مناقشة الدعوى
يعتقد ابن تيمية ﵀ في صحابة رسول الله ﷺ عقيدة أهل السنة والجماعة فيهم، ولا عجب في ذلك؛ إذ هو أحد أبرز شُرّاح معتقد السلف فيعتقد ﵀ وجوب الثناء على الصحابة - رضوان الله عليهم - بثناء القرآن الكريم والسنة النبوية عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] .
وقال ﷿ ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
وأما الأحاديث فيذكر ابن تيمية ﵀ أنها مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون (١) كحديث: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، وحديث: «لا تسبوا
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٠.
[ ٥٠٨ ]
أصحابي » (١)، فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة (٢) .
وحين ذكر ابن تيمية ﵀ قول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣] . قال: (وإنما أيده في حياته بالصحابة) (٣) .
وحين ذكر قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥] . قال: (والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن القرآن حق: هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء) (٤) .
وحين ذكر قول الله ﷿: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] . قال: (محمد ﷺ وأصحابه هم المصطفون من المصطفين من عباد الله) (٥) .
ويعتقد ابن تيمية ﵀ محبة الصحابة، وتوليهم، كما قال في لاميته:
حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل (٦)
وقال: (أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الأديان يتولون أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته، ويعرفون حقوق الصحابة، وحقوق القرابة كما أمر الله بذلك ورسوله) (٧) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص٥٠١.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٠.
(٣) منهاج السنة ٢/٣٣.
(٤) منهاج السنة ٢/٣٣.
(٥) منهاج السنة ٢/٣٥.
(٦) لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (ضمن شرحها اللآلي البهية للمرداوي ص١٣) .
(٧) سؤال في يزيد بن معاوية ص١٩.
[ ٥٠٩ ]
وقد حكى ﵀ اتفاق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة (١) .
وقد أثنى ﵀ على السابقين الأولين الذين منهم الخلفاء الأربعة، وبين أن الله أخبر أنه رضي عنهم، وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحًا قريبًا لقول الله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩] .
وبين ﵀ منزلة السابقين الأولين بقوله: (لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم، لأن الله تعالى بيّن فضلهم في القرآن بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح) (٢) .
وذكر أن قول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده (٣) .
وقال بعد ذلك: (ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله - تعالى -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وهم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم) (٤) .
وأما موقف ابن تيمية ﵀ من سب الصحابة فيعتقد أنه حرام بالكتاب والسنة:
فمن الكتاب قول الله ﷿: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]،
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/٤٩٢.
(٢) منهاج السنة النبوية ٢/٢٥، وانظر: ٧/١٥٥.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٢٦.
(٤) منهاج السنة: ٢/٢٦.
[ ٥١٠ ]
وأدنى أحوال الساب أن يكون مغتابًا، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، والصحابة خيار المؤمنين، ولم يكتسبوا ما يوجب أذاهم؛ لأن الله ﷾ - رضي عنهم - رضىً مطلقًا، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا، وكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك (١)، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] .
واستدل ﵀ من السنة بأحاديث منها: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (٢) .
وحديث: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٣)، وغيرها من الأحاديث (٤) .
ويقسم ابن تيمية ﵀ أنواع سب الصحابة وأحكامه تقسيمًا جيدًا: فمن اقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي فهذا لا شك في كفره.
ومن سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرد ذلك.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا فهذا لا ريب في كفره.
وأما من لعن وقبّح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن
_________________
(١) انظر: الصارم المسلول لابن تيمية ص٥٧١ - ٥٧٣.
(٢) سبق تخريجه ص٥٠١.
(٣) سبق تخريجه ص٤٩٨.
(٤) انظر: الصارم المسلول لابن تيمية ٥٧٥ - ٥٨٦.
[ ٥١١ ]
الغيظ ولعن الاعتقاد (١)، واللعن أشد من السب وقارنه النبي ﷺ بالقتل كما قال: «لعن المؤمن كقتله» (٢) .
وأما موقف ابن تيمية ﵀ مما ورد في مساوئ الصحابة ومثالبهم فيمكن أن يفهم من مجموع كلامه أنه وضع قواعد ثابتة وسار عليها، ومن هذه القواعد:
القاعدة الأولى: أن ما يُذكر من المطاعن والمثالب على الصحابة نوعان:
الأول: منها ما هو كذب: إما كذب كله، وإما محرَّف قد دخله من الزيادة والنقصان والتغيير ما يخرجه إلى الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى (٣)،
وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (٤)، وأمثالهما من الكذابين.
الثاني: ومنها ما هو صدق، وهذا قليل، ولهم معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوبًا، وتجعلها من موارد الاجتهاد، التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من
_________________
(١) انظر: الصارم المسلول لابن تيمية ص٥٨٦، مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/٥٨ - ٥٩، منهاج السنة النبوية له ٤/٤٦٨، ٥/١٢٦ - ١٤٧، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٧/١٢٤٦ - ١٢٧١.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٥٣٧ كتاب الأيمان، باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام، ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان رقم (١١٠) .
(٣) أبو مخنف: لوط بن يحيى، أبو مخنف، شيعي محترق، وإخباري تالف، سئل عنه أبو حاتم فنفض يده وقال: أحد يسأل عن هذا؟. انظر في ترجمته: الكامل لابن عدي ٦/٢١١٠، ميزان الاعتدال للذهبي ٣/٤٢٠، لسان الميزان لابن حجر ٤/٤٩٢.
(٤) هشام الكلبي: هشام بن محمد بن السائب الكلبي، أبو المنذر، الإخباري النساب، له تصانيف جمة، كذاب متشيع، ت سنة ٢٠٤هـ وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الفهرست لابن النديم ص١٤٠، وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/١٣١، شذرات الذهب لابن العماد ٢/١٣، نزهة الألباء للأنباري ص٧٥.
[ ٥١٢ ]
هذا الباب، وقد أجاد شيخ الإسلام ﵀ في بيان الاعتذار لهم بكلام نفيس أجتزئ منه قوله عنهم: (لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه.. ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح..) (١) .
القاعدة الثانية: أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، والكلام في الصحابة من باب أولى، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا، لا يباح قط بحال، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ [المائدة: ٨] .
وأصحاب رسول الله ﷺ أحق من عدل عليهم في القول والعمل، والعدل مما اتفق أهل الأرض على محبته ومدحه، والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط كما في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٥٥ - ١٥٦) وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣١، وانظر: منهاج السنة النبوية له ٤/٣١٠، ٥/٨١.
[ ٥١٣ ]
يقول ابن تيمية ﵀: (والمقصود هنا أنه إذا وجب فيما شجر بين عموم المؤمنين أن لا يتكلم إلا بعلم وعدل، ويرد ذلك إلى الله والرسول، فذاك في أمر الصحابة أظهر) (١) .
القاعدة الثالثة: الإمساك عما شجر بين الصحابة، وعدم الخوض فيه، وهذا هو منهج السلف - رضوان الله عليهم - كما تقدم بيانه. ولابن تيمية ﵀ كلام نفيس في توضيح هذه القاعدة، وبيان لوازم الخوض فيما شجر بين الصحابة فهو يوقع في قلوب الخائضين ومن تلقى عنهم ذلك بغض الصحابة الكرام، ويتضمن أذية هؤلاء المتشاجرين، فيقول مبتدئًا توضيح المسألة بكلام عام: (إذا تشاجر مسلمان في قضية، ومضت، ولا تعلق للناس بها، ولا يعرفون حقيقتها، كان كلامهم فيها كلامًا بلا علم ولا عدل يتضمن أذاهما بغير حق، ولو عرفوا أنهما مذنبان أو مخطئان لكان ذكر ذلك من غير مصلحة راجحة من باب الغيبة المذمومة) (٢) .
ثم قال: (لكن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أعظم حرمة، وأجل قدرا، وأنزه أعراضا، وقد ثبت في فضائلهم خصوصًا وعمومًا ما لم يثبت لغيرهم، فلهذا كان الكلام الذي فيه ذمهم على ما شجر بينهم أعظم إثمًا من الكلام في غيرهم) (٣) .
وقال: (المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة، والاستغفار للطائفتين جميعًا وموالاتهم) (٤) .
وقال ﵀ بعد ذكره أقوال الناس فيما حصل بين الصحابة: ( الرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقًا.. وهو مذهب أهل السنة والجماعة) (٥) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٥/١٣٣.
(٢) منهاج السنة النبوية ٥/١٤٦ - ١٤٧.
(٣) منهاج السنة النبوية ٥/١٤٧.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٤، وانظر: ص٤٦٩، ٤٧٣.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/٥١.
[ ٥١٤ ]
وقال ﵀: (ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم، وما وقع: منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفورًا، فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضًا وذمّا، ويكون هو في ذلك مخطئًا بل عاصيًا، فيضر نفسه، ومن خاض معه في ذلك.. ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف) (١) .
وبهذا بتبين موقفه ﵀ من صحابة رسول الله ﷺ الكرام، فيعتقد محبتهم، وعدم سبهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة؛ وسط بين طرفين. وهدى بين ضلالتين، فهم وسط في باب صحابة رسول الله ﷺ بين الغلو في محبتهم أو بعضهم، وبين التفريط في بغضهم أو بعضهم.
يقول ﵀ في تقرير وسطية أهل السنة: (هم وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الغالي في بعضهم الذي يقول بإلهيةٍ، أو نبوةٍ، أو عصمةٍ، والجافي فيهم: الذي يكفر بعضهم، أو يفسقه، وهم خيار الأمة) (٢) .
وأما عن ادعاء المناوئين لابن تيمية ﵀ أنه يبغض الشيخين، وأنه ينتقص من منزلة الخلفاء الأربعة فهذا غير صحيح، بل لا يوجد له نص واحد ينتقص فيه الصحابة - رضوان الله عليهم - فضلًا عن الخلفاء الأربعة، الذين يعتقد أنهم خيار الأمة، فبعد أن ذكر أن أفضل الأمم أمة محمد ﷺ، وأن أفضل الأمة: القرن الأول، وأن أفضل القرن الأول: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، قال: (وأفضل السابقين الأولين: الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الأمة، وجماهيرها) (٣) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/٤٤٨ - ٤٤٩، وانظر: ص٤٦٥.
(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/٧٥.
(٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٨٩.
[ ٥١٥ ]
ويبين أن مرتبتهم في الفضل كمرتبتهم في الخلافة، فقال ابن تيمية ﵀ في عرضه معتقد أهل السنة: (وأن الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة) (١) .
وقال ﵀: (أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم..) (٢) .
وسأستعرض بعض جوانب موقف ابن تيمية ﵀ من الخلفاء الأربعة - كل على حده - مبتدئًا بأفضلهم، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ومؤخرًا موقفه من الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلى المبحث الذي يليه؛ لأنه به ألصق حين الحديث عن آل البيت، وموقف ابن تيمية ﵀ منهم.
أما أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁ الذي يزعم المناوئون أن ابن تيمية يرمز إلى تكفيره، فقد كان له نصيب كبير في كتب ابن تيمية ﵀ من الثناء عليه، والاعتراف بفضله، وذكر النصوص الدالة على تقديمه على جميع الصحابة - رضوان الله عليهم -، موافقًا بذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة.
وهو كثيرًا ما يذكر ﵀ أن أكثر فضائل أبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ تعد من خصائصه التي لا يشركه أحد غيره، فيقول: ( ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره) (٣) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٢.
(٢) الفتاوى الكبرى ١/٤٧٥،، وانظر للاستزادة في مواقف أهل العلم من تفضيل الأربعة على بعض: منهاج السنة النبوية ٢/٧٣، مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٢١، ٤٢٥، ٤٧٩، وفي أن السلف متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما: منهاج السنة ٦/١٣٥، ٧/٣٦٩، ٣٧٣، مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٠٧، وفي تفاضل الصحابة: منهاج السنة النبوية ٦/٢٤٧، ٢٥٤، ٢٥٥.
(٣) منهاج السنة ٨/٤١٧ وانظر: ص٤٢١، ٥٤٠، مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤١٤، ٤١٥، ٤٢٢.
[ ٥١٦ ]
ويمكن أن أجمع موقفه من خليفة رسول الله ﷺ وأرتبه في النقاط التالية:
١ - أنه أحب الناس إلى رسول الله ﷺ كما قال ﷺ: «لو كنت متخذًا لا تخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله» (١) .
وقيل للرسول ﷺ أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها» (٢) .
وثبت عن عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ أنه قال عنه: (أنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ) (٣) .
يقول ﵀ (إن أبا بكر كان أحب الصحابة إلى النبي ﷺ، وأفضل عنده من عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وكل من كان بسنة رسول الله ﷺ وأحواله أعلم كان بهذا أعرف، وإنما يستريب فيه من لا يعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، فإما أن يصدق الكل، أو يتوقف في الكل) (٤) .
٢ - أنه أفضل الأمة على الإطلاق بعد رسول الله ﷺ، ويدل على ذلك قول عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁: (وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنه كان خيرنا حين توفي رسول الله ﷺ) (٥) .
٣ - أن مصاحبته لرسول الله ﷺ كانت أكمل من مصاحبة غيره، فهو أول
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٢ كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٤ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر، واللفظ له.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٨ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب قول النبي: لو كنت متخذًا خليلًا، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٦ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر، واللفظ له.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٢٣٠ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب لو كنت متخذًا خليلًا.
(٤) منهاج السنة النبوية ٧/٢٨٥، وانظر: ٤/٣٦٦.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ١٢/١٤٥، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت.
[ ٥١٧ ]
من أسلم من الرجال، واستمر مع النبي ﷺ في كل وقته لا يفارقه في حضر ولا سفر، وكان يستشيره النبي ﷺ في أحايين كثيرة، ويصحبه معه في المواقف الصعبة كصحبته في الهجرة، كما في حديث الغار المتقدم، وقد خصه النبي ﷺ بالصحبة بقوله: «هل أنتم تاركون لي صاحبي، هل أنتم تاركون لي صاحبي، إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» (١) .
يقول ابن تيمية ﵀: (الصديق في ذروة سنام الصحبة، وأعلى مراتبها، فإنه صحبه من حين بعثه الله إلى أن مات) (٢) .
ثم بيّن ﵀ أنه لا نزاع بين أهل العلم بحال النبي ﷺ وأصحابه أن مصاحبة أبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ له كانت أكمل من مصاحبة سائر الصحابة، وذكر من سبب ذلك أنه كان أدوم اجتماعًا به ليلًا ونهارًا، وسفرًا وحضرًا (٣) .
كما ثبت عن عائشة (ت - ٥٧هـ) ﵂ أنها قالت: (لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا ورسول الله ﷺ يأتينا فيه طرفي النهار) (٤) .
٤ - تبشير النبي ﷺ بالجنة في خصالٍ اجتمعت فيه، ولم تجتمع في أحد من الصحابة؛ وهذه منقبة عظيمة لأبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁، فقد ثبت عن المصطفى الكريم ﷺ أنه قال لأصحابه: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟»، فقال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم جنازة؟» . قال أبو بكر: أنا. قال: «هل فيكم من عاد مريضًا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «هل فيكم من تصدق
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٨ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب لو كنت متخذًا خليلًا.
(٢) منهاج السنة النبوية ٨/٣٨٩.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ٨/٣٩٠، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/٦١.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٢٣٠ كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي إلى المدينة.
[ ٥١٨ ]
بصدقة؟» . فقال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (١) .
٥ - أنه أعلم الصحابة - رضوان الله عليهم -، وهذا بإجماع الصحابة، ومن بعدهم، كما ثبت في الصحيح أن أبا سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ قال: (وكان أبو بكر أعلمنا) (٢) .
وقد نقل ابن تيمية ﵀ الإجماع على أن أبا بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ أعلم الصحابة، وأن أبا بكر كان يفتي ويقضي في حضرة النبي ﷺ وهو ساكت يقره على ذلك، ويرضى بما يقول، ولم تكن هذه المرتبة لغيره (٣)، ويقول: (أما الصديق فإنه مع قيامه بأمور من العلم والفقه عجز عنها غيره حتى بينها لهم لم يحفظ له قول مخالف نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة) (٤) .
٦ - أنه أشجع الناس وأصبرهم حين تضعف عزائم الأقوياء، وحين يأتي وقت الشجاعة فأبو بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ أشجع أصحاب رسول الله ﷺ لليقين والإيمان اللذين وقرا في قلبه. ففي الصحيح أن عقبة بن معيط (٥) جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر فدفعه عنه، وقال: (﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]) (٦) .
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٧١٣ كتاب الزكاة باب من جمع الصدقة وأعمال البر.
(٢) سبق تخريجه ص٣٩٢.
(٣) انظر: منهاج السنة ٧/٥٠٢، ٥١٠، الفتاوى الكبرى له ١/٤٦٥، مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٩٨ - ٤١٠.
(٤) الفتاوى الكبرى ١/٤٦٨.
(٥) عقبة بن معيط: عقبة بن أبان بن ذكوان، أبو الوليد، من مقدمي قريش في الجاهلية، كان شديد الأذى على المسلمين، قتل يوم بدر وصلب سنة ٢هـ. انظر في ترجمته: الكامل لابن الأثير ٢/٢٧، الروض الأنف للسهيلي ٥/١٨٤.
(٦) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٢٢ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب لو كنت متخذًا خليلًا، وانظر: ذخائر المواريث للنابلسي ٢/١٧٤.
[ ٥١٩ ]
وتتضح شجاعته ﵁ أيضًا في حادثة فزع الصحابة بعد موت النبي ﷺ، وثباته، بل وتثبيته الصحابة، وفي إنفاذه جيش أسامه (١)، وقتال المرتدين، وغيرها.
يقول ابن تيمية ﵀: (والمقصود هنا أن أبا بكر كان أشجع الناس، ولم يكن بعد الرسول ﷺ أشجع منه) (٢) .
وقال - أيضًا - (وكان لأبي بكر مع الشجاعة الطبيعية شجاعة دينية، وهي قوة يقينية بالله - ﷿ -، وثقة بأن الله ينصره والمؤمنين، وهذه الشجاعة لا تحصل لكل من كان قوي القلب، لكن هذه تزيد بزيادة الإيمان واليقين، وتنقص بنقص ذلك) (٣) .
٧ - كثرة إنفاقه في سبيل الله وخاصة في بداية ظهور الإسلام في مكة، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر» (٤)، وقال ﷺ: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» (٥) .
وقال ﵊: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، قال أبو بكر: هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون
_________________
(١) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، أبو محمد، حب رسول الله وابن حبه، ولد في الإسلام، وقد أمّره الرسول ﷺ على جيش عظيم فمات ﵊ قبل أن يتوجه، فأنفذه أبو بكر، اعتزل الفتن، ت سنة ٥٤هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٥٧، الإصابة لابن حجر ١/٣١.
(٢) منهاج السنة النبوية ٨/٨٢ - ٨٣.
(٣) منهاج السنة النبوية ٨/٨٤ - ٨٥.
(٤) سبق تخريجه ص٩٤١.
(٥) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه ١/٣٦ المقدمة، باب من فضل أبي بكر الصديق وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/٢٣، صحيح الجامع ٢/١٠١١.
[ ٥٢٠ ]
منهم» (١) .
يقول ابن تيمية ﵀: (والمقصود هنا أن الصديق كان أمن الناس في صحبته وذات يده لأفضل الخلق رسول الله ﷺ؛ لكونه كان ينفق ماله في سبيل الله كاشترائه المعذبين، ولم يكن النبي ﷺ محتاجًا في خاصة نفسه لا إلى أبي بكر، ولا غيره، بل لما قال له في سفر الهجرة: إن عندي راحلتين فخذ إحداهما: قال النبي ﷺ: «بالثمن» (٢) .
فهو أفضل صديق لأفضل نبي، وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، لا يطلب جزاء من أحد من الخلق) (٣) .
٨ - أن النبي ﷺ كان يخصه بأمور هي دلائل على أنه يتبوأ منزلة خاصة، فهم منها كثير من أهل العلم أحقيته بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ومنها:
أ - طلب الكتابة بالعهد إليه بعده: فقد قال ﵊ لعائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂: «ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا..» ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٤) .
ب - الإرشاد لمن طلب من الرسول ﷺ أن يحدد له رجلًا يأتيه إن لم يجد الرسول ﷺ بأن يأتي أبا بكر، ومن ذلك: أن أمرأة أتت إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - كأنها تريد
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٩ كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذًا خليلًا، ومسلم في صحيحه ٢/٧١١ كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٢٣٠ - ٢٣١ كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٦٣.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/١٢٣ كتاب المرض، باب قول المريض إني وجع، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٧ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.
[ ٥٢١ ]
الموت -، قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (١) .
جـ - استخلافه بالصلاة عنه في حياته، كما ثبت أن النبي ﷺ لما مرض واشتد مرضه قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق، متى يقم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس، فقال: «مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف» (٢) .
يقول ابن تيمية ﵀: (بيّن ﷺ أنه يريد أن يكتب كتابًا خوفًا، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه، والأمة حديثة عهد بنبيها، وهم خير أمة أخرجت للناس، وأفضل قرون هذه الأمة، فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي، فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم، أو لسوء القصد، وكلا الأمرين منتف، فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي، وسوء القصد لا يقع من جمهور الأمة الذين هم أفضل القرون، ولهذا قال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، فترك ذلك لعلمه بأن ظهور فضيلة أبي بكر الصديق واستحقاقه لهذا الأمر يغني عن العهد فلا يحتاج إليه، فتركه لعدم الحاجة، وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه، وهذا أبلغ من العهد) (٣) .
وأما فضائل عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ فكثيرة، فمنها ما هو مشترك مع غيره من الصحابة ككونه من السابقين الأولين، وكونه من العشرة المبشرين بالجنة، وغيرها.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٧ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب لو كنت متخذًا خليلًا، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٦ - ١٨٥٧ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٦٤ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، ومسلم في صحيحه ١/٣١٣ كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(٣) منهاج السنة النبوية ١/٥٢٥ - ٥٢٦، وانظر في فضائل أبي بكر ﵁: أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة للقاسم.
[ ٥٢٢ ]
ومنها ما هو مشترك مع أبي بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵄ مثل: الأمر بالاقتداء بهما لقول الرسول ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (١) .
وقوله ﷺ: «إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا» (٢) .
ومحبة الرسول ﷺ لهما، فقد كان الصحابة كثيرًا ما يسمعون رسول الله ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» (٣) .
وقرن الرسول ﷺ إيمانه بإيمان أبي بكر (ت - ١٣هـ)، وعمر (ت - ٢٣هـ) ﵄ في بعض المواضع، فقال ﵊: «بينما راع يرعى في غنمه إذ عدا الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، وقال: من لها يوم السَّبُع يوم لا راع لها غيري»، فقال الناس: سبحان الله! ذئب يتكلم؟ فقال ﷺ: «فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر» (٤) .
وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ: «بينا رجل يسوق بقرة، قد حمَّل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا! ولكني إنما خلقت للحرث» .
فقال الناس: سبحان الله! تعجبًا وفزعًا - أبقرة تتكلم؟.
فقال: «فإني أومن بهذا وأبو بكر وعمر» (٥) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص٤٣٨.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٤٧٢ - ٤٧٤ كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٤١ - ٤٢ كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٤٧١) واللفظ له، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٧ - ١٨٥٨ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.
(٥) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٨٥٧ - ١٨٥٨ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.
[ ٥٢٣ ]
ومن فضائله: ما أفردت بحديث مستقل: فهو أفضل الأمة بعد أبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ للنصوص المذكورة قبل قليل، ولغيرها.
وهو مُحدَّث ملهم لقوله ﷺ: «قد كان في الأمم مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» (١) .
وقد رأى الرسول ﷺ رؤى في عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ أوّلهَا ﵊ بالعلم، وبالدين، فقد قال نبي الرحمة ﷺ: «بينا أنا نائم إذ رأيت قدحًا أُتيت به فيه لبن، فشربت منه حتى إني لأرى الرّي يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي يعني عمر بن الخطاب»، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم» (٢) .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم رأيت الناس يُعرضون عليّ وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثُّدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك»، ومرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «الدين» (٣) .
وقد جعل الله الحق على لسان عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ ووافق التنزيل مرارًا، كما قال عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ عنه -: (وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، قال: فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله ﷺ
_________________
(١) سبق تخريجه ص٤٩٢.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٢/٤١٧ كتاب التعبير، باب إذا أعطى فضله غيره في النوم، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٩ كتاب فضل الصحابة، باب من فضائل عمر.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٤٣ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب من فضائل عمر، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٩ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر.
[ ٥٢٤ ]
نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت هذه الآية) (١) .
وقد فرح الرسول ﷺ، وصحابته معه بإسلام عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ حين أسلم، واعتز الإسلام بإسلامه، كما قال ابن مسعود (ت - ٣٢هـ) ﵁: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢) .
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ بعض صفات الفاروق - من غير ما ذُكر -، فمنها:
خوفه من الله ﷿ وذكر أحاديث في ذلك (٣)، منها ما وراه المسور بن مخرمة (٤)
﵁ قال: لما طعن عمر جعل يألم، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذلك: لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، فقال: أمّا ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه، فإنما ذاك مَنُّ منَّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه، فإنما ذاك مَنٌ من الله مَنَّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٥٠٤ كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة، قال ابن حجر في فتح الباري ١/٥٠٥: (والمعنى: وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن رعاية للأدب أسند الموافقة إلى نفسه..) .
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٤١ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب فضائل عمر.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ٦/٩ - ١٥.
(٤) المسور بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، قدم المدينة في ذي الحجة بعد الفتح سنة ثمان، كان من أهل الفضل والدين، ت سنة ٦٤هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٤١٦، الإصابة لابن حجر ٣/٤١٩.
[ ٥٢٥ ]
أصحابك، والله لو أن لي طِلاع (١) الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه) (٢) .
ومنها: أنه وقّاف عند حدود الله ﷿ ودليل ذلك: أن رجلًا دخل عليه وقال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر (٣):
يا أمير المؤمنين؛ إن الله - تعالى - قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله) (٤) .
ومنها: عدله ﵁ يقول ابن تيمية ﵀ عن ذلك: (وبعدل عمر يضرب المثل) (٥)، ويقول: (ومعلوم أن رعية عمر انتشرت شرقًا وغربًا.. ومع هذا فكلهم يصفون عدله، وزهده، وسياسته، ويعظمونه، والأمة قرنًا بعد قرن تصف عدله وزهده وسياسته، ولا يُعرف أن أحدًا طعن في ذلك) (٦) .
وهذه الصفات وغيرها نماذج من سيرة ثاني الخلفاء الراشدين التي يقول عنها ابن تيمية ﵀ (لا يُعرف في سير الناس كسيرته) (٧)، ومناقبه كثيرة، أطال
_________________
(١) الطِلاع: طلاع الشيء: ملؤه حتى يطالع أعلاه أعلاه فيساويه، انظر: لسان العرب لابن منظور ٨/٢٣٥ مادة (طلع)، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٣/٦١ مادة (طلع) .
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٤٣ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب من فضائل عمر.
(٣) الحرّ بن قيس بن حصن الفزاري، ابن أخي عيينة بن حصن، كان أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله من فزارة مرجعه من تبوك. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ١/٢٢٦، الاستيعاب لابن عبد البر ١/٣٨٨ الإصابة لابن حجر ١/٣٢٤.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٨/٣٠٤ - ٣٠٥ كتاب التفسير، باب سورة الأعراف ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ .
(٥) منهاج السنة النبوية ٦/١٦.
(٦) منهاج السنة النبوية ٦/١٧.
(٧) منهاج السنة النبوية ٦/٥٤.
[ ٥٢٦ ]
في ذكرها ابن تيمية ﵀ موثقًا ذلك بالآثار الثابتة الصحيحة التي يقول عنها: (وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب، ليست من أحاديث الكذابين، والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جدًا) (١) .
وأما فضائل عثمان بن عفان (ت - ٣٥هـ) ﵁ فكثيرة أيضًا، وموقف ابن تيمية ﵀ منها موقف المؤيد، بل والمقرر لها، والموضح، والشارح: فمن فضائله الواردة في النصوص: ما هو مشترك يدخل فيها معه غيره من الصحابة، سواء أكانوا قلة أم كثرة: كتبشيره بالجنة، وكونه من السابقين الأولين للإسلام، ومن النصوص ما يدل على أنه أفضل الأمة بعد الشيخين، وذلك لحديث ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ قال: (كنا في زمن النبي ﷺ: لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) (٢) .
قال ابن عبد البر (ت - ٤٦٣هـ) ﵀: (لم يكن بعد رسول الله ﷺ على الأرض أفضل من أبي بكر، ولم يكن بعده أفضل من عمر، ولم يكن بعده أفضل من عثمان، ولم يكن بعد عثمان على الأرض خير ولا أفضل من علي) (٣) .
ومن فضائل عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ أن النبي ﷺ زوجه ابنتيه، ولذلك أطلق عليه لقب (ذو النورين) (٤) .
ومن فضائله - أيضًا - مبايعة الرسول ﷺ عنه يوم بيعة الرضوان، فقد أراد رجل أن يطعن في عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ على أنه لم يحضر بيعة الرضوان، فأجابه ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ بأن بيعة الرضوان إنما كانت بسبب عثمان، فإن
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٦/٥٩.
(٢) سبق تخريجه ص٤٩٢.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ٢/٢٢٦.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٤/١٤٦، ٨/٢٣٥.
[ ٥٢٧ ]
النبي ﷺ بعثه إلى مكة، وبايع عنه بيدِه، ويد النبي ﷺ خير من يد عثمان (١) .
يقول ابن تيمية ﵀: (فقد أجاب ابن عمر بأن ما يجعلونه عيبًا ما كان منه عيبًا فقد عفا الله عنه، والباقي ليس بعيب، بل هو من الحسنات، وهكذا عامة ما يعاب به على سائر الصحابة، هو إما حسنة، وإما معفو عنه) (٢) .
ومنها: كثرة إنفاقه في سبيل الله، ويظهر ذلك جليًا حين جهز جيش العسرة، حتى جعل النبي ﷺ ذلك من الأسباب الماحية للذنوب، الموجبة لدخول الجنة، وحين حوصر عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ أشرف على من حاصره وقال لهم: (أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «من حفر رومة فله الجنة» فحفرتها، ألستم تعلمون أنه قال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» فجهزته، قال: «فصدقوه بما قال» (٣) .
ومنها: حياؤه ﵁، فقد استأذن ﵁ على رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ مضطجع على فراش عائشة، فجلس رسول الله ﷺ وأصلح عليه ثيابه، وقال لعائشة: «اجمعي عليك ثيابك» فأذن له، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، فقال ﵊: «يا عائشة إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلى حاجته» (٤) .
ومنها: صبره حين الفتن، وكفه عمّن قاتله، كل هذا مع اتفاق الصحابة -
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٥٤، كتاب فضائل أصحاب النبي، باب من فضائل عثمان، والترمذي في سننه ٥/٦٢٦ - ٦٢٧ كتاب المناقب، باب في مناقب عثمان ﵁.
(٢) منهاج السنة النبوية ٦/٢٣٩، وانظر: ص٢٦٨.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥/٤٠٦ - ٤٠٧ كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا، وأحمد في مسنده ١/٥٩ من حديث عثمان بن عفان، والدارقطني في سننه ٤/١٩٨ كتاب الأحباش، باب وقف المساجد والسقايات، ورومة: بئر بالمدينة حفرها عثمان.
(٤) أخرج الحديث مسلم في صحيحه ٤/١٨٦٦ - ١٨٦٧، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان ﵁.
[ ٥٢٨ ]
رضوان الله عليهم - على بيعته، فلم يكن هناك اختلاف في توليته، بل ولاه المسلمون بعد المشورة ثلاثة أيام، وهم مؤتلفون، متفقون، متحابون، متوادون، ولم يعدلوا بعثمان غيره، يقول الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀: (ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان كانت بإجماعهم) (١)، ومع ذلك ابتلي ﵁ بعد توليته كثيرًا فصبر، وهذا من دلائل نبوة المصطفى ﷺ حين أخبر أنه من أهل الجنة على بلوى تصيبه، يقول ابن تيمية ﵀: (ومن المعلوم المتواتر أن عثمان كان أكف الناس عن الدماء، وأصبر الناس على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه فحاصروه، وسعوا في قتله، وقد عَرف إرادتهم لقتله، وقد جاءه المسلمون من كل ناحية ينصرونه، ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم.. فكان صبر عثمان حتى قُتل من أعظم فضائله عند المسلمين) (٢) .
وفي الجملة: فإن فضائل عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ كثيرة، قد أقرّ بها ابن تيمية ﵀ ويذكرها وقت الحاجة إلى ذكرها، سواء أكانت مفرقة أم مجتمعة، فيقول في كلام عام عن فضائل عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁: (والمعلوم من فضائل عثمان، ومحبة النبي ﷺ له، وثنائه عليه، وتخصيصه بابنتيه، وشهادته له بالجنة، وإرساله إلى مكة، ومبايعته له عنه لما أرسله إلى مكة، وتقديم الصحابة له باختيارهم في الخلافة، وشهادة عمر وغيره له بأن رسول الله ﷺ مات وهو عنه راض، وأمثال ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه) (٣) .
وأما موقفه من ابن عباس (ت - ٦٨هـ) ﵄ فهو: الثناء عليه؛ للثناء العام
_________________
(١) انظر: السنة للخلال ٣/٣٢٠، قال المحقق: إسناده صحيح.
(٢) منهاج السنة النبوية ٦/٢٨٦.
(٣) منهاج السنة النبوية ٦/٢٦٨، وانظر: موقف ابن تيمية من الرافضة للشمسان ص٣١٣ - ٣٦٧.
[ ٥٢٩ ]
على الصحابة - جميعًا -، ولثناء الرسول ﷺ عليه، ودعائه له بالفقه في الدين، ومعرفة التأويل، يقول ابن تيمية ﵀: (ابن عباس هو حبر الأمة، وأعلم الصحابة في زمانه..، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (١) (٢) .
وبعد هذا تبين لنا موقف ابن تيمية ﵀ من الصحابة - جميعًا - وعقيدته فيهم، فهو يعتقد وجوب الثناء على الصحابة - جميعًا -، وأنهم أفضل الأمة، وقد حكى اتفاق أهل السنة على رعاية حقوق الصحابة، ويعتقد تحريم سب الصحابة، ووجوب الكف عن الخوض في مساوئ الصحابة، وفيما شجر بينهم.
ثم تبين لنا أن ابن تيمية يعتقد أن أفضل الأمة: الخلفاء الأربعة، وأن ترتيبهم في الفضل هو ترتيبهم في الخلافة، ويعتقد أن لكلٍ فضلًا ومناقب، وإذا تبين ذلك عنه: فلا يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتهم ابن تيمية ﵀ بأنه ببغض الصحابة أو أحدهم، فضلًا عن تكفير الصحابة، أو أحدهم، أو أفضلهم.
وقبل ختام هذا المبحث: يحسن بي أن أتوقف قليلًا لأبين ما يعتقده ابن تيمية ﵀ باختصار في معاوية بن أبي سفيان (ت - ٦٠هـ) ﵄ خاصة، ذلك أن بعض الطوائف والأشخاص يكفرونه، وبعضهم يبغضه ويلعنه (٣) .
وابن تيمية يعتقد فيه أنه صحابي، أسلم عام الفتح، وإيمانه ثابت بالنقل المتواتر، وإسلامه يجب ما قبله من الذنوب، وأن سيرته خير وعدل، وأنه
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٢٤٤ كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، ومسلم في صحيحه ٤/١٩٢٧ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل ابن عباس.
(٢) منهاج السنة النبوية ٧/٥٠٣، وانظر: ص١٠٠.
(٣) انظر: نشأة الفكر الفلسفي للنشار ٢/١٩، ٤٦، ٣/٣٠٢، وانظر: رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه للحسن بن إسحاق فهو لا يمر بمعاوية ﵁ إلا ويلعنه.
[ ٥٣٠ ]
أفضل ملوك المسلمين - فرضي الله عنه وأرضاه -، يقول ابن تيمية ﵀: (إيمان معاوية بن أبي سفيان ﵁ ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك، كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة) (١) .
وينقل ابن تيمية ﵀ ثناء ابن عباس (ت - ٦٨هـ) ﵄ عليه، والشهادة له بالفقه، فقد سأل رجل ابن عباس ﵄: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ إنه أوتر بركعة؟ قال: (أصاب إنه فقيه) (٢) .
يقول ابن تيمية بعد ذلك: (فهذه شهادة الصحابة بفقهه، ودينه، والشاهد بالفقه ابن عباس) (٣) .
ويذكر ﵀ أنه خير ملوك المسلمين، وأن سيرته في رعيته من خيار سير الولاة بقوله: (فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرًا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده) (٤)، وحكى اتفاق العلماء على أنه أفضل ملوك هذه الأمة (٥) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٥٣، وانظر: ص٤٦٦، منهاج السنة النبوية له ٤/٥١٣، وانظر: خلافة معاوية بن أبي سفيان للعقيلي ص١٤.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٠٣ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب ذكر معاوية ﵁.
(٣) منهاج السنة النبوية ٦/٢٣٥.
(٤) منهاج السنة النبوية ٦/٢٣٢، وانظر: ص٢٤٧.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٧٨.
[ ٥٣١ ]