مناقشة الدعوى
الحديث في هذا المطلب سوف ينحصر - بإذن الله - في مسألتين:
المسألة الأولى: موقف ابن تيمية من آل البيت عمومًا.
المسألة الثانية: بيان موقف ابن تيمية ﵀ من علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ خصوصًا، لإفراد خصوم ابن تيمية ﵀ الحديث عنه كثيرًا.
أما الأولى: فموقف ابن تيمية ﵀ من آل البيت واضح جلي لمن استعرض كتبه: فهو يعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة فيهم وهو محبتهم والثناء عليهم، وقد قرر وجوبها وفرضيتها في مواضع متعددة من كتبه، يقول ﵀: (محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه..) (١)، وقال: (ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة) (٢)، وكلما زادت محبة الرسول ﷺ في قلب امريء مسلم فإنه تزيد محبته لأهل بيت النبي ﷺ، ولذلك فإن أكثر من عرف حق آل بيت النبي ﷺ هو أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁، وذلك لمحبته رسول الله ﷺ المحبة الكاملة، يقول ابن تيمية ﵀: (وكان ﵁ من أعظم المسلمين رعاية لحق قرابة رسول الله ﷺ، وأهل بيته، فإن كمال محبته للنبي ﷺ أوجب سراية الحب لأهل بيته، إذ كان رعاية أهل بيته مما أمر الله ورسوله به) (٣)، وذكر قول الصديق: (ارقبوا محمدًا في آل بيته) (٤)، وقال: (والله لقرابة رسول الله ﷺ
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٨٧.
(٢) منهاج السنة النبوية ٧/١٠٢، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية٣/١٥٤، ٢٧/٤٧١ - ٤٧٢.
(٣) منهاج السنة النبوية ٨/٥٨١ - ٥٨٢.
(٤) سبق تخريجه ص٥٠٥.
[ ٥٣٤ ]
أحب إلي أن أصل من قرابتي) (١) .
وقد توقف ﵀ في كلام نفيس له حول أفضلية أهل البيت على غيرهم ممن هو دونهم؛ بأنه ليس للنسب فقط - وإن كان النسب له اعتبار - وإنما لاجتماع النسب مع الإيمان والتقوى، كما قال الله ﷿ عن آل الأنبياء بعد ذكره جملة منهم: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فحصول الفضيلة لهم كان بمجموع الأمرين: هدايتهم إلى الصراط المستقيم، واجتباؤهم وتفضيلهم على غيرهم في النسب، وقد قال ﷺ: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (٢)، وقال ﷺ: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٣) .
يقول ﵀: (لا ريب أن لآل محمد ﷺ حقًا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشًا يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل.. وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة، ومدح الله ﷿ للشخص المعين، وكرامته عند الله تعالى فهذا لا يؤثر فيه النسب، وإنما يؤثر فيه الإيمان والعمل الصالح، وهو التقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .. وهذا لا ينافي ما ذكرناه من أن بعض الأجناس والقبائل أفضل من بعض، فإن هذا التفضيل معناه كما قال النبي ﷺ: «الناس
_________________
(١) سبق تخريجه ص٥٠٥.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٥٢٥ كتاب المناقب، باب يا أيها الناس إنا خلقناكم، ومسلم في صحيحه ٤/٢٠٣١ - ٢٠٣٢ كتاب البر والصلة، باب الأرواح جنود مجندة.
(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٧٨٢ كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي، والترمذي في سننه ٥/٥٨٣ كتاب المناقب، باب في فضل النبي ﷺ.
[ ٥٣٥ ]
معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»، فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب، ومعدن فضة؛ كان معدن الذهب خيرًا؛ لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فيه، فإن قُدِّر أنه تعطل ولم يُخرج ذهبًا، كان ما يخرج الفضة أفضل منه) (١) .
وبين أن الأمر وسط فلا تلغى فضيلة النسب جملة، ولا تجعل هي المعيار الوحيد لقرب العبد من ربه أو بعده منه فقال: (هذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقًا، دون من ظن أن الله تعالى يفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في الإيمان والتقوى، فضلًا عمّن هو أعظم إيمانًا وتقوى، فكلا القولين خطأ وهما متقابلان، بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية ) (٢) .
وقد نبّه ﵀ إلى منهج الوسطية عند أهل السنة والجماعة في محبة آل بيت رسول الله ﷺ فلا يجوز الغلو فيهم، وإعطاؤهم فوق منزلتهم؛ لأن هذا شرك بهم، كما أنه لا يجوز انتقاص قدرهم، وغمطهم حقهم، سواء كان ذلك تحقيرًا لهم، وعدم اعتراف بحقهم، أو كان ذلك من باب مقابلة الغلو بالإجحاف والتقصير، يقول - قدس الله روحه -: (الغالية في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ، تجدهم مشركين بهم، لا متبعين لهم في خبرهم وأمرهم، فخرجوا عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) (٣)، ويقول ﵀ في ضرب الأمثلة لمن قابل البدعة ببدعة مثلها: (كما قد يصير بعض الجهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت؛ إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها) (٤) .
وأهل البيت عقيدتهم هي عقيدة الصحابة، أهل السنة والجماعة، ودينهم
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/٥٩٩ - ٦٠٢.
(٢) منهاج السنة النبوية ٤/٦٠٣.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٨٥.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٢٦.
[ ٥٣٦ ]
الصدق والتقوى، لا الكذب والتقية - كما تزعمه الرافضة -، وهذا ما يقرره شيخ الإسلام ﵀ بقوله: (إن أئمة أهل البيت كعليّ وابن عباس ومن بعدهم، كلهم متفقون على ما اتفق عليه سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان من إثبات الصفات والقدر) (١) .
ويقول: (وأئمة المسلمين من أهل بيت رسول الله ﷺ وغيرهم متفقون على القول الوسط، المغاير لقول أهل التمثيل، وقول أهل التعطيل) (٢) .
إن لأهل بيت رسول الله ﷺ حقوقًا على المسلمين، وإن عليهم حقوقًا - أيضًا - فمنها: استحقاقهم الفيء (٣)، وأن الصدقة لا تحل لهم (٤)، ومما يتميزون به أن إجماع العترة حجة (٥)، ومما يتميزون به - أيضًا - وجوب الصلاة عليهم، لقوله ﷺ: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٦)، وفي حديث أبي حميد الساعدي (٧) «وعلى أزواجه وذريته» (٨)، يقول ﵀: (الصلاة والسلام على آل محمد، وأهل بيته تقتضي أن يكونوا أفضل من سائر أهل
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٢/١٠٠.
(٢) منهاج السنة النبوية ٢/٢٤٣، وانظر: ص٤٦.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمة ٤/٦٠٠.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٤/٥٩٤.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/٤٩٣.
(٦) سبق تخريجه ص٣٩٧ - ٣٩٨.
(٧) أبو حميد الساعدي: عبد الرحمن بن سعد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، شهد أحدًا وما بعدها، توفي في آخر خلافة معاوية وأول خلافة يزيد. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٤٢، الإصابة لابن حجر ٤/٤٦.
(٨) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٠٦ كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي بعد التشهد، وابن ماجه في سننه ١/٢٩٣ كتاب إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ، ومالك في الموطأ ١/١٦٥ كتاب قصر الصلاة في السفر، باب ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ.
[ ٥٣٧ ]
البيوت، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: بنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم) (١) .
وأزواج النبي ﷺ من آل بيته - على الصحيح - كما يقول ابن تيمية ﵀: (هل أزواجه من أهل بيته؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أنهن لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم (٢)، والثاني - وهو الصحيح - أن أزواجه من آله) (٣) .
وقال: (ودليل ذلك أن أزواجه هم ممن يصلى عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين) (٤) .
ولذلك فإن محبتهن واجبة، وبغضهن وسبّهن محرم:
يقول ﵀: (ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة (٥) ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية.
والصديقة بنت الصديق ﵄ التي قال فيها النبي ﷺ: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٦) (٧) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٧/٢٤٣ - ٢٤٤.
(٢) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الخزرجي، استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، غزا مع النبي سبع عشرة غزوة، له قصة في نزول سورة المنافقون، شهد صفين مع علي، ت سنة ٦٦هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٥٥٦، الإصابة لابن حجر ١/٥٦٠.
(٣) منهاج السنة النبوية ٧/٧٥ - ٧٦.
(٤) منهاج السنة النبوية ٧/٧٨.
(٥) خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية، زوج النبي ﷺ أم المؤمنين، وأول من صدق ببعثته، كانت تدعى قبل البعثة: الطاهرة، كانت موسرة، لها أثر كبير في تثبيت النبي أول الدعوة، ت سنة ١٠ من البعثة. انظر في ترجمتها: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٢٧٩، الإصابة لابن حجر ٤/٢٨١.
(٦) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٠٦ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب فضل عائشة، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٩٥ كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة.
(٧) العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٥٤) .
[ ٥٣٨ ]
وأما من قذف أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ: سواء كانت عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ أو غيرها، فهو كافر؛ لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده (١) .
ولا يزال ابن تيمية ﵀ يثني على آل بيت رسول الله ﷺ، فيعتقد أن أفضل أهل بيت رسول الله ﷺ هو الرسول ﵊ (٢) .
وأما أفضل آل بيته من بعده فهو علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ثم حمزة (٣)، وجعفر (٤)، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (٥)؛ وهؤلاء هم السابقون للإسلام (٦) .
وأما أعلم آل بيت الرسول ﷺ فهو علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ثم ابن عباس (ت - ٦٨هـ) ﵄ كما بين ذلك في منهاج السنة (٧) .
وأما موقف ابن تيمية ﵀ من فاطمة (ت - ١١هـ) ﵂ بنت رسول الله ﷺ فهو مثل موقف أهل السنة، والجماعة تجاهها، حيث هي من أهل بيت
_________________
(١) انظر: الصارم المسلول لابن تيمية ص٥٦٥. ٥٦٧.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية ٧/٢٤١، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٤٧٢.
(٣) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، أبو عمارة، عم النبي ﷺ، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، شهد بدرًا، وأول لواء في الإسلام له في سرية، توفي في غزوة أحد سنة ٣هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٢٧١، الإصابة لابن حجر ١/٣٥٣.
(٤) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو عبد الله، ابن عم النبي، وأحد السابقين، وأخو علي شقيقه، كان يحب المساكين، وأشبه الناس برسول الله، هاجر إلى الحبشة، وأسلم على يديه النجاشي، توفي في غزوة مؤتة سنة ٨هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٢١٠، الإصابة لابن حجر ١/٢٣٧.
(٥) عبيدة بن الحارث القرشي المطلبي، أسلم قديمًا، وكان رأس بني عبد مناف يومئذ، شهد بدرًا وجرح فيها ومات بعد ذلك. انظر: ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣٧، الإصابة لابن حجر ٢/٤٤٩.
(٦) انظر: منهاج السنة ٦/١٩٤.
(٧) ٧/١٠٠.
[ ٥٣٩ ]
رسول الله ﷺ، ومن السابقين إلى الإسلام، ويعتقد أنها سيدة نساء العالمين (١) .
وأن تزويجها لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فضل له، لا لها (٢)، وقد بين الرسول ﷺ محبته لها في أحاديث متعددة منها قوله: «إنما ابنتي بضعة مني يَريبني مارابها ويؤذيني ما آذاها» (٣)، وفي مقام بيانه ﷺ عدم قبوله الشفاعة في حدود الله حتى في أقرب قريب وحبيب ضرب لذلك مثلًا بأقرب الناس إليه وهي فاطمة حيث قال ﷺ: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٤)، وبين ﵀ أن الرافضة يذمونها بما ظاهره المدح (٥) .
وأما موقفه من الحسن (٦)، والحسين (٧) ﵄ فهو: - كمن سبقهما -،
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية ٤/٦٣.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية ٤/٣٦.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٩/٣٢٧ كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب فاطمة، ومسلم في صحيحه ٤/١٩٠٢ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ، واللفظ له.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/٨٧ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب ذكر أسامة بن زيد، ومسلم في صحيحه ٣/١٣١٥ - ١٣١٦ كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف غيره، واللفظ له.
(٥) انظر فيما سبق: منهاج السنة النبوية ٤/٢٤٥ - ٢٤٨، ٢٥٠، ٢٥٣، ٥٨٧.
(٦) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله وريحانته، أبو محمد، أمير المؤمنين، لما مات أبوه كره القتال فتنازل عن الخلافة لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين فبايع معاوية ﵁، وعاش بعد ذلك عشر سنين، ت سنة ٤٩هـ، وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٣٦٩، الإصابة لابن حجر ١/٣٢٩.
(٧) الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، أبو عبد الله، سبط رسول الله وريحانته، شهد مع أبيه الجمل وصفين وقتال الخوارج، ومكث مع أخيه بعد وفاة أبيه إلى أن سلم الأمر إلى معاوية، واستمر معه إلى أن مات الحسن، ثم خرج إلى الكوفة وقتل سنة ٦١هـ. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ١/٣٧٨، الإصابة لابن حجر ١/٣٣٢.
[ ٥٤٠ ]
واحتج بالحديث الصحيح في فضل الحسن (ت - ٤٩هـ) ﵁ وهو قوله ﷺ عنه: «اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه» (١) .
وقال عن الحسين (ت - ٦١هـ) ﵁: (والحسين ﵁ ولعن قاتله قُتل مظلومًا شهيدًا في خلافته (٢) (٣) .
وقال عنهما في مقام الثناء عليهما، والاعتذار لهما: (الحسن تخلى عن الأمر وسلمه إلى معاوية، ومعه جيوش العراق، وما كان يختار قتال المسلمين قط، وهذا متواتر من سيرته والحسين ﵁ ما خرج يريد القتال، ولكن ظن أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافهم عنه، طلب الرجوع إلى وطنه، أو الذهاب إلى الثغر..) (٤) .
وقال: (والحسن والحسين من أعظم أهل بيته اختصاصًا به) (٥)، ثم ذكر الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه أدار كساءه على علي، وفاطمة، والحسن والحسين ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» (٦) .
وقال ﵀ عن علي بن الحسين (٧): (من كبار التابعين، وساداتهم علمًا ودينًا) (٨) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/٣٣٢ كتاب اللباس، باب السخاب للصبيان، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٨٣، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الحسن والحسين.
(٢) أي في خلافة يزيد بن معاوية.
(٣) منهاج السنة النبوية ٨/١٤١.
(٤) منهاج السنة النبوية ٤/٤٢.
(٥) منهاج السنة النبوية ٨/٥٦١.
(٦) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٨٨٣ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النبي عن عائشة، والترمذي في سننه، كتاب فضائل الصحابة حديث ٣٢٠٥ واللفظ له، والدارمي في سننه ٥/٦٦٣ كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي عن أم سلمة.
(٧) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن زين العابدين، ضرب به المثل في الحلم والورع والعبادة، كثير الصدقة، ت سنة ٩٤هـ. انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/١٦٢، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٢٩.
(٨) منهاج السنة النبوية ٤/٤٨، وانظر: ص٤٨ - ٥٠.
[ ٥٤١ ]
وقال: (وأما ثناء العلماء على علي بن الحسين ومناقبه فكثيرة ) (١) .
وأما أبو جعفر الباقر (٢)، فقد قال عنه ابن تيمية ﵀: (من خيار أهل العلم والدين، وقيل: إنما سمي الباقر، لأنه بقر العلم؛ لا لأجل بقر السجود جبهته) (٣) .
وقال ﵀ عن جعفر الصادق (ت - ١٤٨هـ): (من خيار أهل العلم والدين..) (٤) .
وقال عنه: (فإن جعفر بن محمد من أئمة الدين باتفاق أهل السنة) (٥) .
وقال عن أبي جعفر الباقر (ت - ١١٤هـ) وجعفر الصادق (ت - ١٤٨هـ) - رحمهما الله -:
(ولا ريب أن هؤلاء من سادات المسلمين، وأئمة الدين، ولأقوالهم من الحرمة والقدر ما يستحقه أمثالهم) (٦) .
ونقل في توثيق موسى بن جعفر (٧)، قول أبي حاتم الرازي (ت - ٢٧٧هـ) ﵀ عنه: (ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين) (٨) .
وأما من بعد هؤلاء من الأئمة الاثني عشر فلم يؤخذ عنهم من العلم ما
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٧/٥٣٤، وذكر بعد ذلك أقوال أهل العلم في الثناء عليه.
(٢) أبو جعفر الباقر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، تابعي جليل، كان إمامًا مجتهدًا، كثير العبادة، كبير الشأن، ت سنة ١١٤هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء لأبي نعيم ٣/١٨٠، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/٨٧.
(٣) منهاج السنة النبوية ٤/٥٠.
(٤) منهاج السنة النبوية ٤/٥٢.
(٥) منهاج السنة النبوية ٢/٢٤٥
(٦) منهاج السنة النبوية ٥/١٦٢ - ١٦٣.
(٧) موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين، من أعبد أهل زمانه، وأحد كبار العلماء، سكن المدينة ثم بغداد ثم عاد إلى المدينة، ت سنة ١٨٣هـ. انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب ١٣/٢٧، ميزان الاعتدال للذهبي ٤/٢٠١.
(٨) انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/١٣٩ نقل ذلك عن أبيه.
[ ٥٤٢ ]
يذكر به أخبارهم في كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم (١) .
وفي الجملة: فمحبة ابن تيمية ﵀ لآل البيت ظاهرة، وثناؤه عليهم متواصل، سواء كان ذلك في فضائلهم العامة التي يشتركون فيها جميعًا، أو كان ذلك في فضائل بعضهم على بعض، أو على سائر الأمة، يقول ﵀ مقررًا حقوقهم بكلام عام: (ولا ريب أن لآلِ محمد ﷺ حقًا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشًا يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل، كما أن جنس العرب يستحق من المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم.. ولا ريب أنه قد ثبت اختصاص قريش بحكم شرعي، وهو كون الإمامة فيهم دون غيرهم، وثبت اختصاص بني هاشم بتحريم الصدقة عليهم، وكذلك استحقاقهم من الفيء عند أكثر العلماء، وبنو المطلب معهم في ذلك.. فهم مخصوصون بأحكام لهم وعليهم، وهذه الأحكام تثبت للواحد منهم وإن لم يكن رجلًا صالحًا) (٢) .
وفي المقابل فإن الرافضة يلمزون أهل السنة والجماعة جميعهم بالوقيعة في أهل البيت، وبغضهم، كما فعلوا ذلك بابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ وغيره (٣) .
المسألة الثانية: موقف ابن تيمية ﵀ من علي بن أبي طالب ﵁.
أثنى ابن تيمية ﵀ على الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ وذكر فضائله، ومناقبه، وأنصفه من خصومه، ولكي أعطي صورة سريعة ومجملة حول موقفه منه يحسن بي أن أذكر النقاط التالية:
١ - علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ أفضل الأمة بعد الخلفاء الأوائل
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٤/٥٦.
(٢) مناج السنة النبوية ٤/٥٩٩، وانظر: الوصية الكبرى لابن تيمية ص٤٢.
(٣) انظر: الغدير ٣/٢١٨.
[ ٥٤٣ ]
الثلاثة، وذلك موافق للنصوص الشرعية (١) .
٢ - أنه آخر الخلفاء الراشدين، وأن ذلك مما اتفقت عليه الأمة، يقول ابن تيمية ﵀: (وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃) (٢) .
وقد أثبت الرسول ﷺ أن خلافته خلافة نبوة، كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀ في مواضع متعددة (٣)، من حديث سفينة (٤) المشهور قوله: قال رسول الله ﷺ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» قال سفينة ﵁: أمسك: مدة أبي بكر سنتان، وعمر عشر، وعثمان اثنتا عشرة، وعليّ كذا) (٥)، أي ست سنوات.
قال ابن تيمية ﵀: (عليّ آخر الخلفاء الراشدين، الذين هم ولايتهم خلافة نبوة ورحمة، وكلٌ من الخلفاء الأربعة ﵃ يشهد له بأنه من أفضل أولياء الله المتقين) (٦) .
٣ - أن محبته من السنة ومن الإيمان، يقول ابن تيمية ﵀: (وأما
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٦/٣٣٠، مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٢١.
(٢) الوصية الكبرى ص٤١، وانظر: منهاج السنة النبوية له ٤/٤٠٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٧.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ١/٥١٥، ٥٣٧، ٤/٥٢٢، ١/٢٤٣.
(٤) سفينة مولى رسول الله، كان اسمه مهران وقيل غير ذلك، واختلف في اسمه اختلافًا كبيرًا وصل إلى واحد وعشرين قولًا، كان أصله من فارس، اشترته أم سلمة فأعتقته، واشترطت عليه أن يخدم النبي. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/١٢٩، الإصابة لابن حجر ٢/٥٨.
(٥) الحديث أخرجه الترمذي في سننه ٤/٥٠٣ كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، وأبو داود في سننه ٥/٣٦ كتاب السنة، باب الخلفاء واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/٦٣٠.
(٦) منهاج السنة النبوية ٧/٤٥٣.
[ ٥٤٤ ]
علي ﵁ فإن أهل السنة يحبونه ويتولونه، ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين) (١) .
٤ - أنه من أهل الجنة وأنه يموت شهيدًا (٢) .
٥ - أن سيرته فيها العلم والعدل والبر والرشاد، كما يقول عنه شيخ الإسلام: (وأما عثمان وعلي ﵄ فهما من الخلفاء الراشدين، وسيرتهما سيرة العلم والعدل والهدى والرشاد والصدق والبر) (٣)، ويقول - أيضًا -: (وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال: التسوية، وكذلك سيرة علي ﵁، فلو بايعوا عليًا أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر، مع كون قبيلته أشرف القبائل..) (٤) .
٦ - أثبت له ابن تيمية ﵀ كثيرًا من الصفات الحميدة، وقررها، فمنها:
أ - أنه يحب الله، ويحبه الله، كما يقول ابن تيمية ﵀: (وأما علي ﵁ فلا ريب أنه ممن يحب الله ويحبه الله ) (٥) .
ب - أثبت له صفة الزهد بقوله: (وأما زهد علي ﵁ في المال فلا ريب فيه) (٦) .
جـ - أثبت له صفة الصدق بقوله: (نحن نعلم أن عليًا كان أتقى لله من أن يتعمد الكذب) (٧) .
٧ - جواز الدعاء له بالصلاة عليه؛ وذلك لدخوله في آل بيت النبي ﷺ، بل هو أفضلهم، فدخوله من باب أولى حين الصلاة على محمد وآله في قولنا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) .
_________________
(١) منهاج النسة النبوية ٦/١٨، وانظر: الوصية الكبرى له ص٤٣.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣١، ٢٥/٣٠٦.
(٣) الأموال المشتركة ص٦٥.
(٤) منهاج السنة النبوية ٢/٥٣
(٥) منهاج السنة النبوية ٧/٢١٨، وانظر: ص٣٦٦.
(٦) منهاج السنة النبوية ٧/٤٨٩.
(٧) منهاج السنة النبوية ٧/٨٨، وانظر: الأموال المشتركة له ص٦٥.
[ ٥٤٥ ]
وأما الصلاة عليه منفردًا: فإن كان لا على سبيل الدوام والاستمرار فهذا جائز على الصحيح.
وأما إن كانت الصلاة عليه بحيث يجعل ذلك شعارًا مقرونًا باسمه، مضاهاة للنبي ﷺ، فهذا لا يجوز وهو بدعة، سواء كان المصلى عليه علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ أو كان غيره من الصحابة أو القرابة (١) .
ونجد من دعاء ابن تيمية ﵀ له، أنه يعقب اسمه بقوله: (﵇) مرارًا (٢) .
٨ - يدافع عنه ابن تيمية ﵀ وينصفه من خصومه، ويعتقد أن سبه ولعنه من البغي الذي تستحق به الطائفة التي تلعنه، أو تسبه أن يقال لها: الطائفة الباغية (٣) ثم ذكر حديث أبي سعيد (ت - ٧٤هـ) ﵁ فقال حين ذكر بناء مسجد رسول الله ﷺ: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» (٤) .
وفي حديث آخر أن عمارًا حين جعل يحفر الخندق جعل رسول الله ﷺ يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية» (٥) .
قال ابن تيمية ﵀: (وهذا أيضًا يدل على صحة إمامة علي، ووجوب
_________________
(١) انظر في هذه المسألة: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٢٠، ٤٩٦، الفتاوى الكبرى له ١/٤٧٤.
(٢) انظر: على سبيل المثال: الاستقامة ١/٣٦١، الصفدية ١/٢٩٢، منهاج السنة النبوية ١/١٣٢.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٧.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٥٤١ كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المساجد.
(٥) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٢٣٥ - ٢٢٣٦ كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
[ ٥٤٦ ]
طاعته، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار..) (١) .
٩ - أنه أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية (ت - ٦٠هـ) ﵄ فيما حصل بينهما، مع أن كلا الطائفتين معها بعض الحق، فبعد ذكره حديث أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ قوله: قال رسول الله ﷺ: «تمرق مارقة عند فُرقةٍ من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٢) . قال: (وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن عليًا ﵁ أقرب إلى الحق) (٣) .
وقال ﵀: (ولو قدح رجل في علي بن أبي طالب بأنه قاتل معاوية، وأصحابه، وقاتل طلحة والزبير، لقيل له: علي بن أبي طالب أفضل وأولى بالعلم والعدل من الذين قاتلوه، فلا يجوز أن يجعل الذين قاتلوه هم العادلين، وهو ظالم لهم) (٤) .
وقال - أيضًا -: (ولم يسترب أئمة السنة، وعلماء الحديث: أن عليًا أولى بالحق، وأقرب إليه، كما دل عليه النص، وإن استرابوا في وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغي، ومن وصفها بالظلم والبغي لما جاء من حديث عمار، جعل المجتهد في ذلك من أهل التأويل) (٥) .
١٠ - وأما عن تخصيص علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ بعلم من علم الغيب، فليس بصحيح، فكل ما ينقل عنه أن الرسول ﷺ خصه بعلم الباطن فهذا كذب عليه،
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٧.
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٧٤٤ - ٧٤٥ كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، وأبو داود في سننه ٥/٥٠ كتاب السنة حديث ٤٦٦٧.
(٣) الوصية الكبرى ص٤٢، وانظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان له ٧٣ - ٧٤.
(٤) منهاج السنة النبوية ٦/٢٦٤.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٩، وانظر: ص٤٣٣، ٤٣٨، ٤٦٦، وانظر: الجواب الصحيح له ٦/١١٤، السياسة الشرعية له ١٣٥، منهاج السنة النبوية ٤/٣٥٨، ٣٨٣، ٣٩٥.
[ ٥٤٧ ]
كيف وقد قال الله ﷿: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
يقول ابن تيمية ﵀ بعد أن بين أن الرسول ﷺ ليس له علم خاص باطن يخص به أحدًا، بخلاف ما يظهره لعامة الناس: (وكل من كان عارفًا بسنته وسيرته علم أن ما يروى خلاف هذا فهو مختلق كذب، مثل ما يذكره بعض الرافضة عن علي أنه كان عنده علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر) (١) .
ثم قال: (وقد أجمع أهل المعرفة بالمنقول على أن ما يروى عن علي وعن جعفر الصادق من هذه الأمور التي يدعيها الباطنية كذب مختلق) (٢) .
وقال ﵀: (وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص علي بعلم انفرد به عن الصحابة فكله باطل ، وما يقوله بعض الجهال أنه شرب من غُسل النبي ﷺ فأورثه علم الأولين والآخرين، من أقبح الكذب البارد، فإن شرب غُسل الميت ليس بمشروع، ولا شرب علي شيئًا، ولو كان هذا يوجب العلم لشركه في ذلك كل من حضر، ولم يرو هذا عن أحد من أهل العلم، وكذلك ما يذكر أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما: فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية) (٣) .
وقد قال علي (ت - ٤٠هـ) ﵁: (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عهد إليّ النبي ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس، إلا ما في هذه الصحيفة، - وكان فيها العقل (٤)، وفكاك الأسرى، وأن لا يقتل مسلم بكافر -، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في الكتاب) (٥) .
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٥.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٦.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤١٢ - ٤١٣، وانظر: منهاج السنة النبوية ٨/١٠، ١٣٩ - ١٥٠.
(٤) العقل: الدية؛ لأن القاتل يكلف أن يسوق إبل الدية إلى فناء المقتول ثم يعقلها، انظر: المصباح المنير للفيومي ص٤٢٢ - ٤٢٣.
(٥) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ١/٢٠٤ كتاب العلم باب كتابة العلم، والدارمي في سننه ٢/١٩٠ كتاب الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر. بنحوه.
[ ٥٤٨ ]
وفي الجملة: فثناء ابن تيمية ﵀ على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ مبثوث في كتبه، قد أقره معترفًا به، مستدلًا على ذلك بنصوص الكتاب والسنة، يقول ﵀: (وعلي ﵁ فضّله الله وشرّفه بسوابقه الحميدة، وفضائله العديدة) (١) .
وقال: (وكتب أهل السنة من جميع الطوائف مملوءة بذكر فضائله ومناقبة، وبذم الذين يظلمونه من جميع الفرق، وهم ينكرون على من سبه، وكارهون لذلك) (٢) .
ومع كل هذا الثناء، والاعتراف بقدره، وموافقة أهل السنة في عقيدتهم فيه، إلا أن المناوئين لابن تيمية ﵀ يتهمونه بأنه يبغض عليًا، وأنه ينتقص حقه، ويخفي فضائله، وحال المناوئين معه كما قال الشاعر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم (٣)
وابن تيمية ﵀ وإن كان قد أثنى على علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا أنه لم يغل فيه، ولم يغمطه حقه، بل كان وسطًا، ففي مناقشاته للرافضة يحاول كثيرًا إقناعهم بالمنهج الوسط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وذلك ببيان فضائل الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ وخصائصهم، وأنهم أفضل منه، لأن الرافضة لا يثنون على علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا وينتقصون الخلفاء الثلاثة قبله، فكل فضيلة تثبت له، يقابلها توهين وتحقير وتنقيص لفضائل الثلاثة قبله، ويظن الرافضة - أيضًا - أن عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ إذا كان أفضل آل البيت فمعناه أنه أفضل الأمة، وأنهم إذا سمعوا فضيلة له ظنوا أنها لا تكون إلا لأفضل الأمة،
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٧/٤٧٤.
(٢) منهاج السنة النبوية ٤/٣٩٦، وانظر في أقوال القادحين في علي: منهاج السنة النبوية ٤/٣٨٩، ٤٠١، ومواقف الناس من علي: جامع الرسائل ١/٢٦٢، منهاج السنة النبوية ١/٥٣٥، ٤/٣٢٦، ٧/٤٥٢، وأقوال الناس في إمامة علي: منهاج السنة النبوية ١/٥٣٧، ٤/١٠٦.
(٣) انظر: ديوان البوصيري ص٢٤٥.
[ ٥٤٩ ]
ثم يزيدون في فضائله آثارًا كاذبة، ونصوصًا مختلقة، يقول ابن تيمية ﵀: (وليس إذا كان علي أفضل أهل البيت بعد رسول الله ﷺ يجب أن يكون أفضل الناس بعده) (١) .
ويقول: (والرافضة لفرط جهلهم، وبعدهم عن ولاية الله وتقواه ليس لهم نصيب كثير من كرامات الأولياء، فإذا سمعوا مثل هذا عن علي ظنوا أن هذا لا يكون إلا لأفضل الخلق) (٢) .
ثم إن الرافضة ومن وافقهم - أيضًا لفرط جهلهم - لا يفرقون بين الخصائص والمناقب، فهم يظنون أن كل منقبة وفضيلة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إنما هي من خصائصه بالضرورة، وهذا خطأ ظاهر ينبه عليه ابن تيمية ﵀ كثيرًا بأن هذه الصفة ليست من خصائصه، من باب بيان الحق، وعدم تنقيص بقية الصحابة الذين يشركونه في هذه الصفة، فيظن المخالف أن شيخ الإسلام ﵀ ينتقص من علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ وابن تيمية ﵀ لم ينتقص عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ ولا غيره من الصحابة، بل عمله هذا دليل على عدم انتقاص أحد من الصحابة في مقام الثناء على أحد غيره، ولعلّي أذكر بعض الأمثلة على هذه القاعدة - أي التفريق بين الخصائص والمناقب - حتى تتضح الرؤية أكثر:
أ - أن استخلافه على المدينة في غزوة تبوك ليس من خصائصه، بل هو من فضائله، ولم يكن استخلافه على المدينة في غزوة تبوك، لأجل أن المتخلف عن الغزوة أفضل من غيرهم، أو أكثر من غيرهم من المتخلفين في الغزوات الأخرى.
يقول ابن تيمية ﵀: (وأما استخلافه لعليّ على المدينة، فذلك ليس من خصائصه، فإن النبي ﷺ كان إذا خرج في غزاة استخلف على المدينة رجلًا من
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٧/٢٤٢.
(٢) منهاج السنة النبوية ٨/٢٠٣.
[ ٥٥٠ ]
أصحابه، كما استخلف ابن أم مكتوم (١)
تارة، وعثمان بن عفان تارة) (٢) وذكر أمثلة متعددة لاستخلاف النبي ﷺ أفرادًا من الصحابة على المدينة في أسفاره وغزواته ثم قال: (واستخلاف علي لم يكن على أكثر ولا أفضل ممن استخلف عليهم غيره، بل كان يكون في المدينة في كل غزوة من الغزوات من المهاجرين والأنصار أكثر وأفضل ممن تخلف في غزوة تبوك، فإن غزوة تبوك لم يأذن النبي ﷺ لأحد بالتخلف فيها، فلم يتخلف فيها إلا منافق، أو معذور، أو الثلاثة الذين تاب الله عليهم ) (٣) .
وقال: (وبالجملة فالاستخلاف على المدينة ليست من خصائصه، ولا تدل على الأفضلية، ولا على الإمامة، بل قد استخلف عددًا غيره، ولكن هؤلاء جهال ويجعلون الفضائل العامة المشتركة بين علي وغيره خاصة بعلي) (٤) .
فشيخ الإسلام ﵀ لم ينكر كونها منقبة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ لكنه يرد غلو الرافضة في حبه في مقابل تنقص غيره من الصحابة، فهو يثبتها فضيلة، لكنه دفاعًا عن بقية الصحابة لا يجعلها خاصية له دون غيره.
ب - أن ربط الإيمان بحبه، وربط النفاق ببغضه ليس من خصائصه، بل هو من فضائله، فقد رُبطا بغيره - أيضًا -، ولهما - أي الإيمان والنفاق - علامات وأسباب أخرى.
يقول الرسول ﷺ: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٥) .
_________________
(١) ابن أم مكتوم بن قيس بن زائدة القرشي، ويقال: اسمه عمرو، ابن خال خديجة أم المؤمنين، أسلم قديمًا بمكة، كان من المهاجرين الأولين، استخلفه النبي مرات كثيرة، كان يؤذن لرسول الله مع بلال. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/٢٥٩، الإصابة لابن حجر ٢/٥٢٣.
(٢) منهاج السنة النبوية ٤/٢٧١ - ٢٧٢.
(٣) منهاج السنة النبوية ٤/٢٧٢.
(٤) منهاج السنة النبوية ٧/٣٣٨.
(٥) سبق تخريجه ص٤٩٨.
[ ٥٥١ ]
يقول ابن تيمية ﵀ بعد ذكره بعض فضائل علي، ومنها هذه الفضيلة: (فهذه الأمور ليست من خصائص علي، لكنها من فضائله ومناقبه التي تعرف بها فضيلته، واشتهر رواية أهل السنة لها، ليدفعوا بها قدح من قدح في علي، وجعلوه كافرًا أو ظالمًا، من الخوارج وغيرهم) (١) .
جـ - أن القول بأنه أشجع الناس، أو أن من خصائصه أنه لم ينهزم قط، فهذا ليس بصحيح، فإن أشجع الناس رسول الله ﷺ، كما في الصحيحين عن أنس (ت - ٩٣هـ) ﵁ قال: (كان النبي ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم النبي ﷺ راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو يقول: «لم تراعوا» (٢) .
وعن علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ قال: (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه) (٣)،
ثم استعرض شيخ الإسلام ﵀ شجاعة الخلفاء الثلاثة قبله، وشجاعة غيره من الصحابة بعد أن بين أن الشجاعة تفسر بشيئين:
(أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف، والثاني: شدة القتال بالبدن ) (٤) .
ويقول ابن تيمية ﵀ عن تخصيصه بأنه لم يهزم: (هو في ذلك كأبي بكر
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/٣٧١.
(٢) أخرج الحديث البخاري في صحيحه ٦/٩٥ كتاب الجهاد، والسير، باب الحمائل وتعليق السيف، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٠٢ - ١٨٠٣، كتاب الفضائل، باب شجاعة النبي ﷺ، وابن ماجه في سننه ٢/٩٢٦ كتاب الجهاد باب الخروج في النفير بلفظ (لن تراعوا) .
(٣) الحديث أخرجه أحمد في مسنده ١/١٥٦ من حديث علي ﵁ وأبو يعلى في مسنده ١/٢٥٨، وصحح إسناده الأرناؤوط في تحقيقه مسند الإمام أحمد ٢/٤٥٣ - ٤٥٤.
(٤) منهاج السنة النبوية ٨/٧٧.
[ ٥٥٢ ]
وعمر وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة ﵃ فالقول في أنه ما انهزم، كالقول في أن هؤلاء ما انهزموا قط، ولم يعرف لأحد من هؤلاء هزيمة) (١) .
د - أن الصدق، والإيمان بالله ورسوله ليس من خصائصه، بل هو في عداد الصادقين، والمؤمنين بالله ورسوله، وإن كان من أفضلهم لكن ليس من خصائصه هاتان الصفتان (٢) .
هـ - أن محبته لله ورسوله ﷺ، ومحبة الله ورسوله ﷺ له ليس من خصائصه، بل من فضائله ومناقبه؛ لأنه يشركه فيها غيره من الصحابة، وقد يفوقه بعضهم بهذه الصفة، قال ابن تيمية ﵀ في كلام عادل له، ومنصف للخلفاء الأربعة جميعًا عن هذه الصفة في مقام الرد على الرافضة: (وأما علي ﵁ فلا ريب أنه ممن يحب الله، ويحبه الله، لكن ليس بأحق بهذه الصفة من أبي بكر وعمر وعثمان، ولا كان جهاده للكفار والمرتدين أعظم من جهاد هؤلاء، ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء، بل كل منهم له سعي مشكور، وعمل مبرور، وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير جزاء، فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون) (٣) .
وفي الجملة فإن الشيعة يجعلون كل فضيلة لعلي خاصية له، وهذا معلوم بطلانه وخطؤه ببديهة العقل، ولذا يقول ابن تيمية ﵀: (وهكذا الأمر مع الشيعة: يجعلون الأمور المشتركة بين علي وغيره التي تعمه وغيره، مختصة به، حتى رتبوا عليه ما يختص به من العصمة والإمامة والأفضلية وهذا كله منتفٍ) (٤) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٨/٩١.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية ٥/٢٠، ٧/٢٦٦ - ٢٧١.
(٣) منهاج السنة النبوبة ٧/٢١٨ - ٢١٩، وانظر: ٥/٢٠
(٤) منهاج السنة النبوية ٧/٣٣٨، وقد بين ﵀ أن فضائل علي مشتركة ليست خصائص له في مواضع متعددة من منهاج السنة النبوية، انظر: ٥/٦ - ٧ - ٧/١٧٢، ٢٣٩، ٨/٤٢١، ٥٤٠.
[ ٥٥٣ ]
هذه نماذج مختصرة في بيان فضائل علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ومناقبه، التي يشترك معه فيها غيره من الصحابة ﵃ قد بينها ابن تيمية ﵀ مثنيًا بها على الجميع، ومحبًا لجميع الصحابة في إثبات هذه الفضائل لهم، لكن الرافضة لما كان من منهجهم أنهم لا يثبتون منقبة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا ويتبعونها بالغمز واللمز على غيره من الصحابة، سواء كانوا أفضل منه أو أقل منه في مرتبة الفضل، قابلهم ابن تيمية ﵀ في مقام المناظرة لهم بأن لا يذكر فضيلة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا ويذكر من شاركه من الصحابه فيها، ويركز على الخلفاء الراشدين الثلاثة قبله، مبينًا فضلهم، ومنزلتهم، وأنهم أحق بهذه الصفات والمناقب منه، فصفاتهم أكمل من صفاته، وإن كان هو أفضل من بقية الصحابة من غير الخلفاء الثلاثة قبله، فما من صفة ذم يذم بها الرافضة الخلفاء الراشدين الثلاثة، إلا ويلزمهم ابن تيمية ﵀ بأن عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ أولى بالذم منهم، وما من صفة مدح من الرافضة له، إلا والثلاثة قبله أولى بالمدح منه، ويلاحظ أن ابن تيمية ﵀ لم يذم عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ قط، لكن الرافضة يظنون أن بيان ابن تيمية ﵀ مشاركة الصحابة عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ في بعض الصفات هو من باب الذم له، إلا أن ابن تيمية ﵀ بين أن الرافضة هم الذين يذمون عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ في مواضع يظنون أنهم يمدحونه ويثنون عليه فيها، أو أنهم في المقابل يغلون في حبه، ويفرطون في ذلك (١) .
ومن الأمثلة على مقابلة ابن تيمية ﵀ مدح الرافضة عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ بمدح الخلفاء الثلاثة، وذم الرافضة الخلفاء الثلاثة بأن عليًا (ت - ٤٠هـ) ﵁ أولى بالذم - من باب الإلزام في المناظرة - ما يلي:
قال ﵀: (من العجب أن الرافضة تنكر سب علي، وهم يسبون أبا بكر وعمر وعثمان، ويكفرونهم ومن والاهم.
ومعاوية ﵁ وأصحابه ما كانوا يكفرون عليًا، وإنما يكفره الخوارج
_________________
(١) انظر: منهاج النبوية ٧/٤٩١، ٨/٥، ١٥٨.
[ ٥٥٤ ]
المارقون، والرافضة شر منهم، فلو أنكرت الخوارج السب لكان تناقضًا منها، فكيف إذا أنكرته الرافضة؟
ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا علي ولا عثمان ولا غيرهما، ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثمًا ممن سب عليًا ) (١) .
وقال ﵀: (وإن قالوا بجهلهم: إن هذا الذنب (٢) كفر، ليكفروا بذلك أبا بكر، لزمهم تكفير علي، واللازم باطل فالملزوم مثله، وهم دائمًا يعيبون أبا بكر وعمر وعثمان، بل ويكفرونهم بأمور قد صدر من علي ما هو مثلها، أو أبعد عن العذر منها، فإن كان مأجورًا أو معذورًا فهم أولى بالأجر والعذر) (٣) .
وبيّن ﵀ وسطيته في موقفه من الصحابة بين الخوارج والرافضة فقال: (وإذا كنا ندفع من يقدح في علي من الخوارج، مع ظهور هذه الشبهة (٤)، فلأن ندفع من يقدح في أبي بكر وعمر بطريق الأولى والأحرى.
وإن جاز أن يظن بأبي بكر أنه كان قاصدًا للرئاسة بالباطل، مع أنه لم يعرف منه إلا ضد ذلك، فالظن بمن قاتل على الولاية - ولم يحصل مقصوده - أولى وأحرى فإذا كنا نظن بعلي أنه كان قاصدًا للحق والدين، وغير مريد علوًا في الأرض ولا فسادًا، فظن ذلك بأبي بكر وعمر ﵄ أولى وأحرى..
أما أن يقال: إن أبا بكر كان يريد العلو في الأرض والفساد، وعلي لم يكن يريد علوًا في الأرض ولا فسادًا، مع ظهور السيرتين، فهذا مكابرة، وليس فيما تواتر من السيرتين ما يدل على ذلك..) (٥) .
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/٤٦٨.
(٢) أي إيذاء فاطمة ﵂ بنت الرسول ﷺ.
(٣) منهاج السنة النبوية ٤/٢٥٣.
(٤) في القتال الدائر بين الصحابة في عهد علي ﵁.
(٥) منهاج السنة النبوية ٧/٤٥٤ - ٤٥٥، ويلاحظ أن أكثر النصوص التي يزعم الرافضة أن ابن تيمية ﵀ يبغض فيها عليًا ﵁ إنما هي من منهاج السنة، وهذا الكتاب رد على الرافضة، فأغلب النصوص التي فيها مقارنة علي بغيره هي في هذا الكتاب من باب الإلزام وإقامة الحجة على المخالف، ويكون في المناظرة والرد ما لا يكون في ابتداء الكلام والعرض.
[ ٥٥٥ ]
وفي الجملة فإن محبة ابن تيمية ﵀ صحابة رسول الله ﷺ، وآل بيته، وعلي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵃ ظاهرة معلومة، وواضحة لمن قرأ كتب شيخ الإسلام بإنصاف، وطلبٍ للحق، ولكنه الهوى يُعمي ويُصم ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] .
[ ٥٥٦ ]