل شفاعتي ودعائي، وهذه الجملة من الحديث لا يستطيع المبتدعة أن يجيبوا عنها، مع أنها ثابتة صحيحة كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀ (٢) .
٧ - أن هذا الحديث آية من آيات النبي ومعجزة من معجزاته ﷺ، ولذا رواه البيهقي (ت - ٤٥٨هـ) في دلائل النبوة (٣)، كما قال ابن تيمية ﵀: (هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق، والإبراء من العاهات، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره) (٤) .
٨ - أنه لو كان توسل الأعمى بذات الرسول ﷺ وجاهه، وحقه، لا بدعائه،
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١١٥.
(٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٩٨.
(٣) ٦/١٦٦ - ١٦٨، باب تعليم الضرير ما كان فيه شفاؤه فيه، ولم يصبر، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة.
(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٨٥ - ١٨٦.
[ ٤٥٦ ]
لكان كل أعمى من الصحابة، ومن بعدهم، إلى هذا الزمان، يتوسل إلى الله بذات النبي ﷺ، وجاهه، وحقه عند الله، ولن يبقى بعد ذلك أعمى.
كما قال ابن تيمية ﵀: (لو كان أعمى (١) توسل به، ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة، أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى) (٢) .
وقال: (ولو أن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى، وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي ﷺ وإلى زماننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى) (٣) .
وفي الجملة: فإن الذي يرى أن توسل الأعمى بالرسول المقصود به دعاء الرسول فهو الموافق لمعنى الحديث، وهو العامل به على الحقيقة، كما يقول ابن تيمية ﵀: (فإنا بالحديث عاملون، وله موافقون، وبه عالمون، والحديث ليس فيه إلا أنه طلب حاجته من الله ﷿، ولم يطلبها من مخلوق، ونحن إلى الله - تعالى - نرغب، وإياه نسأل، فهو المدعو المسؤول، كما أنه المعبود المستعان لا نشرك به شيئًا (٤)، وقد قال - تعالى -: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] .
وأما الحال الثالث: وهو التوسل به ﷺ وهو في قبره في الحياة البرزخية، - أي بعد مماته - فلم يكن أحد من الصحابة يتوسل به بعد موته ﷺ، ولم ينقل هذا عن أحد من الأئمة نقلًا صحيحًا، كما صرح بهذا ابن تيمية ﵀ مرارًا (٥) .
_________________
(١) في الرد على البكري ص١٣٠ لو كان كل أعمى، وزيادة لفظة كل تستقيم بها الجملة.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٦٠.
(٣) الرد على البكري ص١٣٠.
(٤) الرد على البكري ص١٣٠ - ١٣١.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١/١٣٩ الفتاوى الكبرى ١/٣٤٩، ٤/٣٦٥، الرد على البكري ص٣٤٩، ٣٤١، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٧، ٢١٠، ٢٤٥، ٢٦٠.
[ ٤٥٧ ]
وأما قصة أم علي بن أبي طالب ﵁، فهي ضعيفة، وعلتها: روح بن صلاح، وفيه ضعف.
قال ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ): (في بعض حديثه نكرة) (١) .
وقال الدارقطني (ت - ٣٨٥هـ): (ضعيف الحديث) (٢) .
وقال ابن ماكولا (٣):
(ضعفوه) (٤) .
وذكر الذهبي (ت - ٦٤٨هـ) أن ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) ضعفه (٥) .
وقال أبو نعيم (٦): (لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به) (٧) .
وقال الهيثمي (ت - ٨٠٧هـ): (فيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح) (٨) .
وأما توثيق ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ)، والحاكم (ت - ٤٠٥هـ) له، وانفرادهما بهذا التوثيق فليس بحجة، وقد بينت سابقًا موقف أهل العلم من تفرد الحاكم (ت - ٤٠٥هـ) بالتوثيق، وأما ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) فهو متساهل أيضًا في التوثيق، فتراه
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/١٠٠٥ - ١٠٠٦.
(٢) انظر: لسان الميزان لابن حجر ٢/٤٤٦.
(٣) ابن ماكولا: علي بن هبة الله بن علي بن جعفر البغدادي العجلي، يعرف بابن ماكولا، أبو النصر، أمير مؤرخ، من العلماء الحفاظ الأدباء، سافر إلى الشام ومصر وما وراء النهر، وقتله مماليكه طمعًا في ماله سنة ٤٨٦ هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٦٦، فوات الوفيات للكتبي ٣/١١٠.
(٤) انظر: لسان الميزان لابن حجر ٢/٤٤٦.
(٥) انظر: ميزان الاعتدال ٢/٥٨.
(٦) أبو نعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم، حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، ولد ومات بأصبهان، من مؤلفاته: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة، ت سنة ٤٣٠ هـ. انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٧٥، طبقات الشافعية للسبكي ٤/١٨.
(٧) حلية الأولياء ٣/١٢١، ترجمة عاصم بن سليمان الأحول.
(٨) مجمع الزوائد ٩/٢٥٧.
[ ٤٥٨ ]
يوثق المجاهيل، حتى الذين يصرح هو نفسه أنه لا يدري من هو ولا من أبوه؟ (١) .
ولذا فإن تفردهما بالتوثيق لا يقبل أمام جرح غيرهما، حتى وإن كان جرح غيرهما مبهمًا (٢)
وأما حديث عائشة بنت الصديق (ت - ٥٨هـ) ﵂ وعن أبيها - فهو ضعيف لا يحتج به (٣)، لأمور منها:
أ - ضعف السند ففيه سعيد بن زيد، وهو لا يحتج به، فكان يحيى بن سعيد (٤) يضعف حديث سعيد جدًا (٥) .
وقال النسائي (ت - ٣٠٣هـ) وغيره: ليس بالقوي (٦) .
وقال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ): (كان صدوقًا حافظًا، ممن كان يخطىء في الأخبار، ويهم في الآثار حتى لا يحتج به إذا انفرد) (٧) .
وقال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ): (صدوق له أوهام) (٨) .
وفيه محمد بن الفضل أبو النعمان، ويقال له عارم، وهذا صدوق اختلط في آخر عمره، وتغير فلا يدري ما يحدث به، فوقعت المناكير الكثيرة في روايته، وإذا لم يعلم التمييز بين سماع المتقدمين والمتأخرين منه: يترك الكل، ولا يحتج بشيء منه (٩) .
_________________
(١) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ص١/٣٢.
(٢) انظر: التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص١١٢.
(٣) انظر: الرد على البكري ص٦٧.
(٤) القطان: يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، أبو سعيد، من حفاظ الحديث، ثقة حجة، من أقران مالك وشعبة، بصري، ت سنة ١٩٨هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ١٤/١٣٥، الجواهر المضية للقرشي ٣/٥٨٧.
(٥) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٣/١٢١٣.
(٦) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٢/١٣٨.
(٧) المجروحين ١/٣٢٠.
(٨) تقريب التهذيب ١/٢٩٦.
(٩) انظر: المجروحين لابن حبان ٢/٢٩٤، وإن كان الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/٨، بعد نقله توثيق الدارقطني لمحمد بن الفضل وجزم بأنه لم يحدث بعد تغيره، قد نقل كلام ابن حبان، ورد عليه بكلام الدارقطني، ووصف الذهبي ابن حبان بأنه (الخسّاف المتهور)، فغفر الله لهم جميعًا، وفي الجملة: فإن الحديث ضعيف حتى مع توثيق محمد بن الفضل والله أعلم.
[ ٤٥٩ ]
قال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ): (ثقة ثبت تغير في آخر عمره) (١) .
ب - أن هذا الحديث موقوف، وليس بمرفوع إلى النبي ﷺ، وعلى فرض صحته فإنه رأي اجتهادي من عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ قد خالف السنة، وخالف أقوال الصحابة، وقد بين ابن تيمية ﵀ الموقف من اجتهادات الصحابة إذا لم يخالف الصحابي غيره، أو إذا لم يشتهر، أو لم يعرف هل خالفه غيره أم لا؟ ثم قال: (ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم) (٢) .
جـ - أن هذا الحديث فيه مغالطة علمية وفيه مخالفة للواقع المحسوس: فليس في حجرة عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ في حياتها كوة، بل كان بعضه باقيًا، كما كان على عهد النبي ﷺ بعضه مسقوف، وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، ولم توضع الكوة في حجرتها إلا بعد أن أدخلت الحجر في المسجد زمن الوليد بن عبد الملك (ت - ٩٦هـ)، لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك؛ لأجل تنظيف وغيره (٣) .
وأما قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ: فهذه إسنادها مظلم، وبعضهم يرويها بسند، وبعضهم بغير سند، وإسنادها فيه: الحسن بن محمد.
قال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ): (لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال) (٤) .
قال عنه ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ): (كل أحاديثه مناكير) (٥) .
_________________
(١) تقريب التهذيب ٢/٢٠٠.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ٢٠٩ - ٢١٠.
(٣) انظر: الرد على البكري ص٢٧ - ٢٩، ٦٧ - ٦٨.
(٤) المجروحين ١/٢٣٨.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/٧٣٤ - ٧٣٥.
[ ٤٦٠ ]
وقال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) عن إسناد هذه القصة: (ليست هذه الحكاية المنكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف، ولفظها مختلف أيضًا) (١)، ففي سندها ومتنها اضطراب.
ولو كان عمل هذا الأعرابي عند قبر النبي ﷺ مشروعًا لسبقه إليه من كان إلى الخير أسبق، وإلى السنة أوفق من الصحابة والتابعين، لكنهم لم يعملوا هذا العمل، ولم يدلهم إليه الرسول ﷺ فدل على أن هذا العمل باطل لا تقوم به حجة، ولا يعمل مثل هذا العمل المبتدع إلا من ضعف إيمانه أو من جهل قدر الرسول ﷺ وأمره (٢) .
وأما الحال الرابع: وهو التوسل بالرسول ﷺ في عرصات القيامة ليشفع للناس: فإن أريد بالتوسل بالرسول ﷺ طلب الشفاعة منه يوم المحشر الشفاعة العظمى (٣)، فهذا مما أجمع عليه المسلمون، كما قال ابن تيمية ﵀: (أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة، بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة) (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال ﵀: (من شك في شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة فهو مبتدع ضال) (٥) .
وأما إلزام من لم ير التوسل بالرسول ﷺ بعد وفاته بأنه لا يرى أنه رسول الآن، وأنه ليس له جاه، فهذا إلزام باطل، وتصوره كافٍ في الرد عليه؛ لأنه قام على أساس باطل وهو مشروعية التوسل بالرسول ﷺ بعد وفاته، والمشروعية حكم شرعي يحتاج إلى دليل، والدليل يدل على خلاف ذلك، إذ
_________________
(١) الصارم المنكي ص٢٥٣.
(٢) انظر: قاعدة في المحبة لابن تيمية (ضمن جامع الرسائل ٢/٣٧٧ - ٣٧٨) .
(٣) وهذا هو الذي يقصده المبتدعة؛ لأن كثيرًا من الناس يطلقون لفظ الشفاعة ويريدون بها التوسل كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀ في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٥١.
(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٤٤.
(٥) الرد على البكري ص١٣١.
[ ٤٦١ ]
أنه يدل على أن التوسل بالنبي بدعة غير مشروعة، وبهذا يبطل الإلزام.
ثم إن الدليل والميزان على قبول رسالة محمد ﷺ بعد وفاته كما هو الحال في حياته يكون باتباعه وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فهو ﷺ رسول، وإثبات رسالته يكون بهذه الأمور، لا بالأمور المبتدعة، وهو الدليل على محبة الله - تعالى - كما قال - تعالى - ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .
وأما مسألة جاه الرسول ﷺ: فهو وجيه عند الله وهو أفضل الخلق، وجاهه ثابت لا يتغير بإحداث عبادة لا يرضاها الله ورسوله أو تركها، فهو - بأبي وأمي - أفضل الخلق على الإطلاق، ولا يؤثر في جاهه ﷺ عند ربه فعل ما يغضبه ولم يأمر به من التوسل به بعد موته، ولا يزيد جاهه عند الله بطاعة الطائعين، ولا ينقص بمعصية العاصين، فربط عمل البدعة المحدثة بتقدير الرسول ﷺ ومعرفة جاهه، وربط ترك البدعة - اتباعًا للسنة - بتنقيص الرسول ﷺ، وجحده حقه وجاهه: ربطٌ لا أساس له من شرع صحيح، ولا عقل صريح والله المستعان.
وأما من زعم بأن التوسل بالرسول ﷺ بعد موته بدعة حسنة؛ فقد ضل الطريق، ولم يهتد إليه سبيلًا، فليس هناك بدعة في الدين حسنة، بل البدع كلها ضلال كما قال المصطفى ﷺ: «كل بدعة ضلالة» (١) .
قال ابن تيمية ﵀: (من قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة، فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة.
أما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبل الشيطان) (٢) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص١٤٨.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٨،
[ ٤٦٢ ]