المنهج العام للمناوئين
تحدثت في المطلب السابق عن أبرز التوجهات العقدية التي كان ابن تيمية ﵀ يواجهها، وتواجهه، أما هذا المطلب فسيكون في منهج المخالفين لابن تيمية في تعاملهم معه، ومع ما يحمله من توجه عقدي، ومواقفهم إزاء هذا التوجه، وسيكون هذا المطلب عرضًا لأبرز ملامح منهج المخالفين لابن تيمية ﵀ تجاهه، وتجاه مؤلفاته وتعاملهم معها: تحريفًا، وتشويهًا، وتزويرًا.
ولعل أبرز هذه الملامح كالتالي:
١ - التزوير على شيخ الإسلام والكذب عليه: فلقد بُلي ﵀ بأعداء لا يخافون الله ﷿ أوصلهم عداؤهم إلى الاجتراء على الكذب، بتقويله ما لم يقل، والتزوير عليه في كتابة مؤلفات باسمه، وادعاء أنها له، وهو منها براء.
ومن هذه الافتراءات والكذب عليه: دعوى أن ابن تيمية ﵀ يقول بالتشبيه في مسألة استواء الباري ﷿ على كرسيه، وممن ادعى ذلك ابن بطوطة (١) في رحلته المشهورة (٢) .
ومن الكذب عليه - أيضًا - ما ادعاه الكوثري (٣) في أن ابن تيمية ﵀
_________________
(١) ابن بطوطة: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، رحالة مؤرخ، طاف البلدان، واتصل بكثير من الملوك والأمراء، ت سنة ٧٧٩هـ. انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر ٤/١٠٠.
(٢) انظر: رحلة ابن بطوطة المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار) ص١١٢ - ١١٣.
(٣) الكوثري: محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري الجركسي، فقيه مؤرخ متكلم، اشتهر بعدائه لمذهب السلف، ت سنة ١٣٧١هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٦/٣٦٣، معجم المؤلفين لكحالة ١٠/٤.
[ ٧٦ ]
يقول بوحدة الوجود (١)، وأنه ينصر هذا المذهب ويؤيده (٢) .
ومن الافتراء عليه: الزعم بأنه ﵀ أعلن رجوعه إلى عقيدة الأشاعرة، وأنه تاب من عقيدة السلف الصالح، وأنه أقر بعقيدتهم في باب الصفات ونقلوا منها بعض النقولات، وادعوا أن ذلك كان سنة (٧٠٧هـ)، وأنه شهد عليه جمع من العلماء بذلك (٣) .
وذكر صفي الدين البخاري (٤)، نماذج من افتراءات أعداء ابن تيمية ﵀ عليه، ومنها: زعمهم أنه يقول بالتشبيه والتجسيم، وزعمهم أنه ﵀ ينتقص من منزلة بعض الصحابة، وقد أجاب عنها البخاري (ت - ١٢٠٠هـ) ﵀ بأجوبة طيبة (٥) .
وذكر ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ في حوادث سنة (٧٠٢هـ) أنه وقع في يد نائب السلطنة كتاب مزوّر، فيه أن الشيخ وجماعة معه كاتبوا التتار، ويرغبونهم في تغيير نائب السلطان على الشام، فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أنه
_________________
(١) وحدة الوجود: هي القول بأن العالم هو الله، والله هو العالم، وذلك مبني على أصلهم الفاسد، أن الله عين هذا الوجود، ومن أشهر زعماء أهل وحدة الوجود: ابن عربي، وابن سبعين. انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ٢/٥٢١ - ٥٥٧، وحدة الوجود لمحمد الراشد ٢٧ - ٦١، المعجم الفلسفي لصليبا ٢/٥٦٩ - ٥٧٠، معجم ألفاظ الصوفية للشرقاوي ص٢٥، أضواء على التصوف لطلعت غنام ص٢٠٠ - ٣٣٨.
(٢) انظر: مقالات الكوثري ص٤٤٦.
(٣) انظر: الدرر الكامنة ١/١٥٨، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص٨٣ - ٨٤.
(٤) صفي الدين البخاري: محمد بن أحمد بن خير الله الحنفي الحسيني، أبو الفضل، أصله من بخارى، تجول في البلدان إلى أن استقر في نابلس، ماتريدي المعتقد، محدث حافظ، ت سنة ١٢٠٠هـ. انظر في ترجمته: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي ١/٦٥٢، الأعلام للزركلي ٦/٢٤١، معجم المؤلفين لكحالة ٩/٥.
(٥) انظر: القول الجلي (ضمن مجلة كلية أصول الدين العدد الثاني ص٢٣٨ - ٢٤٧) .
[ ٧٧ ]
مفتعل، ففحص عن واضعه، فإذا هو فقير معروف بالشر والفضول، حيث وجد معه ومع من يعاونه مسودة الكتاب، فتحقق نائب السلطنة من ذلك، وعزره تعزيرًا عنيفًا (١) .
ومن الافتراء والكذب عليه: أن مخالفيه ادعوا أنه يحرم زيارة القبور مطلقًا، فحُرّف كلامه ﵀ ونُقل عنه ما لم يقله (٢)، وقد أجاب شيخ الإسلام ﵀ عن هذه الدعوى مبينًا خطر الكذب المتعمد، وبين أن من تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم (٣) .
وبعد استطراد عن خطر الكذب، وأنواعه، نقل ابن تيمية ﵀ كلام الأخنائي (ت - ٧٦٣هـ) ضده في أنه يحرم زيارة القبور مطلقًا، في جواب له كان قد كتبه قبل سنين، فأجاب ابن تيمية ﵀ بقوله: (هذا الكلام مع قلّته، فيه من الكذب الباطل، والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة، وكان له أن يحكي لفظ المجيب بعينه، ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد.
فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه، فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم؛ وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا) (٤) .
وحين نوظر ﵀ في العقيدة الواسطية، بيّن للحاضرين جميعًا أنه يعلم بما زوره عليه أعداؤه، وأنه لا يرتضي هذا التزوير، ولا يمثل هذا المكتوب المزوّر شيئًا من عقيدته حتى ينظر فيه هو ويقره، فقال: (وكان قد بلغني أنه زُوِّر عليّ كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير، أستاذ دار السلطان، يتضمن ذكر عقيدة محرفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أنه مكذوب) (٥) .
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ١٤/٢٢.
(٢) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٣٢٨.
(٣) انظر: الرد على الأخنائي ص٩ - ١٢.
(٤) الرد على الأخنائي ص١٢ - ١٣.
(٥) حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦١) .
[ ٧٨ ]
وبعد أن ذكر ﵀ للحاضرين شيئًا من معتقده قال: (أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليّ، كما قد كذبوا عليّ غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون كتم بعضه، أو داهن، أو دارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام) (١) .
٢ - التلبيس والتضليل: وهذا نوع آخر من أنواع الكذب والتزوير على ابن تيمية ﵀ يستخدمه بعض خصومه، وصورته: أن يتحدث المخالف لعقيدة السلف في مسألة من المسائل المبتدعة، ثم يستشهد لنصرة ما يقوله ويقرره من الابتداع بكلام شيخ الإسلام ﵀ فيظن الناظر أن ابن تيمية ﵀ يقول بهذا القول، ولا يظهر هذا التلبيس إلا عند التحقيق، وذلك بالرجوع إلى النص في الكتاب الأصلي لابن تيمية ﵀ ليجد الناظر أن المخالف قد اجتزأ النص، وبتره، فصار كلامًا آخر غير الكلام الذي يريده قائله، أو أن يستدل المخالف بنص مجمل مشتبه وليس هو موضع تقرير المسألة التي نقموا عليه فيها، ويترك النصوص المبينة المحكمة التي تفصل تلك المسألة وتقررها وفق القواعد العلمية المرعية عند أهل الشأن.
ومن الأمثلة على هذا التلبيس: دعوى أن شيخ الإسلام ﵀ لا يأخذ بخبر الواحد في أمور الاعتقاد، والاستشهاد لهذا بكلام له ﵀ (٢) .
ومنها النقل عن ابن تيمية ﵀ أنه يثني على الأشاعرة، وأنهم أنصار أصول الدين (٣) .
ومنها النقل عن ابن تيمية ﵀ أنه يجيز التوسل بالرسول ﷺ في حياته،
_________________
(١) حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/١٦٢)، وانظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص٢٠٠.
(٢) انظر: مقدمة السقاف لتحقيق دفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص٤٥.
(٣) انظر مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص٣٨، وقد رد عليه الشيخ صالح آل الشيخ: في هذه مفاهيمنا ص٢٣٠، وبين أن هذا نقل نقله ابن تيمية ﵀ عن العز بن عبد السلام.
[ ٧٩ ]
والتلبيس هو: أن المقصود - أيضًا - جوازه بعد مماته (١)، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي يدعيها أعداء ابن تيمية ﵀ (٢)، في أنه يوافقهم على عقائدهم الفاسدة، وهذا أسلوب آخر من أساليب تشويه الكلام الحق، حيث لما رأى أولئك أن ابن تيمية ﵀ له القبول في الأرض، وأن كلامه في المسائل العلمية يوافقه الصواب - غالبًا -، أرادوا أن يبثوا عقائدهم الفاسدة ببيان موافقة ابن تيمية ﵀ لما يعتقدونه ويقررونه، ولذا فإن هذا التلبيس يُلحظ في المتأخرين أكثر منه عند المتقدمين.
٣ - التحذير من الاغترار به علانية: حيث لم يتمكن أعداء ابن تيمية ﵀ أن يواجهوه في المسائل العلمية، ولم يستطيعوا أن يقفوا معه في مناظرة منطقية، وظنوا أنهم بحبسه وسجنه وإهانته يستطيعون النيل منه، ولكن الحق يعلو، ومنزلة ابن تيمية ﵀ في قلوب الناس تزيد، وقلوب الناس تخفق، وتلهج بالدعاء كلما سمعوا بإرادة الضر والوشاية بشيخ الإسلام ﵀، فاتخذ المناوئون أسلوبًا آخر في حربه، وحرب معتقد السلف الصالح - رضوان الله عليهم - ألا وهو التحذير من قراءة كتبه، والتحذير من الاغترار بعلمه، والمناداة بفساد عقيدته في المجالس والأسواق، وفي مؤلفاتهم، ولكن الحق يعلو وينتصر، والباطل يظهر عواره ويخمد ولو بعد حين، فأعز الله شيخ الإسلام، وخلّد ذكره، ونشر علمه، وأخزى الله أعداءه، وأذلهم، وأعمى أبصارهم.
ومن أوسع ما رأيت في التحذير من كتب ابن تيمية ﵀ ما كتبه يوسف
_________________
(١) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص٥٥، وانظر الرد عليه في: هذه مفاهيمنا لآل الشيخ ص٨٣ - ٨٥.
(٢) انظر من الأمثلة: المنح الوهبية لداود بن سليمان ص١٣، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص٢١٦، ٢٦٦، ٢٧٥، شفاء الفؤاد بزيارة خير العباد للمالكي ص٩٣، وغيرها.
[ ٨٠ ]
النبهاني (١)، فقد جاء بأسلوب ناصح مشفق، يحذّر من خداع الشيطان، ومن كلام ابن تيمية ﵀ في مسائل عقدية كالسفر لزيارة قبور الصالحين، والاستغاثة بهم (٢) .
٤ - نسبة الأولية له في ابتداع الضلالات: وهذا - أيضًا - من منهج خصوم شيخ الإسلام في التعامل مع ما يحمل من مبادئ وعقائد، فادعوا عليه بأنه أول من قال بإمكان حوادث لا أول لها، وبأنه أول من منع شد الرحل إلى زيارة قبور الصالحين، وأنه أول من أفتى بعدم جواز التوسل بالصالحين، وأنه أول من قال بالتجسيم، وغيرها من المسائل العقدية التي يرون أنه خالف فيها إجماع الأمة (٣) .
٥ - النقل من بعض، والاعتماد على المتقدمين دون التحقيق: فهذه الشبه التي يلوكها أعداء ابن تيمية ﵀ هي من نقل المتأخر عن المتقدم، دون الرجوع إلى كتب صاحب الشأن، وهي موجودة متوفرة، فينقلون في مواضع متعددة عن ابن تيمية ﵀ كلامًا هو ليس له، وإذا طولبوا بصحة النقل، وعزو الكلام إلى مصدره وقائله، سكتوا وفغروا أفواههم، ثم أحالوا إلى كتب أعدائه ومخالفيه، وهذا منهج عند التحقيق ليس بسوي ولا مرْضي.
ويعجب القارئ حين يقرأ كتب المخالفين، ويتأمل نسبتهم الكلام والمسائل إلى ابن تيمية ﵀ إذ لا تكاد تجد عند المتأخر جديدًا يذكر، فلا
_________________
(١) النبهاني: يوسف بن إسماعيل النبهاني، عالم معاصر، متصوف، رحل إلى مصر، وتولى القضاء، وله مؤلفات كثيرة، ت سنة ١٣٥٠هـ. انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي ٩/٢٨٩، معجم المؤلفين لكحالة ١٣/٢٧٥.
(٢) انظر: شواهد الحق ص٦٥ - ٦٦، رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله له - أيضًا - ص٢٢٤، التوفيق الرباني لجماعة من العلماء ص٦.
(٣) انظر: السيف الصقيل للسبكي ص٦٣، دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٤٥، سعادة الدارين للسمنودي ١/٨٢، كشف النقاب للطباطبائي ص١٥، محق التقول للكوثري (ضمن مقالاته ص٤٦٨)، وقد أجبت عنها في مواضعها من البحث.
[ ٨١ ]
يعدو الأمر إما زيادة في كذب، أو سوء فهم، أو سوء قصد، أو الإسفاف والإغراق في السباب والشتائم.
وقد ينقل الواحد منهم كلامًا للمتقدمين لم يفهمه، وقد أُتي من سوء فهمه، فيعرضه عرضًا يتبين معه قلة علمه، مثال ذلك ما حصل للنبهاني (ت - ١٣٥٠هـ) من خلط حين ظن أن القصيدة النونية التي رد عليها السبكي (ت - ٧٥٦هـ) غير القصيدة النونية المشهورة لابن القيم (١)، فهي قصيدة أخرى حسب ظنه (٢) .
ويظهر نقلهم من بعض، سواء كان ذلك النقل بعزو أو ليس بعزو، وسواء كان ذلك النقل حرفيًا، أو كان نقلًا بالمعنى، إذا تتبع المنصف كلام أوائل المخالفين لابن تيمية ﵀ ثم من جاء بعدهم، ثم من جاء بعدهم إلى هذا العصر، فلا يجد - مع كثرة الكتابات - وزنًا علميًا لها، سوى التشويش، وكلمات الإثارة، البعيدة عن الوزن العلمي للعلوم والمعارف.
٦ - كثرة الإلزامات الباطلة: لما كان المخالفون لابن تيمية ﵀ يبحثون عن زلات كبار في صلب المعتقد من كلامه ولم يجدوا، اضطروا بعد ذلك إلى استخدام أسلوب الإلزام الفاسد، وذلك يكون:
إما بالقول بأن لازم القول قول، ويلزمون ما ليس لازمًا، لكنها الأهواء، فيجعلون على سبيل المثال: لازم القول بإمكان حوادث لا أول لها: القول بقدم العالم، ولازم القول بمنع جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد مماته: القول بعدم محبته ﷺ، وهكذا (٣) .
_________________
(١) ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، العلامة الفقيه الأصولي المجتهد المحدث، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وحبس معه في قلعة دمشق، ت سنة ٧٥١هـ. انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد ٦/١٦٨، البدر الطالع للشوكاني ٢/١٤٣، ابن قيم الجوزية لعبد العظيم شرف الدين ص٦٧ - ٧٤، ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف لعبد الله بن محمد ص٥٩ - ٧٩.
(٢) انظر: شواهد الحق ص٢٠٦.
(٣) قد أجبت عن كل في موضعه من البحث.
[ ٨٢ ]
وإما بالقول بأن لازم قول التلميذ قول الشيخ، فكل قول يقول به أحد تلامذة شيخ الإسلام ﵀ فإنه يقول به لا محالة، وهذا ليس بصحيح، إذ بعض تلاميذه ﵀ قد وصل إلى مرحلة الاجتهاد، فلا يقلده فيما وقع فيه من أخطاء وقد يزل التلميذ في أخطاء لا يقره عليها شيخه، ولم يأخذها عن شيخه.
وإما بذم ما لزم منه ذم ابن تيمية ﵀ فكل ما يترتب على ذم ابن تيمية ﵀ فهو مذموم عندهم، مثال ذلك أن ابن تيمية ﵀ كان يذكر كثيرًا الكتب التي يعتمد عليها في باب الاعتقاد، التي ألفها أئمة السلف، فلما كان لازم القدح بعقيدة ابن تيمية ﵀ القدح في عقائد السلف، فعلوا ذلك غير مبالين، ولهم في ذلك طرق. إما أن يقدحوا في صحة نسبة الكتب إلى مؤلفيها، ويرون أنها كذب مختلق على من اشتهر أنهم ألفوها (١) .
وإما أن يذموا الكتاب ويقدحوا في الكتاب من أساسه، كما فعلوا في كتاب (التوحيد) للحافظ ابن خزيمة (ت - ٣١١هـ)، حيث أطلقوا عليه كتاب الشرك (٢) .
وإما أن يرموا مؤلفيه بأنهم كانوا من السلف، ثم اختلطوا وتأثروا فلا يقبل منهم ما أُلف بعد تغيرهم، ويقولون ذلك احترازًا من القدح بهذا الشخص؛ لأنه إذا ذكر السلف فهو في عدادهم، كما فعلوا مع الدارمي (ت - ٢٨٠هـ) ﵀ إذ زعموا أنه كان على معتقد أهل السنة والجماعة، ثم أصبح مختل العقل عند تأليفه النقض (٣) .
٧ - التناقض والاضطراب: وذلك أن هدف المناوئين لابن تيمية ﵀ هو
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص١٠٨ - ١١٠، المقالات للكوثري ص٣٩١ - ٣٩٩.
(٢) انظر: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٥١، مقالات الكوثري ص٣٩٩ - ٤٠٦، وقد كان أول من أطلق عليه ذلك الرازي في تفسيره ٢٧/١٥٠.
(٣) انظر: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص٧٢.
[ ٨٣ ]
النيل منه، والحط من مكانته، وانتقاصه بأي أسلوب، فقد كانت هذه النتيجة، وهي التناقض بين بعضهم البعض، فبعضهم يدّعي أن ابن تيمية ﵀ يقول بقول، والآخر يدعي أنه يقول بخلافه، والاختلاف بين ما يدّعونه على شيخ الإسلام ﵀ وبين ما هو موجود ومقرر في كتبه ورسائله وفتاواه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] .
ومن الأمثلة على ذلك: ما رمي به من أنه يقول بقول الرافضة، مع أنه ﵀ له من الكتابات ما يعد من أقوى ما رُد عليهم كمنهاج السنة النبوية، وفي مقابل ذلك ما ادعي عليه أنه يبالغ في توهين كلام الشيعة (١) .
ومن الأمثلة: قول بعض مخالفيه بأنه يأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد، ذاكرًا ذلك على سبيل الذم والتنقص، وفي مقابل ذلك ما قاله بعضهم أنه لا يحتج بخبر الآحاد في الاعتقاد (٢) .
ومن الأمثلة أيضًا: رميه ﵀ بالقول بوحدة الوجود (٣)، مع أنه ﵀ كان يرد عليهم، كرده على نصر المنبجي (ت - ٧١٩هـ)، وقبله ابن عربي (ت - ٦٣٨هـ) .
ومن أوسع ما كتبه ﵀ في الرد على هذه العقيدة الفاسدة ما ذكره في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في مواضع كثيرة جدًا متفرقة من الكتاب.
٨ - كثرة السب والشتم:
وهذه بضاعة المفاليس الذين لا يملكون علمًا تقف عنده الأذهان، وتعترف له النفوس المنصفة، فيعوضون نقصهم هذا بأنواع من السباب والشتائم، تتأذى منه أفئدة المؤمنين، فمنها: رميه بالخداع والمكر والنفاق،
_________________
(١) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص٦٣.
(٢) انظر: شواهد الحق للنبهاني ص٢٣٢، مقدمة تحقيق السقاف لدفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص٤٥.
(٣) انظر: مقالات الكوثري ص٤٤٦.
[ ٨٤ ]
والزندقة (١)، ووصفه بالخبث، والدعاء عليه، ورميه بالجهل، وسوء الفهم، والحقد الدفين في قلبه (٢) .
ومنها - أيضًا -: رميه بقلة العقل، وضعفه، كما ذكر ذلك ابن بطوطة (ت - ٧٧٩هـ) في رحلته (٣) وغيره (٤) .
وقد أجاب عنها الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨) ﵀ وهو المنصف في موقفه من ابن تيمية ﵀ قائلًا: (وقد تعبت بين الفريقين، فأنا عند محبيه مقصر، وعند عدوه مسرف مكثر) (٥)، قال ﵀ وكأنه يرد على هذه المقولة: (لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخّار، بصير بالكتاب والسنة) (٦) .
وحين عاتب الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ أبا الحسن السبكي (ت - ٧٥٦) على ما
_________________
(١) الزندقة: كلمة فارسية معربة، ومعناها: النفاق الأكبر، والإلحاد الأعظم، والزنادقة هم الذين لا يؤمنون بالآخرة، ووحدانية الخالق، وتطلق الزندقة على القائلين بدوام الدهر، وقد كانت المانوية المزدكية تسمى الزنادقة أو الزنديقية، وأصل هذه الكلمة بالفارسية نسبة إلى (زند وبازند) وهما كتابان وضعهما المجوس في مصالح الدنيا وعمارة العالم. انظر: المقالات والفرق للقمي ص٦٤، ١٩٣، بغية المرتاد لابن تيمية ٣٣٨، الإيمان له ص ٢٠٣، الرد على الرافضة للمقدسي ص١٣٤ - ١٣٥، لسان العرب لابن منظور ١٠/١٤٧ مادة (زندق) .
(٢) انظر: دفع شبه من شبه للحصني ص٤٥ - ٦٣، ٩٤، ١٠٧، ١٢١، مقدمة تحقيق أحمد محمد مرسي للبرهان الجلي لأحمد الغماري ص٢٥، والبرهان الجلي ص٥٦، ٥٧، ٥٨، ٧٦.
(٣) انظر: تحفة النظار في غرائب الأمصار ص١١٢.
(٤) انظر: السيف الصقيل للسبكي ص٢١، الجوهر المنظم للهيتمي ص٢٨، فيض الوهاب للقليوبي ٤/١٢٠، الرد المحكم المبين لعبد الله الغماري ص٥٠.
(٥) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص٢٧) .
(٦) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص٢٥)، وانظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص٧٠.
[ ٨٥ ]
صدر منه تجاه ابن تيمية ﵀ كتب أبو الحسن السبكي (ت - ٧٥٦هـ) جوابًا يعتذر فيه، ومما قاله في الاعتراف بذكائه قوله: (أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف..) (١) .
٩ - إطلاق ألفاظ الكفر: وقد كثرت مقولات السب والشتم على ابن تيمية ﵀ من قبل مناوئيه ومخالفيه، حتى تجاوزوا فأطلقوا أن ألفاظه كفرية، وأنه لا يقول بها إلا كافر، وتمادوا فأطلقوا عليه أحكامًا بالكفر، وأنه لا دين له، وأنه من المشركين، والملاحدة، واتهامه بالخروج من الدين (٢) .
هذه أبرز معالم منهج المخالفين لابن تيمية ﵀ تجاهه، وإذا أردنا تتبع أسباب هذا الهجوم المتواصل منذ وفاة شيخ الإسلام إلى هذا العصر، فيمكننا معرفة أهم هذه الأسباب وأشهرها، وهي كالتالي:
أ - الخلاف العقدي: وهذا - في نظري - أبرز الأسباب وأقواها، فشيخ الإسلام ﵀ جاهد البدعة، وقمعها، ونصر السنة وأيّدها، بكل ما يملك من إمكانات: بالفتوى، والرسالة، والكتب الكبار التي تبين خطر المذاهب البدعية، وترد على أعلامها، وبالمناظرة والحوار، وجاهدهم بالنفس - أيضًا -، وذلك لمعرفته ﵀ بخطرهم، ونخرهم في جسم الأمة، فجاهد أهل الكلام بجميع طوائفهم وفرقهم، ورد على المتصوفة وجميع فرق الباطنية (٣)، وهدم
_________________
(١) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٢ - ٣٩٣، الرد الوافر لابن ناصر الدين ص١٠٠.
(٢) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ٣٨، ٤٥، ١٠٧، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص١٦٧، تحقيق السقاف لدفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص٢٤٥، البرهان الجلي لأحمد الغماري ص٥٥ - ٥٦، المقالات السنية للحبشي ص٧٠ - ٧١.
(٣) الباطنية: تيار يضم مجموعة من الفرق، ينظمها القول بأن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وأن المقصود هو علم الباطن، وكان من أول من قال بهذا في الإسلام: عبد الله بن ميمون القداح، ومحمد بن الحسين الملقب بدندان. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٨١ - ٣١٢، التبصير في الدين للإسفراييني ص١٤٠ - ١٤٧، الملل والنحل للشهرستاني تحقيق بدران ١/١٧٠ - ١٧٨.
[ ٨٦ ]
أصول الفلاسفة بالأدلة النقلية والعقلية، وأوذي لأجل وقوفه وبيانه الحق في مسألة التوسل، ومسألة شد الرحل فكانت هذه الوقفات الشجاعة سببًا في أن يقف المستفيدون من هذه البدع التي هدمها شيخ الإسلام في وجهه ويعادوه، ويكيدوا له المكائد بجميع صنوفها وأشكالها.
ب - الحسد: وهذا هو الذي أحرق قلوب ضعاف الإيمان من أعداء ابن تيمية ﵀ من الفقهاء، والقضاة؛ ذلك أن مما يُعجب من ابن تيمية ﵀ أن الناس تتجه إلى فتاواه، وتقبلها وتأخذ بها، فأثار هذا الأمر حفيظة ضعاف الإيمان لينالوا منه، ويحطوا من قدره، وينزلوا من مكانته في قلوب الناس، أو قلوب بعض الولاة الذين لا يقبلون إلا قوله.
ولقد تنبه الحافظ ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ إلى هذا السبب، فكان يجعله سببًا لكثير من الفتن والبلايا التي تعرض لها ابن تيمية ﵀ (١) .
وقال الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀: (برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحره العذب النمير، يرتعون من ريع فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد ) (٢) .
وفي تقريظ لكتاب (الرد الوافر) جعل البلقيني (٣) داء الحسد أهم وأبرز
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: البداية والنهاية ١٤/٣٥، ٣٧، ٤٩.
(٢) الدرر الكامنة ١/١٦٧.
(٣) البلقيني: صالح بن عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، شيخ الإسلام، من العلماء الكبار، ولي قضاء الديار المصرية، وعزل وأعيد ست مرات، توفي وهو على القضاء، ت سنة ٨٦٨هـ. انظر في ترجمته: النجوم الزاهرة للأتابكي ١٦/٣٣٣، شذرات الذهب لابن العماد ٧/٣٠٧.
[ ٨٧ ]
الأسباب في عداوة من عادى ابن تيمية ﵀ وأطال في ذلك (١) .
جـ - الجهل بعقيدة السلف، واتباع الهوى:
ومن أفضل ما قيل في هذا، قول بهاء الدين السبكي (ت - ٧٧٧هـ): (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل، أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) (٢) .
وقال الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ في وصف أعداء الشيخ: (الذم والمقت لأحد رجلين: رجل أفتى في مسألة بالهوى، ولم يبد حجة، ورجل تكلم في مسألة بلا خميرة من علم، ولا توسع في نقل، فنعوذ بالله من الهوى والجهل، ولا ريب أنه لا اعتبار بذم أعداء العالم، فإن الهوى والغضب يحملهم على عدم الإنصاف) (٣) .
د - التعصب: سواء كان لمذهب أو شيخ، أو التعصب ضد مذهب، أو عالم برد كل ما جاء عنه سواء كان حقًا أو باطلًا، والتعصب دليل على الجهل ونتيجة له، فصاحبه بعيد عن الإنصاف والحق، وسأعرض مثالين من أمثلة التعصب الممقوت ضد ابن تيمية ﵀.
فالمثال الأول: ذم التقي الحصني (٤) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهذا الرجل ممن اشتهر بالتعصب، وقد شهد عليه بهذا عدد كبير من العلماء
_________________
(١) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص٢٤٩ - ٢٥٢.
(٢) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص٩٩، الشهادة الزكية لمرعي الحنبلي ص٢٤.
(٣) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه، ومنها ترجمة شيخ الإسلام ص٢٦)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٣٠٧، ٣٠٩، ٣١٣.
(٤) التقي الحصني: أبو بكر محمد بن عبد المؤمن الحصني، نسبة إلى الحصن قرية من قرى حوران، الدمشقي الفقيه الشافعي، حط على ابن تيمية وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة، ت سنة ٨٢٩هـ. انظر في ترجمته: الضوء اللامع للسخاوي ٦/٨٣، شذرات الذهب لابن العماد ٧/١٨٨.
[ ٨٨ ]
والمؤرخين، فقد كان شديد التعصب للأشاعرة، منحرفًا عن أهل السنة، وتفحش في ابن تيمية - كما يقول مترجموه - وتجهر بتكفيره من غير احتشام (١)، ومثل هذا لا يؤخذ عنه قول فيمن أبغضه، فتعصبه قد أعماه عن قول الحق والعمل به، إلى ظلم الناس، وبخسهم حقوقهم.
وأما المثال الثاني: فهو العلاء البخاري (٢)، الذي يعرف بشدة التعصب لمذهبه الحنفي، ووُصف بضيق الصدر، وسرعة الغضب، وكان لجوجًا في المخاصمة، وذكر مترجموه - أنه إذا أبغض غلا فيه وزاد، فيه حدّة وتهوّر في الألفاظ، ومن تعصبه الذي ذم لأجله أنه حكم على من أطلق على ابن تيمية ﵀ لقب شيخ الإسلام (٣) بأنه كافر (٤) .
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع للسخاوي ٦/٨٣، إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر ٨/١١٠ - ١١١.
(٢) العلاء البخاري: محمد بن محمد، (سبعة من آبائه اسمهم محمد)، البخاري العجمي الحنفي، العلامة، نشأ ببخارى، ورحل إلى الأقطار، واجتهد في الأخذ عن العلماء، ممن غلا في بغض ابن تيمية، كان ملازمًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ت سنة ٨٤١هـ. انظر في ترجمته: الضوء اللامع للسخاوي ١/٢٨٤، النجوم الزاهرة للأتابكي ١٥/٣١٤، شذرات الذهب لابن العماد ٧/٢٤١.
(٣) ذكر ابن ناصر الدين في الرد الوافر ص٥١ - ٥٦ معاني شيخ الإسلام التي منها: أنه شاب على الإسلام، ومنها: أنه سمي بذلك لسلوكه طريقة أهله، ومنها: أنه شيخ وأكبر المشايخ في ذلك العصر، وغيرها، وهذا المصطلح إطلاق يعرف عند المتقدمين مثل إطلاق قاضي القضاة، ثم عدّد بعض من أطلق هذا اللقب من التابعين ومن بعدهم، وأما العلماء الذين لقبوا ابن تيمية بهذا اللقب فهم كُثر اعتنى بجمعهم ابن ناصر الدين في كتابه الرد الوافر، وانظر: تقريظات الكتاب - أيضًا - في آخره، وقد أطلق أعداء ابن تيمية ﵀ هذا المصطلح على غيره انظر على سبيل المثال: المقالات للكوثري ص٥٤٦، ٥٧٨ - ٥٨٢، ٦٠٨، شواهد الحق للنبهاني ص٢٨٩.
(٤) ولذا رد عليه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢هـ) بمصنف نفيس سماه: (الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) .
[ ٨٩ ]
والأمثلة كثيرة في هذا الباب على التعصب ضد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) .
هـ - قوة ابن تيمية في الحق: فقد كان ﵀ جريئًا في قول الحق، والهجوم على أعدائه، والدفاع عنه، لا يخاف في الله لومة لائم، وكثيرًا ما وصفه مترجموه في مناظراته مع الخصوم بقوة القلب، وبالشجاعة.
وقد كان - أيضًا - لا يحابي، ولا يداهن في دين الله ﷿، ولا يطلب ود أحد من الناس في ترك إنكار المناكر والبدع، سواء كانت تلك صغيرة أم كبيرة، ويغضب إذا انتهكت محارم الله ﷿ ولا يقف أمام غضبه أحد، حتى يُغير ذلك المنكر ويُصلح.
وقد كان لهذه الطريقة أثرها الطيب في عصره، إذا اتضح الحق، وانكشفت البدعة، وزال لبسها عن أذهان الناس، وكان من نتائج هذه الطريقة أن كثر أعداؤه، بل وعاد بعض مادحيه ذامًا، يقول الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀.
(.. وإلا والله فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم، ولزم المجاملة، وحسَّن المكالمة، لكان كلمة إجماع، فإن كبارهم وأئمتهم خاضعون لعلومه وفقهه ) (٢) .
يقول البزار (ت - ٧٤٩هـ) ﵀ حول أسباب عداوة المناوئين لابن تيمية ﵀: (كان إذا وضح له الحق يعض عليه بالنواجذ، ولا يلتفت إلى معاند، فاتفق غالب الناس على معاداته، وجُلّ من عاداه قد تستروا باسم العلماء والزمرة الفاخرة، وهم أقبل الناس في الإقبال على الدنيا، والإعراض
_________________
(١) انظر: ما كتبه الكوثري والحبشي والسقاف حول ابن تيمية، فلا يقبلون منه خيرًا مطلقًا، وكل كلامهم حوله إنما هو ذم له.
(٢) انظر: ترجمة ابن تيمية من ذيل تاريخ الإسلام للذهبي (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص٢٤)، وانظر حول هذا المعنى: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٣٩٤، ٣٩٥، الدرر الكامنة لابن حجر ١/١٦١.
[ ٩٠ ]
عن الآخرة، وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرياسة، وإقبال الخلق وراءه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى لا يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع فيه خصوصًا عند الأمراء والحكام ) (١) .
﵀، وغفر له، وأسكننا وإياه الفردوس الأعلى من الجنة (٢) .
_________________
(١) الأعلام العلية ص٦٧.
(٢) يرى بعض الباحثين أن الأسباب الحقيقية هي: حسد الأقران، ورغبة بعض المتآمرين على تصفية عناصر القوة، وما يسببه ابن تيمية من حرج للسلاطين، وأما غيرها من الأسباب كالخلافات العقدية فهي ذرائع معلنة للعامة لتبرر إبعاد ابن تيمية وسجنه، انظر: الفكر التربوي عند ابن تيمية لماجد كيلاني ص٧٥ - ٨٠.
[ ٩١ ]